مظاهر من الإدارة «المجلسيَّة» لأزمة السيول

بواسطةأحمد علوي

على الرغم من أربعة عقود من التجارب المختلفة مع الكوارث الطبيعية، فإن زلزال كرمانشاه والسيول الأخيرة أظهرت جوانب أخرى من «الإدارة المجلسيَّة» [نسبة إلى مجالس العزاء]، فضلًا عن عدم كفاءة وعدم حرفية المؤسسات الحكومية، وهذا الأمر أثار سخط المتضررين من السيول في مختلف مناطق إيران.
لم يقف الأمر عند هذا الحد، فحتى المؤسسات الرسمية بادرت إلى انتقاد عملية إيصال المساعدات إلى منكوبي السيول، فعلى سبيل المثال أبدى الهلال الأحمر الإيراني استياءه من الطريقة السيئة لإيصال المساعدات إلى مدينة بلدختر المنكوبة وغيرها من المناطق المتضررة من السيول، وفي نفس الوقت نجد احتدام النزاع الإعلامي بين مسؤولي الحكومة من جهة والحرس الثوري من جهة أخرى، إذ أخذ كل واحد منهم يكيل الاتهامات للآخر ويصْفه بالعجز وعدم الكفاءة.
أحداث السيول الأخيرة تذكّرنا بما يُعرف في الثقافة الإيرانية بـ«الإدارة المجلسيَّة»، وقد تَجلَّى بعض مظاهر هذه الإدارة في هذا الوقت بالتحديد، من قبيل «اللا احترافية» والاستعراض، وفي نفس الوقت التوتر المسيطر بسبب توزيع «الغنائم» المالية أو الوجاهية أو السياسية. إن الإدارة المجلسيَّة مرادفة لِمَا يُطلق عليه «الإدارة الجهادية» في الثقافة الإدارية للنظام الإيراني، بخاصة في ثقافة الحرس الثوري والبسيج.
الفروع بدلًا من الأصول
لا تحدث الثقافة الإدارية صدفة وفجأة، ففي المجتمعات ثقافات فرعية تتعامل معًا. إن ثقافة الإدارة المجلسيَّة هي نتيجة وثمرة المناسبات التي ترعرع في ظلها من يمثِّلونها، كما أن ما يُعرف بـ«الإدارة العلمية» أيضًا ثمرة العمل الأكاديمي وتفاعل منظّريها مع الصناعة.
إذا كانت الصناعة ظاهرة عالمية وحالية، فإن إدارة «مجالس» العزاء متعلقة بالأزمنة القديمة، وهي بمثابة مراثي للحصول على البركة في عالَم آخر وزمان مجهول لم يأتِ بعد. إن الإدارة المجلسيَّة هي مصدر إلهام السلطة في إيران، فقد اكتسب أغلب القادة والمسؤولين من أعلى مراتب النظام إلى أدناها تجربتهم المؤسسية والإدارية من مجالس العزاء (انظروا على سبيل المثال إلى مجالس عزاء روحاني وخُطب أحمدي نجاد)، وفي هذا السياق يقول الخميني: «كل ما نملك هو بسبب محرَّم وبسبب مجالس العزاء»، كما أن البسيج أخذ يتقمص دور المجالس أكثر من ذي قبل بخاصة في عهد خامنئي ورئاسة أحمدي نجاد، ففي إطار المجالس يُعتبر تقسيم العمل أمرًا سهلًا وليس بحاجة إلى تخصُّص، ونشطاء المجالس مكلفون الـ«عمل» لا الـ«نتيجة».
تغلبت الإدارة المجلسيَّة في الفترة الأخيرة حتى على النظام الإداري التقليدي في إيران، على سبيل المثال جزء من نشاطات المؤسسات الحكومية بخاصة في أيام محرم وصفر هو الانشغال باللطم والرثاء والعزاء وما شابه ذلك، بدلًا من تعليم أسلوب الإدارة الحديث، على سبيل المثال من مهامّ وزارة الخارجية خارج الدولة تنظيم مراسم اللطم والعزاء بشكل مباشر من خلال مندوبيها، أو المساجد والتكايا التابعة للحكومة في الخارج، بناءً على هذا فالإدارة المجلسيَّة يُعاد إنتاجها في جميع مؤسسات النظام المختلفة باستمرار.
الإدارة المجلسيَّة نوع من الاستعراض، ومثل هذا الاستعراض ينطوي على وظائف مختلفة، منها إنتاج القوة للطبقة العليا وجلب محبتهم، وإيجاد الامتيازات لعمال النظام، ونهب الموازنة، وصناعة الشهرة، وفي النهاية خداع المواطنين، وتوضيح الكوارث الطبيعية من خلال الأمور المجهولة.

