اغتيال خامنئي ومستقبل النظام في إيران

https://rasanah-iiis.org/?p=38798

يطوي اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي في غارة جوِّية أمريكية في 28 فبراير 2026م، صفحة طويلة من الجدالات والاختلافات حول سياساته وتوجُّهاته الداخلية والخارجية، التي خلقت حالة صراعية معقَّدة على المستويين الإقليمي والدولي دامت لعقود، وكذلك يُشكِّل غيابة عن المشهد في إيران حدثًا محوريًا ونقطة تحوُّل مفصلية وتاريخية، ليس فقط على المستوى الداخلي في شكل وطبيعة نظام الحُكم خلال المرحلة المقبلة، وإنَّما على المستوى الإقليمي (شبكة الوكلاء الإقليميين)، والدولي (التحالفات مع القُوى الكُبرى)، حيث لا يمكن فهم إيران المعاصرة دون ذكر اسمه وتحليل مرحلته، وذلك لاعتبارات تتعلَّق بمركزيته وثِقَله ومكانته؛ لكونه أحد أقوى وأهمّ مراكز ثِقَل النظام الإيراني، على مدى أربعة عقود ونصف العقد من الزمان، عاشها النظام في صراعات على الصعيدين الداخلي والخارجي.

يطرح غياب الرجل الأقوى دون منازع في النظام الإيراني حزمة من التساؤلات حول: ما هو وزن وتأثير غيابه على مستقبل النظام في إيران؟ بمعني هل سقوطه يعني سقوط النظام في إيران؟ أم أنَّ هناك مراكز ثِقَل متبقِّية وظهير عقائدي داعم لاستمرارية النظام؟ ومن سيقود إيران في مرحلة ما بعد خامنئي؟ وكيف يكون شكل نظام الحُكم في إيران وخلفاء المرشد المُحتمَلين؟ وما هي أبرز التداعيات على شبكة التحالفات والأذرع الإقليمية في ساحات النفوذ الإيرانية؟ هل يمكن أن نشهد انخراطًا واسعًا للميليشيات المسلَّحة ضمن الحرب الدائرة مع إيران؟ وما خيارات الرد الإيراني على مقتل خامنئي؟

أولًا: وزن وتأثير اغتيال خامنئي على مستقبل النظام الإيراني

بخلاف الصلاحيات والسُلطات الواسعة وفوق الدستورية، التي منحها الدستور للمرشد، والتي يمكن أن تُمنح لخلفه حال تعيين مرشد جديد على رأس النظام في إيران لحمايته من السقوط، بالطبع لن يكون لأيّ خليفة قادم تأثير في صلابة وقوَّة واستمرارية النظام لأكثر 45 عامًا من العمل السياسي، مثل التي منحها له خامنئي، لأسباب واعتبارات عديدة، أبرزها:

1. قلب وعقل المركز الإستراتيجي للنظام الإيراني

يرتكز النظام الإيراني على مراكز ثِقَل رئيسية، يأتي في أولها شخصية المرشد على خامنئي، التي تتمحور حوله بقية مراكز الثِقَل الإستراتيجية، فهو مركز الثِقَل الأول والأقوى والأكبر، ويُعَدُّ بمثابة الفلك الذي تدور حوله بقية مراكز ثِقَل النظام، حيث شارك المرشد الأول في التأسيس والترسيخ للنظام الحاكم، ووضَعَ البنود الرئيسية للدستور، وبناء مؤسساته السياسية والسيادية والعسكرية والثورية، وترسيخ الجانب الأيديولوجي والعقْدي في الأوساط الشعبية؛ ليسهر الناس على حماية النظام بدلًا من حماية النظام للمواطنين وتلبية مطالبهم الأساسية، بل فرَضَ المنظومة الفكرية والهويَّة الشيعية على السياستين الداخلية والخارجية، ويحظى بحضور ديني وازِن في قلوب الإيرانيين الشيعة العقائديين، وبمركزية حُكم شديدة بتركيز السُلطات في يده، وتوطيد علاقته بالحرس الثوري، وإضعافه للمؤسسات المنافسة.

لم يكُن خامنئي مجرَّد قائد سياسي عادي أو رجل دين تقليدي، بل رمز بكل المقاييس التفَّت حوله كل خيوط اللعبة الإيرانية من الثورة، للسُلطة، للحرب، للمعارضة، للبرنامج النووي، للصواريخ الباليستية، للمغامرات الخارجية.. إلخ. وباتت شخصيته تحظى بالإعجاب والغضب في آنٍ واحد، وقد بدأت مسيرته في الحُكم الديني من مدينة مشهد إلى أعلى منصب قيادي في إيران، وتحوَّلت حياته إلى نافذة على تاريخ إيران المعاصر بكل تغيُّراته وصراعاته وأزماته؛ لذلك يُعتبَر خامنئي واقعيًا ودستوريًا العمود الفقري والعقل المدبِّر والقلب النابض للنظام، بل ويمتلك الشيفرة السريالية لجمع مراكز ثِقَل النظام في يده، حتى إنَّه يُقال إنَّه إذا ما كان الخميني مفجِّرًا للثورة فإنَّ خامنئي قد حافظ على استمرارها وتصديرها. فمنذ شبابه، كان خامنئي أحد أركان الثورة ورموزها، وأحد المؤثِّرين في مسارها وديمومة مبادئها، وبالتالي فرحيله سيفقد النظام كثيرًا من صلابته وقوَّته واستمراريته، ورُبَّما يؤدِّي إلى الإطاحة ببقية مراكز ثِقَل النظام، التي تليه في التأثير والأهمية.

