تداعيات اختيار مجتبى خامنئي مرشدًا لإيران

https://rasanah-iiis.org/?p=38827

مقدمة

لم يكن سؤال خلافة المرشد الأعلى في إيران شأنًا إجرائيًا يتعلق بانتقال السلطة داخل نظامٍ سياسي تقليدي، بل كان منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية أحد أكثر الأسئلة تعقيدًا في البنية الدستورية واللاهوتية للدولة معًا. فموقع «الولي الفقيه» لا يمثّل رأس السلطة السياسية فحسب، بل يجسّد نقطة التقاء فريدة بين الفقه الشيعي والشرعية الثورية والدولة الحديثة.  ومن هنا فإن أي انتقال في هذا الموقع يفتح، بالضرورة، نقاشًا عميقًا حول طبيعة النظام ذاته: هل ما تزال الجمهورية الإسلامية تُدار باعتبارها مشروعًا ثوريًا يستند إلى مرجعية دينية مؤهلة، أم أنها تحولت تدريجيًا إلى دولة مؤسسات أمنية- أيديولوجية تبحث عن الاستمرارية والاستقرار ومنع التفكك، أكثر مما تبحث عن تجديد الشرعية الفقهية ومن ثم السياسية؟ 

وفي هذا السياق يكتسب صعود مجتبى خامنئي أهمية استثنائية، لأنه لا يتعلق فقط بشخصيةٍ بعينها، بقدر ما يكشف عن تحولاتٍ أعمق في التوازن بين الحوزة والدولة، وبين الشرعية الدينية والقوة المؤسسية «الحرس الثوري» التي تحمي النظام في لحظات الأزمات الكبرى. ومن زاويةٍ أوسع، تطرح هذه اللحظة سؤالًا إستراتيجيًا يتعلق بمستقبل نموذج ولاية الفقيه ذاته في القرن الحادي والعشرين. فـ«الجمهورية الإسلامية» التي تأسست في سياقٍ ثوري كاريزمي بقيادة آية الله الخميني، ثم استقرت لاحقًا في عهد علي خامنئي ضمن منظومةٍ أكثر بيروقراطية وتعقيدًا، تجد نفسها اليوم أمام اختبارٍ مزدوج: اختبار الشرعية الدينية داخل الحوزة الشيعية، واختبار القدرة السياسية على إدارة دولةٍ إقليمية تخوض صراعاتٍ متعددة وحربًا مفتوحة في بيئةٍ جيوسياسية شديدة الاضطراب،  لذلك فإن دراسة صعود مجتبى خامنئي لا يمكن اختزالها في قراءة خبرٍ سياسي عابر، بل ينبغي فهمها باعتبارها لحظةً كاشفة لتحولٍ أعمق في بنية النظام الإيراني، حيث تتقاطع الاعتبارات اللاهوتية مع حسابات القوة والسياسة، وتتداخل فكرة «حراسة الثورة»، مع ضرورة إعادة إنتاج الشرعية في زمنٍ تتغير فيه طبيعة الدولة الثورية نفسها.

أولًا: الخلفية ومكانة مجتبى خامنئي

لعب مجتبى خامنئي دورًا بارزًا في المجال الديني والسياسي الإيراني، ويعود ذلك إلى انتمائه الديني والسياسي، ويمكن توضيح ذلك على النحو الآتي:

1. التكوين الشخصي والعلمي

 ينتمي مجتبى خامنئي إلى جيلٍ خاصٍ من رجال الدين في إيران تشكّل وعيه في ظل الجمهورية الإسلامية نفسها لا قبلها؛ فهو ابنُ النظام بقدر ما هو ابنُ مؤسسه الثاني، إذْ نشأ داخل البيئة السياسية والأمنية التي أحاطت ببيت المرشد علي خامنئي منذ تسعينيات القرن العشرين. هذه النشأة لم تكن مجرد امتيازٍ عائلي، بل كانت فضاءً تربويًا سياسيًا أتاح له الاطلاع المبكر على آليات صناعة القرار داخل الدولة: من شبكة «مكتب القائد» إلى علاقات الحرس الثوري بالمؤسسة الدينية، مرورًا بالبنية المعقدة للمؤسسات شبه الرسمية التي تدير الاقتصاد السياسي للنظام. ومن هنا يمكن القول إن تكوينه لم يكن تكوينًا حوزويًا خالصًا، بل تكوينًا مزدوجًا يجمع بين التكوين الديني التقليدي وبين الخبرة العملية في إدارة السلطة داخل منظومة «ولاية الفقيه». وهذا النوع من التكوين يختلف عن المسار الكلاسيكي التقليدي لعلماء الحوزة الذين يصعدون عبر السلم العلمي الفقهي الصرف، قبل أن يقتربوا من السياسة.

تلقّى خامنئي الابن تعليمه الديني في حوزة قم، ودرس على عددٍ من العلماء المعروفين في الوسط الحوزوي، غير أن مساره العلمي لم يصل إلى المكانة الفقهية العليا التي تمثلها طبقة «آيات الله العظام». ولهذا يُشار إليه غالبًا بلقب «حجة الإسلام»، وهو لقبٌ يدل على مرتبةٍ علمية متوسطة داخل الحوزة، لكنه لا يوازي المكانة المرجعية العليا التي تمتلك استقلالًا واسعًا عن الدولة. هذه النقطة بالذات تحمل دلالة لاهوتية مهمة؛ إذ إن صعود شخصية بهذه المرتبة إلى منصب المرشد يعكس التحول الذي شهدته نظرية «ولاية الفقيه» منذ تعديل الدستور الإيراني عام 1989، حين خُفّف شرط المرجعية الدينية واكتُفي بشرط القدرة على الاجتهاد والقيادة السياسية.

تُعد مكانة مجتبى خامنئي داخل الحوزة موضوعًا معقدًا، لأن شرعيته لا تستند إلى التفوق الفقهي التقليدي بقدر ما تستند إلى موقعه داخل بنية السلطة السياسية والأمنية. فالحوزة الشيعية تاريخيًا تقوم على نظامٍ غير مركزي يمنح المرجعيات العلمية استقلالًا إلى حدّ ما، حيث تُبنى المكانة على الاعتراف العلمي والاجتماعي المتراكم (الشياع العلمي) لا على التنصيب السياسي، غير أن تجربة الجمهورية الإسلامية منذ الخميني أدخلت تعديلًا عميقًا على هذه القاعدة؛ إذ باتت الدولة نفسها فاعلًا رئيسيًا في إعادة توزيع الهيبة الدينية عبر المؤسسات الإعلامية والاقتصادية والتعليمية المرتبطة بها.

