مرحلة جديدة من العلاقات السعودية-العراقية

بواسطةد.محمد بن صقر السلمي

تشهد العلاقات بين السعودية والعراق مرحلة متقدمة من التقارب وتجاوز مرحلة القطيعة غير الاختيارية لأسباب بعضها مفروضة ولا سيَّما بعد الاحتلال الأمريكي للعراق في 2003 وبعضها بسبب عزوف دول الخليج وعلى رأسها السعودية للدخول للساحة العراقية خلال فترة نوري المالكي بسبب سياسته العدائية تجاه المملكة بإيعاز وتوجيه مباشر من الجانب الايراني. وبعد وصول رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي للسلطة شهدت العلاقات الثنائية انفراجة حذرة وبطيئة وقد تطورت العلاقات بين الجانبين خلال الأشهر الأخيرة منها في فترة العبادي. استمر مسار تطور العلاقات بين الرياض وبغداد خلال فترة الحكومة الجديدة في العراق في محاولة من الجانبين لتجاوز مرحلة القطيعة السابقة والنظر للمصالح المشتركة بعيدًا عن أي مؤثرات خارجية ولا سيَّما الضغوطات الإيرانية المستمرة لإبعاد العراق عن محيطها وامتدادها العربي.

خلال السنة ونصف الماضية تقريبًا زرتُ شخصيًا العراق ثلاث مرات إحداهما لمدينة أربيل في إقليم كردستان والزيارتان الأخريان إلى بغداد. خلال تلك الزيارات لمست تعطشًا عراقيًا شعبيًا لعودة العلاقات مع المملكة ووصولها إلى المستوى الطموح. وقد التقيتُ بنخب ثقافية وبرلمانية عراقية من الشيعة والسنة والأكراد والعرب وجميعهم يؤكدون على ضرورة تعميق العلاقات لما يخدم مصلحة البلدين. أيضًا هناك تذمر شعبي كبير من التدخلات الإيرانية في الشأن الداخلي العراقي وسياسة الابتزاز المستمرة من الجانب الإيراني وبخاصة في مجال تزويد العراق بالكهرباء والسيطرة على السوق العراقية من خلال إغراق العراق ببضائع إيرانية رديئة. كذلك حضرت افتتاح معرض الكتاب الأخير في العراق الذي شاركت فيه السعودية بجناح كبير وقد شهد الجناح إقبالًا عراقيًا كبيرًا على المستويين الرسمي والشعبي، ومن بين من زار الجناح رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ووزير الثقافة وعدة وزراء آخرين. أيضا من خلال نقاشاتي مع زوار الجناح لمست الاهتمام الشعبي بالحضور السعودي على المستوى الثقافي والمجتمعي.

ومن الخطوات السعودية التي تسعى لتعزيز العلاقات بين الرياض وبغداد قيام وفد سعودي يضم قرابة مئة شخصية اقتصادية وثقافية وسياسية من بينهم ستة وزراء بزيارة العراق خلال الأسبوع الماضي. وخلال الزيارة تم الإعلان عن تقديم منحة سعودية للعراق بقيمة مليار دولار أمريكي والإعلان عن تقديم منح دراسية في الجامعات السعودية للشباب العراقي أيضا التأكيد على هدية خادم الحرمين الشريفين المتمثلة في بناء منشأة رياضية في العراق وافتتاح القنصلية السعودية في العراق علاوة على الإعلان عن قرب افتتاح ثلاث قنصليات سعودية أخرى في مدن عراقية مختلفة، إلى جانب الإعلان عن فتح المعبر الحدودي بين الدولتين.

هذه الخطوات متميزة ورائعة وتدفع العلاقات الثنائية إلى الأمام، لكن في نظري نحتاج إلى التسريع في وتيرة الانفتاح ونقل العلاقات الثنائية إلى مرحلة جديدة. كذلك من الضرورة بمكان تشجيع وتسريع وتيرة التبادل الثقافي والإعلامي بين الجانبين وضرورة استمرار دعوات المشاركة في المناسبات الثقافية، إضافة إلى التنسيق المشترك في مكافحة الإرهاب وإخماد نيران الطائفية التي تضرب المنطقة منذ 1979م.

في الجانب الاقتصادي، من الضرورة بمكان دخول الشركات السعودية إلى السوق العراقية وتوفير خيارات من السلع الاستهلاكية والصناعية مثل المواد البتروكيمائية وغيرها للمستهلك العراقي وتوفير خيارات كثيرة وبجودة عالية في السوق العراقية.

من الجميل أن السعودية ليس لها تدخلات في الشأن الداخلي العراقي على عكس التدخلات الإيرانية السلبية المستمرة، وهذا الأمر يسهم بقوة في تطوير العلاقات وتنميتها. سياسيًا، تحتاج السعودية إلى فتح المزيد من المنافذ البرية مع العراق وتسهيل سفر العراقيين إلى المملكة بل وبقية دول الخليج، وربما على الأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية دراسة ضم العراق كعضو فاعل حتى وإن كان على مراحل في منظومة المجلس ولا سيَّما مع تحسن الأوضاع الأمنية والسياسية والاقتصادية في العراق.

إنَّ العراق دولة شقيقة وجارة وتربطنا بها أواصر دينية واجتماعية وثقافية وهناك قبائل مشتركة على جانبي الحدود، وما يربطنا بالعراق أكثر بكثير مما يبعدنا عنها وبالتالي يحتاج الأمر إلى استشعار كل ذلك للدفع بالعلاقات إلى مرحلة متقدمة مبنية على المصالح المشتركة للدولتين وعدم السماح لأطراف خارجية بالعمل على إعاقة ذلك أو تأجيله. وشخصيًا متفائل بمرحلة مختلفة من العلاقات المتميزة بين الرياض وبغداد.

المصدر: Arab News 


  الآراء الواردة في المقال تعبر عن وجهة نظر كاتبها، ولا تعكس بالضرورة رأي المعهد

د.محمد بن صقر السلمي
د.محمد بن صقر السلمي
رئيس المعهد الدولي للدراسات الإيرانية