شكوك حول تفجير إيران قنبلة نووية

بواسطةد. فتحي المراغي

تتجمع الشكوك واحدًا تلو الآخر لتشير إلى أن إيران قد تكون أجرت اختبارَ تفجيرِ قنبلة نووية، تحديدًا في شهر نوفمبر من العام الماضي، إذ ثمة خيط يجمع بين كل من زلزال كرمانشاه ومقتل كاووس سيد إمامي منتحرًا في محبسه، بجانب إعلان السلطات الإيرانية عن كشفها سحالي تقوم بالتجسس على برنامجها النووي. وعلى الرغم من غرابة ما أعلنته إيران بشأن السحالي فإنه يشكّل العنصر الأهمّ في المؤشرات التي ترجح وتعطي دلالة عن احتمالية قيام إيران بتفجير نووي.

هزّات أرضية متتالية.. ما السبب؟
إنه لمن المعتاد أن تُجري الدول التي بصدد إنتاج قنبلة نووية عددًا من تجارب التفجير تحت الأرض، وقد أجرت كل من الهند وباكستان عددًا منها قبل الإعلان عن امتلاكهما قنابل نووية، ولم يفطن العالم حين قامت هاتان الدولتان بهذه التجارب وأنهما – أي باكستان والهند – بصدد وضع اللمسات الأخيرة على قنابلهما النووية.
إنه لمن الثابت علميًّا أن التفجيرات النووية تحدث هزّات أرضية وربما زلازل عنيفة لا يمكن التفريق بينها وبين الزلازل الطبيعية إلا عبر قياس عمق مصدر ذلك الزلزال من خلال أجهزة قياس لا تخضع إيران لها حاليًّا، وإذا كان عمق مركز الزلزال أكثر من 10 كيلومترات ينتفي أن يكون الزلزال مصدره تفجيرًا نوويًّا.
لقد ضرب زلزال بقوة 7.3 درجة بمقياس ريختر منطقة كرمانشاه الواقعة غرب إيران بالقرب من الحدود الإيرانية العراقية، في 12 نوفمبر 2017م، وتفاوتت تقديرات عمق مركز الزلزال ما بين 8 كيلومترات إلى 40 كيلومترًا.
كرمانشاه هذه هي المنطقة الواقعة في جبال زاجروس، التي هي جزء من حزام الزلازل العالمي، وتمثل نقطة تلاقي صفيحة القشرة الأوراسية وصفيحة الجزيرة العربية، ويوجد معدل تقارب يقدره الخبراء بـ2.6 سنتيمتر سنويًّا، وتتحرك الصفيحة العربية باتجاه الشمال الشرقي فيؤدي ذلك إلى اتساع البحر الأحمر واصطدام الصفيحة العربية بجبال زاجروس غرب إيران، ولا شك أن إجراء تفجير نووي في صحراء لوت بوسط إيران (المكان المرجح لعمل الاختبار) سوف يحدث هزات عنيفة في موضع تماس الصفيحتين.
وقد نشرت «المانيتور الأمريكية» تقريرًا حول أن مساعد وزير الخارجية الأمريكي جون سوليفان قد وقّع على وثيقة تسمح لشركة مقرها في ولاية مريلاند الأمريكية بتصدير معدّات لا سلكية لإيران تستخدم في المحطات القادرة على رصد التفجيرات النووية. وفي الثاني من مارس الحالي وافقت حكومة الولايات المتحدة على تصدير أجهزة قياس التفجيرات النووية لإيران، وهي أجهزة كان ممنوعًا تصديرُها لإيران بقرار من الكونغرس الأمريكي، وهي ليست المرة الأولى التي توافق فيها الولايات المتحدة على تصدير تقنيات رقمية إلى إيران، بناءً على طلب من منظمة الحظر الشامل للتجارب النووية التي تتولى الرقابة على تفجيرات الاختبارات النووية، رغم أن كلًّا من إيران والولايات المتحدة ليست من أعضاء المنظمة. إنّ هذه الأجهزة من شأنها رصد الزلازل التي تتسبب فيها التفجيرات النووية من خلال التفريق بين الموجات التي تحدثها الزلازل الطبيعية وتلك الناجمة عن تفجير نووي، الأمر الذي يعكس شكوك المنظمة الدولية والولايات المتحدة حول قيام إيران بتفجير نووي.

