أيام سوداء في انتظارنا

https://rasanah-iiis.org/?p=15836

بواسطةروزبه خسروي

«أيام سوداء في انتظارنا، وعهد بائس، مع أن المنطق يحكم بقِصَر عمره، إلا أنه أبدى كُنهه القاتم منذ اللحظة، فهو يبحث عن تحكيم سلطته على أساس من رفض الديمقراطية ورفض الوطنية ورفض إنجازات المدنية والثقافة والفنّ، ومثل هذا العهد لا بدّ إلى زوال… لكنّ جيلنا وجيل المستقبل سيتحمل في خضمّ هذا النزاع المؤلم ضررًا لا شكّ في أنه سيقصم ظهره بشدة، لأن السطحيين الخالصين يعادون كلّ فكر حرّ، ويرون أن سطوتهم لا تتحقق إلا بمحو الفكر على الإطلاق، لذا فقتل جميع المفكّرين الأحرار في المجتمع هو أول أهداف النظام الذي سارع منذ اللحظة لتثبيت دعائم سلطته بقوة الهراوات والخناجر، وبدأ خطوته الأولى بحرق المكتبات، ومهاجمة مراكز الفنّ، والاعتداء على المراكز الثقافية…» (أحمد شاملو، افتتاحية مجلة كتاب الجمعة، السنة الأولى، العدد الأول، الخميس 26 يوليو 1979).

بضعة أشهر فقط تفصل ثورة 1979 عن استقرار الجمهورية الإيرانية، ولكن هذه المدة القصيرة تكفي لتذهب خلالها آمال الكتّاب والمفكرين الإيرانيين مع الريح، وتتحول إلى يأس، وتبدأ معها حالة من النزاع الأبدي بينهم وبين النظام السلطوي.
الكاتب والقانونيّ مصطفى رحيمي أول من كشف عن التناقض الكامن في مفهوم «الجمهورية الإسلامية» من خلال رسالة مفتوحة وجهها إلى الخميني في عام 1979 بعنوان «لماذا أعارض الجمهورية الإسلامية؟»، وتبعته مهشيد أميرشاهي بمقالها «لماذا لا يدعم أحدٌ بختيار؟»، ثمّ حاول أحمد شاملو من خلال افتتاحية مجلة «كتاب الجمعة»، وهوشنك جلشيري من خلال قصة «فتح الخمارة»، وبهرام بيضايي من خلال مسرحية «موت يزدجرد» أن يُظهروا الوجه القمعي للنظام الناشئ.
في الأول من يناير من عام 1980 قرر اتحاد الكتاب الإيرانيين إقامة أمسيات شعرية تشبه تلك التي كان يقيمها في عام 1978 تحت عنوان أمسية معهد جوته الشعرية، لكنّ هذه الفكرة واجهت معارضة من مجموعة من أعضاء الاتحاد ومن بينهم «به آذين» [محمود اعتمادزاده] وسياوش كسرايي وفريدون تنكابني الذين كانوا ينتهجون سياسة حزب «توده» الشيوعي في مواجهة الجمهورية، ونتيجة لاحتدام الجدل طُرد الأعضاء الشيوعيون من الاتحاد، وحاول الاتحاد من خلال هذه الخطوة الثبات على مبدئه القائل بالدفاع عن حرية التعبير.