2. المرجعية والتجارب القيادية التاريخية

يمتلك خامنئي إضافة لمرجعيته الدينية، تاريخًا سياسيًا طويلًا وحافلًا في فن إدارة الحُكم الديني في إيران، مقارنةً بكافَّة الشخصيات المُحتمَل تسميتها خليفةً له؛ حيث يحظى ببُعد كاريزماتي وتأثير كبير لدى المؤمنين بنظرية «ولاية الفقيه» والحُكم الديني في إيران، سواءً في داخل إيران أو خارجها، ويتمتَّع بتجارب تاريخية عديدة في كيفية التعاطي والتفاهم مع السياسات الإقليمية والدولية العالقة مع إيران؛ لكونه شخصية سياسية براجماتية لديها قُدرة على المواءمات السياسية  تجمع ما بين المرونة (القُدرة على تليين المواقف عند تهديد استقرار مستقبل النظام) والتشدُّد (الالتزام بالمبادئ الثورية)، ويُعرَف بقُدرته على التخطيط الإستراتيجي العالي في القضايا الكُبرى المتعلِّقة بمستقبل الدولة ونظامها السياسي، والهدوء في اتّخاذ القرارات، والقُدرة على تحمُّل الأزمات، كما يتميَّز بكونه صاحب قرار نهائي، ويُنظَر إليه كحاكم للمشروع الثوري، وبالتالي فإنَّ غيابه يُتوقَّع أن يُفقِد النظام الخبرة والتجربة في الحرب والتفاوض، بل ويُفقِده الخط الرابط بين كافَّة المؤسسات وأجنحتها المتعدِّدة.

3. رافعة المشروع الجيوسياسي الإيراني

مقارنةً بأقرانه المُحتمَلين في المنصب، حال نجا النظام من الضربات الراهنة المكثَّفة، يرتبط المشروع الجيوسياسي التوسُّعي الإيراني بـ «الولي الفقيه» مباشرةً، كما يرتبط بقاء واستمرارية المشروع الإيراني الإقليمي إلى حدٍّ كبير بوجود المرشد علي خامنئي ذاته؛ فالعلاقة بين النظام الإيراني، الذي يُعَدُّ خامنئي أول مراكز ثِقَله، والأذرُع الإقليمية، علاقة ارتباطية وجودًا وعدمًا، كذلك يتبنَّى خامنئي نهْج المقاومة ضدّ الغرب.

يراه مؤيِّدوه على أنَّه رمز للثبات وحماية المشروع الجيوسياسي، من العراق إلى سوريا ولبنان واليمن وفلسطين، في المقابل، يراه منتقدوه على أنَّه شديد المركزية في الحُكم بتركيزها في يده، وتعميقه حالة الاستقطاب السياسي الداخلي والإقليمي، وتحويل إيران إلى دولة شديدة المركزية تحت سيطرته وقبضته على المستويين العسكري والأمني. وعلى الرغم من كافَّة الجدالات حول شخصيته، يظَلّ هناك شبه اتفاق كبير على أنَّه صاحب القول الفصل، وخضعت له مؤسسات الدولة وشبكات النفوذ الاجتماعية والعسكرية والدينية بشكلٍ كامل. وبالتالي، يمكن تجاوُز النقاش الدائر حول شخصه، ليصبح عن مستقبل النظام بعد غيابه، وما إذا كانت إيران ستواصل نموذج الحُكم الذي رسَّخه، أم أنَّها ستشهد تحوُّلات سياسية جذرية في المرحلة المقبلة بعد اغتياله؛ لذلك فإنَّ غيابه –بالطبع- سيترك تأثيرًا كبيرًا على ما يُسمَّى بـ «محور المقاومة».

4. خامنئي وتماسُك النظام في إيران

كان خامنئي يقود ويحمي ويرعى الوحدة والانسجام بين كافَّة أجنحة النظام ومؤسساته الرسمية وغير الرسمية والموازية، ورُبَّما يحدُث بغيابه تفاقُم الصراعات الداخلية، وتصاعُد حرب النفوذ بين أجنحة السُلطة، مثل الحرس الثوري والتيّارين «المحافظ» و«الإصلاحي»، حيث يُتوقَّع أن يسعى كل تيّار أو جِهة للاستحواذ على السُلطة والمصالح، لا سيّما على ضوء الأزمات الداخلية المعقَّدة من جرّاء العقوبات الاقتصادية المستمرَّة، ومعاناة النظام فعليًا من حالة ضعْف داخلي منذ تلقِّيه ضربات خارجية وداخلية فكَّكت مشروعه الجيوسياسي ودمَّرت أجزاء من قُدراته ومقُدَّراته، وأيضًا حال استمرارية الضربات الأمريكية والإسرائيلية المشتركة؛ لذلك رُبَّما يفجِّر غياب خامنئي صراعًا أعنف بين أجنحة النظام وقياداته المتبقِّية -حال نجت من الضربات الأمريكية والإسرائيلية- قد يصِل رُبَّما إلى تصفية جسدية مُتبادَلة بينهم.

