مزاعم غير عدائية إيران تفندها الحقائق

https://rasanah-iiis.org/?p=18536

بواسطةد.محمد بن صقر السلمي

 يردد الساسة الإيرانيون في التصريحات والمؤتمرات الدولية كثيرًا أنَّ إيران لم تبدأ حربًا أو تغزو دولةً منذ عدة قرون ويشيرون إلى أنَّ آخر حربٍ خاضتها إيران كانت غزوها للهند خلال فترة حكم نادر شاه. هذه المقولة تتردد للتأكيد على أنَّ إيران تسعى إلى السلام وعدم الاعتداء على الآخرين. ردًا على تصريحات وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو حول العدوانية الإيرانية، غرَّد وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف قائلًا: «أمةٌ عمرها آلاف السنين ]إيران[ لم تعتدِ على أيّ دولةٍ منذ قرون»، وفي ذات السياق سبق وأنْ غرد ظريف في عام 2016م قائلًا: إنَّ إيران لم تعتدِ على أية دولة منذُ 250 عامًا.  ولأهمية تفنيد هذه الشعارات المضللة كان مِن الضروري كتابة هذا المقال لوضع النقاط على الحروف وكشف مثل هذا التلاعب بالمصطلحات، وسوف أركز فقط على فترة النظام الحالي الذي وصل للحكم بعد الثورة الإيرانية عام 1979 التي أسقطت النظام الشاهنشاهي إلّا أنَّ رجال الدين اختطفوها. بعد الثورة مباشرةً انطلقت الحرب العراقية-الإيرانية التي استمرت لمدة ثماني سنوات (١٩٨٠-١٩٨٨)، وإنْ كانت إيران تزعم أنَّ النظام العراقي السابق هو مَن بدأ هذه الحرب إلّا أنَّ الواقع يقول إنَّ خلفيات الصراع بدأت قبل الثورة من الجانب الإيراني وهذا مثبتٌ بالشواهد التاريخية التي لا يمكن إنكارها.
في إطار مشروع تصدير الثورة الإيرانية وأيدولجيتها إلى دول الجوار مِن جانب، وإشغال الداخل الإيراني الذي بدأ يتحرك ضد النظام السياسيّ الجديد بسبب نقضه للوعود التي قدمها للشعب الإيراني مِن جانب آخر، كانت هذه الحرب فرصةً ذهبيةً للخميني لم يرغب في التفريط فيها رغم المحاولات الإقليمية لإيقاف الحرب مبكرًا. كان الخميني يردد شعارًا معروفًا لدى الجميع وهو «الطريق إلى القدس يمر عبر كربلاء» وهذا يعني أنَّ إيران تعمل على احتلال العراق وَمِن ثَمَّ الأردن حتى تصل إلى فلسطين المحتلة. وَبعد ثمانيَ سنوات مِن الصراع الدموي بين الجانبين العراقي والإيراني وقّع الخميني اتفاقية إنهاء الحرب مُرغمًا وقال إنه «يتجرع كأس السم» بتوقيعه هذه الاتفاقية.
هذا الدرس باهض الثَّمن للجانبين العراقي والإيراني على حدٍ سواء جعل الساسة الإيرانيين يدركون جيدًا استحالة تصدير الثورة عبر الجيش الإيراني والحرس الثوري وتجاوز حدود جغرافية إيران عسكريًا ومباشرًا. ذهبت إيران للبحث عن أدواتٍ بديلةٍ لتحقيق مشروعها التوسعي في المنطقة العربية، فجاءت فكرةً نظر لها وقدمها محمد جواد لاريجاني تحت مسمى «نظرية أم القرى» التي تقترح أنْ تكون مدينة قُم العاصمة الدينية وطهران العاصمة السياسية للعالم الإسلامي. ولأنَّ هذه النظرية قد وُلِدت ميتة مِن الجانب العملي والتطبيقي فلا يمكن إقناع مليار ونصف المليار مِن المسلمين حول العالم بقبول مدينة قم بديلةً عن العاصمة الإسلامية المقدسة؛ مكة المكرمة وعدم تحقق ذلك يجعل تحقق طهران عاصمةً سياسيةً مِن ضرب الخيال.
سريعًا فكرت إيران في خطةٍ بديلةٍ ووجدتها سريعًا وهي الجيوبولتيك الشيعي حيث يتم استغلال جزءٍ مِن الأقليات الشيعية في العالم العربي لتحقيق المشروع ولا سيَّما وأنها قد نجحت في تأسيس نموذجٍ لذلك في لبنان عبر حزب الله اللبناني. عملت إيران على استنساخ هذا النموذج في عدة دول مِن ذلك «حزب الله الحجاز» في السعودية وميليشيات «الوفاق» وغيرها في البحرين واستقطاب إحدى العائلات مِن اليمن وهنا أتحدث عن عائلة الحوثي حيث استقطبت بدر الدين الحوثي ثم نجليه حسين وعبد الملك. وبعد الغزو الأمريكي للعراق عملت إيران سريعًا على تشكيل العديد من الميليشيات هناك، كذلك قامت بتأسيس ميليشياتٍ في كلٍّ مِن باكستان وأفغانستان بل وحتى نيجيريا.