مع بداية عام 1980 هاجم الخميني الجامعات، وقال في خطابه بمناسبة بدء العام الإيراني الجديد: «يجب حدوث تغيير أساسي في جميع الجامعات الإيرانية، ويجب تصفية جميع الأساتذة المرتبطين بالشرق والغرب، ويجب تحويل الجامعة إلى بيئة سليمة لتدريس العلوم الإسلامية… سبب ما نعيشه من تخلّف هو عدم معرفة المتنوّرين الجامعيين بالمجتمع الإسلامي بشكل صحيح، وأغلبية هؤلاء المتنورين الجامعيين الذين كانوا دائمًا ما يتكبرون، ويتحدثون بحديث لا يفهمه سوى رفقائهم المتنورين، ولا فرق لديهم أن يفهم الناس أم لم يفهموا، هم من وجهوا الضربات القاصمة للمجتمع، وعلى المتنورين المتعهّدين الذين يتحملون المسؤولية أن يدعوا الفرقة، وأن يفكروا في الناس، وأن يُضحوا، ويتركوا الولاء للشرق والغرب».
أغلقت الجامعات الإيرانية أبوابها منذ الخامس من يونيو عام 1980 مدة عامين، وجرت عملية تصفية على نطاق واسع شملت الأساتذة والطلاب، وتزامنت هذه الأحداث مع قمع المثقفين المتحررين وحرق مراكز بيع الكتب والصحف، واستمرارًا لهذه العملية وبتاريخ 20 أبريل 1981 هاجمت القوات القمعية وأنصار حزب الله مكتب اتحاد الكتاب الإيرانيين، وأغلقوه. منحت الحرب العراقية مجالًا أوسع للجمهورية الإيرانية، ومع مرور الوقت خرجت جميع الجماعات السياسية من دائرة «الثوريين» وتحولت إلى «عدو».
في 19 يونيو من عام 1981 هاجمت قوات الحرس الثوري حفل زواج في منطقة «شهرآراي» في طهران، واعتقلت العريس، وأعدمته في اليوم التالي بتهمة «تهريب العملة الصعبة»، ولم يكُن هذا الشخص سوى الشاعر والكاتب المسرحي والمُخرج اليساري سعيد سلطانبور.
مع تزايد الضغط وحالات إعدام المفكّرين، توقفت اجتماعاتهم العلنية حتى سنوات طويلة، وانتقلت إلى داخل منازلهم وأقبيتهم، بحيث يمكن تسمية تلك السنوات بسنوات الرواية والعزلة، ومن بين الروايات التي جرى تأليفها خلال هذه الحقبة يمكن الإشارة إلى «قصة شنق الراكب الذي سوف يأتي» للكاتب هوشنك جلشيري، و«شتاء 1983» لإسماعيل فصيح، و«أسرار موطني» لرضا براهني، و«طوبى ومعنى الليل» للكاتبة شهرنوش بارسي بور، و«أهل الغرق» للكاتبة منيرو رواني بور، و«قصة مدينة» لأحمد محمود، و«سمفونية الأموال» لعباس معروفي، و«آداب الزيارة» لتقي مدرسي.
ومن أجل أن يُملي آيديولوجيته على المجتمع بدأ النظام الجديد بتأسيس مراكز للدعاية والسيطرة جنبًا إلى جنب مع عمليات القمع والرقابة التي كان يقوم بها، وجاءت مؤسسة الفنون نتيجة لسعي النظام من أجل أسلمة الفن والأدب، وبدأت هذه المؤسسة التي تحمل اسم مؤسسة الفكر والفن الإسلامي بضمّ فنانين وأدباء من قبيل محسن مخملباف، ومرتضى أويني، وقيصر أمين بور، ولاحقًا التحق بهم رسول ملاقلي بور، ومهرداد أوستا، وسبيده كاشاني، ومحمد رضا آقاسي، لكن النظام الآخذ بالانغلاق لم يكُن ليحتمل حتى هؤلاء الأشخاص، وتحولوا خلال السنوات التالية إلى معارضين له.
أُجبر كثير من الكتاب والشعراء على الهجرة من إيران، وأسسوا في صيف 1982 اتحاد الكتاب الإيرانيين في المهجر، وبدأ بذلك ما يُعرف بأدب المهجر، حيث القصص المليئة بالحزن والوحدة والحديث عن الماضي وصعوبات الحياة الإجبارية في الغربة.
«لا يريد قلبك أن تسمح لليأس بأن يسيطر عليك، وأن ترى الأفق مظلمًا، لكنّ ذلك يحدث، لا ترغب بالشعور بالإرهاق، لكنّ ذلك يحدث، لا تريد أن تنأى بنفسك عما يشعر الناس به من آلام، وأن تشعر بأنك حصلت على دور المتفرّج الذي يرى دمار كلّ ما أحبّ ويُحبّ، لكنّك تحصل على هذا الدور، حينها تعود إلى ماضيك وتسأل نفسك: من كنت في الحقيقة؟ وماذا كنت تريد؟ هل كان كلّ ما عانيته في الحياة من أجل أن تبقى بعيدًا عن الآلام وتجرّ روحك الميتة من الصباح حتى المساء هنا وهناك، وتشاهد جسدك الشّاب يهرم، ونبضات قلبك تتناقص؟ حينها تنهر نفسك، كلَّا! فكل يوم كنت تستيقظ فيه من النوم كنت تحاول أن تبدأ من جديد، أن تبني من جديد، لكنّ كان يبدو لك الأمر وكأن الأوان قد فات، لم تعد تحتمل، وما كنت لتستطيع حتى لو كنت تريد» (الكاتب نسيم خاكسار، مجلة آدينه 1991).