في هذا السياق، يمكن فهم موقع مجتبى باعتباره نتاجًا لعملية إعادة هيكلة العلاقة بين الحوزة والدولة، فهو ليس فقيهًا تقليديًا نشأ في مسار الحوزة المستقل، بل رجل دين ينتمي إلى النخبة الدينية- السياسية التي تشكلت حول مركز السلطة في طهران. ولهذا ينظر بعض العلماء في النجف أو حتى داخل قم إلى مكانته الفقهية بتحفظ، بينما تميل دوائر أخرى داخل الحوزة المرتبطة بالمؤسسات الرسمية إلى دعمها بوصفها استمرارًا لخط «ولاية الفقيه». وهنا تظهر المفارقة اللاهوتية: فبدلًا من أن تمنح الحوزة الشرعية للسلطة، أصبحت السلطة في حالاتٍ كثيرة هي التي تعيد إنتاج الشرعية الدينية.                                 

2. الدور السياسي

سياسيًا، اكتسب خامنئي الابن نفوذًا واسعًا قبل توليه منصب القيادة بسنواتٍ طويلة، فالتقارير السياسية والبحثية تشير إلى أنه لعب دورًا مؤثرًا في شبكة العلاقات بين مكتب المرشد والحرس الثوري والتيار «المحافظ» داخل النظام. ولم يكن هذا الدور رسميًا في معظم الأحيان، بل كان نفوذًا غير معلن يعمل عبر قنواتٍ متعددة: التنسيق مع القيادات الأمنية، والتأثير في بعض التعيينات، والمشاركة في إدارة شبكات التمويل والمؤسسات المرتبطة بمكتب المرشد.

هذه المكانة السياسية تكشف عن ظاهرةٍ أوسع في تطور النظام الإيراني، وهي انتقال مركز الثقل من القيادة الدينية الكاريزمية الفردية إلى شبكة سلطة مؤسساتيةتجمع بين الحرس الثوري والمؤسسات الاقتصادية شبه الحكومية ومكتب المرشد، وفي هذه الشبكة لا يكون القائد مجرد فقيه، بل يصبح نقطة التقاء بين الأجهزة الأمنية والمؤسسة الدينية.  ومن هنا فإن صعود خامنئي الابن لا يعكس فقط استمرار العائلة الرمزية للمرشد، بل يعكس أيضًا صعود جيلٍ من القادة الذين تربوا داخل منظومة الدولة الثورية نفسها، واكتسبوا خبرتهم السياسية من إدارة السلطة لا من التنظير الفقهي وحده، ولا من الكفاح الثوري.

إذنفخلفية مجتبى خامنئي ومكانته الدينية والسياسية تكشف عن تحولٍ جوهريّ في طبيعة القيادة داخل الجمهورية الإسلامية. فالقائد الجديد يمثل نموذجًا مختلفًا عن النموذج الذي جسده الخميني باعتباره مرجعًا فقهيًا ذا كاريزما ثورية، وحتى عن النموذج الذي مثله علي خامنئي الذي استطاع عبر عقود طويلة أن يبني لنفسه مكانة دينية وسياسية تدريجية. أما مجتبى فيمثل نموذج «القائد الشبكي» الذي تشكلت قوته داخل جهاز الدولة نفسه، حيث تتداخل السلطة الدينية مع السلطة الأمنية والبيروقراطية.

ومن هذا المنظور، فإن فهم مكانته لا يتوقف عند تقييم مرتبته العلمية في الحوزة، بل يتطلب قراءةً أعمق لطبيعة النظام الإيراني الذي بات ينتج قيادته عبر التوازن بين ثلاثة عناصر: الشرعية الدينية، والقدرة السياسية، والدعم المؤسسي من الأجهزة الأمنية. وفي هذا التوازن الجديد قد تصبح المرتبة الفقهية العالية أقل أهميةً من القدرة على إدارة الدولة العقائدية في زمن الأزمات والحروب.

ثانيًا: دوافع ودلالات اختيار مجتبى خامنئي مرشدًا

يمكن فهم اختيار مجتبى خامنئي من خلال عدة مستويات مركبة ومعقدة. من الناحية السياسية، بدا النظام الإيراني في لحظة فراغٍ سياديّ فرضه مقتل المرشد علي خامنئي واتساع الحرب، بالتالي احتاج إلى شخصيةٍ موثوقة شبه جاهزة، تمتلك شبكاتٍ قائمة بالفعل داخل «مكتب القائد» ومفاصل الأمن والحرس والثوري والمؤسسة الأيديولوجية.  وهنا تظهر قيمة مجتبى بوصفه «رجل الظل» الذي اكتسب نفوذًا غير رسمي لسنوات، بحيث غدا اختياره تعبيرًا عن تفضيل الاستمرارية الشبكية على المغامرة بشخصيةٍ أرفع مكانة وفقهًا ولكن، في الوقت نفسه، أضعف سيطرةً على الجهاز الصلب للدولة أو أبعد عن مصالح المؤسسة الأمنية. إذن: لم يكن الاختيار، أو التعيين بالأحرى، انتصارًا لشخصٍ فقط، بل انتصارًا لفكرة أن الدولة الإيرانية في لحظة الحرب والخطر الوجودي تفضّل من يضمن تماسُكَ البنية على من يملك فقط وجاهةً حوزوية أعلى.                  

ومن الناحية الدينية اللاهوتية، يكشف هذا الاختيار عن تحوّلٍ مهم في بنية «ولاية الفقيه» من نموذجٍ يميل إلى مركزية الفقيه: «المرجع/ الأعلم/ الأبرز»، إلى نموذجٍ يعطي الأولوية لحفظ هيكل الدولة ومؤسساتها وشبكات المصالح الفاعلة بذات الغطاء الديني والسياسي.      

فالدستور الإيراني بعد تعديلات 1989 لم يعد يشترط المرجعية العليا (المادة 109)، بل اشترط «الأهلية العلمية للاجتهاد» إلى جانب العدالة والتقوى والبصيرة السياسية والقدرة على القيادة. هذا التخفيف الدستوري لعتبة الشرعية الفقهية هو الذي يفسّر إمكان تمرير شخص في مرتبة «حجة الإسلام»، إذا رأت النخبة الحاكمة أنها تؤدي عمليًا وظيفة «حراسة الثورة» أكثر من أدائها وظيفة «التفوّق الحوزوي» بالمعنى التقليدي. هنا يتحول اللاهوت السياسي من سؤال: «من هو الأرفع رتبة حوزوية؟» إلى سؤال: «من هو الأقدر على صيانة النظام باعتباره تجسيدًا تاريخيًا للمذهب والدولة معًا؟».  