باختصار، وإن كان غياب خامنئي لن يُسقِط النظام مباشرةً، وفق آراء بعض المحلِّيين الإستراتيجيين والمعنيين بالشأن الإيراني، غير أنَّ غيابه سيخلق فراغًا كبيرًا لا يمكن ملؤه. لذلك، رُبَّما يعني غيابه مقدِّمة لانفراط بقية حبّات عقْد مراكز ثِقَله وتأثيره واستمراريته؛ ما يجعل العنوان الرئيسي لإيران ما بعد خامنئي «مرحلة عدم اليقين والاضطراب الكبير»، بما يهدِّد بقاء النظام بأكمله، لا سيّما مع الأزمات والضغوطات والضربات وفُقدان الشعب الإيراني الثقة في المؤسسات القائمة وقُدرتها على وقْف النزيف.

ثانيًا: إدارة الحُكم في إيران بعد رحيل خامنئي

بغياب المرشد علي خامنئي عن المشهد، يُطرَح سؤال حول شكل نظام الحُكم، والسيناريوهات المُحتمَلة للنظام في مرحلة ما بعد خامنئي، أو بعبارة أخرى كيف يكون شكل الحُكم وإدارته في مرحلة ما بعد خامنئي، ولمن ستؤول القيادة في الحُكم؟ وفيما يلي أبرز الأشكال المُحتمَلة لإدارة نظام الحُكم في إيران في مرحلة ما بعد خامنئي:

1. استمرارية النظام بتعيين خليفة لخامنئي

يفترض هذا الشكل من الحُكم والإدارة استمرارية النظام بمرشد جديد، يهيمن على مقاليد الحُكم في سيناريو رُبَّما يقترب إلى حدٍّ ما من سيناريو تعيين خامنئي نفسه، ويُتيح لـ«المتشدِّدين» تعزيز قبضتهم على النظام. تُعَدُّ خلافة المرشد الأعلى في إيران لحظة «تأسيسية» في بِنية النظام، ليس لأنَّها انتقال منصب سياسي فحسب، بل لأنَّها انتقال مركز الثِقَل الدستوري-الأمني-الأيديولوجي، الذي يعلو على السُلطات الثلاث ويقود الجيش والحرس الثوري ويضبط مسارات الدولة وجهازها البيروقراطي. ومن ثمَّ فإن «اسم» الخليفة مهم، لكن الأهمّ هو التحالف الذي يصعد معه، الحوزة/ المؤسسات الدينية، مكتب المرشد وشبكاته، الحرس الثوري وأذرعه الاقتصادية والأمنية، والمؤسسات المهمَّة الأخرى، مثل مجلس خبراء القيادة، ومجلس صيانة الدستور، ومجمع تشخيص مصلحة النظام.     

أ. الإطار الدستوري الحاكم للخلافة.. من يختار؟ وما شروط المُختار؟

الجهة المختصَّة بالاختيار هي مجلس خبراء القيادة، وفق الدستور الإيراني، أي أنَّ مهمَّة تعيين «القائد/المرشد» موكولة إلى مجلس خبراء القيادة (المُنتخَب شكليًا)، وهو يراجع المؤهَّلين من الفقهاء، ثمَّ يختار أحدهم قائدًا، وذلك في سياق:

شروط المرشد: المعيار الدستوري لا يضع «الكاريزما» شرطًا، بل يضع شرطًا مركَّبًا؛ الاجتهاد (الأهلية الفقهية)، والعدالة والتقُوى، والبصيرة السياسية-الاجتماعية، والكفاءة الإدارية والشجاعة. وهُنا تظهر المعضلة العملية؛ كثيرٌ من المرشَّحين المُحتمَلين يملكون «سيرة مؤسسية» قوية داخل الدولة، لكن «موقعهم الفقهي» أو حضورهم الشعبي ليس بمستوى خامنئي/الخميني. 

الترتيب الانتقالي عند الشغور: ينصّ الدستور (المادَّة 111) على مجلسٍ مؤقَّت يتولَّى صلاحيات المرشد حتى تعيين قائد جديد، ويتكوَّن من: رئيس الجمهورية، ورئيس السُلطة القضائية، وفقيه من مجلس صيانة الدستور، يختاره مجمع تشخيص المصلحة. هذا الترتيب يفسِّر لماذا تُصِبح «مفاصل» مثل القضاء ومجلس الصيانة ومجمع التشخيص، نقاط ارتكاز في لحظة الانتقال. 