نسيم خاكسار

في تلك الأثناء تنفّس أهل الفنّ والأدب الصُّعْداء قليلًا باختيار محمد خاتمي وزيرًا للإرشاد في نوفمبر 1981، وعلى الأقل اتّخذت الرقابة على آثارهم آلية واضحة، وكانت النتيجة نشر مجلات من قبيل «آدينه» و«دنياى سُخَن»، و«جردون» و«كِلك» في أواسط الثمانينيات، ما تسبب بعودة بعض الكتاب والمفكرين إلى الساحة بينما كانوا يقدمون رجلًا ويؤخرون أخرى، مع أنهم دفعوا ثمن هذه العودة بعد بضع سنوات.
في عام 1983 بدأ هوشنك جلشيري بتأسيس صفوف لقراءة ونقد القصّة في منزله، وأصبحت هذه الصفوف التي عُرفت بـ«جلسات الخميس» النطفة التي أنتجت جيلًا جديدًا من القاصّين المعاصرين في إيران، ومن بين الذين كانوا يشاركون في هذه الجلسات يمكن الإشارة إلى يارعلي بورمقدم وآذر نفيسي وعباس معروفي وشهريار مندني بور، واستمرت هذه الجلسات حتى عام 1988.
في الثالث عشر من فبراير 1989 أصدر الخميني فتوى بارتداد سلمان رشدي كاتب «آيات شيطانية» وأباح دمه، ورشدي هذا هو كاتب بريطاني من أصول هندية، وقد حازت روايته «أطفال منتصف الليل» التي قام مهدي سحابي في عام 1985 بترجمتها إلى الفارسية على جائزة أفضل رواية أجنبية في إيران لذلك العام.
بموت الخميني واعتلاء خامنئي منصب المرشد تغيرت الأجواء الاجتماعية مع مرور الوقت، ووصل هاشمي رفسنجاني الذي كان يلقب نفسه بجنرال البناء إلى رئاسة الجمهورية، وبدأ تغييرات أساسية في الاقتصاد الإيراني، ولا بدّ تأثرت باقي المجالات بهذه التغييرات، وبدأ المتشددون في إيران بمواجهة هذه التغييرات، لكن هذه المرة بذريعة «الهجوم الثقافي»، وانقسم النظام في هذا المجال عمليًّا إلى قسمين: النواة الصلبة التي ما زالت تصرّ على «الأصول»، واليسار الذين كانوا من «أتباع خط الإمام» في السابق، وانتهجوا طريق «الإصلاح»، واحتدم النزاع لدرجة أن وزير الإرشاد آنذاك، محمد خاتمي، قدّم استقالته في عام 1992 في رسالة وجهها للرئيس الأسبق هاشمي رفسنجاني.
«… للأسف منذ مدة انتُهِجَ طريق مختلف في مجال الشؤون الثقافية، يعني قد يؤدي انتهاك جميع الحدود القانونية والشرعية والأخلاقية والعرفية إلى شيء أبعد من النقد، واعتبار جميع الوسائل مباحة من أجل الوصول إلى الهدف، وهذا سيؤدي إلى خروج الأمر برمّته عن النهج المنطقي المشروع، والنتيجة ظهور أجواء مضطربة غير سوية أولى آثارها شعور العلماء والفنانين الأسوياء والمؤمنين وحتى المولعين بالثورة والإسلام بالإحباط وعدم الأمان». بعد بضعة أيام من استقالة خاتمي، قال خامنئي خلال لقائه قادة كتائب عاشوراء التابعة لقوات التعبئة (البسيج)، بتاريخ 13 يوليو 1992: «ما يفعله العدو على الصعيد الثقافي لا يعدّ مجرَّد هجوم ثقافي، لا بل غارة ومجزرة ثقافية… على جميع المؤمنين في هذه الدولة أن يقطعوا أمل الصهاينة وبقية قوى الأعداء من الجمهورية الإسلامية بالكامل… يجب أن نقف في مواجهة الانحراف الذي من الممكن أن يفرضه العدو علينا»، وتحولت هذه التصريحات إلى رخصة لاستئناف مزيد من الرقابة وحذف المفكرين.
في العام نفسه كتب الأديب والمحقق علي أكبر سيرجاني رسالة إلى خامنئي شرح فيها أجواء وزارت الإرشاد، حيث قال:«… كتبت لك رسالة قبل ثلاثة أشهر أشرح فيها حالة الاختناق غير المعقول الذي لا يمكن تحمله والذي يفرضه مسؤولو وزارة الإرشاد على نشر الكتب، وسبب الرسالة الثانية هي أن المشرفين على مكتبك لم يعلموني بوصول رسالتي إليك، كما أنني لم ألحظ أي اهتمام بهذه القضية، ومن جهة أخرى لديّ يقين بأن أخلاقك الإسلامية وطباعك الأديبة أرفع من أن لا تردّ على مظلمتي هذه، وإنني أزعجك مجددًا لاحتمالي أن يكون قد وقع سهو بخصوص رسالتي الأولى…»، ولكن جاءه الردّ حادًّا غاضبًا، مما دعاه إلى أن يقول في آخر رسالة له في عام 1993: «… يا سيّد خامنئي! لقد قرأ السيد صابري عليّ رسالتك التي تعاتبني فيها، وأسفت أيّما أسف، لكن ليس لأني أصبحت من المغضوب عليهم من مقامك، وأن شعب (حزب الله الموجود دائمًا في الميدان) سيحاسبني عما قريب، وإنما أسفي وتأثري بسبب حسن ظني الذي لم يكُن في مكانه، وآمالي بخصوص سعة صدرك التي ذهبت أدراج الرياح، والمصير الذي سيكون من نصيب الشعب الإيراني إبان قيادتك… إنني متحيّر، فعلى أي وثيقة اعتمدت حين أعلنت أنني مرتدّ لا أؤمن بالإسلام؟ إذا استندتَ إلى كتاباتي فليتك تشير إلى ذلك، وإن استندت إلى الكشف الغيبي واطلاعك على ما في القلوب فإنا لله وإنا إليه راجعون».