ومن زاويةٍ فلسفية أعمق، يمكن القول إن اختيار مجتبى يعكس غلبة عقل الضرورة على عقل المثال، فالجمهورية الإسلامية التي قامت نظريًا ضد الوراثة السياسية تجد نفسها، تحت ضغط الحرب والتفكك المحتمل إضافة إلى منافع شبكات المصالح والنفوذ، تقبل انتقالًا عائليًا للسلطة كان يُنظر إليه سابقًا باعتباره شبهة «تَمَلُّكٍ للسُّلطة». لكن النظام لا يقدّمه باعتباره توريثًا، بل باعتباره استمراريةً لـ«خط الثورة» في زمن الخطر، ولحظة الحرب. أي أن التناقض بين المبدأ الثوري المناهض للملكية وبين المآل شبه الوراثي لا يُحلّ نظريًا، بل يُدار عمليًا عبر خطاب الضرورة: إن ما ينقذ الدولة يكتسب شرعيته من كونه يحفظ الكيان.

وفق ذلك فإنّ ثمة دلالات مهمة خلف هذا الاختيار، أهمها:

1. انتقال مركز الثقل:

أولى الدلالات أن النظام الإيراني أعلن، ضمنًا، أن مركز ثقله الحقيقي لم يعد الحوزة وحدها، بل التحالف بين المؤسسة الدينية والأمنية مع ترجيحٍ واضحٍ للكفّة الأمنية. فصعود مجتبى، بحسب تقارير متقاطعة، ارتبط بعلاقاته الوثيقة بالحرس الثوري، وهو ما يعني أن المرشد في صيغته الجديدة قد يكون أقلَّ تمثيلًا لهيبة الفقه الكلاسيكي ورمزية الفقيه العارف في المخيال الشيعي، وأكثرَ تمثيلًا لوظيفة الضبط الإستراتيجي للدولة الثورية. وهذا تطور مهم: إذ ينتقل مفهوم القيادة من: «مرجعية فوق الدولة» إلى: «عقدة مركزية داخل الدولة الأمنية- العقائدية». 

2. إنتاج سلالة ثورية:

إن الاختيار يحمل معنىً ضمنيًا: فالجمهورية التي أسقطت الشاه باسم مناهضة الحكم العائلي تبدو اليوم أقرب إلى إنتاج سلالةٍ ثورية لا ملكية تقليدية. فالفارق هنا ليس شكليًا؛ فالنظام لا يورّث العرش بالمعنى الملكي، لكنه يورّث «رأسمال الشرعية» داخل عائلة واحدة. وهذا يجعل الاختيار حدثًا فارقًا في تاريخ الجمهورية الإسلامية، لأنه يكشف أن الكاريزما الثورية تحولت، مع الزمن، إلى نسبٍ سياسي محروسٍ بالأجهزة الأمنية. من هنا فالدلالة ليست فقط «من اختير؟»، بل «كيف تغيّرت الدولة حتى صار هذا الاختيار ممكناً؟». 

3. تسييس الفقه:

أما الدلالة الثالثة فهي لاهوتية، إذ إن اختيار رجل دين لا يُعدُّ، من طبقة المراجع العظام ولا يحمل لقب «آية الله»، يشير إلى مزيدٍ من تسييس الفقه وتحويله من مصدرٍ تأسيسي للسلطة إلى أداة إسناد لها. فبدلًا من أن تُشتق السلطة من تفوقٍ علمي حوزوي ظاهر، يصبح المطلوب نتف فقهية كافية لتغلّف القرار السياسي بشرعية دينية. وهذا يعمّق المسافة بين مدرسة النجف، التي تميل إلى احترازٍ أكبر في دمج المرجعية بالدولة، وبين النموذج الخميني- الخامنئي الذي يجعل الدولة نفسها مِحكَّ الشرعية ومجال تفعيلها.  

4. ملء الفراغ السياسي:

أفرزت عملية مقتل المرشد علي خامنئي فراغًا سياسيًا كبيرًا في إيران، حيث تخطط الولايات المتحدة وإسرائيل في أن يؤدي هذا الفراغ إلى ثورةٍ ضد النظام والإطاحة به، لذلك فإنّ الإسراع في تعيين مرشدٍ جديد قد يفشل هذا المخطط ويرسل رسائل إلى الولايات المتحدة وإسرائيل بأن النظام الايراني لا يزال متماسكًا وله القدرة على الصمود على المستويين السياسي والعسكري. وتحدثت بعض المصادر بأن مجتبى قد أصيب خلال الحرب الأخيرة، بل واعتبرت أن عدم ظهوره بعد اختياره لمنصب المرشد حتى عبر رسالةٍ متلفزة سيعني في الغالب أنه مصاب إصابة بالغة وهو ما يرجح فرضية أن اختياره لمنصب المرشد كان لتجنب حدوث فراغٍ سياسي، لكن هناك فرضية أخرى لا تقل أهمية وهي أن عدم ظهوره حتى الآن بسبب المخاوف من تعرضه للاغتيال على غرار والده علي خامنئي.  

5. تشابك الشرعية الدينية والسياسية:

لا يمكن فهم صعود مجتبى خامنئي من دون فهم علاقته العضوية بالحرس الثوري؛ فالتقارير الحديثة لا تصفه فقط بأنه رجل دين محافظ، بل تؤكد أيضًا أنه راكم عبر سنواتٍ طويلة صلاتٍ عميقة مع الحرس الثوري وميليشيا البسيج، وأن نفوذه توسع أساسًا من موقعه كحلقة وصلٍ حساسة بين مكتب والده والأجهزة الصلبة للدولة. ولهذا فإن اختياره مرشدًا لا يدل على انتقالٍ عابرٍ للسلطة، بل يكشف أن لحظة الخلافة حُسمت إلى حدٍّ بعيد داخل المجال الذي تتشابك فيه الشرعية الدينية مع القوة الأمنية والعسكرية.

بعبارةٍ أدق: لم يصعد مجتبى لأنه الأعلم حوزويًا، بل لأنه الأوثق اتصالًا بالبنية التي تملك القدرة الفعلية على حماية النظام في زمن الحرب والاضطراب. ومن هنا تبدو العلاقة بينه وبين الحرس الثوري علاقةً تتجاوز التحالف الظرفي إلى ما يشبه التساند البنيوي، فالحرس يحتاج إلى قائدٍ يمنحه الغطاء الشرعي والاستمرارية العقائدية، بينما يحتاج القائد الجديد إلى مؤسسةٍ قسرية كبرى تؤمّن له الانتقال، وتضبط النخبة، وتردع الشارع، وتدير الحرب المشتعلة. هذا يعني أن مسار الخلافة لم يكن مجرد قرار فقهي صادر عن مجلس الخبراء، بل كان أيضًا تعبيرًا عن ميزان قوة داخل الدولة حيث أصبحت المؤسسة الأمنية شريكًا حاسمًا في إنتاج القيادة لا مجرد أداة تنفذ أوامرها. 