كيف تُصنَع الخلافة فعلًا؟ (الفارق بين النَص والواقع): حتى لو كان مجلس خبراء القيادة هو الذي يعيّن المرشد دستوريًا، فإنَّ البيئة الانتخابية، التي تُحدِّد أعضاءه والمرشَّحين داخله تتأثَّر بمؤسسات يُهيمِن عليها التيّار «المحافظ»؛ ما يجعل القرار في العادة تسوية نُخبوية تُعلِن بصيغة تصويت أكثر من كونه تنافسًا مفتوحًا. أمّا الحرس الثوري، فهو ليس مجرَّد مؤسسة عسكرية، بل شبكة سُلطة (اقتصاد، أمن، نفوذ إقليمي، وتعبئة داخلية). لذا، فإنَّ أيّ خليفة يحتاج إلى قبول عملي من الحرس، أو صفقة توازُن تضمن مصالحه، أو قيادة جماعية/مؤسسية تُوزَّع المخاطر وتمنع الانفراد. وبالتالي، فثمَّة ثلاثة مسارات هُنا: المسار الأول: استمرارية مُدارة، والمسار الثاني: تغوُّل/استيلاء عسكري تدريجي، والمسار الثالث: تآكل/انهيار مع التأكيد أنَّ النتيجة «غير محسومة»، وأنَّ الانتقال قد يبدأ مُدارًا ثمّ ينقلب إلى أحد المسارين الآخرين. وقبيل الهجمات التي تتعرَّض لها إيران هذه الأيام من قِبَل الولايات المتحدة وإسرائيل، سرَّبت تقييمات استخباراتية أمريكية بأنَّ الخلافة قد تميل إلى عناصر «متشدِّدة» مرتبطة بالحرس الثوري أكثر من كونها بداية تغيير جذري للنظام.   

ب. خرائط المرشَّحين المُحتمَلين.. «أنماط» أكثر من مجرَّد أسماء

لا يُوجَد إعلان رسمي مُسبَق عادةً، وتبقى القوائم ترجيحية تعتمد على مؤشِّرات، من قبيل: القُرب من مكتب المرشد، القبول الحوزوي والتأهُّل الفقهي، والموقع في المؤسسات الحسّاسة، والقبول الأمني، والحد الأدنى من «الأهلية الفقهية» وفق المادَّة 109 من الدستور، التي لم تشترط الأعلمية الفقهية، بل اكتفت بما سمَّته: الكفاءة العلمية اللازمة للإفتاء في مختلف أبواب الفقه. وفيما يلي أبرز الخلفاء المُحتمَلين لخامنئي:   

آية الله علي رضا أعرافي: ويظهر اسمه ضمن المرشَّحين منذ فترة، باعتباره من قيادات الحوزة الدينية، وعضوًا في مؤسسات محورية، ويُنظَر إليه على أنَّه يجمع «الشرعية الحوزوية» مع «السيرة الإدارية». لكن التحدِّيات التي ترافقه أنَّه محدود الشعبية العامَّة، والقُدرة على ضبْط شبكة الحرس الثوري، التي توسَّعت أكثر بكثير ممّا كانت عليه بداية حُكم خامنئي.   

آية الله غلام حسين محسني إجئي: ويُذكَر في التحليلات كمرشَّح مُحتمَل، وتبرز قوَّته من موقعه كرأس للسُلطة القضائية، ومن حضوره الأمني-السياسي. لكنَّه يواجه السؤال المُشكِل: هل تتوافر له -في نظر المؤسسة الدينية- مرتبة الاجتهاد والقبول الحوزوي الكافي لتبرِّير جمْع «ولاية الأمر» مع نفوذ الحرس الثوري؟ أسماء أخرى ضمن هذا النمط تُتداوَل في التقارير والتحليلات، مثل: محسن قمي، محسن أراكي، هاشم حسيني بوشهري، بوصفهم «وظيفيين-مؤسسيين» داخل الدائرة الصلبة المؤسساتية. الدلالة هُنا ليست «تفوُّق فرد بعينه»، بل قابلية هذا النمط لأنَّ يقدِّم مرشَّحًا لا يُثير انقسامات حادَّة داخل البيت الشيعي «الولائي»، وليس في الداخل الإيراني فحسب. وهؤلاء جميعًا يمثِّلون «الاستمرارية المؤسسية» (فقهاء-إداريون) من داخل قلب النظام، كما يملكون صِلات قوية بالبنية الدينية الرسمية وبمؤسسات الدولة، ويُقدَّمون عادةً كخيار «الأقلّ كُلفة» لضمان الاستمرار.  

مجتبى خامنئي: وهو حاضر بقوَّة في معظم نقاشات الخلافة منذ سنوات، ويُوصَف بأنَّه من أبرز المرشَّحين، مع الإشارة إلى أنَّ اختياره قد يكون «مُكلِفًا»؛ بسبب حساسية «توريث المنصب»، وضعف الخبرة الرسمية/الإدارية العلنية مقارنةً بحجم المنصب. وإن حدَثَ الزج بمجتبى في سدَّة القيادة، فإنَّه لا يُقرَأ كتوريث فحسب، بل كصفقة مع مراكز القُوى الأمنية، وبالأخصّ الحرسالثوري؛ إذ ترى تلك المراكز في قُربه من شبكة والده واستمرارية خطوط السياسة الضمان الأقوى في هذا الظرف الاضطرابي. لكن هذا يحمل مخاطرة في الوقت نفسه، فقد يحُدث انقسامًا داخل النُّخبة الدينية حول شرعية «الوراثة»؛ ما قد يدفع باتجاه حلٍّ مؤسسي بديل (قائد ضعيف + دولة عميقة قوية)، أو نحو مجلس قيادة وتقاسُم نفوذ.  ونمط مجتبى خامنئي هو نمط التوريث السياسي والديني، وهو مُستبعَد نظريًا في إيران بسبب وجود إرث حوزوي يحول دون ذلك، لكَّنه عمليًا الأقرب لهذا المنصب؛ لتعقُّد شبكات العلاقات والنفوذ، وقُربه من الحرس الثوري، واستمرارية خط والده.        