علي أكبر سعيدي سيرجاني

اعتُقل سعيدي سيرجاني في 14 مارس 1994 على أيدي عناصر وزارة الاستخبارات، وبعد تسعة أشهر من اختفائه التامّ، إذ لم يكُن يعلم أحد مكان اعتقاله، أو يُسمح لأحد بمقابلته، أعلنت وزارة الاستخبارات خبر موته بسبب سكتة قلبية، وكانت هذه بداية مرحلة جديدة من قتل الكتاب والمفكرين عُرفت بـ«جرائم القتل المتسلسلة».
في السابع عشر من أكتوبر من عام 1994 نشر 134 كاتبًا وشاعرًا وكاتبًا مسرحيًّا وباحثًا وناقدًا ومترجمًا إيرانيًّا رسالة طالبوا فيها بحرية التعبير وتمكينهم من نشر آثارهم، ودعوا فيها إلى مكافحة الرقابة، وجاء فيها: «نحن كتّاب، يعني أننا نكتب وننشر مشاعرنا وتخيلاتنا وفكرنا وأبحاثنا بأشكال مختلفة، ومن حقنا الطبيعي والمدني أن تصل آثارنا من شعر أو قصة أو مسرحية أو سيناريو أو تحقيق أو نقد أو ترجمة إلى أيدي المخاطبين بحرية ودون أي عوائق، وليس من صلاحية أي شخص أو أي مؤسسة إيجاد العوائق على طريق نشر هذه الآثار بمختلف الذرائع، علمًا بأن باب نقدها مفتوح أمام الجميع بعد نشرها». لم تؤثر هذه الاحتجاجات، وانتقل النزاع إلى مستوى جديد.
في الرابع والعشرين من أكتوبر من عام 1995 عُثر على جسد الكاتب والمترجم أحمد ميرعلايي في أحد الأزقة المتفرعة عن شارع مير أصفهان في مدينة أصفهان؛ لقد قُتل بحقنه بكمية كبيرة من الإنسولين، وعلايي من أوائل المترجمين الذين عرّفوا إيران كُتّابًا مثل بورخيس وكوندرا وأكتافيو باث وغراهام غرين.

أحمد ميرعلايي

في السادس من أغسطس من عام 1996 تقرر أن يتوجه وفد من الشعراء والكتاب الإيرانيين إلى أرمينيا بناء على دعوة من اتحاد الكتّاب الأرمني، ومن حيث إن إقامتهم هناك لم تكُن تتجاوز ثلاثة أيام، ولم يكُن بين طهران ويريفان خط طيران مباشر، قرروا أن يسافروا بالحافلة، فقال لهم صديقهم غفار حسيني مازحًا: «سوف يرسلونكم جميعًا إلى قعر الوادي». كانت قائمة المسافرين تضم محمد علي سبانلو، وعلي باباتشاهي، وجواد مجابي، ومسعود بهنود، وسيروس علي نجاد، وأمير حسن تشهلتن، وبيجن بيجاري، وبيجن نجدي، ومحمد محمدعلي، وشهريار مندني بور، وشابور جوركش، ومسعود توفان، وحسن أصغري، ومنوتشهر كريم زاده، وكامران جليلي، ومحمود طياري، وفرج سركوهي، وفرشته ساري، ومجيد دانش آراسته، وعلي صديقي، ومنصور كوشان.
عند وصولهم إلى منعطفات منطقة «حيران» الجبلية الوعرة قفز السائق من الحافلة، لكن تَدخُّل مسعود توفان وشهريار مندني بور في الوقت المناسب حال دون وقوع كارثة، وبسرعة تدخلت وزارة الاستخبارات في القضية، ونقلت الركاب إلى سجن «آستارا»، وهناك أخضع الجميع للتحقيق، وأجبر الجميع على السكوت تحت التهديد. في العاشر من نوفمبر من عام 1996 عُثر على الكاتب والمترجم والأستاذ الجامعي غفار حسيني مقتولًا في منزله، وفي الثالث عشر من يناير من عام 1997 خرج الخبير اللغوي والمترجم والأستاذ الجامعي أحمد تفضلي من الجامعة قاصدًا منزله لكنه لم يصل إليه أبدًا، وفي الثالث والعشرين من فبراير من عام 1997 خرج الصحفي والناشر إبراهيم زال زاده من منزله، وعُثر على جسده في أواخر مارس في منطقة يافت آباد إحدى ضواحي جنوب طهران القديمة، وقد تلقى خمس عشرة طعنة بالسكّين في ظهره وصدره. بعد عام أمسكت حكومة محمد خاتمي الإصلاحية بزمام أمور السلطة التنفيذية، وظهر لدى المفكرين بصيص من الأمل من جديد، وحدث انفراج نسبي، وبنفس المقدار اشتدّ غضب وقمع المتشددين. اختير عطاء الله مهاجراني وزيرًا للإرشاد، وحصل عدد كبير من الصُحف والمجلات على رخصة للنشر، ونُشرت آثار كثيرة كانت ممنوعة من النشر في الفترات السابقة، ومن بينها رواية «كليدر» للأديب محمود دولت آبادي، التي انتظرت ثلاث سنوات للحصول على إذن للطبعة الثانية، كما أُقرّ قانون في وزارة الارشاد ينص على أن الكتب التي تحصل على إذن بالنشر في الطبعة الأولى لن تحتاج إلى إذن في طبعاتها التالية.
في عام 1998 كان من المقرر منح جائزة الرواية المُختارة في مهرجان «عشرون عامًا من الأدب القصصي في إيران» لرواية «المدار الصّفر» للكاتب أحمد محمود، لكن ذلك لم يعد ممكنًا بعد تدخّل خامنئي ومعارضته.
لم تنقطع سلسلة جرائم القتل، ففي التاسع عشر من نوفمبر من عام 1998 اختفى المترجم والناشط السياسي مجيد شريف، وتعرفوا بعد ستة أيام على جثمانه في إحدى ثلاجات الطب الشرعي، وفي السادس والعشرين من نوفمبر من العام نفسه عُثر على جسد داريوش فروهر وبرفانه إسكندري، وهما من قادة حزب الشعب الإيراني، في منزلهما، وبعد اثني عشر يومًا طالت أياديهم الشاعر والمترجم محمد مختاري، الذي خرج من منزله لقضاء بعض احتياجاته، وبعد أسبوع من اختفائه تم التعرف على جسده في إحدى ثلاجات حفظ الموتى، وبالتزامن مع العثور على جسد مختاري، تعرّض المترجم والباحث جعفر بوينده لعملية اختطاف، وعُثر على جثّته بعد عشرة أيام في قرية بادامك في إقليم شهريار غرب العاصمة طهران.