6. إعادة تشكيل مفهوم «ولاية الفقيه»

لاهوتيًا، فهذه العلاقة تعني أن «ولاية الفقيه» تتحرك أكثر فأكثر من صيغة الولاية الفقهية إلى صيغة الولايةالحارسة. فالفقيه هنا لم يعد فقط مفسرصا أعلى للشريعة أو حارسًا معياريًا لقيم الثورة، بل صار رأسَ منظومة وظيفتها الأساسية حفظ الدولة العقائدية من الانكسار. وهذا التحول يجد أرضيته أيضًا في الدستور الإيراني بعد تعديل 1989، إذ لم يعد يشترط المرجعية العليا، بل اكتفى بالأهلية العلمية للاجتهاد مع العدالة والتقوى والبصيرة السياسية والقدرة على القيادة. هذا التخفيف في معيار الشرعية الفقهية أتاح توسيع معيار «الأصلح» (بدلًا من الأعلم) بحيث يدخل فيه بوضوح عامل القدرة السياسية- الأمنية، لا التفوق العلمي الحوزوي وحده. لذلك يصبح دعم الحرس لمجتبى ليس مجرد عامل مساعد، بل جزءًا من منطق الشرعية الجديد نفسه: شرعية القادر على الحفظ لا فقط القادر على الاستنباط.

ولهذا فإن انعكاس صعود مجتبى على مفهوم ولاية الفقيه قد يكون بالغ الأهمية؛ فبدلًا من ولايةٍ يكون فيها الجهاز العسكري تابعًا لمرجعية دينية ذات مسافة عنه، قد تتكرس صيغة أكثر اندماجًا تصبح فيها الولاية نفسها مظلةً لتناغم المؤسستين: الدينية والأمنية، وهذا لا يعني اختفاء الدين من المعادلة، بل يعني إعادة توظيفه في المجال العام بما يخدم الفاعلين، ومن ثم قد نشهد مزيدًا من «تأميم» الحوزة داخل الدولة. 

ثالثًا: التحديات أمام المرشد الجديد 

يرتبط صعود مجتبى خامنئي إلى أرفع موقع قيادي في إيران بجملة من التحديات المعقدة، والتي ستلعب دورًا بارزًا في تحديد مستقبل النظام الإيراني؛ لأن موقعه يرتبط مباشرة بإرث المرشد الوالد الراحل علي خامنئي، وبسياسات إيران الداخلية والإقليمية والدولية، ولذلك سيواجه مجتبى تحدياتٍ داخلية وخارجية، تتمثل في الآتي:

1. ضعف الخبرة السياسية والإدارية:

إذ يفتقر المرشد الجديد إلى سجلٍ علني في المناصب الحكومية، ما يجعله أمام اختبار عملي يتعلق بقدرته على إدارة الأزمات الاقتصادية والسياسية المعقدة التي تواجه إيران. هذا النقص في الخبرة الإدارية المباشرة قد يوجه سياساته نحو الاعتماد على الشبكات القائمة سابقًا في إدارة الملفات الحساسة، وخاصة تلك المتعلقة بالأجهزة الأمنية والعسكرية كالحرس الثوري وأجهزة الاستخبارات.

2. مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة وإسرائيل:

جاء اختيار مجتبى خامنئي مرشدًا جديدًا لإيران، في لحظة مفصلية يمر فيها النظام الإيراني بأكبر التحديات التي واجهته على الإطلاق منذ 1979، وهي الحرب التي تشنها الولايات والمتحدة وإسرائيل، والتي تستهدف اقتلاعه من جذوره وسط مخاوف من اتساع رقعة الصراع لتؤدي إلى تفكك الدولة الإيرانية، لاسيما في ظل الإصرار الأمريكي والإسرائيلي على اجتياح إيران، عبر إدخال قوات برية بقيادة الأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة.

3. التهديد الأمريكي-الإسرائيلي بالاغتيال:

يأتي اختيار مجتبى لمنصب المرشد، عقب تهديدات إسرائيلية باغتيال المرشد الجديد حال إعلان اسمه، حيث سبق أن أعرب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن معارضته الشديدة لتولي مجتبى المنصب، قائلًا إن “نجل خامنئى غير مقبول لأنه شخصية ضعيفة”، كما كشف عن رغبته في التدخل المباشر والشخصي في عملية اختيار الزعيم القادم لإيران. ما يعني عمليًا، أن مجتبى خامنئي صار هدفًا للولايات المتحدة وإسرائيل، وهو ما يستدعي فرض إجراءات أمنية مشددة حفاظًا عليه من الاغتيال، لكن هذه الرقابة المشددة سوف تعيق تحركاته، وستعزله عن التواصل المباشر مع المسؤولين، خاصة إذا استمرت الحرب ولم يتم التوصل إلى تسوية.

4. الرفض الشعبي لمبدأ التوريث:

كذلك يواجه مجتبى خامنئي منذ لحظة توليه المنصب، تحديًا آخر يتعلق بشرعية انتقال السلطة؛ فالنظام السياسي في إيران تأسس أصلًا على رفض مبدأ التوريث الذي ارتبط بنظام الشاه قبل ثورة 1979، وبالتالي فإن انتقال السلطة لأول مرة داخل العائلة نفسها، هو أمر غير مسبوق في الجمهورية الإسلامية، وسيبقى مثار جدل كبير بالنظر إلى أيديولوجية النظام وتقاليده. في الوقت نفسه، قد يكون عهده هشًا؛ إذ إن الخلافة العائلية المفروضة في زمن الحرب يمكن أن تُثير الصراعات الداخلية، وتزيد السخط الشعبي ضد المؤسسة الدينية، وبالتالي فإن هذا الواقع قد يمنح التيارات المعارضة داخل إيران، سواء في الأوساط السياسية أو الشعبية، فرصة للتشكيك في شرعية هذا الانتقال، ويضع القيادة الجديدة أمام اختبار مبكر يتعلق بقدرتها على تقديم نفسها بوصفها امتدادًا للمشروع الثوري لا انحرافًا عنه. وقد يكون صمت الشارع عن مسألة توريت المنصب مؤقتًا، نظرًا للظرف الذي تمر به إيران، واحتمالية نشوب صراعات داخلية بعد التخطيط الأمريكي والإسرائيلي لإدخال قوات برية، لكن في حال توقفت الحرب وتوصلت إيران إلى تسوية لخلافاتها مع الولايات المتحدة، يتوقع أن تشكل مسألة التوريث معضلة حقيقة لمجتبى، ما لم يثبت أنه الخيار المناسب لإخراج إيران من أزماتها المتعددة والمتجذرة.

