تُشكِّل موجة الاحتجاجات، التي اجتاحت إيران في الفترة ما بين أواخر عام 2025 إلى أوائل عام 2026، واحدة من أخطر الأزمات السياسية، التي واجهتها «الجمهورية الإيرانية» منذ تأسيسها عام 1979. ماكان يبدو في بادئ الأمر مظاهرات تحرِّكها الأزمة الاقتصادية، سُرعان ما تحوَّلت إلى حركة وطنية تحدَّت الركائز الأساسية للنظام السياسي. وانطلقت شرارة الاضطرابات في «بازار طهران الكبير»، بتاريخ 28 ديسمبر 2025، لكنها سُرعان ما امتدَّت إلى جميع المحافظات الإحدى والثلاثين، من خلال حشْد كبير من شرائح اجتماعية مختلفة، شمِلَت أصحاب المحال التجارية وعُمّال المصانع وطُلّاب جامعات ونساء وأقلِّيات عرقية. ولم تسلِّط سرعة وحجم هذه الاحتجاجات الضوء فقط على عُمق السخط لشعبي، بل أيضًا على هشاشة النظام السياسي، الذي يعتمد بشكل متزايد على القمع، أكثر من السعي وراء الرضا الشعبي.
تتمحور هذه الاحتجاجات الشعبية حول الأزمة الاقتصادية الحادَّة، فقد وصَلَ الريال الإيراني إلى أدنى مستوياته التاريخية مقابل الدولار الأمريكي، حيث تراوح سعر الصرف بين 700 ألف إلى 1.5 مليون ريال للدولار؛ الأمر الذي أسهم في تبخُّر المدّخرات، وزعزعة الأنشطة الاقتصادية اليومية. وتجاوز معدل التضخم رسميًا الـ 40%، بينما قفزت أسعار المواد الغذائية الأساسية إلى أكثر من 70% مقارنةً بالعام السابق. وتقلَّصت بشكلٍ حاد إعانات الوقود والسِلَع الأساسية، التي كانت تقدِّمها الدولة لفترة طويلة؛ الأمر الذي زاد من معاناة الأُسَر ذوي الدخل المنخفض والمتوسِّط. وظهرت هذه التطوُّرات في خِضَمْ المشاكل الهيكلية المزمنة، مثل شُحْ المياه، وانقطاع التّيار الكهربائي، وتدهوُر الوضع البيئي، وتلوُّث المناطق الحضرية؛ ما زاد من تراجُع ثقة الشعب في قُدرة الدولة على الحُكم بفعالية. ولم تعُد الأزمة الاقتصادية بالنسبة للعديد من الإيرانيين مجرَّد أزمة عابرة بل تهديد وجودي؛ الأمر الذي يُشير إلى فشل نموذج الحُكم، الذي أصبح عاجزًا عن تحقيق الاستقرار أو الازدهار.
لكن لا يمكن فصْل الأزمة الاقتصادية عن المسار الجيوسياسي الأوسع لإيران؛ فقد أدَّت سنوات من العقوبات وانخراط طهران العسكري على المستوى الإقليمي، إلى استنزاف موارد الدولة وقلَّصت الخيارات السياسية المُتاحة. فقد فرَضَ دعْم الجماعات المسلَّحة المتحالفة غير الحكومية في جميع أنحاء الشرق الأوسط، إلى جانب الأثار المترتِّبة على تصاعد التوتُّرات مع إسرائيل والولايات المتحدة، عبئًا هائلًا على الاقتصاد المُنهَك بالأساس. وعزَّزت حرب الاثني عشر يومًا مع إسرائيل، وما تبِعها من ضربات أمريكية ضدّ المنشآت النووية الإيرانية، قناعة المحتجِّين بأنَّ النظام يمنح أولوية للمواجهة الأيديولوجية والطموح الإستراتيجي على حساب رفاهية الشعب. وعلى الرغم من الوعود الانتخابية بتبنِّي سياسة أكثر اعتدالًا، لم تُظهِر إدارة الرئيس مسعود بزشكيان قُدرة -أو رغبة- في تغيير الديناميكيات الهيكلية؛ الأمر الذي عزَّز الشكوك لدى عموم المواطنين تجاه الخطاب «الإصلاحي» داخل النظام الحالي.