على أثر هذه الجرائم وبعد متابعة من الصحافة، شُكّلَت لجنة خاصة من طرف الرئيس محمد خاتمي أعلنت لاحقًا عن أن مجموعة من داخل وزارة الاستخبارات ارتكبت هذه الجرائم، وعلى أثر ذلك عُزل دري نجف آبادي وعُيّن يونسي وزيرًا للاستخبارات، وأصدرت الوزارة بيانًا ذكرت فيه أن من ارتكبوا هذه الجرائم هم مجموعة من «المنحرفين فكريًّا» التابعين لها، ومع ذلك لم يصل هذا الملف إلى نتيجة محددة في السلطة القضائية.
وصل عام 1998 الأسود إلى نهايته، وخرج قمع المفكرين من مرحلة القتل.
في ديسمبر 1999 قال خامنئي خلال لقائه المجلس الأعلى للثورة الثقافية بخصوص وزارة الإرشاد: «أنا أتوقّع كثيرًا من وزارة الإرشاد، وبالطبع يبدو أن السيّد مهاجراني ليس حاضرًا اليوم بيننا، فقد أراح نفسه من عناء المجيء وسماع كلامنا! لكن لا فرق، فسواء كان موجودًا أو غير موجود، فاعتراضي هو أن وزارة الإرشاد لم تقدّم أي عمل إسلامي خلال السنتين الماضيتين! هذا هو اعتراضي، وأنا لست راضيًا عن وزارة الإرشاد».
لم يمرّ وقت طويل حتى أُجبر مهاجراني على تقديم استقالته، وعُيّن خاتمي أحمد مسجد جامعي خلفًا له، ومع ذلك لم يكُن خامنئي راضيًا، فقد قال في خطابه يوم 20 أبريل 2000 في جامع جامعة طهران: «… أنا لا أعترض على حرية الصحافة ولا على تنوّعها، وإذا كان هناك مائتي صحيفة بدلًا من عشرين فستكون سعادتي أكبر، ولا أشعر بالاستياء من كثرة عدد الصُّحف، لكن عندما تظهر صحف جلّ اهتمامها تشويش الرأي العام وإيجاد اليأس في قلوب الناس تجاه النظام، ويبدو أن 10-15 صحيفة من بينها موجّهة من مركزٍ معيَّن، وتطرح عناوين يعتقد من يراها أن كلّ شيء في الدولة مدمّر، فهذا سيقضي على الأمل في قلوب الشباب، وسيُضعف من ثقة الناس بالمسؤولين، ما سيؤدي إلى إضعاف المؤسسات الرسمية، فبمن تقتدي هذه الصحف؟ الصحافة الغربية ليست على هذا النحو، هذا النمط يُعتبر دجلًا صحفيًّا».
عشية هذا الخطاب بدأت عملية إغلاق الصُّحف عشوائيًّا على يد القاضي سعيد مرتضوي، وخلال فترة وجيزة أُغلق أكثر الصحف والمجلات الإصلاحية، وجُمعت جميع نُسخ الكُتب التي حصلت خلال هذه الفترة على إذن بالنشر من وزارة الإرشاد، وجرى تحويل الناشرين والكتّاب إلى المحاكم، ومن بين هذه الكتب «النساء والمُخَدَّرات والنُّخبة المدرَّعة»، و«نساء الموسيقى الإيرانية»، و«في ضيافة الحاجّ».