وكانت قد نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» وعدَّة صُحُف أخرى (في يونيو 2025م) خبر تحديد خامنئي ثلاثة مرشَّحين مُحتمَلين لخلافته، ليختار مجلس خبراء القيادة واحدًا منهم، وذلك خشية استهدافه من قِبَل الولايات المتحدة وإسرائيل، وأكَّد المصدر الذي نشرت عنه «نيويورك تايمز»، أنَّ مجتبى خامنئي «ابنه» ليس من ضمن المرشَّحين، لخلافة والده، لكن قد يكون ذلك تشويشًا معلوماتيًا، لأنَّ «واشنطن بوست» نشرت تقريرًا في يناير 2025م عن مرض خامنئي، والتحضير لأن يحِلّ مجتبى خامنئي محلَّه، بعد اختياره بشكل سرِّي من قِبَل «رجال الدين». وحينئذٍ رفَضَ الإيرانيون تقرير الصحيفة الأمريكية، ونفوا تلك «الإشاعات والمزاعم»؛ لأنَّ «المرشد المستقبلي لا يتِم اختياره من قِبَل رجال الدين، لكن من قِبَل مجلس من الشخصيات التي ينتخبها الشعب الإيراني كل ثماني سنوات».

كذلك أكَّد الإيرانيون أنَّ جميع تصريحات وأفعال المرشد تُظهر معارضته دخول أبنائه لعالم السياسة، فضلًا عن خلافته، وتأييدًا لهذا التوجُّه، ذكَرَ -حينذاك- عضو مجلس خبراء القيادة آية الله محمود محمدي عراقي، أنَّ خامنئي رفَضَ طلبًا من عدد من أعضاء المجلس للنظر في أحد أبنائه لشغل مناصب قيادية في المستقبل. ثمَّ ذكرت صحيفة «إيران تايمز»، أنَّ مصادرها أكَّدت أنَّ «آية الله خامنئي لا يزال حازمًا في معارضته لأيٍّ من خلافة أبنائه، ويحترم مجلس الخبراء ذلك». وفي مارس من العام 2023م، نشَبَ خلاف داخل الحوزة أيضًا حول مجتبى خامنئي، وسط تأكيدات حوزوية أنَّه من حقِّه الترشُّح لمنصب المرشد مثله مثل غيره دون وصاية عليه، وأنَّ كونه ابن المرشد الحالي لا يمنعه حقّ الترشُّح كمواطن إيراني ورجل دين توفَّرت في الأهلية السياسية والدينية، وذلك عندما ألمَحَ كلٌّ من رجل الدين صادق محمدي وعضو مجلس الخبراء موسوي جزائري، إلى إمكانية تولِّي مجتبى للمنصب خلفًا لوالده. كل تلك المؤشِّرات تقول إنَّ مجتبى خامنئي ليس مُستبعَدًا، بل رُبَّما كان الخيار الأرجح في تلك اللحظة الفارقة.

شخص من خارج السياق: تطرح لحظة انتقال منصب المرشد الأعلى في «الجمهورية الإسلامية الإيرانية» إشكالية مركَّبة تتجاوز مجرَّد اختيار شخصية دينية أو سياسية بعينها، إذ إنَّ بِنية النظام الإيراني تقوم على توازُن دقيق بين الشرعية الفقهية والسُلطة المؤسسية والأمنية. وعلى هذا الأساس، فإنَّ حصْر النقاش في الأسماء المُتداوَلة إعلاميًا، مثل مجتبى خامنئي أو علي رضا أعرافي أو حتى حسن الخميني (على الرغم من ميوله «الإصلاحية»)، قد يكون تبسيطًا لمعادلة أكثر تعقيدًا داخل النظام. فمجلس خبراء القيادة، من الناحية الدستورية، يمتلك صلاحية اختيار أيّ فقيه تتوافر فيه الشروط الشرعية والسياسية المنصوص عليها، وهو ما يفتح الباب نظريًا وعمليًا أمام سيناريو اختيار شخصية أقلّ شهرة، لكنَّها مقبولة من مراكز القوَّة الأساسية في النظام، لا سيّما الحرس الثوري ومكتب المرشد والمؤسسات الدينية الرسمية. وفي مثل هذه اللحظات الانتقالية، كثيرًا ما تميل الأنظمة السياسية إلى خيار «التوافق الهادئ»، أي اختيار شخصية لا تُثير حساسيات التيّارات المختلفة، وتستطيع إدارة مرحلة التوازنات الدقيقة، هذا إذا افترضنا التفكير العقلاني للحرس الثوري والفاعلين في طهران.

