في ظل تعقُّد الصراعات الإقليمية والدولية ضمن مرحلة شديدة الاضطراب، تتحوَّل فيها توازنُات القوَّة في النظام الدولي، أجرى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب زيارة إلى الصين، خلال الفترة من 13 إلى 15 مايو 2026م، في محاولة لإعادة احتواء التوتُّرات بين القوَّتين الأكبر في العالم، وإعادة ضبْط التوازنات الدولية، التي اهتزَّت بفعل التوتُّرات المتلاحقة والمتسارعة مع الصين، تلتها زيارة أجراها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للصين، استمرَّت ليومين من 19 إلى 20 مايو 2026م، على نحوٍ يُشير إلى تحوُّل بكين إلى قبلة زيارات مُحتمَلة لأهمّ القادة المؤثِّرين في مجريات الشؤون الإقليمية والعالمية، لتعاظُم ثِقَلها ومكانتها وأدوات تأثيرها في الملفّات العالمية.
وقد لاقت زيارة الرئيس ترامب للصين اهتمامًا عالميًا واسعًا، ووُصِفت بالاستثنائية؛ لإجرائها في لحظةٍ فارقة يمُرّ فيها النظام الدولي بمرحلة إعادة تشكُّل؛ الأمر الذي يطرح العديد من التساؤلات، أبرزها: هل أحدثت القمَّة اختراقًا في الملفّات الصراعية الأكثر تعقيدًا بين الولايات المتحدة والصين؟ أو هل تمكَّنت من احتواء وإدارة التصعيد؟ أم أنَّ العالم سيشهد جولةً جديدة من التصعيد بين القوَّتين قريبًا؟ وكيف تُوصَف اللحظة الراهنة بين القوَّتين؟ وما مكاسب كل طرف من الزيارة؟ وما أبرز الفروقات بين زيارتي ترامب للصين خلال 2017م و2026م؟ وهل كشفت الزيارة عن مُضِي قواعد التوازن الدولي بلحظة إعادة ترسيم؟ وهل لا تزال أدوات الضغط الأمريكية كافية لكبح طموح الصين عن طموحاتها الدولية، أم أنَّها باتت أقوى وتجاوزت لحظة التراجع بأعوام؟
أولًا: الزيارة في ميزان القوى الإقليمية والدولية
حظيت الزيارة بأهمِّية كبرى؛ لكونها تنعقد بين أكبر قوَّتين مؤثِّرتين في الأحداث الدولية، وتؤثِّر نتائجها السلبية والإيجابية على السياسات الخارجية للعديد من الدول، وتناقش قضايا مركزية تتقاطع وتتشابك فيها مصالح تلك الدول. فعلى سبيل المثال، تتوجَّس القوى الآسيوية الحليفة لواشنطن من التوصُّل لاتفاق أمريكي-صيني يقضي بتخفيف الرسوم الجمركية على الصين، أو تقديم تنازلات بشأن تايوان، أو تقليص الوجود العسكري الأمريكي في اليابان وكوريا الجنوبية. وكذلك خشِيَت روسيا، التي سارع رئيسها لزيارة بكين في زيارة ظهرت وكأنَّها تقييم لنتائج زيارة الرئيس الأمريكي للصين، من حدوث تقارُب يفضي إلى تغيير الموقف الصيني من الحرب الروسية-الأوكرانية، كما خشِيَت الدول الأوروبية واليابان أن يأتي أيّ تقارُب بين القوَّتين على حساب الحصَّة السوقية للشركات الأوروبية واليابانية في الاستثمارات والطاقة. وحتى الأرجنتين والبرازيل خشِيَتا من انفراجة تُفضي إلى عدول الصين عن استيراد الفول الصويا لصالح الفول الصويا الأمريكي، كذلك راقبت دول الشرق الأوسط مواقف الطرفين تجاه ترتيبات الأمن والطاقة والاقتصاد. وفيما يلي أبرز القضايا الصراعية الأكثر تعقيدًا وتصعيدًا بين الطرفين الأمريكي والصيني، ضمن معركة إعادة تشكيل موازين القوَّة في القرن الحادي والعشرين، والتي تشغل بال الدول على المستوى الدولي:
1. التجارة والأسواق: يأتي على رأس قائمة الملفّات المطروحة أمريكيًا، وأراد ترامب من الصين -في هذا الملف- فتْح السوق الصيني أمام كُبريات الشركات الأمريكية؛ لذلك رافقه في زيارته وفدٌ من كبار عمالقة المال والأعمال والصناعة والتكنولوجيا الأمريكيين، يتصدَّرهم إيلون ماسك (تسلا)، وتيم كوك (آبّل)، وجنسن هوانغ (إنفيديا)، ولاري فينك (بلاك روك)، وكيلي أورتبرغ (بوينج). كذلك أراد ترامب عودة استيراد الصين الفول الصويا الأمريكي بسبب تداعياته على المزارعين الأمريكيين، حيث بلغت قيمة الواردات الصينية من الفول الصويا الأمريكي نحو 13 مليار دولار خلال عام 2024م (43% من صادرات المحصول الأمريكي). وهذا الملف بالغ الحساسية بالنسبة للأرجنتين والبرازيل، التي باتتا موردًا أساسيًا للفول الصويا بالنسبة للصين.
