عقيدة الدفاع الأمامي الإيرانية..هل وصلت إلى نهايتها؟

https://rasanah-iiis.org/?p=38848

بواسطةنويد أحمد

نجحت القوّات البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني في تنفيذ المهمَّة التي أُعِدَّت لها، والمتمثِّلة في إغلاق مضيق هرمز. غير أنَّ هذا الإنجاز يظل حالة استثنائية. في المقابل، أخفقت منظومات الدفاع الجوِّي الإيراني والقوّات الجوِّية الإيرانية من إبداء حتى مقاومة محدودة أمام الطائرات المعادية. أصبحت القوَّة الصاروخية تقنِّن إطلاق الصواريخ والطائرات المسيَّرة، بعد أن تراجعت إلى حدٍّ كبير، مقارنةً بما كانت عليه في السابق. ولقد أضعفت شبكة الاتصالات الداخلية للجيش، أو أصبحت غير موثوقة بفعل قُدرات «العدو» المتقدِّمة على التنصُّت. ونتيجة لذلك، تحوَّلت الأفرع العسكرية الإيرانية ووحداتها إلى ميليشيات لا مركزية، حيث تعمل وفق خِطَط محاكاة حربية لضرب أهداف محدَّدة مُسبَقًا بكفاءة، وتعتمد على متابعة الإعلام الغربي ووسائل التواصل الاجتماعي لتقييم نتائج ضرباتها وتحديد خطوتها التالية.

وفي الوقت نفسه، استنزفت طهران مخزونات الصواريخ الاعتراضية الإسرائيلية والأمريكية والخليجية، وكادت تشِلْ حركة الطيران في معظم المطارات تقريبًا، باستثناء المملكة العربية السعودية وسلطنة عُمان، وعطَّلت إنتاج النفط والغاز المُسال والنفط، وأعاقت بشكلٍ كبير وصولها إلى الأسواق العالمية، وتسبَّبت في ارتفاع هائل بتكاليف التأمين على السُفُن حول العالم. إذا كانت الولايات المتحدة هي من يرفع الرية البيضاء، فستحقِّق إيران نصرًا رمزيًا كبيرًا. في خِضَمْ معركتها من أجل البقاء، يحقِّق النظام الإيراني انتصارًا كل يوم بمجرَّد أنَّه لم ينهار بعد. وتواجه الدول، التي بدأت الحرب (أمريكا وإسرائيل)، على الرغم من بُعدها الجغرافي وقوَّتها العسكرية، تحدِّيات معقَّدة ومتراكمة. وتبدأ هذه التحدِّيات من الضغوط السياسية الداخلية، في كلٍّ من الولايات المتحدة وإسرائيل، وتنتهي بالثمن الباهظ للحرب، التي تشمل الخسائر المادِّية والبشرية مقابل نصر سريع لا يزال سرابًا. وإدراكا منها أنَّها قد لا تستطيع إغلاق مضيق هرمز لفترة طويلة تحت وطأة نيران الهائلة لـ«العدو»، قامت إيران بتدريب وتجهيز وحداتها العسكرية التقليدية وغير التقليدية وفقًا لعقيدة الدفاع الأمامية، التي تتبنّاها، وتشمل الترسانة الإيرانية غير التقليدية الصواريخ والطائرات المسيَّرة والقوارب السريعة. وبالإضافة إلى ذلك، تعتمد إيران على شبكة واسعة من الوكلاء الإقليميين: حركة حماس (فلسطين)، و«حزب الله» (لبنان)، و«الحشد الشعبي» (العراق)، وحركة أنصار الله (اليمن)، و«لواء زينبيون» (باكستان)، و«لواء فاطميون» (أفغانستان)، و«الحسينيون» (أذربيجان)، ووكلاء آخرون.

تقوم عقيدة «الدفاع الأمامي» الإيرانية بمهارة على دمْج جميع أدوات القوَّة والقمع، عبر المزج بين أنماط القتال النظامية وغير النظامية لتحقيق هدف وحيد، وهو إبعاد الصراع عن الأراضي الإيرانية.و نشأت فكرة الدفاع الأمامي، من إدراك الدولة الإيرانية والجيش لحدود قُدراتهما التقليدية، وتستند هذه الإستراتيجية على مزيج بين الردع التقليدي والإنكار المعقول. وبسبب الدروس، التي تعلَّمتها من تجربة العراق وأفغانستان، أدركت إيران بوجود فرص أوسع لتعزيز نفوذها وقوَّتها عبر المجتمع المدني، والمنصّات الإعلامية الحديثة، والجماعات المسلَّحة غير الحكومية، والطائرات المسيَّرة وترسانة الصواريخ. من وجهة نظر عسكرية بحتة، تعتمد عقيدة الدفاع الأمامي على استثمار ثغرات الخصوم، ومعالجة أوجه القصور الذاتية، من خلال استخدام وسائل منخفضة التكلفة لردع هجمات «العدو».

