هل ستُذعِن إيران في مواجهة الضغوط الامريكية المتزايدة؟

بواسطةد.محمد بن صقر السلمي

يعيش النظام الإيراني في مأزق شديد منذ قرار الإدارة الأمريكية قبل أقل من تسعة أشهر بالانسحاب من الاتفاق النووي وعودة العمل بالعقوبات الاقتصادية ضد إيران ضمن إستراتيجية أمريكية تعمل على تقويض الاتفاق النووي بما يحول دون عودة إيران لتخصيب اليورانيوم عام 2025، وإيقاف برنامج الصواريخ الباليستية، وتقليم أظافر إيران في منطقة الشرق الأوسط بمنعها من تنفيذ مشاريعها التوسعية على حساب أمن واستقرار دول منطقة الشرق الأوسط.

لم تكتفِ الإدارة الأمريكية بتوقيع العقوبات الأشد من نوعها ضد إيران في الرابع من نوفمبر من العام الماضي، بل كثفت رموزها خلال زياراتها وجولاتها المكوكية للدول المؤثرة بهدف الحشد والتعبئة الدولية ضد خطر إيران، ودخلت الضغوطات الأمريكية مرحلة جديدة بتنظيم إدارة الرئيس دونالد ترامب مؤتمرًا عالميًا بمشاركة أممية واسعة من 60 دولة حول العالم، انعقد بالعاصمة البولندية وارسو على مدى يومين 13و14 فبراير 2019 لمواجهة خطر إيران وتحجيم نفوذها الإقليمي، قادته الولايات المتحدة بشكل شامل، وشاركت في التنظيم وإن كان بمستوى أقل بكثير من الدول الأوروبية رغم الاختلاف في وجهات النظر بين واشنطن وبعض العواصم الأوروبية المؤثرة حول الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي وعودة العمل بالعقوبات ضد إيران.
وعلى ما يبدو من توقيت وأجندة مباحثات مؤتمر وارسو أن الإدارة الأمريكية تسعى لتكثيف ضغوطها القصوى لتركيع إيران من خلال خلق بيئة دولية تمكن الولايات المتحدة من تنفيذ الخطوة المقبلة وعنوانها “إلغاء الاستثناءات” للدول المستثناة من العقوبات الأمريكية ضد إيران من ناحية، والضغط على الدول الأوروبية المناوئة للقرار الأمريكي لفرض العقوبات على إيران بغية إجبارها على الاصطفاف بجانب الموقف الأمريكي لإلجام إيران وطموحاتها العبثية في سوريا والعراق واليمن ولبنان بل وفي الدول الإفريقية والآسيوية.
وفي المقابل، يسود اعتقاد لدى الكثيرين بعدم جدية الضغوطات الأمريكية بالقدر الكافي لتركيع إيران، وبالنظر إلى غموض الإستراتيجية الأمريكية وآلياتها لمواجهة النشاطات الإيرانية التوسعية، وعدم ملاءمة الأدوات الأمريكية لحجم التهديدات الإيرانية، وغياب البدائل الأمريكية للتفاوض مع إيران.

الأكثر أهمية من ذلك، غموض الهدف الأمريكي من العقوبات: هل تريد واشنطن ترويض النظام وتدجينه، أم تغييره أو إجباره على التفاوض وتوقيع اتفاق جديد بشروط جديدة؟ كل هذا الغموض تسبب في خلق حالة من التردد والشكوك لدى كثير من دول العالم مما انعكس سلبًا على ردود فعلها تجاه الضغوطات الأمريكية، فضلًا عن الخبرة الإيرانية في التحايل على العقوبات والضغوطات وإتقانها فن الرقص على الهاوية وهذا نمط تفكير إيراني قومي وأيديولوجي.

ليس الأمر كذلك فحسب، بل يُشير إلى خطورة المرحلة التي يمر بها النظام الإيراني ذاته، حيث يعيش النظام الإيراني تحديدات البقاء والاستمرار، وأخطرها ما يقع خارج إرادة القيادة الإيرانية “تآكل الثورة ومكتسباتها”، فمن ناحية انتهت رموز الثورة المؤثرة ولم يتبقَّ في الوقت الراهن إلا أدبيات الثورة التي تسيطر على بعض مؤسسات الدولة وأهمها الحرس الثوري وبالتالي هناك اعتقاد بين المختصين بالشأن الايراني أن إيران مقبلة على انقلاب عسكري ناعم يقوده الحرس الثوري قد يتحقق مباشرة بعد وفاة المرشد الأعلى علي خامنئي، على الرغم من أن هناك تسريبات تتحدث عن أن خامنئي يعكف حاليا على اختيار خليفة له لتجنيب الثورة ونظام الولي الفقيه مستقبلًا غامضًا بعد رحيله.