2. سيطرة الحرس الثوري على الحُكم منفردًا

تُشير العديد من الترجيحات إلى أنَّه في حال حدوث فوضى داخلية أو محاولة الأطراف المعارضة استغلال الظرف الحالي، الذي تمُرّ به إيران، للثورة ضدّ النظام والإطاحة به، قد يجِد الحرس الثوري أنَّ الوقت قد حان للتدخُّل، ومن ثمَّ حل جميع مؤسسات النظام واستلام الحُكم في البلاد بشكلٍ منفرد.

فقد ذكرت تقارير لوكالة «رويترز» نقلًا عن مصادر مطّلِعة، أنَّ وكالة المخابرات المركزية الأمريكية   (CIA) قدَّرت، قبل شن الغارات، أنَّه في حال مقتل المرشد علي خامنئي، فإنَّ عناصر «متشدِّدة» من الحرس الثوري ستكون الأقرب لخلافته. ولعلَّ ما يدعم هذا الاحتمال، أنَّ الحرس الثوري ظل لعقود من الزمان يمسك بمفاصل الدولة الإيرانية، وله تواجُد قوي في جميع المؤسسات، خاصَّةً الاقتصادية والاستخباراتية، فضلًا عن إمبراطوريته الاقتصادية، وتمتُّعه بعلاقات قوية مع المؤسسة الدينية، التي قد تشكِّل له غطاءً شرعيًا لحُكم إيران في حال اقتناع هذه المؤسسة بحتمية سقوط النظام.

3. سقوط النظام بأكمله – سيناريو ترامب

كان هدف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال «حرب الاثني عشر يومًا» محدَّدًا، وهو تدمير المنشآت النووية الثلاثة (فوردو ونطنز وأصفهان)، وبعد وصوله إلى هذا الهدف توصَّل إلى اتفاق لوقف الحرب. لكنَّه في الحرب الدائرة حاليًا، قد وسَّع من بنك أهدافه، بما فيها تغيير النظام، ودعوته الصريحة للشعب الإيراني للخروج والقيام بدوره في إسقاط النظام. وللتمهيد لهذا الهدف، بدأ ترامب باغتيال رأس النظام، كما دمَّرت الطائرات والصواريخ الأمريكية والإسرائيلية حتى الآن المئات من مراكز القيادة والسيطرة؛ بهدف إحداث شلل تام في إيران قبيل الاطاحة بالنظام. قد يكون تحقيق هذا الهدف ممكنًا، لكنَّه يظل محفوفًا بالتحدِّيات لعدَّة اعتبارات، أهمَّها صعوبة إدخال قوّات برِّية أمريكية وإسرائيلية للسيطرة على الوضع في إيران، والرقابة الأمنية المُحكَمة، التي يفرضها الحرس الثوري على الشارع الإيراني وتهديداته اليومية للإيرانيين بالتعامل بحزم شديد في حال خروجهم ضدّ النظام، فضلًا عن ضعْف المعارضة الداخلية في قيادة هكذا تغيير. لكن إذا نجح ترامب في تحقيق هدفه المُعلَن والمتمثِّل في تغيير النظام، قد يلجأ إلى دعْم رضا بهلوي؛ نجل الشاه السابق محمد رضا بهلوي، لقيادة إيران خلال المرحلة المقبلة، على الرغم من أنَّ ترامب قد أعلن مؤخَّرًا أن تولِّي نجل الشاه السابق للبلاد قد يكون خيارًا، لكنَّه اعتبر أنَّ شخصًا من «الداخل» سيكون أكثر ملاءمة لقيادة البلاد وإعادتها للشعب، وقد يلجأ ترامب لاختيار شخصية ترتضيها جميع مكوِّنات المعارضة الإيرانية المنتشرة في الدول الغربية، أو حتى دعمها لتشكيل دستور جديد تحدِّد فيه طبيعة ونظام الحُكم في إيران. وفي كل الأحوال، ستضمن الولايات المتحدة وإسرائيل مصالحهما خلال حقبة ما بعد النظام، إذا تمكَّنتا بالفعل من الإطاحة به خلال هذه الحرب.

4. التوصُّل لصفقة – سيناريو فنزويلا

تُدرك الولايات المتحدة أنَّ النظام الإيراني لديه حاضنة شعبية وخبرات طويلة في قمْع أيّ محاولة للانقلاب عليه؛ لذا قد تلجأ الإدارة الأمريكية للتوصُّل إلى صفقة مع المسؤولين الإيرانيين تضمن المصالح الأمريكية وتبدِّد المخاوف الإسرائيلية، تكون شبيهة بما حدَثَ في فنزويلا بعد عملية اعتقال نيكولاس مادورو، تتضمَّن إعطاء الفرصة باستمرار النظام في إدارة إيران خلال المرحلة المقبلة ما بعد وقْف الحرب، شريطة إجراء تغيير في السياسات المُعلَنة للنظام والتوصُّل لاتفاق حول البرنامج النووي، وتغيير العقيدة الأيديولوجية. يبدو أنَّ هذا الاحتمال صعب التحقُّق، خاصَّةً في ظل «العقلية المتشدِّدة»، التي تسيطر على مؤسسات النظام، والخسائر الكبيرة التي تعرَّضت لها إيران بتدمير بِنيتها التحتية وشل قُدراتها، والأهم من ذلك اغتيال المرشد علي خامنئي، الذي يمثِّل رمزية سياسية ودينية كبيرة لدى النظام وقادته ومؤسساته المختلفة، ويبقى تحقُّقه مرهونًا بتقديم تنازلات من الطرفين، خاصَّة الإيراني، وقناعته بأنَّ الحفاظ على النظام بشكله الحالي قد يضمن استمراره، ويجنِّب البلاد الكثير من الدمار.   

