سوريا على مفترق الطرق.. الفرص والمخاطر في ظل التصعيد الإقليمي

https://rasanah-iiis.org/?p=38858

تجد الدولة السورية الجديدة نفسها اليوم أمام بيئة إقليمية معقدة بعد اغتيال المرشد الأعلى لإيران علي خامنئي في فبراير 2026م، وتصاعد المواجهة العسكرية بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران وحزب الله من جهة أخرى. يثير هذا التصعيد أسئلة إستراتيجية محورية: كيف يمكن لسوريا استثمار التغيرات الإقليمية لتعزيز سيادتها وتقليص النفوذ الإيراني وحزب الله على أراضيها؟ وما المخاطر التي تهدد الاستقرار الداخلي والحدودي؟ وما الاحتمالات الإستراتيجية المتاحة أمام سوريا في ظل تصعيد إقليمي شديد التعقيد.

أولًا: الفرص السورية في ضوء الحرب الراهنة

تدرك القيادة السورية حجم التعقيدات في الصراع الدائر بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران وحزب الله من جهة أخرى، وتستفيد من هذه المعركة الإقليمية لتحديد فرص حقيقية يمكن أن تعزز موقف سوريا، سواء على الصعيد الداخلي أو في علاقاتها مع محيطها الإقليمي. وتتجلى أبرز هذه الفرص في ما يلي:

  1. إضعاف نفوذ حلفاء النظام السوري السابق

تتمثل إحدى أبرز الفرص التي تتيحها الحرب الراهنة لدمشق في إمكانية إضعاف النفوذ الإيراني وشبكات حزب الله التي لعبت دورًا محوريًّا في دعم النظام السوري السابق طوال سنوات الحرب. فقد شكّل الوجود العسكري واللوجستي الإيراني في سوريا خلال العقد الماضي إحدى أهم أدوات التأثير في الداخل السوري، كما استخدم حزب الله الأراضي السورية كممر إستراتيجي لإمداداته العسكرية، الأمر الذي جعله لاعبًا أمنيًّا مؤثرًا في المعادلة السورية. وفي هذا السياق، فإن تعرُّض إيران وحزب الله لضغط عسكري واستنزاف إقليمي، ووسط فقدان لقياداتها العليا، قد يفتح نافذة أمام الدولة السورية الجديدة لتقليص نفوذ الشبكات العسكرية المرتبطة بإيران داخل الأراضي السورية، ومنع إعادة تشكل ممرات إستراتيجية يستخدمها حزب الله لنقل الإمدادات عبر سوريا. كما يشير بعض التقديرات البحثية إلى أن دمشق قد تنظر إلى انشغال حزب الله بالحرب مع إسرائيل باعتباره فرصة لإعادة ضبط التوازن الأمني على الحدود السورية-اللبنانية والحد من تحركات الحزب في مناطق النفوذ المشتركة.

  1. توظيف الحياد السياسي لتعزيز الحضور الدبلوماسي

تبنَّت القيادة السورية الجديدة مقاربة يمكن وصفها بـ”الحياد البراغماتي” في التعامل مع الحرب الدائرة، وهي مقاربة تهدف إلى تجنب الانخراط المباشر في الصراع مع الحفاظ في الوقت ذاته على علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية. ويظهر ذلك من خلال تبني خطاب سياسي منخفض التصعيد، إذ حرصت دمشق على تجنب إصدار مواقف حادة أو تصعيدية تجاه إسرائيل حتى في الحالات التي سقطت فيها شظايا صواريخ أو طائرات مسيّرة على الأراضي السورية، في مؤشر على رغبة واضحة في تفادي التحول إلى طرف مباشر في المواجهة الإقليمية. وفي المقابل، أدانت دمشق الهجمات الإيرانية التي استهدفت بعض دول الخليج، وهو موقف يعكس محاولة لإرسال رسائل طمأنة إلى البيئة العربية والإقليمية بأنها لا تسعى إلى الاصطفاف ضمن محور التصعيد، بل تحاول تقديم نفسها كدولة معنية بالاستقرار الإقليمي وإعادة التموضع ضمن شبكة العلاقات العربية والدولية.