2. الملف الإيراني: من القضايا الجوهرية، التي طرحها ترامب على الطاولة، وتتشابك فيه مصالح وأمن دول عديدة في الشرق الأوسط وآسيا وأوروبا، وسط مخاوف من تفاقُم أزمة الطاقة العالمية باستمرارية أزمة مضيق هرمز. ويهدف ترامب إلى تحييد الدعم التقني العسكري الصيني، في أيّ جولة مواجهات أمريكية-إيرانية مُحتمَلة من ناحية، وتقليص صادرات النفط الإيراني من ناحية ثانية، والضغط على إيران لتقديم تنازلات في المفاوضات النووية من ناحية ثالثة؛ حيث تمتلك الصين أوراق ضغْط على إيران، من بينها: أنَّها أهمّ شريك تجاري لإيران، ومُشترٍ رئيس للنفط الإيراني حتى أثناء العقوبات، إلى جانب حاجة إيران لـ«الفيتو الصيني» ضدّ مشاريع حصارها وضربها عسكريًا؛ الأمر الذي اعتبره العديد من المراقبين أنَّه اعتراف أمريكي صريح بحجم النفوذ الصيني المتصاعد في الشرق الأوسط. لكن مرور أكثر من نصف واردات الصين من النفط الخام المنقول بحرًا من الشرق الأوسط، يجعلها حريصةً على إنهاء الحرب، التي تُضِرُّ بمصالحها مع ارتفاع أسعار النفط، وإن كان من مصلحتها أيضًا استمرارية تورُّط الولايات المتحدة في حروب حول العالم.
3. المعادن النادرة: من أخطر الملفّات حساسية، ففي مقابل العقوبات الأمريكية المفروضة على شركات التكنولوجيا الصينية لتقييد وصول الصين للتكنولوجيا المتطوِّرة، وكسْب معركة الهيمنة على قطاع الذكاء الاصطناعي عالميًا، أشعلت بكين حرب المعادن النادرة، بفرضها قيودًا على صادرات أخطر المعادن النادرة، التي تمتلكها،للولايات المتحدة. وتكمُن خطورة الإجراء الصيني في أمرين: الأول؛ أنَّه يمَسّ الأمن القومي الأمريكي مباشرةً؛ لكونه يستهدف الجيش الأمريكي، الذي يعتمد في تفوُّقه على أسلحته المتطوِّرة، التي تعتمد بدورها على المعادن النادرة، التي تدخل ضمن صناعات الأسلحة الدفاعية والهجومية المتطوِّرة عالميًا. الثاني؛ تحكُّم الصين في نحو 70% من إمدادات المعادن النادرة المُستخرَجة عالميًا، وإنتاجها أكثر من 90 % من المعادن النادرة المُعالَجة في العالم، وبالتالي وفَّرت المعادن النادرة الصينية ورقة ضغْط إستراتيجية لبكين ضدّ واشنطن.
4. الأزمة التايوانية: في مقابل القضايا الثلاث السابقة، التي تصدَّرت أولويات ترامب، شكَّل الملف التايواني الأولوية الحصرية في أجندة الرئيس الصيني شي جين بينغ؛ حيث تُعَدُّ تايوان من أخطر مصادر القلق لبكين. وتتمسَّك بكين بإيقاف الدعم العسكري الأمريكي المستمرّ لتايوان كشرط لعقد الصفقات الكبرى مع واشنطن، حيث تدرك الصين أنَّ السيطرة على تايبيه يُتيح ورقة ضغْط عالمية مؤثِّرة لصالحها في معركتها على القيادة الدولية. وللسبب نفسه، يصعب على واشنطن تركها للصين، فتايوان في المدرك الإستراتيجي للجانبين رأس حربة في انتقال مركزية العالم من الدائرة الأطلسية، التي تحكُم النظام الدولي إلى الآسيوية، حيث تتربَّع تايوان على عرش واحدة من أهمّ الإنتاجات والصناعات التكنولوجية في العالم (الرقائق الإلكترونية)، وتعتمد العديد من الاقتصاديات -وفي مقدِّمتها الاقتصاد الأمريكي- على الرقائق التايوانية، وبالتالي فتعطيل مصانع الرقائق التايوانية بفعل حصار صيني مُحتمَل، يعني توقُّف مصانع التكنولوجيا؛ ما ينعكس سلبًا علي الاقتصاد الأمريكي، ويعزِّز الصعود الصيني.