5.  الضغوط الداخلية والتهديدات الخارجية:

التهديدات الخارجية لا سيما من قبل إسرائيل والولايات المتحدة، ستضع المرشد الجديد أمام خيارين؛ إما تقديم تنازلات لضمان استمرار النظام، أو مواصلة المقاومة. فتقديم تنازلات حول البرنامج النووي سيعني تراجعًا تحت الضغوط وقد يضعف موقعه الداخلي، في مرحلة يسعى فيها إلى تثبيت شرعيته، لا سيما وسط قيادات الحرس الثوري والمؤسسة الدينية والمتشددين، أما مواصلة المقاومة أو إحداث تحول في العقيدة النووية الإيرانية، والتعامل مع البرنامج النووي بوصفه أداة ردع إستراتيجية، يعني استمرار التهديدات الخارجية إلى حين القضاء على النظام تمامًا.

6. ارتباط اسمه بقمع المحتجين:

مجتبى شخصية غير شعبية لدى الشعب الإيراني، وارتبط اسمه بالقبضة الأمنية، وبمواجهة الاحتجاجات بصورة سواء كانت الأخيرة التي أدت إلى مقتل الآلاف من المحتجين، أو ارتباط اسمه بالثورة الخضراء، عندما دعم الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد في انتخابات 2009 المثيرة للجدل، لذا قد يشجع اختياره لهذا المنصب الحساس على التصعيد الشعبي ضد النظام، سواء أثناء الحرب الدائرة حاليًا أو بعدها.    

7.  تعقيدات التحديات الخارجية:

حال نجاته، ستكون اشتراطات ترامب حول البرنامج النووي الإيراني، نقطة توتر دائمة مع الغرب الأمريكي والأوروبي، ما من شأنه استمرارية الضغوط والعقوبات الدولية المنهكة لإيران، مع إمكانية فرض عقوبات جديدة، واحتمالية توجيه الضربات بشكل متكرر، كما باتت إسرائيل تمثل تهديدًا إستراتيجيًا لإيران ومحورها الإقليمي، كذلك سيواجه مجتبى تحدي كيفية إدارة محور إيران الإقليمي، في ظل ضعفه وتفككه، وتعرضه لضربات مستمرة من واشنطن وتل أبيب، والتحدي سيكون في كيفية الحفاظ على تماسك المحور، في ظل الضغوط الدولية والحروب الإقليمية. كذلك سيواجه المرشد الجديد تحدي كيفية إصلاح العلاقات مع الدول العربية والخليجية، التي اعتدت عليها إيران وقت الحرب، وكيفية توجيه دفع السياسة الخارجية الإيرانية تجاه الأقطاب الدولية.

8. الإرث الثقيل من التحديات الاقتصادية المتراكمة:

يرزح الاقتصاد الإيراني اليوم تحت وطأة تراكم متسارع من الصدمات المتشابكة؛ فمنذ حرب يونيو 2025 التي أفضت إلى تراجع حاد في صادرات النفط، وتدمير جزء من البنية التحتية الحيوية، دخل الريال في انهيار متواصل وتجاوز التضخم عتبة الأربعين بالمئة، فيما أشعلت العقوبات الدولية والأوروبية المتجددة على الاقتصاد الإيراني في سبتمبر 2025 فتيل احتجاجات شعبية واسعة، قُوبلت بقمع دموي زاد من عمق الشرخ الاجتماعي، وأضعف الثقة الداخلية بالمنظومة الاقتصادية برمتها. ثم جاءت ضربات فبراير 2026 واغتيال المرشد لتدخل البلاد في فراغ قيادي حاد، وتستهدف البنى التحتية الاقتصادية للطاقة والتجارة، وتعطل الحياة اليومية للإيرانيين. ولذا، يبدو التعافي السريع مستبعدًا على المدى القصير – في حال لم يسقط النظام- في ظل غياب مسار سياسي واقتصادي واضح؛ إذ ستحتاج البنية التحتية وحدها عشرات مليارات الدولارات لإعادة تأهيلها، فيما تظل العملة الصعبة شحيحة والاحتياطيات مستنزفة والأسعار المحلية في ارتفاع مستمر، مما يُرجح أن تشهد الأشهر القادمة موجات تضخمية جديدة، وتراجعًا حادًا في قيمة العملة المحلية ومستوى المعيشة، مع احتمالات مرتفعة لاضطرابات اجتماعية إضافية، ما لم يفض المشهد السياسي إلى تسوية تُعيد فتح قنوات التعامل الاقتصادي مع العالم، وتضمن عدم تآكل النظام من الداخل.

رابعًا: المرشد الجديد والسياسة المتوقعة في الداخل والخارج

جاء خامنئي إلى منصب المرشد في ظل وضع داخلي وخارجي شديد التعقيد، ونظرًا لأن أولويته هي الحيلولة دون سقوط النظام، وإظهار تماسكه في الداخل، ومواجهة الحملة الأمريكية-الإسرائيلية التي تستهدف استئصال النظام في الخارج، ومن ثم يمكن استعراض الخيارات المتاحة أمامه في الداخل والخارج على النحو الآتي:

1. انعكاسات الاختيار على النظام السياسي الإيراني:

أ. تصلب النظام: الانعكاس الأول هو مزيد من تصلّب النظام لا انفتاحه، فالتقارير المبكرة تربط بين صعود مجتبى وبين رسالةٍ داخلية وخارجية، مفادها أن الدولة اختارت الاستمرار في الخط المتشدد لا الدخول في تسوية تاريخية تحت الضغط، اختار النظام والحرس الثوري عدم الإذعان لتهديدات الرئيس الأمريكي ترامب، وسيق ذلك في إطار تعزيز شرعية خامنئي الابن. لذلك يُتوقع أن يقود هذا الاختيار إلى مزيدٍ من تغليب منطق الأمن على السياسة، ومنطق “حراسة النظام” على أي مراجعة بنيوية له. وبعبارة أخرى: سيكون همّ النظام في المدى القريب هو حماية السلطة من الانكسار، لا إعادة تأسيس عقدٍ سياسي جديد مع المجتمع.