التنافس من أجل استعراض التواجد في المناطق المنكوبة، والتوتّر بين الحكومة والحرس، وتراشق التُّهم، هو الجانب الواضح من القضية

الفشل هو النهاية الحتمية للإدارة المجلسيَّة
المقصود بالكفاءة في نطاق الإدارة الحديثة هو زيادة القيمة بموارد محدودة في سوق المنافسة، وفي النهاية جلب رضا المستهلكين، لكن الإدارة المجلسيَّة ليست مكلَّفةً النتيجة، وبناء عليه لا تعني لها الكفاءة وزيادة القيمة والتغذية الراجعة شيئًا، وفشل وعدم كفاءة الإدارة المجلسيَّة لا يبعث على التعجُّب، لأن نظريات الاقتصاد تقول إن الإدارة والمؤسَّسة في الأنظمة الفاسدة والفاشلة وغير الفاعلة عادة ما تنشأ عوجاء، وتبتعد كثيرًا عن النظام الذي رُسم لها.
على سبيل المثال تُعتبر وظيفة بلدية ما في أحد المجتمعات تقديم الخدمات، لكن البلدية، خصوصًا في مدن إيران، وفي ظل الإدارة المجلسيَّة، لها وظائف غير رسمية كثيرة إلى جانب وظيفتها الرسمية، ومن بين هذه الوظائف إيجاد فرص عمل لأتباع النظام (كما يشير تصريح عضو لجنة التخطيط والموازنة في مجلس بلدية طهران بأن الإحصائيات تشير إلى أن 130 ألف موظف يتقاضون الأجور من بلدية طهران، وهناك 26 ألف موظف يشغلون 16 ألف منصب فقط) والارتشاء، وتوزيع الريع المعلوماتي وغيرها من الوظائف الثانوية التي تتفوق على الوظيفة الأساسية، لهذا تتحول الوظائف الثانوية في الحكومات الفاسدة إلى وظائف أساسية، وحتى لو لم تُنسَ الوظائف الأساسية فإنها تُهَمَّش.
يمكن تعميم هذا الأمر على الإدارة المجلسيَّة للسيول الأخيرة، فمع أن تبعات هذه السيول لم تتضح بعد، تشير حالات متعددة إلى تفوُّق الفرع على الأصل، فالتنافس لاستعراض الحضور في المناطق المنكوبة، والمشي داخل مجاري السيول، والتوتّر بين الحكومة والحرس، وتراشق التُّهم، والتنازع على الغنائم، هو الجانب الواضح من القضية، في حين أن الجزء الرئيسي من هذا التنافس والنزاع وتراشق التهم يبقى مُخفًى خلف الكاميرات، ولا يظهر للعلن.

ممثل خامنئي في محافظة فارس يتفقد المناطق المنكوبة

الخلاصة
أظهرت إدارة الحكومة الإيرانية للأزمة الأخيرة مظهرًا من مظاهر الإدارة المجلسيَّة، ويمكن تعميم مفهوم الإدارة المجلسيَّة على باقي مشروعات النظام الإيراني، سواء الداخلية منها والخارجية، الاقتصادية والسياسية، وغير ذلك، كما أن انعدام الشفافية والمحاسبة وتحمُّل المسؤولية في كثير من الحالات حال دون ظهور هذا النوع من الإدارة، ولا شكّ أن من سيدفع تكاليفها التي تظهر على شكل فوضى اقتصادية واجتماعية وعلاقات دولية وبيئية، هم أكثر المواطنين الإيرانيين فقرًا.

مصدر: راديو فردا


  الآراء الواردة في المقال تعبر عن وجهة نظر كاتبها، ولا تعكس بالضرورة رأي المعهد

أحمد علوي
أحمد علوي
خبير اقتصادي إيرانيّ