ثانيًا: دلالات وأبعـاد مكاسـب الطـرفيـن من القمَّة
تُشير القراءة المتأنِّية لمعطيات الزيارة، إلى أنَّ نتائجها أقلّ من التوقُّعات، وإلى انتهائها إلى ما يمكن وصفه بـ«هُدنة براغماتية» تفضي إلى علاقة مستقرَّة نسبيًا بين الزعيمين، من شأنها احتواء وإدارة التصعيد بشكلٍ مؤقَّت لا تسويته. وتتّضِح النتائج المحدودة للزيارة، إذا ما قُورِنت بنتائج زيارة الرئيس بوتين للصين، التي وُقِّعت خلالها 20 وثيقة للتعاون في كافَّة القطاعات، لا سيّما القطاع الطاقوي (النفط والغاز) لتعزيز صادرات الطاقة الروسية للصين، إلى جانب إصدار بيان مشترك للتنسيق الإستراتيجي الشامل بين البلدين، ضمن مبادرة تهدف إلى تعزيز نظام عالمي متعدِّد الأقطاب ضمن مستوى الشراكة الإستراتيجية الشاملة بين البلدين. كذلك حذَّر البيان المشترك بين الصين وروسيا، من أنَّ العالم يواجه خطر العودة إلى «شريعة الغاب»، في ظل تصاعُد محاولات الهيمنة على الشؤون العالمية، في إشارة إلى محاولات الهيمنة الأمريكية، وهو ما يعكس لروسيا أنَّ الشراكة الإستراتيجية مع الصين لا تزال راسخة، على الرغم من زيارة ترامب. وفيما يلي دلالات وتقييم مكاسب كل طرف:
1. محدودية المكاسب الأمريكية
الأهداف الأمريكية من الزيارة يبدو أنَّها تمثَّلت في ثلاثة أهداف رئيسية: الأول؛ عقْد صفقات تجارية كبرى مع الصين، والثاني؛ تفاهمات سياسية تفضي إلى تعاون صيني للضغط على إيران، والثالث؛ تخفيف التوتُّر في الاقتصاد العالمي. وعطفًا على هذه الأهداف، قد يُنظَر إلى المكاسب الأمريكية بأنَّها محدودة، بالنظر إلى:
أ. التجارة وصفقات النفط: صرَّح الرئيس ترامب بقبول الصين لإطلاق «مجلس تجاري مشترك» لضبط مسار العلاقات التجارية، وتمديد الهُدنة التجارية، وحصوله على تعهُّدات بزيادة مشتريات المنتجات الزراعية (الفول الصويا)، وموافقة بكين على شراء النفط والطاقة الأمريكية -بحسب تصريحات ترامب في مقابلة على قناة «فوكس نيوز» الأمريكية- في مسعى لتقليص العجز التجاري المزمن مع بكين، وتضييق الخناق على الاقتصاد الإيراني، كاشفًا عن موافقة الصين على شراء 200 طائرة إركاب من طراز «بوينغ»، وهو رقم أقلّ بكثير من توقُّعات أمريكية سابقة تحدَّثت عن 500 طائرة. لكن في المقابل، تبقى الرسوم والقيود على الصادرات التجارية والتكنولوجية نقطة توتُّر رئيسية لم تُحسَم، كما لم تعلن الصين عن تقليص مشترياتها النفطية من إيران. ويعود ترامب إلى واشنطن، ومعه بعض المكاسب التجارية، التي تفتقر -حتى تاريخ نشْر تقدير الموقف- إلى تصريحات رسمية صينية لتأكيدها.
في المقابل، أسفرت قمَّة «شي-بوتين» عن تفاهُمات متقدِّمة تجاه مشروع خط أنابيب الغاز «سيبيريا 2»، لمضاعفة تحويل إمدادات الغاز الروسي للصين؛ لتعويض ما فقدته روسيا من عائدات طاقاوية من السوق الأوربية بسبب الحرب مع أوكرانيا. فموسكو تحاول تعويض الخسارة من آسيا، خاصَّةً من الصين والهند، وتُظهِر الأرقام أنَّ حجم العلاقات الاقتصادية بين بكين وموسكو تضاعفت تقريبًا خلال 5 سنوات فقط؛ لتصبح أحد أكبر محاور الطاقة والتجارة في العالم أجمع، حيث ارتفع حجم التجارة الثنائية من 108 مليارات دولار 2020م، إلى نحو 234 مليار دولار 2025م، نتيجة ارتفاع صادرات الطاقة الروسية للصين، وتزايُد السِلَع الصينية داخل السوق الروسية، لتصبح الصين الشريك التجاري الأول لروسيا، وقد ارتفعت حصة الصين من التجارة الخارجية لروسيا من 11.3% عام 2014م، إلى نحو 33.8% خلال 2024م.
