ترامب وقبول طلب إيران للحوار.. سياقات التصريح وأبعاده

اختتم ترامب الحرب الكلامية بينه وبين قادة إيران في الأسبوع الأخير بتصريح في 31 يوليو 2018 يفيد باستعداده للقاء قادة إيران دون شروط مسبقة، وذلك ردًّا على سؤال في مؤتمر صحفي جمعه ورئيس الوزراء الإيطالي جوزيبي كونتي. وقد لقي التصريح صدى واسعًا بوصفه من جانب البعض يعبِّر عن تغيير كبير في لهجة التصعيد التي تبنّاها ترامب تجاه إيران خلال الفترة الأخيرة، ولا يتماشى مع سياسة المواجهة والضغط التي تسير فيها الولايات المتحدة منذ أن أعلن ترامب انسحابه من الاتفاق النووي في مايو 2018، فضلًا عن اعتباره من جانب البعض مغازلة للإيرانيين على حساب حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، لا سيّما دول الخليج.

تهديد.. وليس طلبًا للحوار: يمكن فهم تصريح ترامب وفق عدة اعتبارات وسياقات، أوّلها أن التصريح كان ردًّا على سؤال لصحفي حول إمكانية لقاء ترامب بروحاني، وردّ ترامب وإن بدا في جوهره دبلوماسيًّا لكنه كان يسير في اتجاه التصعيد ذاته، إذ قال: «إذا رغبوا في ذلك فإنه سيقبل»، أي على إيران أن تبادر بطلب اللقاء، كما أنه قال «إن لقاء سيكون أفضل في الحالات التي يكون فيها خطر الحرب قائمًا»، وهو بهذا يعتبر أن بديل طلب إيران التفاوض هو الحرب. وهذا تهديد مبطن من ترامب لإيران، فضلًا عن أن تصريحاته جميعها خلال المؤتمر نفسه تجاه إيران تتسم بالحزم وتلتزم بنهجه التصعيدي ذاته، بدايةً من وصفه الاتفاق النووي بالسيئ وانتقاده سلوك أوباما تجاه إيران، وإشارته إلى أن النظام يعيش ظروفًا صعبة. كما أعرب عن اعتقاده بأن قادة إيران سيقررون في مرحلة ما لقاءه لمناقشة بديل للاتفاق النووي الذي انسحبت منه الولايات المتحدة مايو الماضي. ووصف ترامب الاتفاق السابق بأنه لا يستحق الورق الذي كُتب عليه، وأنه سيكون سعيدًا للتفاوض مع إيران على اتفاق أكثر أهمية.

فَهْم التصريح في سياق تطورات العلاقة بين الطرفين: لا يُفهَم تصريح ترامب خارج سياق تطورات العلاقة خلال الفترة الأخيرة، إذ تصاعدت حدة المواقف من الجانبين الأمريكي والإيراني، وذلك مع اقتراب موعد تطبيق الحزمة الأولى من العقوبات الأمريكية التي تسعى الإدارة الأمريكية إلى فرضها على إيران في السادس من أغسطس 2018، والتي تستهدف: قطاعات صناعة السيارات والتجارة، والذهب والمعادن النفيسة، فضلًا عن منع إيران من إجراء المعاملات باستخدام الدولار الأمريكي، وذلك قبل أن تأتي الحزمة الثانية في الرابع من نوفمبر 2018 والتي تستهدف: قطاع الطاقة، والصفقات المتعلقة بالنفط، وكذلك معاملات البنك المركزي الإيراني، وحظر إيران عن أنظمة الدفع الدولية.
على ضوء ذلك بلغت تصريحات المسؤولين على الجانبين ذروتها، وصولًا إلى التهديد بالمواجهة العسكرية والتلويح بها كخيار يمكن اللجوء إليه، لا سيّما بعد أن صرح الرئيس الإيراني حسن روحاني على هامش زيارته إلى سويسرا بأنه «لو لم تستطع إيران تصدير نفطها فلن تستطيع أي دول في المنطقة تصدير النِّفْط». وقد بارك المرشد علي خامنئي تهديدات روحاني واعتبرها «تصريحات مهمَّة وتمثّل منهج النِّظام».
وقد جاءت هذه التصريحات ردًّا على تصريحاتٍ من جانب إدارة ترامب بانتهاج سياسة تُفضي إلى الوصول بصادرات النفط الإيراني إلى الصفر، وهو ما يعني خنق اقتصاد إيران وتهديد بقاء النظام كليًّا. ووصل حد التصعيد من جانب الرئيس ترامب إلى توعّد إيران «بدفع ثمن باهظ لم تدفعه سوى دول قليلة على وجه الأرض، في حال أقدمت على أفعال خاطئة»، وذلك بحسب ما نقله عنه مستشار الرئيس الأمريكي لشؤون الأمن القومي جون بولتون.