ثالثًا: التداعيات على شبكة التحالفات الإقليمية

غياب على خامنئي عن المشهد في إيران لن يُحدِث تداعيات على مستوى النظام السياسي فقط، وإنَّما يُحدِث تداعيات على صعيد شبكة التحالفات والجماعات الشيعية في الخارج، كالتالي:

1. فراغ أيديولوجي بين الجماعات الشيعية

لا شكَّ أنَّ رحيل خامنئي أحدَثَ فراغًا أيديولوجيًا بين الجماعات الشيعية التابعة لإيران في المنطقة والعالم، ورُبَّما تتأثَّر أيديولوجية «ولاية الفقيه» برُمَّتها بهذا الرحيل، في حال لم يتِم ملء الفراغ، على النحو الذي يُبقِي على إيران كمركز، وعلى ارتباطاتها الفكرية مع جماعاتها خارج الحدود.

كذلك الأمر على الصعيد الإستراتيجي، فإنَّ توجيه ضربة حاسمة إلى دولة المركز سيكون له تأثير بعيد المدى على الأطراف، إذ يُعتبَر خامنئي راعي مشروع نفوذ إيران الإقليمي، ومهندس إستراتيجية العُمق الإستراتيجي، التي كانت تجعل من إيران مركزًا للشيعة في المنطقة والعالم، ورُبَّما برحيله واحتمال حدوث تغييرات تطال النظام في إيران، قد تتحوَّل وجهة البلاد من راعية لمحور شيعي في المنطقة إلى وجهة أخرى علمانية، ومن ثمَّ حالة من التشتُّت وغياب البوصلة لدى هذه الجماعات الشيعية.

ومن المعلوم أنَّ إيران ومحورها في مرحلة دفاع عن البقاء منذ السابع من أكتوبر، بعدما استغلَّت إسرائيل هجوم الفصائل الفلسطينية كرافعة من أجل إحداث تغييرات في البيئة الإستراتيجية، بما يخدم تطلُّعاتها إلى تحقيق هيمنة إقليمية شاملة على الشرق الأوسط، وذلك من خلال تدمير «محور إيران» أولًا، ثّم القضاء على المركز في طهران؛ تمهيدًا لإخضاع كافَّة دول المنطقة.

2. دخول الفصائل على خط الحرب

وبينما تبدو المعركة وجودية، فلا شكَّ أنَّ الحملة الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، قد تجلب تدخُّل الفصائل، كما وعَدَ «حزب الله»، ووعدت الفصائل في العراق وفي اليمن، وهو ما حدَثَ بالفعل بصورة محدودة في جبهة لبنان، حين شنَّ «حزب الله» هجمات على إسرائيل طالت حيفا، وكذلك في العراق حين شنَّ «حزب الله العراقي» وجماعات أخرى محسوبة على إيران هجمات على القواعد الأمريكية في أربيل، ورُبَّما تتدخَّل أطراف أخرى محسوبة على إيران على خط الصراع، كالحوثيين في اليمن، من خلال الذهاب حد إغلاق مضيق باب المندب أمام حركة الملاحة البحرية.

ومع أنَّ دخول هذه الجماعات على خط الصراع سيكون له تأثير مهم ورُبَّما يُحدِث فارقًا في الصراع الراهن، وفي إستراتيجية توسيع جغرافيا المواجهة ورفْع التكلفة الجماعية للصراع، لكن في الوقت نفسه قد تترتَّب عليه عواقب وخيمة على هذه الجماعات، حيث سيتزايد الضغط عليها من جانب القُوى السياسية المعارضة داخل بلدانها، بشأن اختطاف تلك الدول والدخول بها في مغامرات لصالح إيران دون اعتبار لسيادة البلاد، وهذا هو ما يجري بالفعل في لبنان والعراق، حيث تضغط الحكومات في البلدين من أجل عدم جرّ البلاد إلى مواجهة خارجية تُضرّ بالبلاد.

3. مزيد من تفكيك ما يُسمَّى بـ «محور المقاومة»

من جانب آخر، قد تتعرَّض هذه الجماعات نفسها -نتيجة موقفها من الصراع- لهجمات أمريكية أو إسرائيلية بما قد يضعفها، حيث من الواضح أنَّ الولايات المتحدة وإسرائيل على استعداد كامل للتعامل مع سيناريو انخراط هذه الجماعات في الحرب، وهو ما ظهَرَ من رد فعل إسرائيل السريع على هجمات «حزب الله»، واستعدادها لعملية واسعة في الضاحية الجنوبية، تستكمل من خلالها ما بدأته بعد السابع من أكتوبر، وكذلك من الهجمات التي استهدفت بعض الفصائل في العراق.