ب. مضيق هرمز: لم ينتزع الرئيس ترامب اختراقًا بخصوص مضيق هرمز والبرنامج النووي الإيراني، فكل ما أعلنته بكين على لسان المسؤولين الأمريكيين لم يكُن بالجديد، حيث نقلت وكالة «رويترز» عن مسؤول بالبيت الأبيض، أنَّ ترامب وشي اتّفقا على أنَّه لا يمكن لإيران امتلاك سلاح نووي، وتأكيد ترامب بأنَّ شي أبلغه بأنَّ بكين لن تزوِّد طهران بأيّ معدّات عسكرية، كذلك أكَّد وزير الخارجية ماركو روبيو أنَّ بلاده تحاول إقناع الصين بالتدخُّل للضغط على إيران؛ من أجل التراجع عن تحرُّكاتها في مضيق هرمز. كذلك أشارت الصحافة الأمريكية إلى أنَّ واشنطن وبكين متّفقتان على أنَّ مضيق هرمز يجب أن يبقى مفتوحًا، وأنَّ شي أكَّد لترامب أنَّ الصين تعارض عسكرة مضيق هرمز.
واقعيًا، كان ترامب يراهن على صفقة سريعة مع الصين تُترجَم في ضغطٍ صيني على طهران لتقديم تنازلات في المفاوضات مع واشنطن، لكن لعِبَت الصين على مقاومة الضغوط الأمريكية على مستويين: إعلان دعْم المسار الدبلوماسي علنًا، والاستمرارية في شراء النفط الإيراني وتمويل الصمود الإيراني فعلًا. بعبارة أخرى، تريد الصين أن تقول: لا مواجهة مع الولايات المتحدة ولا تخلِّي عن إيران، وبذلك وجَدَ ترامب نفسه أمام معادلة: لا الصين مستعدَّة للضغط فعليًا، ولا إيران مستعدَّة للتنازل؛ ما عزَّز من فرص تجدُّد الحرب قبل منْح ترامب إيران فرصة للتفاوض بعد التدخُّلات الخليجية لمنع تجدُّد الحرب. وبحسب صحيفة «الجارديان» البريطانية، يضع طلب الرئيس ترامب، الذي لطالما عُرِف بـ«صانع الصفقات»، من الصين الضغط على إيران -بعدما واجه تحدِّيات في إرغامها على الاستسلام عبر الحرب- في موقف ضعْف، ويمنح بكين نفوذًا دبلوماسيًا عالميًا واسعًا، واعترافًا بتنامي النفوذ الصيني في الشرق الأوسط، ويرسل رسالة بأنَّ مفاتيح التهدئة في الشرق الأوسط وممرّات الطاقة العالمية لم تعُد حصرًا في يد واشنطن.
ج. المعادن النادرة: لم تُحدِث القمَّة أيَّة اختراقات فيما يخُصّ المعادن النادرة الصينية ولا الرقائق الإلكترونية الأمريكية، التي تشكِّل حجر الزاوية في التنافس الجيوسياسي الراهن بين الطرفين، للهيمنة على مجال التطور التكنولوجي والذكاء الاصطناعي عالميًا.
2. موضوعية المكاسب الصينية
عطفًا على أهداف الصين من القمَّة المتمثِّلة في: الأول؛ إيقاف الدعم العسكري الأمريكي لتايوان، والثاني؛ حماية التدفُّقات النفطية للصين، والثالث؛ تعزيز النفوذ الدبلوماسي الصيني العالمي، الرابع؛ وقْف الحرب مع إيران دون سقوط نظامها، الذي يشاطر الصين نفس الرؤي تجاه النظام الدولي وسياسات الأُحادية القطبية. تتّسِم المكاسب الصينية بالموضوعية، بالنظر إلى:
أ. تعطيل صفقة تسلُّح أمريكية لتايوان: كسَرَ الرئيس الصيني القاعدة البروتوكولية المعتادة، بتوجيهه رسالة تحذيرية واضحة إلى نظيره الأمريكي أثناء اللقاء مقارنةً بالتحذيرات السابقة، عنوانها: تايوان خط أحمر لا يمكن تجاوزه، وأنَّها قضية القضايا في العلاقات البينية، وغير قابلة للتفاوض، حتى لو كان الضيف هو الرئيس الأمريكي نفسه؛ حيث كشَفَ التلفزيون الصيني بأنَّ الرئيس شي حذَّر ترامب أثناء الاجتماع، من خطر نشوب صراع بين بكين وواشنطن، حال تمَّ التعامل مع قضية تايوان بشكلٍ خاطئ. الأمر الذي دفَعَ ترامب مباشرةً إلى تحذير تايوان من أيَّة خطوات استقلالية عن الصين، كما قام بتأجيل أو تجميد قرار تنفيذ صفقة تسليح للجزيرة تشمل أسلحة دفاعية متطوِّرة بمبلغ 14 مليار دولار، بل إنَّ تصريحه في مقابلته مع قناة «فوكس نيوز» بأنَّ آخر ما تحتاجه الولايات المتحدة حرب تبعد عنها نحو 9.500 ميل، قد أثار قلقًا لدى القيادة التايوانية بشأن تراجُع الدعم العسكري الأمريكي للجزيرة. وبعد ساعات من تحذير ترامب، كانت ردَّة الفعل التايوانية، أن أعلنت الخارجية التايوانية، بأنَّ تايوان دولة مستقلَّة ذات سيادة، وليست خاضعة للصين.