يعني مصطلح «الأمامي»، أو الذي يمكن ترجمته حرفيًا بشكل أقلّ دِقَّة «الهجومي»، إلحاق الضرر بالأُصول العسكرية والحيوية لـ«العدو» داخل أراضيه بطريقة استباقية. و«تنُص العقيدة الدفاعية على حرمان الخصم من الهدف، الذي يسعى إليه، من خلال استبعاد أيّ مبادرة لشنْ أعمال العدائية وحصْر القتال بدقَّة ضمن حدود الدفاع عن أراضي الدولة». وبالتالي، فإنَّ عقيدة الدفاع الأمامي الإيرانية، هي تفاعُل ذكي بين العقدتين الهجومية والدفاعية، مع الاستناد في الوقت نفسه إلى مفهوم الردع التقليدي.

دفعت حالة الضعف، التي تُقِرّ بها إيران،ـ إلى إنشاء منطقة رمادية، تمارس فيها القمع والإكراه، وتُوسِّع من خلالها نفوذها وتحقيق المكاسب. لكن اعتمادها المتزايد على القوَّة  الصاروخية، يعكس مبالغة في الثقة  التكتيكية وتراجُع قُدرة «الإنكار المعقول». عندما أطلقت إيران صواريخ باليستية وطائرات مسيَّرة، تلقَّت عقيدة «الدفاع الأمامي» ضربةً قاسية أمام هجوم إسرائيلي مضاد هائل ومتفوِّق. وفقدت الميليشيات الحليفة قياداتها، وفقدت قنوات الاتصال المباشر بطهران، بعد سقوط نظام الأسد السوري على يد المعارضة.

قبل «الربيع العربي»، كانت إيران تطبِّق عقيدة «الدفاع الفسيفسائي»، التي طُرِحت عام 2005م. وقد اتّسمت الإستراتيجية السابقة بطابعٍ دفاعي بحت، واعتمدت على القُدرات البحرية والدفاع الجوِّي؛ لتعطيل سيطرة الخصم على خطوط الملاحة البحرية والمجال الجوِّي. ومع ذلك، كانت تعتمد في جوهرها على نهْجٍ متناظِر، يقوم على تعبئة قوَّة مكوَّنة من ميليشيا بحرية كبيرة ومشتَّتة جغرافيًا، لخوض حرب استنزاف ضدّ «العدو».

من الواضح أنَّ عقيدة «الدفاع الأمامي» قوَّضت سيطرة المؤسسات المدنية، وكرَّست «النزعة الهجومية» القائمة، خاصَّةً مع سيطرة الحرس الثوري الإيراني على مفاصل الدولة التنفيذية والسياسية. وقد أدّى تفاقُم الخلل في توازُن العلاقة بين المدنيين والعسكريين من نزعة المؤسسة العسكرية إلى الاستخدام السريع للقوَّة، إلى جانب شبكتها الواسعة من الوكلاء الممتَدَّة من أفغانستان وباكستان إلى لبنان واليمن.

بشكلٍ عام، تتمثَّل أهداف الحرس الثوري الإيراني فيما يلي:

– تهديد وعرقلة الملاحة في الخليج.

– الاعتماد على مبدأ «الإنكار المعقول»، بالتوازي مع تسليح الميليشيات بالوكالة.

– توسيع الانتشار الإستراتيجي نحو خصوم بعيدين جغرافيًا عن إيران؛ بغرض إظهار القوَّة.

– تمكين الطوائف الشيعية وتعزيز الثقة بين صفوفها، على المستويين الإقليمي والعالمي.

– بناء ترسانة ضخمة لشن هجمات كثيفة تُربِك دفاعات «العدو»ـ وتتجاوز تدابيره المضادَّة.

تولَّت ميليشيات شيعية مقرَّها العراق -المعروفة باسم «الحشد الشعبي»- مهمَّة الرد على الخسائر الفادحة، التي مُنِيَت بها إيران. وفي اليوم الخامس من الحرب، لقِيَ أبو حسن الفريجي؛ الأمين العام لأحد فصائل «الحشد»، مصرعه في عملية اغتيال غامضة بمحافظة بابل، تزامن ذلك مع تقريرٍ أفاد بتنفيذ قوّات أجنبية عمليات إنزال في غرب العراق. وفي الانبار، أسفرت غارات جوِّية استهدفت مقر قوّات الحشد الشعبي، عن قتْل ما لا يقِلّ عن 30 عراقيًا، وأُصيب العشرات. وعلى الرغم من ذلك، واصلت إيران وقوّات الحشد الشعبي شنْ هجمات على منشآت عراقية وأمريكية في بغداد وأربيل، وكثَّفت القوّات الجوِّية الأمريكية والإسرائيلية ضرباتها على قواعد الحشد الشعبي ومستودعات أسلحته. على عكس «حماس» و«حزب الله» و«أنصار الله»، تمتلك الفصائل العراقية المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني في العراق خطوط إمداد برِّية مباشرة مع إيران، تُنقَل عبرها الأسلحة والمقاتلين والمستشارين. وعلى الرغم من دمْج الحشد الشعبي ضمن القوّات المسلَّحة العراقية في عام 2015م، إلّا أنَّ فصائل رئيسية داخله مثل حركة حزب الله النجباء وكتائب حزب الله وكتائب سيِّد الشهداء، لا تزال تحتفظ بكيان مستقلّ داخل المؤسسة العراقية؛ بسبب ولائها الأول لإيران.

