عناقيد الغضب

بواسطةفرنوش أمیرشاهي

كان العام الماضي عام “الغضب السياسي والاجتماعي”، إذ مرّ النِّظام بتحديات صعبة، وفوجئ بحركاتٍ اجتماعية واحتجاجات شعبية، إضافة إلى انتقادات آيديولوجية مكثَّفة ضدّ رأس هرم السُّلْطة.
إن أحداث العام الماضيّ أثبتت وبشكل حقيقيّ أن “الجمهورية الإسلاميَّة” لم تكُن قوية في الأربعين من عمرها، بل مهيَّأة للانخراط في تظاهرات ناجمة عن غضبٍ مكبوتٍ.
لقد عاشت الأشهر الستة الأولى من العام الماضيّ أجواء سياسية واجتماعية متأثرة بالانتخابات الرئاسية وما تزامن معها من أحداث جانبية، بجانب تبعات نتجت عن صراعاتٍ ثنائية القُطب، لكن بعد انتخاب حكومة روحاني الثانية واستتباب الأمر لها، حدثت مجموعة من الأحداث وبشكل متسلسل هزّت النِّظام وتجاوزت خطوطه الحمراء.

تجاهل التيَّارات السياسية
على أعتاب نهاية العقد الرابع من عمر الثورة، انفجر بركان الغضب الناجم عن عدم كفاءة النِّظام وانتشار المساكن العشوائية والفساد المتفشي والتوزيع غير العادل للثروة والسُّلْطة والتوتُّر الاجتماعي والقيود المفروضة والشعور بالإحباط من التغيير وتنامي الأضرار الاجتماعية والأزمات التي لا يمكن السيطرة عليها، وتشكّل عديد من الحركات الاحتجاجية على نطاق واسع، كما أقامت شرائح اجتماعية ومذهبية ونسوية وعُمّالية تجمعات تحمل مطالب متنوعة، وما يميز تلك التجمعات أنها لم تندرج تحت لواء التيَّارات السياسية، وهو ما قد يعطي مؤشّرًا على التجاهل الشعبيّ لتلك التيَّارات.

الغضب الذي عمّ
بالنسبة إلى النظام الحاكم بلغت هذه المعركة أَوْجَهَا باحتجاجات ديسمبر 2017 التي بدأت من مدينة مشهد في الثامن والعشرين على “الغلاء”، وسرعان ما انتشرت في قرابة مئة مدينة في إيران، وتحولت إلى مظاهرات ضدّ النِّظام وهتفت بشعارات استهدفته.
لقد ادّعت حكومة روحاني أن مظاهرات مشهد ليست احتجاجات شعبية بل مختلَقة تنظيميًّا من جماعات سياسية معارضة، كجبهة الصمود ودعم أحمد علم الهدى إمام جمعة مشهد، كما أصدر حزب “اتِّحاد الشعب” بيانًا يحلّل من خلاله الأحداث جاء فيه: “بذريعة مؤتمر الاتِّحادات الشبابية في مشهد، تَجمَّع في الثامن والعشرين والتاسع والعشرين من ديسمبر 800 من ممثلي هذه الاتِّحادات في مدينة مشهد، هم في الأساس أعضاء في المقرات الانتخابية لأوقاف مسجد الرضا”، وصباح يوم الخميس 28 ديسمبر أطلقت هذه المجموعة، بالإضافة إلى المساهمين في شركة “بديده شانديز”، والذين خسروا أموالهم المودعة في المؤسَّسات المالية، وعدد آخر من المتظاهرين، الشعارات ضدّ البلدية والحكومة، مثل “الموت للغلاء” و”الموت لروحاني”، لكن هذه المظاهرة المناهضة للحكومة سرعان ما تجاوزت هذه الحدود، وخرجت الأمور عن سيطرة منظِّميها بعد انضمام مجموعة من الناس العاديين واليائسين والمُتعَبين، لتصبح الشعارات أكثر حدَّة، وتحولت من “الموت لروحاني” وشعار “الموت لخامنئي” إلى النِّظام بأكمله، كما نادى بعض تلك الشعارات بعودة الملكية لإيران.

الشبكات الاجتماعية والقمع بالقسوة
إن مظاهرات ديسمبر من العام الفائت انتشرت بسبب القدرة التي تملكها الشبكات الاجتماعية مثل تليغرام وتويتر، وشملت للمرة الأولى مدنًا كثيرة في إيران، وانتقلت من مرحلة “التخلِّي عن روحاني” إلى مرحلة “التخلي عن الجمهورية الإسلامية” كُليًّا، لهذا اصطبغت هذه الاحتجاجات بالعنف وقُمعت بالقسوة، فحسب الإحصاءات الرسميَّة اعتُقل خمسة آلاف شخص وقُتل خمسة وعشرون آخرون، وأعلنت الجهات الرسميَّة انتحار أحد المعتقلين في السّجن واسمه سينا قنبري، كما وردت تقارير تفيد بمقتل كل من وحيد حيدري وشهاب أبطحي زاده في مدينة أراك، ومحسن عادلي في مدينة دزفول، وسارو قهرماني وكيانوش زندي في مدينة سنندج، مع أن الجهات الرسميَّة نفت ارتباط هؤلاء القتلى بالتجمعات الاحتجاجية!