ب. إعادة رسْم التوازن العالمي: تحدَّث الرئيس شي في الاجتماع انطلاقًا من واقعية التحوُّل في ميزان القوى العالمي، وبحسب صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية، فإنَّ لهجته تعكس إدراكًا للتحوُّل في توازُن القوى الدولي، بقوله: «يجب أن نكون شريكين لا خصمين، وأن نرسم الطريق الصحيح لتعايُش القوى الكبرى على أُسُس تعاونية لا صدامية»، محذِّرًا ترامب من: الوقوع فيما يُسمَّي بـ«فخ ثوسيديدس»، الذي صاغه المؤرِّخ اليوناني ثوسيديدس بعد دراسته حرب البيلوبونيس -قبل الميلاد بأكثر من أربعة قرون- بين أثينا (القوى العظمى المهيمنة آنذاك) وإسبرطة (القوَّة التعديلية الصاعدة آنذاك)، وانتهى في الدراسة إلى نتيجة مفادها: عندما تهدِّد قوَّة صاعدة بإزاحة قوَّة عظمى مهيمنة، غالبًا ما تكون النتيجة «حتمية الحرب». وأعاد الباحث الأمريكي جراهام أليسون إحياء المفهوم في كتابه «هل تتّجِه أمريكا والصين إلى الحرب؟»، بدراسته 16 حالة تاريخية لصراع بين قوَّة مهيمنة وصاعدة، منتهيًا إلى أنَّ 12 منها انتهت بحروب. ويُتداوَل المفهوم لوصف العلاقة بين الصين باعتبارها قوَّة صاعدة والولايات المتحدة باعتبارها قوَّة مهيمنة تخشى إزاحتها من على عرش القيادة الدولية؛ ما قد يؤدِّي إلى حتمية المواجهة العسكرية.
ج. تغيُّر لهجة الخطاب الأمريكي تجاه الصين: في مؤشِّر على تغيُّر نبرة الخطاب الأمريكي تجاه الصين كقوَّة دولية صاعدة، استعان الرئيس ترامب بقاموس مصلحات غزلية دافئة لا صدامية كالمعتاد، واصفًا الرئيس الصيني بالـ «عظيم»، بقوله :«أنت قائد عظيم، وشرفٌ لي أن أكون معك، وأنا لا أقول غير الحقيقة»، مضيفًا: «شرفٌ لي أن أكون صديقك، والعلاقة بين الصين والولايات المتحدة ستكون أفضل»، داعيًا الرئيس الصيني إلى زيارة للبيت الأبيض. كما أنَّ اصطحاب ترامب لأضخم وفد اقتصادي وتكنولوجي في تاريخ الزيارات الرئاسية الأمريكية، يضُمّ شركات تُقدَّر قيمتها السوقية الإجمالية -بحسب تقديرات مالية- نحو 15.2 تريليون دولار، يعكس تحوُّلًا ليس فقط في الخطاب، بل في التقدير الأمريكي لوزن الصين وأوراق قوَّتها في التنافس مع الولايات المتحدة على القيادة الدولية، وإمكانية إدارة العلاقة معها من خلال المصالح المشتركة؛ الأمر الذي يتعارض مع مفهوم ترامب «أمريكا أولًا»، الذي تتبنّاه إدارته.
3. استمرارية محرِّكات الصراع
لم تُحدِث القمَّة اختراقات في معالجة أو تقريب وجهات النظر -على أقلّ تقدير- بين الطرفين، تجاه جذور ومحرِّكات الصراع الرئيسية، بالنظر إلى:
أ. ديمومة مغذِّيات التوتُّر: لم تحسم الزيارة مغذِّيات التوتُّر؛ ما ينذر بإمكانية انتهاء الهُدنة البراغماتية في أقرب فرصة ممكنة، حيث لم تُنهِ القمَّة أزمة الرسوم الجمركية المُتبادَلة (10% على الواردات الأمريكية، مقابل 20% على الواردات الصينية، ولا أزمة الرسوم على الرقائق الأمريكية: 25% قيود على الشركات الصينية)، ولا أزمة المعادن النادرة، ولم تُحدِث اختراقًا كبيرًا في الأزمة التايوانية، ولم تنجح القمَّة في دفْع الصين نحو تقليص واردات النفط الإيراني، ولا الضغط الحقيقي على إيران في أزمة مضيق هرمز.