نفَّذ حزب الله هجمات انتقامية على إسرائيل ردًّا على شنِّها حربًا واسعة النطاق ضدّ إيران، لكن فعالية الهجوم جاءت دون المستوى المتوقَّع من حزب الله نفسه؛ الأمر الذي عكَسَ تراجُع قُدراته واستنزاف ترسانته وتصاعُد حالة اليأس لديه.

ويلتزم الحوثيون الصمت على الصعيد العسكري، على الرغم من أنَّ خطابهم لم يخلُ من التصعيد. وبينما يرى مراقبون أنَّ الجماعة تتصرَّف بحكمة وبراغماتية، يعتقد آخرون أنَّ مخزونها من الصواريخ والطائرات المسيَّرة أصبح محدودًا بعد الضربات من قِبَل إسرائيل والحلفاء. وترجِّح التقديرات بأنَّ الحوثيين يفضِّلون انتظار انتهاء الحرب الإيرانية مع الحفاظ على مواقعهم؛ استعدادًا لفتح جبهة في جنوب البحر الأحمر وباب المندب لاحقًا. ويعتقد التيّار البراغماتي داخل الميليشيا، أنَّ المملكة العربية السعودية وسلطنة عُمان نجحتا في احتواء الميليشيا الموالية لإيران عبر تقديم حوافز سياسية. ولا تشكِّل فلول نظام الأسد في سوريا حاضنة حقيقية لبناء جبهة مقاومة لإيران، على الرغم من أنَّ أغلبية الطائفة العلوية تتمركز في المناطق الساحلية المطلَّة على شرق البحر الأبيض المتوسِّط.

وأطلقت أذربيجان حملة واسعة لتعقُّب واعتقال أعضاء وأنصار جماعة «الحسينيون»،  نشرت باكو صورًا لنشطاء موالين لإيران. وفي الوقت الذي لا تزال تتواصل فيه عمليات الملاحقة، قامت إيران بتفعيل «لواء زينبيون» في باكستان في 2 مارس؛ ما أشعل احتجاجات عنيفة في منطقة جلجيت-بالتستان شمالًا ومدينة كراتشي جنوبًا. واستهدفت الاحتجاجات القنصليات الأمريكية في كراتشي ولاهور وبيشاور، إلى جانب إحراق المنشآت العسكرية والمؤسسات التعليمية. وأخفقت طهران في فرْض إرادتها على إسلام أباد، بشأن الوفاء بالتزاماتها الدفاعية تجاه المملكة العربية السعودية بموجب اتفاقية الدفاع الإستراتيجي المشتركة، ولا يزال «لواء فاطميون» في أفغانستان ضمن القوَّة الاحتياطية لإيران، تمهيدًا لاستخدامه مستقبلًا.

وتُشير مراجعة سريعة للوحدات العسكرية الإيرانية غير المتناظِرة في الخارج، إلى أنَّ عقيدة «الدفاع الأمامي» لم تنهار بالكامل في مهمَّتها لحماية أمن إيران. وقد أتاحت هذه العقيدة لإيران شبكة من الميليشيات المحلِّية لشن أعمال عقابية ضدّ أعدائها، وتشتيت انتباههم ومواردهم بعيدًا عن إيران. ومع ذلك، فإنَّ العديد من الميليشيات التابعة للحرس الثوري لا تعتمد على متطوِّعين. ومع تراجُع عائدات النفط الإيرانية وارتفاع فاتورة الحرب بشكلٍ هائل، تبرُز تساؤلات جَدِّية حول الجدوى المالية لهذه العقيدة. ونظرًا لانقطاع الرواتب أو تراجُع إمدادات السلاح، ستُصاب عناصر هذه الميليشيات بالإحباط، وقد يلجأ بعضهم إلى الفرار من مواقعهم. وعلى غرار أذربيجان، لا تملك باكستان ولا أفغانستان خيار سوى ملاحقة مواطنيها الموالين لإيران. وقد لا ترغب جماعة أنصار الله في المخاطرة باستقرار حُكمها لتصبح مجرَّد «مقاتلي حرب عصابات» لصالح الحرس الثوري الإيراني. وتُثير الأعمال العدائية، التي يقوم بها حزب الله، واستفزازات الحشد الشعبي الآراء حول مصداقية وشرعية العراق ولبنان.

نويد أحمد
نويد أحمد
باحث في الشؤون الاستراتيجية