ب. إعادة ترتيب العلاقة بين المؤسسات: أي هندسة العلاقة بين الرئاسة، والحكومة، والحوزة، والحرس، ومكتب المرشد. في ظل خامنئي الابن، يُرجَّح أن يزداد ثقل “مكتب القيادة” والأجهزة الأمنية على حساب أي توازنٍ مؤسسي أكثر مرونة. وهذا لا يعني اختفاء المؤسسات الأخرى، بل تحوّلها أكثر فأكثر إلى طبقات تنفيذية تدور حول مركز قرار أكثر ضيقًا وأشد ارتباطًا بالأمن الإستراتيجي. هنا يصبح النظام أقلّ قابليةً للوساطة السياسية، وأكثر اعتمادًا على الشرعية التعبوية والردعية. 

ج. أزمة الشرعية: أما الانعكاس الثالث، فهو أن النظام قد يواجه مفارقة الشرعية، فهو قد يربح التماسك السريع، لكنه قد يدفع ثمنًا طويل الأمد في صورة الاعتراض على نقص المشروعية الفقهية وشبهة التوريث، فكلما ضعفت الهالة/ الرمزية/ الكفاءة الفقهية للمرشد الجديد، احتاج النظام أكثر إلى تعويضها بالأمن، والإعلام، وشبكات الولاء، وبلاغة الحرب. وهذه مفارقة خطيرة فلسفيًا؛ إذ كلما تراجعت الشرعية الأصلية، تصاعدت الحاجة إلى وسائل الحراسة الثانوية. بالتالي: قد يكون عهد خامنئي الابن، على فرض استمراريته واستقراره، عهدَ بيروقراطية دينية محروسة عسكريًا أكثر منه عهدَ مرجعية ثورية كاريزمية بالمعنى الذي مثله الخميني، أو حتى بالمعنى الذي راكمه علي خامنئي عبر عقود.

د. تصورات النموذج الاقتصادي الإيراني مع المرشد الجديد: مما لا شك فيه وجود أثر وارتباط مباشر بين شخصية المرشد الجديد وبين التصورات المستقبلية عن شكل الاقتصاد الإيراني، ليس فقط من حيث تصورنا عن الوضع والمؤشرات الاقتصادية المستقبلية، لكن الأهم ماهية النموذج الاقتصادي، الذي سيكون عليه الاقتصاد الإيراني مع المرشد الثالث مجبتى خامنئي، هل سيستمر على نهج والده فيما يتعلق بالنموذج والفكر الاقتصادي الراديكالي والمقاوم للخارج؟ أم سيكون له نهجه وأفكاره الخاصة؟

وقبل الولوج إلى التصورات الاقتصادية في عهد المرشد الجديد، ينبغي الإشارة باختصار إلى أن الدستور الإيراني  يحدد في مادته 44 شكل ونموذج الاقتصاد الإيراني الحالي،  والقائم على ثلاثة أركان أساسية، هي القطاع الحكومي والقطاع الخاص والقطاع التعاوني أو شبه الحكومي، وخلال حياه المرشد السابق علي خامنئي، تعاظم دور القطاع الأخير بقوة في الاقتصاد حتى قدر مساهمته بـ  40-50% من حجم الاقتصاد في مقابل 25% للقطاع الخاص، وتعاظم دور القطاع شبه التعاوني في عهد الأب علي خامنئي، من خلال وسيلتين أسايتين سمح لهما بالتمدد خلال 37 عامًا وهما باختصار شديد:

المؤسسات التابعة للمرشد، مثل: الأوقاف والعتبة الرضوية، مقر لجنة تنفيذ أوامر الإمام (ستاد)، وبنيادات المستضعفين والشهيد ولجنة الإمام الخميني للإغاثة، وهذه المؤسسات مجتمعة تسيطر على أوقاف وشركات وعقارات وأصول تدر أموالًا بمليارات الدولارات ولها أدوار تنموية واقتصادية تعزز مكانة وشعبية النظام الديني في البلاد وتوفر له مصادر تمويلية.

مؤسسات الحرس الثوري الاقتصادية: والذي يستثمر عشرات مليارات الدولارات محليًا في مجالات اقتصادية متنوعة، تبدأ من المحال التجارية الصغيرة وامتلاك البازارات ومكاتب الاستيراد والتصدير، وصولًا إلى امتلاك شركات البترول والبتروكيماويات الكبرى والمناجم والمحاجر ومصانع السيارات، وشركات مقاولات كبرى مثل شركة “خاتم الأنبياء” تتولى تنفيذ عقود بنى تحتية بمليارات الدولارات، خاصة خلال فترات العقوبات، وتخارج الشركات الأجنبية من البلاد، وحتى إدارة عدة منافذ حدودية وجمركية في إيران.

إذًا يتضح أن النموذج الاقتصادي الحالي للبلاد، هو نموذج دولتي أو شبه حكومي، تمارس فيه المؤسسات شبه الدولتية (مؤسسات الإرشاد والحرس الثوري) أدوارًا مهمينة على الاقتصاد بضوء آخر من القيادة الدينية العليا، في مقابل أدوار تنفيذية وإجرائية للقطاع الحكومي، وأدوار اقل للقطاع الخاص. أصبح هذا النموذج هو واقع الاقتصاد الإيراني على مدى عقود، وأي محاولة لتغييره لن تكون سهلة على أرض الواقع، هذا إذا ما توافرت الرغبة والإرادة لتغييره من الأساس لدى القيادة الجديدة للبلاد. لكن في الوقت ذاته فإن هذا النموذج الاقتصادي قاد بعد عقود من العمل به، إلى وضع اقتصادي ومعيشي مزرٍ وخطير في الوقت الراهن، قد يدفع القيادة الجديدة إلى محاولة التغيير والإصلاح الاقتصادي، لتحقيق مكتسبات عدة، من بينها كسب الشعبية وضمان البقاء والاستقرار الداخلي.

  ما يضعنا إذًا أمام أكثر من تصور عن الوضع والنموذج الاقتصادي المحتمل مستقبلًا في ظل المرشد الثالث مجتبى خامنئي، وذلك في ظل عدم وجود أي تصريحات اقتصادية أو غير اقتصادية سابقة له تكشف عن توجهاته وآرائه:

التصور الأول: أن يسعى لتغيير الواقع الاقتصادي المعيشي المزري، الذي تعيشه إيران على مدى آخر سبع سنوات على الأقل، وبخاصة الارتفاع المستمر لمستويات الأسعار، وتدهور قيمة العملة ومستويات المعيشة، وزيادة معدلات الفقر والبطالة والهجرة إلى الخارج، وربما يحاول استنساخ تجارب اقتصادية إصلاحية من دول الجوار (مثل تجربة الأمير محمد بن سلمان في السعودية، والتي تحدث عنها بعض الإصلاحيين في الداخل الإيراني)، الأمر الذي قد ينقل الاقتصاد الإيراني نقلة نوعية إلى الأمام، ويحسّن حياه المواطنين، ويرفع العقوبات عن البلاد، ويطبع علاقات إيران مع الغرب، ويضمن الاستقرار الأمني والسياسي، ويزيد شعبية النظام. لكن في المقابل قد يصطدم هذا التصور برفض التيارات الدينية والثورية في الداخل، باعتباره ابتعادًا عن مسار الثورة، بجانب التعارض مع المصالح الاقتصادية للجهات النافذة بالداخل مثل الحرس الثوري الإيراني.