ومن ناحية أخرى، يعاني النظام السياسي من تآكل بل وفقدان الشرعية نتيجة “تدني حالات الرضا والقبول الشعبي” التي تجلت في حالات السخط الشعبي العارمة ممَّا دفعت الشعب الإيراني للخروج في احتجاجات عارمة جابت البلاد طولًا وعرضًا بنهاية عام 2017 وبداية 2018 تطالب بـ “رحيل النظام بأكمله” ووقف النشاطات الإيرانية في سوريا والعراق وغيرها، التي تنفق عليها إيران من قوت الشعب الإيراني حسب تصريحات المسؤولين الإيرانيين ذاتهم على حساب الإيرانيين، واستمرارية الاحتجاجات الفئوية بشكل متقطع، نتيجةً لتردي الحياة المعيشية والأوضاع الاقتصادية وانتشار البطالة.

وبينما تدير إيران أزمتها لتفادي تأثير الضغوطات الاقتصادية على الأوضاع الإيرانية المتردية أصلًا تبالغ في خطابها السياسي في القدرة على الصمود لفترات طويلة من خلال الاقتصاد المحلي والاقتصاد المقاوم، ظهر ذلك جليًا في خطاب الرئيس الإيراني حسن روحاني بمناسبة ذكرى مرور أربعين عامًا على انتصار الثورة في كلمة ألقاها في ميدان أزادي يوم 12 فبراير 2019 بقوله” لن ندع أمريكا تنتصر… واجه الشعب الإيراني وسيواجه بعض الصعوبات الاقتصادية” معلنًا عزم بلاده تعزيز قوتها العسكرية واستمرارية برامج الصواريخ الباليستية، وهي إشارة بالغة الأهمية على استمرارية تهديد إيران للأمن الإقليمي سواء بصواريخها الباليستية أو بتدخلاتها الخشنة والناعمة دون أدنى اعتبار لمبادئ حسن الجوار وسيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.
في الخطاب ذاته وجه روحاني رسائل مبطنة للشعب الإيراني محذرًا إياهم من مغبة الانصياع للدعوات الأمريكية بالخروج على النظام الذي حمى إيران ودافع عنها تاريخيًا، وأن من يخرج على النظام سيواجه مصيرًا غامضًا بقوله إنّ الثورة جاءت لحماية الدولة ذاتها من الاندثار.

خلاصة القول، من غير المستبعد أن ترضخ إيران للضغوطات الغربية وإن كان ذلك تدريجيًا، فمن المتوقع أن تقبل إيران بالتفاوض مجددًا، وقد مهد لذلك الرئيس الإيراني أكثر من مرة آخرها في 14 فبراير 2019 بقوله “جاهزون دائما للحوار والمنطق.. ولكن نرفض الضغوط”، وهو ما قرأه البعض بأنه خطوة أولى لتهيئة الرأي العام الإيراني للقبول بالخطوة الإيرانية القادمة، وسوف تقدم لذلك إعلاميا على نمط “المرونة البطولية” التي أعلنها خامنئي عندما أراد تمرير الاتفاق النووي عام 2015، خاصة في وقت تعاني فيه إيران من أوضاع اقتصادية سيئة جدًا حسب أرقام صندوق النقد الدولي الذي كشف عن دخول الاقتصاد الإيراني مرحلة الانكماش عام 2018 متوقعًا تراجع إجمالي الناتج المحلي لإيران بنسبة 3.6% خلال 2019. وقد تصدق مقولة إنّ إيران لا تستجيب للضغوطات بل للضغوطات الشديدة فقط.

المصدر : Arab News


  الآراء الواردة في المقال تعبر عن وجهة نظر كاتبها، ولا تعكس بالضرورة رأي المعهد

د.محمد بن صقر السلمي
د.محمد بن صقر السلمي
رئيس المعهد الدولي للدراسات الإيرانية