ب. إدارة الصراع لا تسويته: تبدو القمَّة أقرب إلى نمط إدارة للصراع لا تسويته؛ حيث تجاوز الصراع بين الطرفين حدود التجارة والاقتصاد، لينتقل إلى الصراع على تكنولوجيا المستقبل، وتحديد شكل القوَّة المهيمنة خلال العقود المقبلة، ثمَّ إلى الصراع على القيادة الدولية وقواعد النظام الدولي.
ج. منطق الصفقة مقابل إظهار النِدِّية: يحكم عقلية ترامب في جلوسه على الطاولة مع شي، منطق الصفقة القائم على تخفيف التوتُّر التجاري، وتحقيق تعاون بشأن إيران، ورُبَّما تصدير صورة للداخل الأمريكي لتعزيز فرص حزبه وشعبيته المتراجعة مع قُرب الانتخابات النصفية، لا سيّما في ظل الإخفاقات، التي مُنِيَ بها في تسوية بعض الصراعات الدولية. وفي المقابل، يحتكم شي في لقائه مع ترامب، إلى ضرورة انتزاع اعتراف ضمني بأنَّ بلاده أصبحت قطبًا دوليًا وندًّا عالميًا للقوَّة الأمريكية، وإلى نقْل القضية التايوانية من قضية ثانوية إلى قضية مركزية. وهُنا يكمُن الفارق بين الزعيمين: يفكِّر ترامب في تحقيق المكسب السريع، بينما يفكِّر شي في مستقبل ميزان القوَّة في العقود المقبلة، ويريد ترامب تحقيق نتائج فورية قابلة للترويج والإعلان أمام الداخل والخارج، بينما يريد شي إدارة الوقت لصالح القوَّة الصينية الصاعدة.
ثالثًا: ميزان القوى الدولي وزيارتي ترامب للصين
كشفت زيارتي ترامب للصين: الأولى في 2017م، والثانية في مايو 2026م، والفارق بينهما يقارب على العقد من الزمان، عن تحوُّلات كبرى في قوَّة أقطاب ميزان القوى الدولي، على النحو التالي:
1. الهالة الإمبراطورية
يُقصَد بها قيام الدولة المستضيفة باحتفاء إمبراطوري نادر، يتناسب والطبيعة الإمبراطورية لمقدرات دولة الضيف، ويُنعَت خلالها بالـ «الضيف الإمبراطوري المبجَّل». وقد حظِيَت زيارة ترامب الأولى بـ«الهالة الإمبراطورية»، وفتحت له أبواب المدينة المحرَّمة المخصَّصة تاريخيًا للأباطرة الصينيين، أمّا في زيارته الثانية، يبدو أنَّ الصين غيَّرت نظرتها لترامب، فلم يعُد ترامب الضيف المبجَّل -بحسب تقرير موقع «فورتشين»- ومنحته الصين صفة الاستقبال البروتوكولي المعتاد، للعديد من الأسباب:
أ. «ترامب وشي 2017م» يختلفان عن «ترامب وشي 2026م»: بينما ذهَبَ ترامب للصين في زيارته الأولى، من منطلق قوَّة وأدوات تأثير عالمية، ذهَبَ للصين في زيارته الثانية، وهو مُثقَلًا بالعديد من الملفّات، ومُفتقِدًا للعديد من الأوراق. وبحسب مقال لصحيفة «فايننشيال تايمز» البريطانية، توجَّه ترامب إلى بكين بعدما أخفق في حربين: الحرب الفعلية التي شنَّها ضدّ إيران، والحرب التجارية ضدّ الصين، كما أخفق في شدّ روسيا والهند بعيدًا عن الصين، وفي حشْد الحلفاء الأوربيين في حربه ضدّ إيران، ولم تفلح أوراق ضغطه في حصار الصين، كما تسبَّب نهجه في عزوف زعماء العالم عن زيارة البيت الأبيض. لذلك، كانت تعبيرات وجهه، في زيارته الأولى متفائلة، وكان يمشي بخطى كأنَّه ملك في مملكته، لكن في زيارته الثانية كانت تعبيرات وجهه متحفِّظة، ويمشي كأنَّه ضيف في حضرة مُضيف ذا قوَّة عالمية، وأثناء عزْف السلام الجمهوري الأمريكي في الزيارة الأولى، وضَعَ ترامب يده على صدره، أمّا في الزيارة الثانية فقد أدَّى التحية العسكرية.
