هل ألغى روحاني وظيفة المتحدث باسم الحكومة الإيرانية؟

على مدى السنوات الخمس الأولى من عمر الحكومة الإيرانية الحالية، كان الطابق الثامن من مبنى رئاسة الجمهورية مسرحًا للمؤتمرات الصحفية الأسبوعية التي كان يرد فيها المتحدث باسم الحكومة محمد باقر نوبخت على أسئلة الصحفيين ويطرح فيها وجهات نظر الحكومة حول مختلف القضايا والتطورات الداخلية والخارجية.
بعد تصاعد حدة الانتقادات الموجهة إلى الحكومة الإيرانية حول أدائها، لا سيما في ما يتعلق بالجانب الاقتصادي وكثرة الحديث عن ضرورة تغيير الحكومة، بادر محمد باقر نوبخت في الحادي والثلاثين من يوليو 2018، بتقديم استقالته من منصب المتحدث باسم الحكومة. وبرّر نوبخت استقالته بحاجته إلى التركيز على وظيفته الثانية وهي رئاسته لهيئة التخطيط والموازنة التابعة لرئاسة الجمهورية.
استقالة نوبخت من منصب المتحدث باسم الحكومة وحديثه عن ضرورة تركيزه على هيئة التخطيط والموازنة، جاءت بعد سلسلة من الانتقادات الشديدة التي وجهت له خاصة من الإصلاحيين الذين كانوا يعتقدون أنه هو العامل الأساسي في حالة التخبط وعدم التنسيق بين أعضاء الفريق الاقتصادي بالحكومة، كما كانوا يرون أن الخروج من الوضع الاقتصادي المتأزم يتطلب إعادة ترتيب الفريق الاقتصادي. على الرغم من ذهاب أغلب التوقعات إلى احتمالية عزل نوبخت من رئاسة هيئة الميزانية والتخطيط، في إطار خطة تغيير الفريق الاقتصادي للحكومة، فإن الشارع الإيراني فوجئ بإصرار الرئيس حسن روحاني على استمرار نوبخت على رأس هيئة التخطيط والموازنة.
بعد استقالة محمد باقر نوبخت، كان من المتوقع أن يسارع الرئيس روحاني باختيار متحدث جديد باسم الحكومة؛ نظرًا إلى أهميته في توفير الردود والأجوبة الرسمية للصحفيين ووكالات الأنباء حول مختلف القضايا التي تهم الرأي العامّ الإيراني، فضلًا عن دوره في عرض ما تراه الحكومة مناسبًا من معلومات وأخبار واتجاهات وسياسات ومواقف وقرارات.
ونتيجة لكثرة الحديث عن دلالات عدم اختيار متحدث جديد فضلًا عن الانتقادات العديدة التي تعرضت لها الحكومة في هذا الخصوص، خرج محمود واعظي مدير مكتب الرئيس روحاني في أكتوبر 2018، ليعلن أن الأخير بصدد اختيار أحد أعضاء الحكومة لشغل هذا المنصب، لكن استمرّ الحال على ما هو عليه، وخلال أزمة السيول الأخيرة التي ضربت 25 محافظة إيرانية، عادت موجة الانتقادات ضدّ الحكومة، بل واتُّهمت بالفشل في إدارة أزمة السيول، ونتيجة لهذا الوضع عاد الحديث عن أهمية المتحدث باسم الحكومة ودوره في إطلاع الشارع الإيراني لا سيما المتضررين، على آخر الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لتخفيف المعاناة عنهم وسير عمليات الإنقاذ والإغاثة.