إنَّ المهمة الرئيسة لهذه الميليشيات بالمقام الأول هي تحقيق المشروع الإيراني المتعثر في المنطقة العربية وهي بذلك تضرب عصفورين بحجرٍ واحد إذ تخلق حالة مِن اللا استقرار في داخل الدول المستهدفة وزعزعة النسيج الاجتماعي والعزف على الوتر الطائفي. كذلك فإنَّ إيران تتمكن مِن الاختباء خلف هذه الميليشيات وإبعاد التهم المباشرة عنها. وترى إيران أنَّ هذه الإستراتيجية أقلُ تكلفةً مِن الاعتماد على جيشها فلن تتكبد المزيد مِن الخسائر في الأرواح كما حصل في حرب الثمانيَ سنوات إذ تدفع العربي لقتل أخيه العربي خدمةً للمشروع التوسعي الإيراني تحت مزاعم مختلفة.
بالتالي، هذه الحقائق الدامغة تؤكّد حقيقة أنَّ مزاعم إيران بأنها لم تغزوَ أيّ دولةٍ منذ عدة قرون مجرد تلاعٍب بالوقائع على الأرض فجميع هذه الميليشيات كانت ولاتزال تأخذ أوامرها مِن إيران مباشرةً وتتلقى الدعم المالي والعسكري واللوجيستي والتدريب مِن الحرس الثوري الإيراني وَفقًا لخطط المشروع الإيراني التوسعي في المنطقة.
قبل سنوات اعترف الأمين العام لحزب الله اللبناني صراحةً أنَّ الحزب جزءٌ مِن الجمهورية الإسلامية الإيرانية ويتبعُ قيادة الولي الفقيه أيْ المرشد الأعلى علي خامنئي. ومؤخرًا اعترف صراحةً أنَّ «غذاء ورواتب وسلاح الحزب جميعها تأتي مِن إيران»، كما صرح القائد في الحرس الثوري الإيراني اللواء ناصر شعباني أنَّ إيران طلبت من اليمن (الحوثي) استهداف سفينتين سعوديتين في بحر العرب وتم ذلك. علاوةً على ذلك، قال قائد حزب الله العراقي واثق البطاط: «لو اندلعت حربٌ بين العراق وإيران فإنَّني سأقف إلى جانب إيران».
وممَّا يجدر ذكره هنا، أنَّ هادي العامري وهو مِن أهم وكلاء إيران في العراق ومقربٌ جدًا إلى قائد فيلق القدس قاسم سليماني يتولى الآن قيادة »فيلق بدر« في العراق. وَكان العامري مِن قادة قوات المشاة للحرس الثوري الإيراني في الحرب الإيرانية-العراقية ثُمَّ أصبح مِن مسؤولي قسم الاستخبارات في الحرس الثوري ثُمَّ شارك في عمليات فيلق بدر عام 1985م.  وتحت إشراف سليماني، تولى العامري إدارة التحركات الإيرانية داخل العراق ومؤخرًا تولى منصبًا رفيعًا في قوات الحشد الشعبي العراقي الذي يمثل النسخة العراقية من الحرس الثوري الإيراني.
بعد كل هذه الحقائق التي عرجنا عليها ولاسيَّما تدخل إيران الجلي في سوريا واليمن هل بوسع إيران أنْ تستمر في مزاعمها أنها لم تغزُ أيّ دولةٍ قط أو أنها لم تُشعل فتيلَ أيّ عدوانٍ في أيّ دولةٍ منذ قرون؟ أترك الإجابة للقارئ الكريم!


الآراء الواردة في المقال تعبر عن وجهة نظر كاتبها، ولا تعكس بالضرورة رأي المعهد

د.محمد بن صقر السلمي
د.محمد بن صقر السلمي
رئيس المعهد الدولي للدراسات الإيرانية