التصور الثاني: أن يسير على نهج أبيه ويكمل ما بدأه، ويعزز دور الاقتصاد الدولتي بشقيها الشركات المرتبطة بالمؤسسة الدينية (مثل ستاد وغيرها) والمرتبطة بالحرس الثوري، ويميل إلى إعلاء اقتصاد المقاومة، في مقابل تحمل العقوبات الخارجية، وتقليل الانفتاح على الغرب، لا سيما وأن هذا الاتجاه هو المفضل لدى الحرس الثوري، لكونه يعزز من انفراده الاقتصادي بالداخل، خاصة في مجالي الطاقة والبنية التحتية. كما يُعرف عن مجتبى خامنئي شبكة علاقاته القوية والقديمة مع القيادات الأمنية والعسكرية منذ الحرب الإيرانية–العراقية، ما يمنحهما ترابطًا وتناغمًا في المصالح المشتركة، لتعزيز تمكن وسيطرة النظام على البلاد سياسيًا واقتصاديًا. ومن ناحية أخرى، فإن فقدان مجتبى لأبيه وأمه وزوجته بفعل الولايات المتحدة وإسرائيل، قد يصعب عليه التصالح مع الغرب، ويؤجج جانب الثأر والمقاومة حاليًا.

ولذا قد يبدو التصور الثاني هو الأقرب للحدوث على الأقل على المدى القصير، خاصة وإن تأثير الحرب الأمريكية-الإسرائيلية الحالية على الاقتصاد المحلي، ستجعله يعاني وينزف خلال الاثنى عشر شهرًا المقبلة على أقل تقدير، ما سيحفز إعلاء اقتصاد المقاومة وحفز القدرات المحلية لإعادة البناء مجددًا. لكن من ناحية أخرى، وبعد نسيان آثار الحرب وما خلفته من دمار، قد يسعى النظام إلى تنفيذ إصلاحات جذرية، خاصة مع وجود شخصيات معتدلة ومقربة من مجبتى، مثل علي لاريجاني، تسعى إلى التصالح التدريجي مع الغرب، ودول الجوار، وذلك لفك حصار الاقتصاد الإيراني (مثلما فعل هاشمي رفسنجاني في التسعينات بعد نهاية الحرب مع العراق)، وإطلاق طاقاته الكامنة الكبيرة، وتغيير واقعه ومستقبله إلى الأفضل، وضمان عدم تآكل النظام من الداخل. 

2. التداعيات على الصعيد الخارجي:

ورث مجتبى سلطة والده، في ظل حربٍ طاحنةٍ تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، أدت إلى مقتل والده المرشد السابق على خامنئي، وما تزال الهجمات مستمرة بهدف إسقاط النظام، بل تضع الولايات المتحدة وإسرائيل على راس أهدافهما، استهداف مجتبى على غرار والده، من أجل دفع النظام نحو الانهيار، وفي ظل هذه الظروف، هناك مسارات مختلفة قد يتجه إليها خامنئي الابن، من أبرزها

أ.  التشدد والتحدي: يشير هذا الخيار إلى أن خامنئي الابن سوف يتابع سياسة متشددة على غرار نهج والده، على الصعيد الخارجي، قد تكون سمة هذه السياسة عدم الرضوخ للشروط الأمريكية، وإعادة الاعتبار إستراتيجية الصمود والتحدي التقليدية. وفي ظل مواجهة ضغوط شخصية وسياسية هائلة، وتحت تأثير الحرس الثوري، قد يلجأ إلى خيارات متطرفة لاستعادة الردع في الخارج والشرعية في الداخل.

التهديدات المتكررة التي تطال القيادة الإيرانية، قد تدفع المرشد الجديد إلى التعامل مع البرنامج النووي بوصفه أداة ردع إستراتيجية لا يمكن تقديم تنازلات جوهرية بشأنها، خاصة إذا اعتبر أن أي تراجع تحت الضغط قد يضعف موقعه الداخلي في مرحلة يسعى فيها إلى تثبيت شرعيته. كما أن خلفية المرشد الجديد العسكرية، إضافة إلى السياق المتوتر الذي تسلم فيه السلطة، قد تدفعه إلى تبني خطاب أكثر صرامة يركز على الردع. ومن المتوقع في هذا السياق أن يستمر دعم إيران لحلفائها الإقليميين، في لبنان واليمن والعراق وسوريا، بوصفهم أدوات رئيسية في موازنة الضغوط الغربية.

ربما يعزز من خيار التشدد الانتقام الشخصي لعائلته، حيث قُتل والده وزوجته وأمه وأفراد آخرون من عائلته، في الهجوم الأمريكي-الإسرائيلي، كما أن الاتجاه العام داخل النظام يرفض التسوية السياسية وفق الشروط الأمريكية، وهذه القيادات لا سيما في الحرس لا ترى طريقًا سوى المواجهة، والانتقام، والصمود، حتى اختيار مجتبى نفسه يبدو اختيارًا متشددًا في لحظة استثنائية لا يمكن معها توقع نهج مختلف، لا سيما أن الولايات المتحدة ترفض هذا الاختيار وتتوعده بالاستهداف.

كذلك فإن خبرة مجتبى المتواضعة على الصعيد المؤسسي الدبلوماسي، ومواقفه الغامضة من القضايا الملحة في العلاقات الإيرانية الخارجية، بما في ذلك المفاوضات النووية، أو العلاقات مع الولايات المتحدة وإسرائيل، والتوجهات نحو القوى الدولية والإقليمية، ومواقفه المعارضة للإصلاحيين، جميعها تشير إلى أن الرجل لا يملك القدرة على صياغة مبادرات تهدئة، وقد يجد صعوبة في أن يقدم نهجًا أكثر انفتاحًا في الظروف الراهنة، هذا ناهيك عن أن مجتبى لا يتمتع بشرعية حقيقية دينية أو سياسية، بل كل مؤهلاته هو أنه كان ابن خامنئي وقريب من دوائر صنع القرار، وهو ما يقيد قدرته على صياغة سياسة تختلف مع سياسة الحرس الثوري، ومجلس الأمن القومي، والمؤسسات التي يُهيمن عليها المتشددون.