رغم الضغوط التي مورست على المجتمع الأدبي في إيران في التسعينيات من القرن الماضي، فإن الشعر والأدب القصصي في هذه الفترة، بخاصة أدب القصص النسوي، تطوّر بشكل جيد، وفي هذا العقد نرى أن الجيل الأول من شعراء الشعر المعاصر قد أخذ ينشر آثاره جنبًا إلى جنب مع شعراء بدؤوا ينشرون أعمالهم في الثمانينيات، ومن الشعراء المشهورين في هذه الفترة يمكن الإشارة إلى أحمد رضا أحمدي ومنوتشهر آتشي ورضا براهني ويد الله رويايي ومحمد علي سبانلو وأحمد شاملو، وإلى جانبهم نرى جيلًا جديدًا من الشعراء الذين ولجوا ميدان الشعر في التسعينيات مثل بكاه أحمدي، وشمس آغا جاني، وأبو الفضل باشا، ورضا شايشي، ورزا جمالي، ومهين خديوي، وأفشين دشتي، وشهرام شيدايي، وعلي عبد الرضايي، ومهرداد فلاح، وجرناز موسوي، ورسول يونان.
وكما يقول حسن ميرعابديني فقد نشرت 370 امرأة أولى آثارهنّ بين عامي 1990 و2000، وهذا يعادل 13 ضعف عقد الثمانينيات، وهذا التطور علامة على حاجة النساء إلى التعبير عن مطالبهن وتوضيح ظروفهنّ إزاء المجتمع، ومن بين الكاتبات في هذه الفترة فرخنده آغايي، وشيفا أرسطويي، وميترا الياتي، وزويا بيرزاد، وشهلا برفين روح، وفرشته توانجر، وفتانه حاج سيد جوادي، وميترا داور، ومنيرو رواني بور، وسبيده شاملو، وبهار صادقي، وليلا صادقي، وناهيد طباطبائي، وبهناز علي بور جسكر، ومهسا محب علي، وفرشته مولوي، وناهيد كبيري وفريبا وفي. ومن بين الروايات والقصص المهمة في هذه المرحلة يمكن الإشارة إلى «الفهود التي ركضت معي» للكاتبة ناهيد طباطبائي، و«شبه الغائب» لحسين سنابور، و«أسفار الكُتَّاب» لأبو تراب خسروي، و«حفل الأوتار الممنوعة» لحسين مرتضييان آبكنار، و«العشق» لشهريار مندني بور، و«الرصاصة الفارغة» لكوروش أسدي، و«الغجري بجانب النار» لمنيرو رواني بور، و«عام المصيبة» لعباس معروفي.
في الثاني من عشرين من مايو 2001 انتُخب محمد خاتمي لفترة رئاسة ثانية، وأُبقي على مسجد جامعي في وزارة الإرشاد، وبقي الوضع على ما هو عليه كما في الأعوام السابقة، لكن في انتخابات 2005 تغيرت المعادلة، وأمسك ممثل أكثر شرائح النظام تطرفًا بزمام السلطة التنفيذية، ولم تمض مدة على بدء محمود أحمدي نجاد مهامّه رئيسًا للجمهورية حتى اعتُقل يعقوب ياد علي مؤلف كتاب «آداب الأرق» في فبراير من عام 2006 بتهمة إهانة العرق اللوري، وبقي في السجن حتى شهر مايو، وقد حُكم على يادعلي في محكمة البداية بالسجن لتسعة أشهر مع وقف التنفيذ، لكن محكمة الاستئناف حكمت عليه بالسجن لعام كامل مع التنفيذ، وهو ما يتعارض مع القوانين الجنائية، ما أدَّى إلى ردّ فعل واسع من قبل الكتاب في الداخل والخارج.

يعقوب يادعلي مؤلف كتاب “آداب الأرق”