ومع تصاعُد وتيرة الاحتجاجات، تطوَّرت مطالب المحتجِّين بسرعة؛ فما كان في البداية مجرَّد مطالب تدور حول تعديل الأجور والاستقرار الوظيفي وتقديم الدعم الاقتصادي، سُرعان ما تحوَّلت إلى هتافات سياسية واضحة تستهدف المرشد الأعلى و«نظام رجال الدين» نفسه، وأصبحت الهتافات، التي تدعو إلى الإطاحة بعلي خامنئي وتندِّد بشرعية «الجمهورية الإيرانية»، تتصاعد بشكلٍ متزايد. ومن جانب آخر، مثَّلت عودة ظهور رموز ما قبل الثورة، لا سيّما «علم الأسد والشمس»، دلالة رمزية على الانفصال مع النظام القائم ما بعد عام 1979م وعكست طموحًا أوسع نحو الحُكم العلماني ونهضة وطنية جديدة. وبالنسبة للعديد من المشاركين، لم تمثِّل هذه الرموز بالضرورة برنامجًا سياسيًا مفصَّلًا، بقدر ما كانت تعبيرًا عن رفْض الهيمنة الأيديولوجية، التي فرضتها «الجمهورية الإيرانية».
وحافظت الحركة الاحتجاجية على زخمها، من خلال الإضرابات وإغلاق الجامعات وأعمال العصيان المدني، التي تسبَّبت في تعطيل مظاهر الحياة اليومية. وأصبحت مُدُن كُبرى، مثل طهران ومشهد وأصفهان وشيراز وكرمانشاه، هي بؤر للمواجهات، وحتى المُدُن الصغيرة والضواحي نشبت فيها احتجاجات شديدة، فقد اقتحم متظاهرون في عدَّة مناطق مبانٍ حكومية ومنشآت أمنية؛ ما اضطرَّ الأجهزة الأمنية إلى الانسحاب المؤقَّت. وشهِدَت مناطق الأقلِّيات العرقية، لا سيّما المناطق الكردية، مظاهرات منسَّقة عزَّزت الطابع الوطني للاحتجاجات. وفي ظل غياب معارضة منظَّمة داخل البلاد، أصبحت الشخصيات الموجودة في الخارج أكثر تأثيرًا وظهورًا، من بين هؤلاء الشخصيات برَزَ رضا بهلوي كنقطة محورية ورمزية لاستقطاب شرائح واسعة من الحركة الاحتجاجية. وعلى الرغم من أنَّ إظهار الدعم له لا يعني بالضرورة وجود إجماع حول استعادة النظام الملكي، إلّا أنَّ ظهوره يُشير إلى المساعي للبحث عن سرديات سياسية بديلة قادرة على تحدِّي ادّعاء «الجمهورية الإيرانية» باعتبارها حتمية تاريخية. في الوقت نفسه، لعِبَت وسائل الإعلام الناطقة بالفارسية، التي تعمل من المنفى، دورا محوريًا في تشكيل الخطاب العام، حيث كانت أكثر مصداقية من وسائل الإعلام الحكومية.
واتَسَم ردّ فعل النظام بالاعتماد المُفرِط على القوَّة. فمنذ أوائل يناير 2026م، فرضت السُلطات حظرًا شاملًا على الإنترنت والاتصالات في جميع أنحاء البلاد؛ الأمر الذي عزَلَ إيران عن العالم الخارجي وعرقل التنسيق الداخلي. ونشرت قوَّات أمنية -بما في ذلك الحرس الثوري الإيراني والبسيج والشرطة الوطنية- بقصد استخدام القوَّة المُميتة، مستعينين بالذخيرة الحيَّة والغاز المُسيل للدموع والاعتقالات الجماعية لقمع المعارضة. أفادت تقارير بتحويل سيارات الإسعاف إلى تنفيذ عمليات أمنية، وتعرُّض المستشفيات للضغوط لكي يرفضوا معالجة الجرحى من المحتجِّين، وأُلقِيَ القبض على الآلف المحتجِّين، وارتفعت حصيلة الضحايا بشكلٍ حاد. وعلى الرغم من أنَّ الأرقام الدقيقة لا تزال موضع خلاف بسبب الرقابة المفروضة على المعلومات، فقد أفادت مصادر متعدِّدة عن مقتل مئات الأشخاص خلال أسابيع، فيما ذكرت وسائل الإعلام التابعة للمعارضة أنَّ أرقام القتلى أعلى بكثير، خصوصًا خلال عمليات القمع العنيفة.