كما كتب ترامب تغريدة مخاطبًا الرئيس الإيراني: «لم نعُد الدولة التي تتهاون مع كلامكم المحرّض على العنف والموت.. كن حذرًا». وذلك ردًّا على تصريح لروحاني قال فيه إنّ السياسات العدائية تجاه طهران قد تؤدي إلى «أُمّ المعارك كلّها»، وما كان من القادة العسكريين في الحرس الثوري من تهديد الوجود الأمريكي والقوات الأمريكية في المنطقة. وربما أعطى تصريح ترامب والتسويق الإعلامي له من جانب بعض الأطراف انطباعًا بأنه تراجع عن هذا الخط التصعيدي، لكن قراءته بعناية لا تفيد ذلك.

استعدادات للتفاهم والحوار: في الواقع لا يجب تحميل تصريح ترامب أكثر مما يشير إليه الواقع، إذ في خلفية المشهد وكواليسه هناك الكثير من التفاصيل، فترامب قبل تصريحه الأخير بالاستعداد لمقابلة قادة إيران قد حدد الهدف من سياسته، وهو أنها ضغط غير مسبوق من أجل الوصول إلى تسوية في النهاية، وقد ظهر ذلك في تصريحه على هامش قمة الناتو بأن الولايات المتحدة “سوف تفرض أقصى الضغوط على إيران، وسوف يتواصلون معنا وسيطلبون الحوار، وفي ذلك الوقت سوف نجلس إلى طاولة التفاوض”.
أما على الجانب الإيراني وبخلاف خط المرشد المتشدد، فهناك تيار مؤيد لفتح قنوات الحوار مع الولايات المتحدة، فهذا عضو مجمع الباحثين والمدرسين، فاضل ميبدي، يتساءل: لماذا ينبغي البقاء في خلاف مع أمريكا للأبد؟ من اللائق أن العدو لو اتخذ خطوة نحو التفاوض أن يكون هناك ردّ إيجابيّ”. كما وُجّهت انتقادات إلى حكومة روحاني على خلفية إعلان رئيس مكتبه رفض روحاني طلب ترامب مقابلته في أثناء الاجتماع السنوي للجمعية العامة للأمم المتحدة، وذلك باعتبار أن تلك فرصة ضيعتها إيران وكانت لحظة مناسبة للتفاوض أفضل من اللحظة الراهنة أو لحظة قادمة ستفقد فيها إيران كثيرًا من أوراقها، ووقت ستكون فيه عرضة للابتزاز والضغوط أكثر فأكثر.
لهذا يبدو واضحًا أن تصريح ترامب وكذلك ردّ الفعل الإيراني عليه لا يخرج عمّا هو متداول، وعما هو معبّر عن جانب من حدَّي الأزمة وتصورات حلّها، المواجهة أو التسوية، قبول الشروط الأمريكية أو استمرار الضغوط والعقوبات.
ولا تزال رسائل مختلفة من الجانبين تعطي انطباعًا بإمكانية وجود فرص للحوار والتفاهم باعتباره الوجه الآخر للمواجهة، وهنا يجب ألا ننسى الإشارة إلى المرحلة التي سبقت توقيع إيران الاتفاق النووي في 2015 وما سبقها من محادثات سرّية بدأت قبلها بسبع سنوات في 2009، وهو الأمر الذي يمكن أن يحدث في المرحلة الحاليّة، بل إنّ الظروف الراهنة بالنسبة إلى إيران قد تدفع إلى هذا الخيار، إذ يعاني النظام من ضغوط داخلية وخارجية غير مسبوقة، ويُتوقع بدخول العقوبات الأمريكية حيز التنفيذ مطلع أغسطس 2018 أن يتعرّض النظام لأزمة مركّبة ومتعدّدة الأبعاد قد تُفضي إلى تهديد بقائه، ومن ثم الاضطرار إلى التفاوض.