في المقابل، صعدت القوَّة الدبلوماسية للرئيس شي؛ نتيجة نهجه المتّزِن في إدارة السياسات وبناء التحالفات، وقُدرته على استخدام أدوات الردع المتاحة لتحييد أدوات التطويق الأمريكية ضمن مبدأ «المعاملة بالمثل». كما أرسل الرئيس الصيني من اصطحابه رسائل لنظيره الأمريكي، خلال جولة لهما نادرة الحدوث داخل حديقة «تشونغنانهاي» السرِّية للإمبراطوريات الصينية القديمة، تتضمَّن ترسيخ البُعد الإمبراطوري الصيني تاريخيًا. كما أنَّ بعض تصريحاته داخل الحديقة تُعَدُّ تذكرة لترامب بالفارق في عُمر الدولتين، حيث تحدَّث الرئيس الصيني عن أنَّه من بين أسباب تاريخية الزيارة، أنَّها تتزامن مع بداية الخطَّة الخمسية الصينية الـ15 المعنية بالتنمية والتطوير، والتي تُعَدُّ امتدادًا للحضارة الصينية الضاربة بجذورها والممتدَّة لآلاف السنين، وكذلك تتزامن مع مرور قرابة نحو 250 عامًا على استقلال الولايات المتحدة، رُبَّما في إشارة ضمنية إلى قِصَر عُمر الولايات المتحدة مقارنةً بعُمر الصين.
ب. قوَّة الولايات المتحدة والصين 2017م تختلف عن قوَّتهما 2026م: تدرك الصين تقلُّص فارق القوَّة مع الولايات المتحدة بشكلٍ يجعلها في موقع الموازِن الدولي، وأنَّ الولايات المتحدة أصبحت أكثر ضعفًا وأقلّ قُدرة على التنافس وقيادة العالم بشكلٍ منفرد، في المقابل «الصين 2017م»، ليست «الصين 2026م»، حيث يعود الرئيس ترامب إلى صين جديدة غير التي عرفها في زيارته الأولى، والتي كانت خلالها أكثر ارتباكًا أمام نهجه المتقلِّب ورسومه الجمركية -بحسب صحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكية- ليجد الصين أكثر قوَّة وثقة وتطوُّرًا لن تقبل إلّا بالنِدِّية. «صين مختلفة» بكل المقاييس -بحسب صحيفة «نيويورك تايمز»- عن تلك التي كانت تنظُر للولايات المتحدة نظرة الأدنى للأعلى، فهي اليوم ترسم لنفسها مسارها الخاص، وكأنَّه أمرٌ حتمي مع زيادة قوَّتها العالمية، مستفيدةً من إخفاقات ترامب -بحسب الصحيفة- عبر حروبه التجارية والعسكرية، وتحويله الولايات المتحدة من نموذج يُحتذَى إلى مشكلة مزعجة تحتاج لحل، حيث أصبحت الصين:
- اقتصاديًا؛ مكتفية أكثر ذاتيًا، وأكثر حصانة اقتصادية وتجارية أمام أدوات التطويق الأمريكية.
- تكنولوجيًا؛ متفوِّقة عن واشنطن في قطاعات حيوية عديدة، مثل التصنيع المتقدِّم والروبوتات والبطاريات.
- عسكريًا؛ أشدّ صرامة وتقليصًا لفارق القوَّة في القُدرات الدفاعية والهجومية، وقد تحوَّل أسطولها البحري إلى قائمة الأكبر في العالم، واحتلَّت المركز الأول عالميًا في تعزيز ترسانتها النووية، وطوَّرت ما يُعرَف بـ«الثالوث النووي» القادر على إطلاق سلاح نووي من البر أو البحر أو الجو.
- سياسيًا؛ تتعامل مع السياسات الأمريكية بقدرٍ كبير من النِدِّية، لذلك عندما رفَعَ ترامب الرسوم الجمركية في 2025م، إلى 145%، واجهته الصين بنِدِّية كبيرة قبل توقيع الجانبين للهُدنة، كما منحت الأحكام القضائية الأمريكية، التي أبطلت بعض الرسوم الجمركية بكين ثقة إضافية بأنَّها ليست مضطَرَّة لتقديم تنازلات كبيرة لترامب، كذلك ارتفع معامل الثقة لدى الصين في الدفاع عن مصالحها الإستراتيجية.
2. الإدراك الأمريكي للتحوُّلات
حزمة من العوامل دفعت ترامب للتفاهم، وإن كان مؤقَّتًا، بدلًا من التصعيد مع الصين، يتقدَّمها إدراكه لتداعيات عدم الاستقرار على الداخل الأمريكي، ولحقيقة الارتباط بين أكبر اقتصادين في العالم. فعلى الرغم من التوتُّرات البينية في التجارة والسياسة والأمن، غير أنَّ الشركات الأمريكية لا تزال مرتبطة بالمعادن النادرة والمنتجات الوسيطة الصينية، كذلك باتت الولايات المتحدة تُدرِك أنَّ ملفّات مثل استقرار الشرق الأوسط، والأمن في «الإندو باسفيك»، وكوريا الشمالية، وأمن الطاقة، والملاحة الدولية، والأمن العالمي، لم تعُد قابلة للإدارة المنفردة دون شراكة مع الصين، وأنَّ أيّ تصعيد كبير مع الاقتصاد الصيني يفاقم التضخم ومعدلات البطالة ويضعف النمو الاقتصادي في الداخل الأمريكي، وتداعيات ذلك على شعبية الرئيس الأمريكي المتراجعة قبل الانتخابات النصفية.