جلب عهد أحمدي نجاد للمثقفين والكتّاب في كلّ يوم تحدِّيًا جديدًا وقيودًا جديدة، ولم يكُن يدع الرئيس الجديد الذي كان يعتبر نفسه ممثلًا لفقراء المجتمع، أي فرصة لمهاجمة المفكرين والكتّاب، فصعّبت وزارة الإرشاد من شروط إصدار التراخيص بالنشر، ولم يُسمح بطباعة طبعة جديدة لكثير من الكتب، وزادت مدة منح التراخيص من شهر إلى عام كامل أو أكثر، وأصبح الأمر مرهقًا ومتعبًا للغاية، وفي المقابل، وعلى غرار بدايات الثورة، زاد دعم الحكومة للكتاب التابعين للنظام بشكل كبير.
في نوفمبر 2008 أشار داود غفارزادكان مؤلف «نحن ثلاثة أشخاص» و«ليلة أيوب» إلى هذه الظروف في حوار له مع موقع «كتاب نيوز» بقوله: «خلال العامين أو الأعوام الثلاثة الأخيرة واجهنا هبوطًا عجيبًا في الأدب القصصي الجادّ… وإذا ما فتح المسؤولون أعينهم فسيرون أنهم يقفون عائقًا دون الأدب الجادّ، في حين أن الأدب الهابط مستمر في مسيره… كلّ شيء يُقاس مع نتائجه، من تَسلّموا إدارة «إدارة الكتاب» في وزارة الإرشاد ليس لهم أي سوابق ثقافية، والمساعي الرامية لإعاقة الأدب بلا طائل وغير مدروسة».
كانت رغبة أحمدي نجاد في إظهار الحركات والخطابات الشعبوية تجعل المثقفين يصطفون على الجبهة المقابلة له، ومن هنا كان المثقفون هم الجماعة الأولى التي تعرضت لهجومه.
خلال زيارته محافظة خراسان الجنوبية في نوفمبر 2008، قال أحمدي نجاد: «إن أمنية شهدائكم تتحقق بسرعة، وليس أمام العالم والبشرية طريق سوى هذا، البعض يستهزئ بمقولة إن جميع الأنبياء والشهداء والصالحين سيأتون يومًا لمساعدتكم، والسبب أن قلوبهم خالية من الإيمان، هؤلاء هم عبدة الأصنام والشياطين المعاصرون، إنهم يتقمصون دور المثقفين، لكنهم لا يفقهون من العالم ولو مقدار ما تفهمه البهائم».
في الثاني عشر من يونيو 2009 أجريت عاشر انتخابات رئاسية، وأُعلن أحمدي نجاد فائزًا فيها مرة أخرى، لكن بعد إعلان النتائج واعتراض اثنين من المرشّحين على ما أسموه «عملية تزوير واسعة» عمت الفوضى إيران، بخاصة طهران، ووصل الأمر إلى مواجهات ونزاعات في الشوارع وعمليات اعتقال على نطاق واسع، وفي الخامس والعشرين من يونيو أصدر اتحاد الكتاب الإيرانيين بيانًا طالب فيه بوقف قتل الشعب، جاء فيه: «مرّ أسبوعان تقريبًا على إعلان نتائج انتخابات 12 يونيو 2009 الرئاسية، وقُتل خلال هذه المدة العشرات من الأبرياء بسبب الهجوم الوحشي لقوات القمع، وفضلًا عن هذا فقد جرح واعتُقل كثيرون، وإذ ينأى اتحاد الكتاب الإيرانيين بنفسه عن التدخل في ماهية الانتخابات وصحة المشاركة فيها من عدمها، فإنه يدافع بناء على بيانه التأسيسي عن حرية التعبير غير المشروطة لجميع الناس والمحتجين والمقموعين بغض النظر عن معتقداتهم السياسية…».

يقول مهدي شجاعي، وهو كاتب وناشر، في حوار له مع موقع «خبر أونلاين» في أبريل 2011 واصفًا أيام القمع التي تلت انتخابات 2009 والأجواء الثقافية آنذاك: «قلتم إن الإصلاحيين مخربون، لكن ما الذي فعلتموه أنتم عندما وصلتم إلى الرئاسة باستثناء طرد الإصلاحيين وتعيين أتباعكم؟ إن الرقابة المفروضة لا تتمتع بأدنى فهم وإحساس، إنهم يجتثون كلّ شيء من جذوره، إننا نواجه أشخاصًا لا يتمتعون بأدنى درجة من الفهم والشعور والمعرفة بالإدارة الثقافية». لقد أصبح سيف الرقابة في هذه المرحلة حادًّا لدرجة أنه (جرح) حتى منظومة (خسرو وشيرين) الشعرية [للشاعر نظامي الكنجوي من القرن السادس الهجري]، مما أثار رد فعل واسعًا أجبر وزير الارشاد آنذاك على تكذيب الأخبار المتداولة في هذا الخصوص، وتقول الناشرة الإيرانية المشهورة شهلا لاهيجي واصفة عهد أحمدي نجاد في حوار لها مع وكالة «إيلنا»: «لقد شهدنا عهد «ميرسليم» [وزير الإرشاد في عهد رفسنجاني] وعلى الرغم من جميع الصعوبات آنذاك بقينا أحياء، لكن الآن لم يعد لدينا أي أمل للاستمرار في حياتنا الثقافية، أنا أدرك بما لدي من خبرة تجاوزت ثلاثين عامًا ما الكتاب الذي يصلح للنشر، وحسب القانون لا يمكن لأحد تحكيم الكتاب ودراسته لإصدار الإذن قبل الطباعة، وقضية الأجزاء التي يجب حذفها وإصلاحها مرتبطة بذوق المحكَّم، والرقابة والتحكيم الحاليين يعتبران نوعًا من الإهانة. لا يجب الخوف من المجتمع القارئ، بل يجب الخوف من المجتمع الذي لا يقرأ».
تمكن الأدب الإيراني من الوقوف على قدميه خلال العقد الأول من القرن الجديد، بنشر القليل من الأعمال الأدبية مثل: «الأوركسترا الليلية» لرضا قاسمي، و«دفّئني طَوال الشتاء» لعلي خدايي، و«نهر الراوي» لأبو تراب خسروي، و«الحياة تسير كما تريد» لأمير حسين خورشيدفر، و«أنا من سيطفئ المصابيح» لزويا بيرزاد، و«الثلج وسيمفونية الغيوم» لبيمان إسماعيلي.
بعد ثماني سنوات من الكبت، وفي الرابع عشر من يونيو 2013، وصل حسن روحاني إلى الرئاسة بعد تقديمه وعودًا بأجواء سياسية واجتماعية مفتوحة، واختار روحاني علي جنتي وزيرًا للإرشاد، شخص دون أي سابقة ثقافية. في التاسع والعشرين من ديسمبر 2013 قال عباس صالحي (مساعد جنتي) الذي أصبح لاحقًا خليفة له، في حوار مع صحيفة «إيران»: «في الفترة السابقة أعلن عن عدم الموافقة على نشر آثار بعض الكتاب… عدد الكتاب الذين جرى تعليق نشر آثارهم قليل، لكنّ عدد الكتاب الممنوعين من النشر أكبر، وبعبارة أخرى كانت أسماؤهم مدرجة على القائمة السوداء»، ووعد صالحي بتحسين الأوضاع.
سمحت وزارة الإرشاد لدار نشر «تشمه» التي ألغت الوزارة رخصتها في فترة سابقة، بالعودة مجددًا إلى الساحة الثقافية، ورغم الوعود التي قُدِّمت إلا أن بعض المراقبين يعتقد أن حكومة روحاني بدأت فرض الرقابة لكن بذكاء فاق ذكاء الحكومات السابقة، وساقت الفن والأدب نحو ساحات غير سوية كالفساد وغسل الأموال على نطاق واسع، ومن خلال ذلك ابتُليت الساحة الثقافية بانحطاط إن لم يكُن الخلاص منه غير ممكن فهو صعب للغاية. في أكتوبر 2014 توُفِّي مغني البوب الإيراني مرتضى باشايي بعد معاناة مع المرض، وحضرت جموع غفيرة غير مسبوقة مراسم تشييعه، الأمر الذي أدى إلى حدوث أزمة مرورية خانقة وتوقّفٍ في حركة السير بشكل كامل في وسط العاصمة طهران، وردًّا على هذا السلوك كُتب كثير من المقالات والانتقادات، ولكن محاضرة خبير علم الاجتماع في كلية العلوم الاجتماعية في جامعة طهران يوسف أباذري انطوت على أهم وصف قُدِّم حول طبيعة نظرة حكومة روحاني، وعلى نطاق أوسع الجمهورية، نحو مفهوم الثقافة.