شعبٌ من الشتات
إن أوضاع الشعب المشتَّت اجتماعيًّا وسياسيًّا والمُرهَق من تكرار المشكلات كانت هي الدافع وراء نزوله إلى الشوارع، إلا أن طريقة مواجهة النِّظام والتيَّارات السياسية لهذه المظاهرات كانت مختلفة، ففي البداية رحّبت جماعة من الأصوليين والمقربين من خامنئي بها، كما ساهم التليفزيون الرسميّ بدوره في تعميق الفجوة بين الشعب والنِّظام من خلال إبرازه الفوضى الاقتصادية، وكانت بهذا التصرُّف تزيد نار الغضب الاجتماعي اشتعالًا، إلا أن موقفهم تَغيَّر بعد أن بلغت المظاهرات مستوًى أعلى، فبعد أن وصف خامنئي والمقرَّبون منه ما حدث في ديسمبر بـ”الشغب والفوضى”، وعزوه إلى الدول الأجنبية ومعارضي “الجمهورية الإسلامية”، أتى خامنئي لاحقًا في خطاب له ليؤكّد أن القضايا الاقتصادية كانت هي “الدّافع الوحيد لهذه الاحتجاجات”! إلا أن الرئيس حسن روحاني عارض المرشد قائلًا: “إن المحتجّين لديهم أيضًا مطالب سياسية واجتماعية وثقافية”.
في تلك الأثناء كانت ردود فعل الإصلاحيين متناقضة، ففي البداية فسّرت جماعة منهم هذه الاحتجاجات بعد معارضتهم لها، بوصفها عملًا ضدّ الحكومة، واعتبر بعضهم أن هذه التجمُّعات نظَّمتها الجماعات السياسية من خارج النِّظام، والبعض الآخر رأى أن المحتجين مُحِقُّون في مطالبهم، إلا أن وجه الشّبه الذي جمع بين جميع التيَّارات السياسية الداخلية ومسؤولي النِّظام هو أنهم جميعًا كانوا يعتبرون هذه الاحتجاجات بمثابة “التخلِّي عن جميع التيَّارات السياسية في الدولة”، كما وصفها خامنئي في خطابه السنوي بمناسبة عيد الربيع بأنها “أحد الأحداث المريرة”. وعلى الرّغم من أن أحداث ديسمبر لم يكُن يتوقعها النِّظام، فإنه لا يوجد أي مؤشّر على أنه قد فهم رسالة هذه الاحتجاجات، أو أنه أحدث تغييرًا على سياساته، فقد استمرّت المؤسَّسات الأمنية والقضائيَّة التي عيَّنها خامنئي، في تحويل الأجواء السياسية والاجتماعية إلى أجواء أمنية، والتصدِّي للمحتجّين، وهو الأسلوب الذي انتهجوه منذ 40 عامًا لرفض مطالب الناس، ومن أمثلة ذلك وفاة أستاذ علم الاجتماع الديني كاووس سيد إمامي، في الحبس الانفرادي، الذي اعتقلته استخبارات الحرس الثوري في قضية نشطاء البيئة بتهمة التجسُّس، كذلك وفاة عدد من المعتقلين على خلفية هذه الاحتجاجات التي لم تكُن نتيجتها سوى مظاهراتٍ أخرى تلتها.

القمع الدّامي لجماعة مذهبية
لقد كانت المواجهة الدامية لاحتجاجات جماعة دراويش غنابادي من الأحداث غير المسبوقة، وقد اشتعلت الشرارة الأولى لتجمُّعات الدراويش بعد أن اتّخذت الجهات الأمنية قرارًا يقضي بفرض قيود على قطب الدراويش نور علي تابنده، وانتهت بمقاومةٍ من أتباعه في شارع جلستان هفتم في منطقة باسداران شمال شرقي العاصمة طهران، لكن الاحتجاجات اشتدّت بعد تزايد الضغوط واعتقال أحد الدراويش، وفي النهاية اتّخذت هذه الاحتجاجات شكل تجمع احتجاجيّ مستمرّ، اتّجه نحو العنف بعد تدخُّل الشرطة وبلطجية النِّظام الذين كانوا يركبون الدراجات النارية، وكانت حادثة دهس حافلة يقودها أحد الدراويش ثلاثة من قوات الشرطة (حسب المصادر الرسميَّة)، ذريعة لقمع وضرب الدراويش على نطاق واسع، فبناءً على التقارير الواردة فقد اعتُقل أكثر من 500 من الدراويش على خلفية مواجهات “باسداران”، وتُوُفّي أحدهم في السّجن، هو محمد راجي، فيما أعلن قطبُ الدراويش وبعضُ الشخصيات البارزة في هذه الجماعة براءتهم من قتل عناصر الشرطة، ورغم ذلك أصرّ الجهاز القضائيّ ومؤسَّسات النِّظام والمؤسَّسة الدينية التي لا تترك مجالًا لأي جماعة وفرقة مذهبية تمارس نشاطها، على تنفيذ أحكام الدراويش المعتقلين، مُبدِين بذلك عزمهم على تقييد نشاط هذه الفرقة.