  1. توظيف التهديد الخارجي لتعزيز التماسك الداخلي

تاريخيًّا، غالبًا ما تؤدي الأزمات الإقليمية الكبرى إلى تعزيز النزعة الوطنية داخل الدول الخارجة من النزاعات، إذ توفر هذه الأزمات إطارًا سياسيًّا يسمح للسلطات الحاكمة بإعادة بناء شرعيتها عبر خطاب حماية الدولة والسيادة الوطنية. وفي الحالة السورية، قد تتيح الحرب الإقليمية الجارية للقيادة الجديدة فرصة لاستخدام التهديدات الخارجية كأداة لتعزيز التماسك الداخلي وإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع بعد سنوات من الانقسام. فإبراز المخاطر المرتبطة بالميليشيات المرتبطة بإيران، وتصاعد التوترات مع إسرائيل، واحتمالات انتقال الصراع الإقليمي إلى الأراضي السورية، يمكن أن تسهم في توحيد القوى السياسية والاجتماعية خلف هدف حماية السيادة الوطنية، كما قد توفر غطاءً سياسيًّا لتسريع عملية دمج المناطق التي كانت خارج السيطرة المركزية ضمن مؤسسات الدولة، وتعزيز شرعية الجيش والمؤسسات الأمنية الجديدة بوصفها الضامن الرئيسي للاستقرار الوطني في مرحلة ما بعد الحرب.

  1. إعادة ضبط الحدود السورية-اللبنانية

تشكل الحدود السورية-اللبنانية إحدى أكثر المناطق حساسية في معادلات الأمن الإقليمي، إذ استخدمت لعقود كممر لنقل السلاح والتهريب، كما لعبت دورًا مهمًّا في شبكة الإمداد اللوجستي لحزب الله بين لبنان وسوريا. وفي ظل التصعيد الإقليمي الحالي، قد ترى دمشق في الظروف الراهنة فرصة لإعادة فرض سيطرة أمنية أكبر على هذه الحدود، مستفيدة من عدة عوامل متزامنة، من بينها انشغال حزب الله بالمواجهة العسكرية مع إسرائيل، ووجود اهتمام دولي متزايد بضبط الحدود ومنع تدفق السلاح غير الشرعي، إضافة إلى مصلحة لبنانية داخلية في الحد من أنشطة التهريب التي ساهمت في تعقيد الوضع الأمني والاقتصادي في البلاد. وفي هذا السياق، قد تتجه الدولة السورية إلى تعزيز وجودها العسكري على المعابر الحدودية، وإعادة تنظيم المعابر الرسمية، وتشديد الإجراءات الأمنية للحد من شبكات التهريب العابرة للحدود. وإذا ما نجحت هذه الخطوات فقد تمثل تحولًا مهمًّا في طبيعة العلاقة الأمنية بين سوريا ولبنان، كما قد تسهم في تقليص أحد أبرز مصادر النفوذ الإقليمي لحزب الله المرتبط بالتحكم في خطوط الإمداد والعبور عبر الحدود السورية.

ثانيًا: التحديات والمخاطر أمام الدولة السورية

على الرغم من الفرص التي قد تتيحها الحرب الإسرائيلية على إيران وحزب الله للدولة السورية الجديدة، سواء من حيث إضعاف الخصوم التاريخيين أو إعادة التموضع في البيئة الإقليمية، فإن هذه الحرب في المقابل تفرض مجموعة من التحديات المعقدة التي قد تعرقل مسار التعافي الوطني في سوريا. فدمشق تتحرك في بيئة إقليمية شديدة التقلب، حيث يمكن لأي خطأ في تقدير موازين القوى أو إدارة التوازنات الإقليمية أن يعيد الدولة السورية إلى دائرة الصراع وعدم الاستقرار. ومن أبرز التحديات ما يلي:

  1. مخاطر الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع كل من حزب الله وإسرائيل

تشكل الجبهة الجنوبية لسوريا اليوم اختبارًا إستراتيجيًّا دقيقًا أمام الحكومة السورية الجديدة، إذ تتقاطع فيها الحسابات الداخلية مع الديناميات الإقليمية الحساسة، ويزداد التعقيد في ظل الحرب الإسرائيلية على إيران وحزب الله وما رافقها من تصعيد في جنوب لبنان وتحركات عسكرية متبادلة بين القوى الإقليمية. يُعَدّ احتمال تحوُّل الحدود السورية-اللبنانية إلى جبهة مواجهة مباشرة مع حزب الله أحد أبرز هذه المخاطر، خصوصًا أن مناطق مثل القصير والقلمون كانت خلال السنوات الماضية نقاط تماس حرجة استُخدمت ضمن منظومة لوجستية وعسكرية مرتبطة بالوجود الإيراني في سوريا. وفي هذا الإطار، عملت القيادة السورية منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية-الإيرانية الراهنة على تعزيز وجودها العسكري على طول الحدود اللبنانية عبر نشر وحدات نخبوية وتحشيد قوات إضافية، بهدف تشديد الرقابة على المعابر ومنع أي محاولات للاختراق أو التصعيد من قبل حزب الله أو الميليشيات الموالية لإيران.