ولعلّ غياب المتحدث باسم الحكومة لنحو 9 أشهر يعكس عددًا من الدلالات، أهمها:
كثافة الانتقادات التي وُجهت إلى الحكومة؛ بسبب الأزمات التي تتعرض لها إيران مثل الأزمة الاقتصادية والعقوبات الأمريكية، والخروج الأميركي من الاتفاق النووي المبرم مع مجموعة 5+1، وفشل الحكومة في الوفاء بالتزاماتها، وأخيرًا أزمة السيول التي خلّفَت عشرات القتلى ودمارًا واسعًا في الممتلكات والبنى التحتية يقدر بمليارات الدولارات، جعلت استمرار الحكومة دون متحدث باسمها يشكل فرصة مناسبة لروحاني ووزرائه للهروب من المسؤولية ومطاردات الصحافيين.
كذلك قد يكون داخل الحكومة اتجاه إلى سدّ الفراغ الذي أحدثه غياب المتحدث باسمها، عبر الاكتفاء بالتصريحات التي يدلي بها الوزراء لوسائل الإعلام المختلفة عقب كل اجتماع تعقده الحكومة والتي يتحدث فيها كل وزير عن أهم الأمور المتعلقة بوزارته. وقد يرى البعض تراجعًا في دور وأهمية المتحدث باسم الحكومة، نتيجة للحضور الفعال والنشط لمعظم الوزراء في وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة، وتطرقهم إلى مختلف الأمور التي تهمّ الشارع الإيراني. لكن من المؤكَّد أن المؤتمرات الصحفية واللقاءات التي يُجريها الوزراء مع وسائل الإعلام المختلفة لا يمكن أن تلغي دور وأهمية المتحدث باسم الحكومة، لأن الوزراء يجيبون عن الأسئلة الخاصة بوزاراتهم لا عن كل ما يدور في الحكومة.
وبين الإصلاحيين والمعتدلين (حزب كوادر البناء وحزب الاعتدال والتنمية) صراع غير مُعلَن، فكلا الحزبين يسعى للاستئثار بنصيب الأسد من الوزارات والمناصب العليا داخل مؤسسة الرئاسة. هذا الصراع قد يكون أحد أسباب إطالة فترة اختيار ناطق جديد باسم الحكومة.
وفي ظل أزمة الثقة بين الشعب والحكومة الإيرانية؛ بسبب تعدد الأزمات والفشل في حلّها، قد ترى الحكومة أنه لم يعُد لديها ما يمكن أن تقوله، ومن ثَمَّ فإن تعيين متحدث جديد لن يكون ذا جدوى في ظلّ الوضع الراهن. هذا الاعتقاد لم يكُن نابعًا من المتشددين في النظام الإيراني حتى ندخله في دائرة الصراع بين الأصوليين والإصلاحيين، بل حتى من الأحزاب المؤيدة لروحاني والمشاركة في حكومته مثل الأمين العامّ لحزب كوادر البناء غلام حسين كرباسجي الذي يتولى أحد أعضائه (إسحاق جهانغيري) منصب النائب الأول للرئيس، يعتقد أن الحكومة غارقة في الأزمات وأن استمرار عملها دون متحدث دليل على أنها ليس لديها ما يمكن أن تقوله للشعب. لكن من المؤكد أن استمرار الحكومة في عملها دون متحدث باسمها سوف يؤدي إلى انقطاع التواصل بين الحكومة والرأي العامّ من ناحية، وبين الحكومة ووسائل الإعلام المختلفة من ناحية أخرى، مما سينجم عنه إصدار أحكام وتفسيرات مختلفة ضدّ الحكومة من قبيل فشلها وعجزها في الاضطلاع بدورها، وعدم تحمل المسؤولية، والتخوف من النقد، وعدم الشفافية، وعدم الكفاءة. هذه الأحكام قد تؤدِّي في مُجمَلها إلى زيادة السخط الشعبي ضدّ الحكومة على وجه الخصوص وضدّ النظام الإيراني عمومًا، وقد يوظفها المتشددون في النظام الإيراني لممارسة مزيد من الضغوط على الرئيس روحاني وداعميه من الإصلاحيين والمعتدلين.


  الآراء الواردة في المقال تعبر عن وجهة نظر كاتبها، ولا تعكس بالضرورة رأي المعهد

د.معتصم صديق عبدالله
د.معتصم صديق عبدالله
باحث سياسي بالمعهد الدولي للدراسات الإيرانية