حوار محتمل في ظروف مختلفة: يعضد احتمال وجود تفاهمات أمريكية-إيرانية جديدة الزيارة التي قام بها وزير الخارجية محمد جواد ظريف إلى عُمان سرًّا للقاء نظيره العماني يوسف بن علوي، ووجود تقارير تشير إلى طلب ظريف من عُمان أن تتولى مجددًا مهمّة الوساطة بين طهران وواشنطن، بعد أن نجحت في هذه المهمّة خلال السنوات من 2012 إلى 2015، عندما بدأت المفاوضات النووية بين الولايات المتحدة وإيران سرًّا في العاصمة العُمانية مسقط، وانتهت تلك الاتصالات بتوقيع الاتفاق النووي بين إيران والدول الكبرى الست في 2015. وعزز هذا الطرح زيارة بن علوي لواشنطن بعد أسبوع من زيارة ظريف، وبحسب موقع “ديبكا” الأمني فإنّ الرئيس ترامب قد أعطى وزير الدفاع ماتياس الضوء الأخضر للقاء وزير الخارجية العُماني وبدء التفاوض مع إيران، وبهذه الخطوة عاد الرئيس ترامب لذات خط العمل للرئيس أوباما، وهو التواصل مع إيران سرًّا عبر عُمان.
وبحسب مصادر عُمانية فقد كان موضوع اللقاء حول الطريقة المثلى لخفض التوتر بين الولايات المتحدة وإيران. ثم جاء الإعلان عن زيارة مرتقبة لـ «بن علوي» إلى إيران الجمعة 3 أغسطس 2018 ليزيد من احتمالات بدء الوساطة التي يقوم بها بن علوي بين واشنطن وطهران.
كما أن ردّ الفعل الإيراني على تصريح ترامب لم يخرج عن إطار الخلاف الداخلي حول الموقف من التفاوض مع الولايات المتحدة بين خط المرشد المتشدد “المشيطِن” للولايات المتحدة والمشكك في مصداقيتها والتزامها بتعهداتها، والذي رفض دعوة ترامب، في حين أنه وافق من قبلُ على التفاوض سرًّا وصولًا إلى الاتفاق النووي رغم تصريحاته التي يشيعها في العلن، وهو أمر وارد أن يتكرر.. وبين هؤلاء الذين لديهم استعداد للحوار والتفاهم من الخط الأكثر اعتدالًا، والذين أعطوا إشارات بقبول عرض ترامب.
وهذا الواقع الداخلي يأتي في إطار سياسة تبادل الأدوار داخل النظام، الذي لا توجد فيه فروقات كبيرة بين من هم على يمين السلطة الفعلية ومن هم على يسارها من التيارين الرئيسيين في إيران. وقد عبّر عن هذا التيار المستعدّ للتفاوض مستشار الرئيس الإيراني حميد أبو طالبي في تغريدة له، إذ تطرّق إلى التزام الولايات المتحدة بالاتفاق النووي كشرط للحوار والتفاوض، وهذا الموقف بطبيعة الحال يشير إلى تحديد أجندة المفاوضات، وليس رفضًا لمبدأ التفاوض ذاته، وهو أمر قد يكون محور عمل أيّ وساطة، سواء كانت عمانية أو وساطة أخرى.
ولو تفحّصنا تصريحات كثير من المسؤولين الإيرانيين قُبيل أن يطلق ترامب تصريحاته، فسنجد أنها جميعًا تتبنى خط التشدد وعدم الثقة في التفاوض مع الولايات المتحدة، لكن ما يصدر عن المسؤولين من تصريحات ما هو إلا مجرّد آراء سياسية تسوّق للنظام في الداخل والخارج كمقاوِم للسياسات الأمريكية ورافض لها، لكن في الحقيقة عندما تأخذ مؤسسات الدولة العميقة وقيادتها الفعلية قرارًا بالتفاوض فإنّ الجميع سيعود ليلتزم بخط الدولة وخط المرشد، بغضّ النظر عن أي تسويق يستهدف به تخفيف الضغوط وتقليل الحرج عن النظام المدّعي للمقاومة. هذا إن لم يكن مسار التفاوض قد بدأ سرًّا بناءً على ما يثيره العديد من التقارير من داخل إيران وخارجها.
والواقع أنه لو افترضنا أنّ إيران ستطلب حوارًا مع الولايات المتحدة كما يريد ترامب، فأغلب الظنّ أنه حوار لو حدث فلن ينتهي إلى تسوية على غرار تلك التسوية التي أبرمها الرئيس الأمريكي السابق، باراك أوباما، مع إيران في منتصف عام 2015، ومنحها فرصة لمدّ نفوذها وتنفيذ سياساتها التخريبية في المنطقة دون رادع، بل الأغلب أنها ستكون تسوية وفق شروط ومحددات واضحة، لأن ترامب واضح في مطالبه وينطلق من موقع قوة، مستندًا إلى الواقع الضاغط الذي نجح في أن يفرضه على النظام الإيراني منذ وصوله إلى السلطة.