غير أن هذا التحشيد العسكري لا يعكس بالضرورة رغبة دمشق في الدخول بمواجهة مباشرة، بل يندرج ضمن مقاربة ردعية تهدف إلى ضبط الحدود وفرض أكبر قدر من السيطرة الأمنية، وإرسال رسالة واضحة بقدرة الدولة على حماية سيادتها ومنع تحويل أراضيها إلى ساحة تصفية حسابات إقليمية. 

يعكس هذا النهج الحذر إدراك دمشق لطبيعة المخاطر المصاحبة لأي مواجهة مباشرة مع حزب الله، إذ لا يُنظر إليها باعتبارها مجرد اشتباك حدودي محدود، بل كاحتمال قد يتطور إلى صراع أوسع يمتد بأبعاد طائفية وإقليمية معقدة، خصوصًا في ظل شبكة حلفاء الحزب داخل سوريا وخارجها وارتباطه بمحور إقليمي تقوده إيران، الأمر الذي قد يستدعي تدخل فصائل مسلحة إضافية ويعيد تنشيط الانقسامات الداخلية بعد سنوات من محاولات احتوائها.

إضافة إلى ذلك، تواجه سوريا تهديدًا موازيًا من الدور الإسرائيلي المحتمل على الحدود الجنوبية، إذ تتابع إسرائيل الوضع من كثب نظرًا إلى الاعتبارات الإستراتيجية المرتبطة بالطائفة الدرزية والواقع الأمني قرب الحدود مع لبنان والجولان. وفي ظل الحرب الإسرائيلية الجارية على إيران وحزب الله، حذرت إسرائيل دمشق صراحة من أي تحرك عسكري أو محاولة لتغيير الواقع القائم في المناطق الحدودية، مؤكدة أنها لن تسمح باستغلال الحرب الإقليمية الحالية لفرض تموضع جديد بالقرب من خطوط الفصل، وهو ما يعكس أن أي تصعيد في الجنوب السوري خلال هذه المرحلة قد يُنظر إليه على أنه تهديد للمصالح الإسرائيلية، ما قد يدفعها إلى توجيه تحذيرات أو ممارسة ضغوط سياسية، وربما التدخل المباشر أو غير المباشر، ويحوّل بالتالي المنطقة إلى نقطة تماس بين القوى الإقليمية المتصارعة.

من هذا المنطلق، قد تجد دمشق نفسها أمام خطر الانجرار إلى مواجهة مزدوجة تجمع بين تحديات داخلية مرتبطة بالفصائل المحلية وحزب الله، ومواجهة خارجية محتملة مع إسرائيل، في وقت لا تزال فيه الدولة السورية تسعى إلى تثبيت الاستقرار الداخلي واستغلال التحولات الإقليمية لتقليص نفوذ حزب الله وإعادة ضبط الحدود اللبنانية-السورية. ويُعتبر هذا الموقف اختبارًا جوهريًّا لقدرة الحكومة السورية على تحقيق توازن دقيق بين حماية سيادتها وأمنها الوطني من جهة، والحفاظ على الاستقرار الإقليمي وتجنب الانزلاق إلى صراع أوسع في أثناء الحرب الإسرائيلية-الإيرانية من جهة أخرى.

  1. تحديات إدارة العودة الطارئة للاجئين السوريين من لبنان

أدت التطورات العسكرية في لبنان، ضمن سياق الحرب الإسرائيلية على إيران وحزب الله، إلى عودة عشرات الآلاف من اللاجئين السوريين خلال فترة زمنية قصيرة، مما يفرض ضغطًا هائلًا على البنية التحتية والخدمات الأساسية داخل سوريا، وتضاعف هذه الأزمة بالتالي تعقيدات إدارة الدولة السورية لمرحلة التعافي الوطني، إذ تتزامن مع تحديات أمنية واقتصادية أخرى مرتبطة بالتصعيد الإقليمي، مما يجعل قدرة دمشق على احتواء الضغوط الداخلية مرتبطة مباشرة بكيفية إدارة المخاطر الإقليمية ودرء انتقال الصراع الإقليمي إلى الأراضي السورية.