ب. الانفتاح لتفادى سقوط النظام: جاء مجتبى ويفترض أن يحمل معه سياسة مغايرة، يمكن من خلالها إنقاذ إيران، وليس قيادة النظام والدولة نحو الانهيار، ومن ثم فإن مجتبى قد يعود إلى تفعيل مبدأ المرونة البطولية، التي سبق واعتمدها والده أكثر من مرة، لتفادي الضغوط الأمريكية. خصوصًا أن مجتبى ظل لسنوات يلعب دورًا بارزًا إلى جانب والده، ومكّنه ذلك من بناء نفوذ عبر المؤسسات الأمنية والاستخباراتية والعسكرية والدينية، يمكن من خلاله إيجاد مخرج من هذه الحرب.

كذلك قد يلجأ مجتبى إلى هذا الخيار، لأن بقاءه وبقاء النظام محل تهديد غير مسبوق؛ إذ حذرت إسرائيل من أن أي خليفة لخامنئي سيكون أيضًا هدفًا للاغتيال، بينما قال ترامب إن الحرب قد تنتهي فقط عندما تُستأصل القيادة العسكرية والنخبة الحاكمة في إيران.

إضافة إلى ذلك، فإن تطلعه إلى البقاء في الحكم لا يتطلب فقط إنقاذ نفسه، ولكن إنقاذ النظام من الضغوط والتحديات غير المسبوقة، والتي تتطلب تسوية مع الولايات المتحدة بما ينهي العقوبات، ويهيئ الظروف من أجل بناء شرعيته في الداخل، والتي لن تتم دون تفاهم مع واشنطن.

كذلك قد يكون خلف التهدئة دوافع شخصية، حيث تشير التقارير إلى أن مجتبى أدار بشكل غير مباشر، شبكة واسعة من التمويل، وغسل الأموال، والاستثمارات الخارجية جزئيًا لتمويل عمليات الحرس الثوري، وأن الاستمرار في الحرب لا يهدد بقاءه وحسب، بل يهدد هذه المنظومة التي يشارك المرشد الجديد الحرس في إدارتها.

ولا يفوت القول بأن الولايات المتحدة ربما تكون مستعدة لأي مبادرة من مجتبى، في ظل تكلفة الحرب المتزايدة، ومخاوف ترامب من تورط واسع النطاق، قد يؤثر على حظوظ الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي في نهاية العام، وما قد يترتب عليه ذلك من تهديد لترامب شخصيًا ولبقائه في السلطة، ناهيك عن انزعاجه من تنامي المعارضة من داخل تياره، الذي يرفض الحرب باعتبارها حربًا نيابة عن إسرائيل.

ج. الاغتيال وفراغ السلطة: في ظل الإصرار الأمريكي-الإسرائيلي على تغيير النظام في إيران، قد تسعى كل من الولايات المتحدة وإسرائيل إلى اغتيال مجتبى، وذلك باعتبار أن هناك هدفًا إستراتيجيًا تسعى من خلاله البلدان إلى إعادة ترتيب المشهد الإقليمي ككل، وتغيير البيئة الإستراتيجية في المنطقة بما يكرس هيمنة إسرائيلية-أمريكية، تتخطى مسألة إيران وتحقق مكاسب أكبر من القضاء على محورها، وحتى القضاء على برنامجها الصاروخي أو تفكيك برنامجها النووي.

يعزز من هذا الاحتمال قول ترامب: أن ابن خامنئي غير مقبول بالنسبة لي. نحن نريد شخصًا يجلب الانسجام والسلام لإيران. وكذلك الرسالة التي وجهها ترامب إلى مجتبى بقوله: هل اشتقت إلى والدك؟ وهو سؤال يحمل رغبة من ترامب لتصفية مجتبى على غرار ما حدث لوالده، إذ ربما يشعر ترامب بأن اختيار مجتبى ابن خامنئي يعد تحديًا شخصيًا له، بعد أن تكبدت الولايات المتحدة تكلفة باهظة في هذه الحرب، كذلك فإن هذا الاختيار يبدو أنه يحمل رسالة مفادها أن إيران لن تتراجع، وستواصل القتال حتى النهاية.

هذا الاغتيال يترك النظام في أزمة عميقة؛ إذ سيكون واضحًا أنه لا بد من عدم إعادة تقديم شخص متشدد، والنظر في إمكانية الدفع بوجه إصلاحي مقبول من جانب ترامب، وهو ما يعني التأثير الأمريكي المرغوب في إعادة تشكيل النظام من داخله، وهذا ربما يتعارض مع وجهة نظر إسرائيل التي تسعى خلف تغيير جذري.

لكن حصول الولايات المتحدة على مكاسب إستراتيجية أولها تدمير البرنامج النووي، وإضعاف منظومة الصواريخ الإيرانية، فضلًا عن وجه إصلاحي آخر، يمكن أن يكون حلًا وسطًا بين تشدد الداخل وتشدد الخارج، وذلك لأجل إنقاذ النظام، وإلا سوف تواصل الولايات المتحدة حملتها، وتدعم عملية التغيير، باعتبار أن النظام غير قابل بالإصلاح من داخله.

الخاتمة راهن النظام الإيراني على اختيار مجتبى خلفية لوالده في منصب المرشد الأعلى لإيران؛ وذلك أملًا في ملء فراغ السلطة، والحفاظ على تماسك النظام، وقد دفعت به الكتلة الصلبة في النظام متجاوزة الاعتبارات الدينية والسياسية، الأمر الذي يجعل من هذا الاختيار اختيارًا مفخخًا، ويضع البلاد والنظام أمام أسئلة وجودية، ولا شك أن مجتبى يمتلك خيارات محدودة في مواجهة الحملة الخارجية الحاسمة، ويرى البعض أنه يفتقر إلى الشرعية الدينية والسياسية بما يُفيد بأن النظام الإيراني في مأزق، بل إن ولاية الفقيه نفسها تتآكل مع هذا الاختيار؛ إذ قد لا يمكن لخامنئي الابن قيادة النظام السياسي على غرار ما قام به والده في مرحلة سابقة بعد رحيل المرشد المؤسس آية الله الخميني، كما قد لا يكون الرجل مقنعًا على المستوى الشيعي الأوسع، الأمر الذي يمهد الطريق نحو اندثار القراءة الخمينية لولاية الفقيه.

المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
إدارة التحرير