الفتيات اللواتي رفعن هُوِيَّة النِّظام على عصا
لقد كانت مواجهة النِّظام لأحد أهم الأحداث التي شكَّلَت صخبًا إعلاميًّا خلال العام الماضي قائمة على الرفض والتصادم، فمن خلال احتجاج رمزي لفتيات على الحجاب الإجباري، عُرِفْن بـ”فتيات شارع الثورة”، واجه النِّظام تحدِّيًّا لأكثر المفاهيم الاعتقادية حساسية بالنسبة إليه، ولاقت هذه الحركة الاحتجاجية ترحيبًا واسعًا، وقلّدها كثير من النساء وحتى الرجال في مختلف المدن، وأثبتت جدية المطالبة بحقّ الحجاب الاختياري، إلا أن ردّ فعل مسؤولي النِّظام على المحتجِّين على الحجاب الإجباري كان قاسيًا، وقد أجبرت أصداء هذه الحركة الواسعة خامنئي على اتّخاذ موقف من هذا الفعل “الدنيء” الذي فعله “بعض الفتيات المُغَرَّر بهن” واللواتي “من الممكن أن يكُنَّ قد تقاضين الأجر للقيام بذلك!”.

العمال المبدعون
إضافةً إلى ما سبق تحوّلت احتجاجات العمال والمزارعين ومَن خسروا أموالهم في المؤسَّسات المالية، على الظروف الاقتصادية السيئة والجفاف والركود في مختلف المدن خلال العام الماضي، إلى مشكلة لا يمكن لمسؤولي النِّظام السيطرة عليها، فقد انتقلت التجمعات الاحتجاجية إلى الشوارع وبين عامَّة الناس، وعلى الرَّغْم من القمع والاعتقال والتهديد فإنها استمرّت بشكل متتالٍ، فخلال شتاء العام الماضي لم يمرّ يوم دون أن ينزل عمال أحد المصانع احتجاجًا على عدم دفع مستحقاتهم، حتى محافظات جلستان وسيستان وبلوشستان، التي لم نكن نسمع فيها أخبارًا عن الاحتجاجات العمالية، حدثت فيها مظاهرات مختلفة، وما يميّز هذه الاحتجاجات هو أسلوب التعبير عنها والشعارات الجديدة التي رفعتها، وكانت تستهدف أساس النِّظام وتُظهِر للعيان تناقضات خطابه، فشعارات من قبيل “الموت للعامل والسلام على الظالم”، و”لم يعطونا رواتبنا، الموت لأمريكا”، أو ما فعله مزارعو أصفهان في أثناء صلاة الجمعة في السادس عشر من مارس الحالي عندما أداروا ظهورهم لخطيب الجمعة وهتفوا: “الوطن أمامنا والعدو خلفنا”، كلّها رسائل توضّح تناقضات النِّظام وظلمه، وبالطبع فقد حذّر خامنئي من الاحتجاجات العمالية بقوله إنّ “المناهضين للثورة علّقوا الأمل منذ البداية على العمّال”.
لكنّ مثل هذه الأساليب التي تُنكر باستمرارٍ مشكلات الطبقات الدنيا المتراكمة ومشكلات الشباب المُحبَط الباحث عن الحريات الشخصيَّة، أو تنسبُ أي نوع من الاحتجاجات العامَّة التي تشكِّك في هُوية وآيديولوجية النِّظام إلى الدول الأجنبية، لم تُخمِد بركان الظروف الملتهبة في إيران، وشرارة واحدة كفيلة بأن تجعل نيران الغضب واليأس الشعبي أكثر تأجُّجًا خلال العام الجديد منها خلال العام الذي سبقه.

مقال مُترجَم عن موقع “بي بي سي فارسي”


 الآراء الواردة في المقال تعبر عن وجهة نظر كاتبها، ولا تعكس بالضرورة رأي المعهد
فرنوش أمیرشاهي
فرنوش أمیرشاهي
صحفية