أثار هذا التصعيد مقارنات مع موجات قمْع سابقة، لا سيّما احتجاجات عام 2022، التي وصفتها الهيئات الدولية بأنَّها انطوت على جرائم ضدّ الإنسانية. وبدلًا من استعادة النظام، أسفرت شدَّة حملة القمع إلى تفاقُم السخط الشعبي، وتصعيد حملة الرقابة الدولية. وقد أُغلِقت وسائل الإعلام داخل إيران، وأُرهِب الصحافيين، وهُدِّدت عائلات الضحايا بالتزام الصمت. ومع ذلك، استمرَّت بعض الأدلَّة المحدودة، مثل مقاطع الفيديو، وشهادات وصور الأقمار الصناعية في الظهور؛ ما قوَّض محاولة الدولة للسيطرة على سردية الحركة الاحتجاجية.
كما كشفت ردود الفعل الدولية عن نقاط ضعْف النظام على الصعيد الخارجي، إذ أصدر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحذيرات صريحة، مُشيرًا إلى استعداد بلاده لتصعيد الضغوط، من خلال العقوبات، أو العمليات السيبرانية، أو الضربات العسكرية، في حال تصاعُد حملات القمع. وسلَّط التنسيق مع إسرائيل الضوء على التصميم المشترك على مواجهة نفوذ إيران الإقليمي، وطموحاتها النووية. وأعربت الحكومات الأوروبية عن قلقها ودعت إلى محاسبة المسؤولين عن تلك الحملات، بينما حشدت منظَّمات حقوق الإنسان جهودها لتوثيق الانتهاكات. وحاولت طهران تصوير الاضطرابات على أنَّها مؤامرة خارجية، متّهِمة واشنطن وتل أبيب بالتخطيط للاحتجاجات، في الوقت الذي أكَّد فيه المسؤولين أنَّهم لايزالون منفتحين للتفاوض وفق شروط «الاحترام المُتبادَل».
وبهذه الاحتجاجات المتصاعِدة، تواجه القيادة في إيران معضلة كبيرة؛ فالإصلاح الحقيقي قد يؤدِّي إلى انقسامات داخلية، وفُقدان التماسك الأيديولوجي، في حين أنَّ الحفاظ على الوضع الراهن لم يعُد يُجدي، ناهيك عن أنَّ القمع المستمرّ يشكِّل خطرًا على التماسك الداخلي، ويفتح باب التصعيد الخارجي. وأسهَمَ التدهور الاقتصادي في إشعال سلسة متلاحِقة من الاحتجاجات، في حين لم يعُد ولاء القوَّات الأمنية -التي تخضع لنفس الضغوط الماديِّة التي يعانيها عامَّة الشعب- أمرًا مُسَلَّمًا به. وأصبح الرأي العام الإيراني العابر للحدود، الذي تشكِّله الجاليات الإيرانية في المنفى، من خلال وسائل الإعلام المستقلَّة، يؤثِّر بشكلٍ متزايد على الرأي العام المحلِّي؛ الأمر عزَّز الدعوات لإجراء تغييرات منهجية. ولا يزال من غير المؤكَّد ما إذا كانت هذه الأحداث ستنتهي بانهيار النظام أم لا، لكن ما هو واضح أنَّ «الجمهورية الإيرانية» دخلت مرحلة من الضعف الإستراتيجي الحاد، ولم يعُد بقاؤها يعتمد على الشرعية بقدر ما يعتمد على القمع، وهو مسار يزيد من عبء الصمود مع مرور الوقت. وبالنسبة للعديد من الإيرانيين، تمثِّل احتجاجات عام 2026م لحظة محفوفة بالمخاطر الاستثنائية، وتأكيد جوهري على الفاعلية السياسية، إذ أصبح المجتمع، الذي طالما بقِيَ مقيدًا بالمبادئ الأيديولوجية للدولة الإيرانية، أمام فرصة حقيقية لرسم معالم مستقبله.