أولوية أمريكية-خليجية لتعديل السلوك.. مع عدم استبعاد تغييره: من زاوية أخرى لا يجب أن يُفهم من هذا التصريح أنه تنصُّل من جانب ترامب عن تنفيذ وعوده، أو أنه إضرار بمصالح بعض حلفائه في المنطقة، أو تخلٍّ عنهم في لحظة حرجة، على غرار ما فعل أوباما في 2015، إذ لم يكن في أي مرحلة ضمن أجندة دول الخليج تغيير النظام كأولوية ضمن أهدافهم من سياسة الضغط والمواجهة مع إيران، بل على العكس تمامًا، فسياسة مواجهة خطر إيران التي وقفت المملكة العربية السعودية بكل طاقتها خلفها هي سياسة ردع بالأساس، لدفع إيران إلى احترام دول جوارها وعدم التدخل في شؤونهم الداخلية، والتخلي عن مشروعها الإقليمي الذى يهدد استقرار الدول ويهدد سلامتها الوطنية، ويدفعها إلى التخلي عن دعم الميليشيات الطائفية وإثارة الحروب المذهبية، وهى المطالب التي نجحت السعودية في ظل قيادتها الجديدة التي تبنّت هذا الخط في تسويقها، لتكون جزءًا من أجندة المطالب الأمريكية والدولية من إيران، بجانب المطالب الأخرى المتعلقة بالبرنامج النووي وبرامج الصواريخ الباليستية.
فالسياسة الخليجية تجاه إيران جاءت في إطار مواجهة السلوك الإيراني بمثله، أو هي كانت سياسة تستخدم كورقة من أجل الضغط على النظام الإيراني لتعديل سلوكه وبناء علاقات تقوم على مبدأَي حُسن الجوار وعدم التدخل في شؤون الغير، فضلًا عن دعم الاستقرار بديلًا عن نشر الفوضى والتطرف.
وكما هو الحال ذاته بالنسبة إلى دول الخليج، تبدو ورقة التغيير التي تلوّح بها الولايات المتحدة للنظام الإيراني مجرد أداة ضغط لتعديل السلوك والتفاعل بإيجابية مع مطالبات دول الجوار ومع المجتمع الدولي بشأن قضايا الخلاف الرئيسية. وهذا التوجه عبّر عنه جيمس ماتيس وزير الدفاع الأمريكي بصورة أكثر وضوحًا بإشارته إلى أنّ الولايات المتحدة لا تسعى إلى تغيير النظام، بل تسعى إلى تعديل سلوكه. وهي رؤية تتوافق فيها السعودية مع الولايات المتحدة.

رسالة أخيرة إلى النظام الإيراني: في مجمل التطورات الراهنة المتعلقة بمواقف الولايات المتحدة وحلفائها الخليجيين، لا شك أن الرسالة التي كان يجب أن يسمعها النظام الإيراني ويستشعرها جديًّا قد وصلت، وهي أنّ عدم شروعه في تعديل سلوكه يقابله استمرار في مساعي تغييره.
هذا هو عرض ترامب، ولا يمكن فَهْمه بعيدًا عن سياقاته وبعيدًا عن شروط الولايات المتحدة ومطالبها من النظام الإيراني، المتطابقة إلى حد بعيد مع مطالب السعودية من إيران. وأغلب الظن أن الرسالة قد وصلت عمليًّا إلى النظام الإيراني، لا سيّما بعد الأزمة الداخلية التي يعاني منها النظام جرّاء استهدافه بالعقوبات والملاحقة في كل منطقة يسعى فيها إلى فرض وجوده ونفوذه.
وأخيرًا تبقى الكُرة الآن في ملعب قيادات النظام الإيراني، فإما استجابة لنداء التفاوض والاستعداد للتفاهم بشأن المطالب الأمريكية، وإما التعرض لمزيد من الضغوط والتهديدات حتى الاستجابة أو ارتداد أثر العقوبات والمواجهة على استقرار النظام وبقائه فعليًّا، إذ يكون أثر العقوبات قد نقل الكُرة إلى جهة الشعب الإيراني.
وإن صدقت التحليلات بشأن وساطة عُمانية بناءً على طلبٍ إيرانيّ، فإنّ النظام يكون قد استوعب الرسالة وهو بصدد مرحلة جديدة سيسعى للّعب فيها بكل أوراقه، لتؤدّي المفاوضات دورها في كسب الوقت وانتظار تغيير يُخرِج النظام من مأزقه. لكن في المقابل، هل سيصبر ترامب على ذلك؟ وهل يمكن أن يعطّل استراتيجيته في مراحل التفاوض إن بدأت؟ يبدو هذا أمر مستبعَد بالنظر إلى طبيعة سلوك ترامب ورغبته في حسمِ واحدٍ مِن أهمّ رهاناته الرئاسية، على غرار حسمه لأزمة كوريا الشمالية، مع الفارق الكبير بين الحالتين.

المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
إدارة التحرير