تصريحات مثيرة للريبة:
من الأمور المثيرة للشكوك أيضًا قيام السلطات الإيرانية باعتقال عدد من العلماء المتخصصين في الحفاظ على البيئة الطبيعية في إيران، وعلى رأسهم العالم كاووس سيد إمامي، وهومن جوكار، ومراد طهباز، ونيلوفر بياني. والأخيرة هي مستشار برنامج الحفاظ على البيئة بالأمم المتحدة.
هذه الاعتقالات فُسِّرَت في البداية من قِبل جهاز استخبارات الحرس الثوري بأنها «بسبب إثارة الرأي العام المحلي والدولي ضد المشاريع التي ينفذها الحرس الثوري في وسط وغرب إيران المتعلقة بمشروعات السدود وتحويل مجاري الأنهار»، ثم تطوّرت التهمة إلى «الدخول إلى مناطق استراتيجية محظورة والتجسس لصالح الدول الغربية»!
لقد شُنَّت حملة الاعتقالات ضد علماء البيئة الإيرانيين في 24 يناير 2018م، أي بعد زلزال كرمانشاه، وكان هؤلاء العلماء يقومون بعمل دراسات على النمر المرقط ومجموعة من السحالي في إطار عمل «جمعية الحفاظ على الحياة البرية» التي يرأسها سيد إمامي في منطقتَي يزد وجبال كرمانشاه، وبعد أسبوعين من الاعتقال أعلنت السلطات الإيرانية نبأ إقدام كاووس سيد إمامي على الانتحار. وبغضّ النظر عن عدم وجود دافع للانتحار، إلا أنه من المعروف وجود كاميرات مراقبة داخل السجون الإيرانية، وبالفعل قامت لجنة من البرلمان الإيراني بعقد جلسة لمشاهدة أشرطة تسجيل الكاميرات بحضور مسؤولي استخبارات الحرس الثوري، ثم خرج النواب يدلون بتصريحات متباينة، كان أشدها غرابة أن «كاووس إمامي قام بخلع قميصه وضرب به الكاميرا حتى أوقفها عن العمل، ثم شنق نفسه بنفس القميص»!

شكوك تتجمع خلال 3 أشهر:
إنّ الأمر الثالث المثير للريبة هو تصريح حسن فيروز أبادي رئيس الهيئة العامة للقوّات المسلحة سابقًا ومستشار المرشد حاليًّا، إذ صرّح بأن «الولايات المتحدة ترسل سلاحف وحرابي للتجسس على برنامجها النووي»، ومع عدم استحالة هذه التقنية، إلا أنه يمكن التساؤل: لماذا لا تكون هذه الكائنات قد لوثت نوويًّا بفعل التفجير الاختباري الذي أجرته إيران؟ ويقف أمام هذا التصريح المضحك الذي قاله فيروز أبادي والمتضمن أن «جلد السحالي يجذب الموجات النووية من مناجم اليورانيوم»، وبالطبع هذه التصوّر غير علمي، ومن ناحية أخرى هو كان يتحدث عن سحالٍ تجسسية منقولة من الغرب للتجسس على إيران، لا سحالٍ ملوثة بالإشعاع نتيجة وجودها في مناطق بها مناجم لليورانيوم، فتصريح فيروز أبادي كأنه جاء لتفسير لماذا كانت جلود السحالي تحمل آثار تلوّث نووي. وعلميًّا لا يمكن أن تحمل الزواحف آثار تلوّث نووي بسبب وجودها في منطقة بها منجم يورانيوم خام، وإنما تتلوّث لوجود نشاط إشعاعيّ نتيجة لتفجير نووي أو على الأقل ممارسة أعمال تخصيب اليورانيوم وبنسب عالية!
إنّ هذه الشكوك التي تجمعت خلال فترة 3 أشهر فقط، «قد» تزيد من احتمالية قيام إيران بتفجير قنبلة نووية اختبارية في أعماق الأرض بمنطقة صحراء لوت وسط إيران خلال شهر نوفمبر الماضي، ومن المحتمل أن يكون إعلان إيران عن امتلاكها قنبلة نووية بات وشيكًا.


الآراء الواردة في المقال تعبر عن وجهة نظر كاتبها، ولا تعكس بالضرورة رأي المعهد

د. فتحي المراغي
د. فتحي المراغي
رئيس مركز الدراسات بالمعهد الدولي للدراسات الإيرانية