على هذا النحو، يبدو أنَّ رحيل خامنئي قد ترَكَ «محور إيران» في مأزق؛ مأزق يتعلَّق بالفرص الضيِّقة لإثبات الولاء في ظل الضغط العسكري، ومأزق ديني في غياب مرجع وقيادة تربط المركز بالأطراف، ومأزق يتعلَّق بحدود التأثير وعدم القُدرة على التصدِّي لطموح إسرائيل في الهيمنة الإقليمية، وهو ما قد يضع المحور أمام سيناريوهات مفتوحة، بعضها قد يصِل حد التفكيك، ونزْع السلاح، ومن ثمَّ الخروج من معادلات السُلطة في البلدان التي ينتمون إليها.

خاتمة

لا شكَّ أنَّ غياب خامنئي عن المشهد السياسي في إيران قد أحدث زلزالًا إستراتيجيًا، ليس فقط على الصعيد الداخلي بالنسبة للنظام الحاكم، وإنَّما على الصعيد الخارجي بالنسبة للجماعات الشيعية، وسيترك فراغًا لا يمكن ملؤه بأيّ حال من الأحوال، ورُبَّما تنفرط بقية مراكز ثِقَل النظام بغيابه لاعتبارات تتعلَّق بثِقَله وتأثيره ورمزيته وقُدرته على هندسة تحقيق التناغم والانسجام بين أجنحة النظام، أو لاعتبارات تتعلَّق باستمرارية تدمير وشل قُدرات النظام لإسقاطه بالكامل. كذلك يشكِّل غيابه لحظة تاريخية فارقة في عُمر النظام الديني، الذي حكَمَ أيران أكثر من 45 عامًا، لحظة ليست مجرَّد انتقال دستوري في قمَّة الهرم السياسي الإيراني، بل هي لحظة اختبار لبِنية «ولاية الفقيه» ذاتها: هل هي سُلطة شخص أم منظومة مؤسسات؟ وهل شرعيتها متأتِّية من الفقه بوصفه مرجعية عُليا، أم من شبكة القوَّة التي تحيط به وتحمله؟  لقد أظهر التحليل أنَّ النص الدستوري يمنح مجلس الخبراء سُلطة الاختيار، ويضع شروطًا فقهية وأخلاقية وإدارية محدَّدة، غير أنَّ الواقع يكشف أنَّ الخلافة تُصنَع داخل توازُنات مركَّبة بين الحوزة، ومكتب المرشد، والحرس الثوري، والمجالس الضابطة للإيقاع القانوني والسياسي. ومن ثمَّ، فإَّن اسم الخليفة، مهما كان، يظَلّ مؤشِّرًا على طبيعة التحالف الذي انتصر في لحظة الفراغ، أكثر من كونه تعبيرًا عن إرادة فقهية خالصة أو تنافُسًا انتخابيًا مفتوحًا.

تُشير خرائط المرشَّحين لخامنئي إلى أنَّ النظام يميل، بحُكم بِنيته، إلى خيار «الاستمرارية المُدارة»؛ أي إنتاج قيادة تحفظ الخط العام وتُطمئن مراكز القوَّة، سواءً عبر فقيه مؤسسي منخفض الكاريزما، أو عبر صيغة أكثر تعقيدًا تقوم على توزيع النفوذ بين القيادة الدينية والبنية الأمنية. أمّا خيار التوريث -إن حدَثَ- فلن يُقرَأ باعتباره انحرافًا شكليًا فحسب، بل باعتباره إعادة تعريف للعلاقة بين الشرعية الفقهية والشرعية الشبكية، وهو ما قد يفتح بابًا لتوتُّرات داخل البيت الحوزوي نفسه. وبالتالي، فإنَّ مستقبل «ولاية الفقيه» لن يُحسَم فقط بسؤال: «من هو المرشد القادم؟»، بل بسؤال أعمق: «أيُّ ولايةٍ ستبقى بعده؟»، هل ستظَلّ ولاية ذات مركزٍ واحد يختزل القرار والرمزية معًا، أم ستتحوَّل إلى صيغة مؤسسية أكثر تجريدًا تُدار فيها السُلطة عبر توازنات أمنية-بيروقراطية مع غطاءٍ فقهي وظيفي؟

إنَّ التجربة الإيرانية منذ 1979م، أثبتت قُدرة النظام على التكيُّف مع الأزمات، عبر إعادة توزيع الأدوار دون تفكيك البِنية العُليا. غير أنَّ انتقالًا في ظرفٍ أمني ضاغِط يضاعف من هشاشة اللحظة، ويجعل الاحتمالات مفتوحة بين الاستمرارية، والتحوُّل البنيوي، والتآكل التدريجي. وفي جميع الأحوال، ستظَلّ لحظة الخلافة مرآةً تعكس التوازن الحقيقي بين الدين والسياسة، وبين الفقه والقوَّة، وبين النص الدستوري ووقائع الدولة العميقة. ومن هُنا، فإنَّ «ما بعد خامنئي» ليس نهاية مرحلة فحسب، بل قد يكون بداية طورٍ جديد في تاريخ «الجمهورية الإسلامية»؛ طور تُعاد فيه صياغة معنى القيادة وحدودها، وتُختبَر فيه قابلية «ولاية الفقيه» للبقاء كنظرية حُكم في عالمٍ متغيِّر.

المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
إدارة التحرير