يوسف أباذري

قال أباذري: «قبل مدة عرض التليفزيون الوطني فيلمًا وثائقيًّا بعنوان «الأسماك تموت في سكوت»، تَحدَّث فيه عن محافظة سيستان وبلوشستان، حيث الناس لا يجدون ما يأكلون، في حين كانت هذه المحافظة هي التي تنتج احتياجات إيران من القمح، كان الجميع في هذا الوثائقي يقولون إن هذه المحافظة تموت تدريجيًّا، وينتظر سكانها خطر هائل في حال لم يسارع المسؤولون إلى نجدتهم، لكنّ هذا الفلم لم يُثر أي ردّ فعل في المجتمع، حتى أنتم يا من تجلسون هنا لا تعلمون أن وثائقيًّا من هذا النوع عُرض على شاشة التليفزيون، وأنه يتحدث عن حياة وموت محافظة من محافظات الدولة، فما السبب؟ السبب في حدوث هذا هو انحطاط أذواق الناس… لماذا يُخرِجون القضايا الحقيقية التي نلمسها من أذهاننا؟ إن هذا الذي رفعوا صورته وأطفئوا المصابيح لأجله هو مغني بوب، ونعرف أن موسيقى البوب هي أكثر أنواع الموسيقى ابتذالًا، وهذا الشخص هو الأكثر ابتذالًا من بين جميع من يغنون في هذا الأسلوب، ويأتي البعض ويقول لا تحكم على الموسيقى، كيف أستطيع أن لا أحكم على موسيقى شخص ميّت؟ لقد أرسلت موسيقاه إلى خبير في الموسيقى وحلّلها وحكم عليها، والنتيجة أنها ابتذال محض، نحن لدينا أنواع من البوب المعقَّد، وهذا النوع أسهلها وأسخفها وأسوؤها، إن موسيقى هذا الشخص ابتذال محض، فكيف لي أن لا أحكم على مثل هذا الشيء؟ الابتذال والانحطاط، أمران يقوم بهما الشعب والحكومة معًا، وهذا ينطوي على نقطة شبه فاشية أخشاها كثيرًا، فنزع الصبغة السياسية يعني هدم كل ما قامت الثورة من أجله، وقاوم كثيرون في سبيله، لماذا عندما يموت مثقَّف لا يمشي أحد في جنازته؟ هذا الأمر علامة سيئة، ويشير إلى أن نزع الصبغة السياسية يتجه إلى منعطفات خطرة والناس هم من يريدون ذلك».

مادة مترجمة عن موقع زيتون


  الآراء الواردة في المقال تعبر عن وجهة نظر كاتبها، ولا تعكس بالضرورة رأي المعهد

روزبه خسروي
روزبه خسروي
كاتب ومحلل سياسي