  1. التهديدات الأمنية القادمة من الشرق السوري

تمتد التحديات الأمنية أمام سوريا إلى الحدود السورية-العراقية، حيث يزداد التصعيد المرتبط بالحرب الإسرائيلية على إيران وحزب الله. فقد أصبح دور الميليشيات الموالية لإيران في العراق أكثر نشاطًا وانخراطًا في الصراع الإقليمي، ما قد يشي باحتمال انتقال تداعيات الحرب إلى الأراضي السورية، خصوصًا في المناطق الشرقية والشمال الشرقي التي شهدت سابقًا صراعات مع تنظيمات مسلحة. ويترتب على هذا الوضع مخاطر كبيرة تشمل تقويض التفاهمات الأمنية الهشة في شمال شرق سوريا، وتعقيد جهود إدماج «قوات سوريا الديمقراطية» ضمن البنية العسكرية للدولة، وخلق فراغات أمنية قد تستغلها فصائل مسلحة أخرى لإعادة نشاطها. 

ثالثًا: الخيارات الإستراتيجية أمام الدولة السورية في ظل الحرب الإسرائيلية-الإيرانية

تواجه سوريا خيارات متعددة في ظل الحرب الإسرائيلية على إيران وحزب الله، حيث يعتمد تأثير الصراع على طبيعة التصعيد وقدرة القوى الإقليمية والدولية على احتوائه أو توسيعه. في حال بقي التصعيد محدودًا، مع استمرار الضربات الجوية وعمليات محدودة دون اندلاع حرب برية واسعة، تبقى سوريا تحت ضغط إقليمي دون أن تتحول إلى ساحة رئيسية للنزاع، ما يمنح القيادة السورية فرصة لإعادة ضبط النفوذ الإيراني وتنظيم حركة الميليشيات المرتبطة بها على أراضيها، بما يعزز قدرتها على إدارة الحدود وإعادة ترتيب أوراقها الأمنية. في هذا السياق، تتقاطع مصالح عديد من القوى الإقليمية أمنيًّا مع الحاجة إلى استقرار الحدود السورية ومنع انتقال التوتر العسكري إلى أراضيها، وهو ما قد يفضي إلى تنسيق غير معلن أو غير مباشر مع الجهات السورية المعنية، لضمان ضبط الحدود وتقليل مخاطر تداعيات الحرب الإقليمية على الداخل السوري. بهذا الشكل، يرتبط القرار السوري الداخلي مباشرة بموازين القوى الإقليمية، حيث يشكل الانشغال الإقليمي لحزب الله وإيران فرصة لإعادة تأمين الحدود وتعزيز الاستقرار النسبي، في حين تبقى سوريا حذرة من أي انزلاق قد يحولها إلى ساحة مواجهة مباشرة.

ومع ذلك، إذا لم يلتزم الصراع الحدود الحالية وأخذ التصعيد منحى أوسع يشمل اجتياحًا واسعًا للبنان أو استهدافًا مباشرًا للبرنامج النووي الإيراني، فستتغير المعادلة بشكل جوهري، وتصبح سوريا أكثر عرضة للضغط المباشر نتيجة تدفق مئات الآلاف من النازحين اللبنانيين، ونشاط خلايا مرتبطة بإيران أو حلفائها عبر عمليات اغتيال أو تفجيرات محدودة تستهدف استنزاف الخصوم دون اندلاع مواجهة شاملة، إضافة إلى احتمال استهداف مواقع سورية من إسرائيل بذريعة منع نقل السلاح إلى حزب الله. في هذه الحالة، تتعقد مهمة دمشق في إدارة الحدود الداخلية وتأمين الاستقرار، ما يفرض على القيادة السورية إعادة تقييم سياساتها الأمنية والدبلوماسية ضمن بيئة إقليمية أكثر تقلبًا.

خاتمة

في ضوء ما سبق، تبدو سوريا الجديدة أمام مفترق طرق إستراتيجي دقيق، حيث تتقاطع الفرص النادرة مع المخاطر الوجودية في آن واحد. فالقيادة السورية مدعوة لاستثمار الانشغال الإقليمي لإيران وحزب الله لتعزيز سيادتها، وإعادة ضبط الحدود، وترسيخ مؤسسات الدولة، مع الاستمرار في نهج الحياد البراغماتي لتجنب الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع القوى الإقليمية الكبرى. في المقابل، فإن أي تقدير خاطئ للتوازنات العسكرية أو السياسية، أو فشل في احتواء الضغوط الداخلية المرتبطة بالنازحين، قد يعيد سوريا سريعًا إلى دوامة الصراع والانقسام. ومن هنا، فإن نجاحها في المرحلة الراهنة يعتمد على قدرتها على الموازنة الدقيقة بين حماية مصالحها الوطنية، وإعادة التموضع الإقليمي، وتعزيز التماسك الداخلي، بما يضمن أن تتحول التحديات الحالية إلى منصة لتعزيز الاستقرار والشرعية، بدلًا من أن تصبح عامل تفجير جديد للصراع.

المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
إدارة التحرير