3. المزاج الشعبي الصيني تجاه ترامب
في مؤشِّر مهم لقياس التحوُّل في مفهوم القوَّة، كشفت شبكة «بلومبيرغ» الأمريكية، عن تحوُّلِ جذري في المزاج الشعبي الصيني تجاه زيارة ترامب الثانية مقارنةً بزيارته الأولى، على نحوٍ يعزِّز ثقة الصين في كسْر هالة التفوُّق الأمريكي، حيث رصدت الشبكة اتّجاهًا شعبيًا صينيًا على مواقع التواصل الاجتماعي الفاعلة في الصين، يعزِّز السردية الرسمية في التعامل مع الولايات المتحدة كأنداد متكافئين وقوَّتين متساويتين، وأنَّ النبرة الشعبية لم تعُد دفاعية عن الصين، بل أصبحت هجومية، ترى أنَّ الرئيس ترامب جاء للصين مضطرًّا للتعاون بعد إدراكه استحالة المواجهة مع الصين، وإخفاق أدواته في إخضاع الصين وحصارها في محيطها الإقليمي. وفي مشهد شعبي صيني بات رافضًا النظر للرئيس ترامب كقائد لقوى عظمى، اجتاحت منصَّة «ويبو» الصينية صورًا ومقاطع مُولَّدة بالذكاء الاصطناعي تحمل نكات وتعليقات ساخرة من الوفد الأمريكي، في إشارة إلى تلاشي فوبيا القوَّة الأمريكية العظمى؛ ما يعكس أنَّ الصينيين اليوم لا يرحِّبون بترامب كمهدِّد أو كمنقِذ، بل كقائد لقوَّة بدأت تفقد هيمنتها المنفردة على النظام الدولي أمام قوَّة صينية صاعدة، ترى في ذاتها مركز الاستقرار في عالم أكثر اضطرابًا.
رابعًا: الخاتمة ومستقبل التصعيد الأمريكي-الصيني
يرى أغلب المراقبون أنَّ الزيارة لم تحقِّق انفراجه أو اختراقات كبيرة، مقارنةً بأهدافها وبنتائج قمَّة شي-بوتين، وكل ما انتهت إليه عبارة عن: صفقات تجارية أدنى من المُتوقَّع، وتفاهمات سياسية متواضعة، وحرب تجارية رهينة الهُدنة، وإدارة للصراع لا تسويته، وبقاء الملفّات الأخطر عالقة دون حل، لكنَّها ربما تُعيد العلاقات إلى مربَّع «الاستقرار الحذِر». بيْد أنَّ الصين تمكَّنت من تحويل تايوان إلى قضية القضايا (القضية الأُم) في العلاقات البينية، وعودة التنافس إلى مسار يمكن التنبُّؤ بمستقبله. ويُقدِّر الكثير من المحلِّلين أنَّ العالم لا يعيش لحظة تفاهُم بين القوَّتين العالميتين، وإنَّما يمُرّ بمحاولة مشتركة لإدارة هاجس مُتبادَل يتعاظم بين قوَّة تخشى تراجُع قوَّتها العالمية، وثانية تعتبر مسيرة صعودها الدولي غير قابلة للتوقُّف؛ لذلك ينتظر مستقبل التصعيد الاتّجاهات التالية:
الأول: تجدُّد التصعيد؛ ويدعم تحقُّقه بقاء القضايا الصراعية الأخطر عالقة دون حل، مثل الرسوم الجمركية، والمعادن النادرة، والتكنولوجيا المتطوِّرة، والأزمة التايوانية، والأمن في «الإندو باسفيك»، والأمن في الشرق الأوسط وإيران وكوريا الشمالية، والموقف من الحرب الروسية-الأوكرانية، والصراع على القيادة الدولية. أضِف إلى ذلك إدراك الولايات المتحدة للمخاطر على قيادتها الدولية، في ظل تقارُب القوَّة مع الصين، والإصرار الأمريكي على استمرارية الهيمنة المنفردة على القيادة الدولية، مقابل تمسُّك الصين بصعودها ومقاربتها التعديلية للنظام الدولي. لكن يحِدُّ من ذلك الاتّجاه إدراك الجانبين لحجم المخاطر من التصعيد على داخل كل منهما، والتكلفة المتوقَّعة للانزلاق إلى صراع يفضي للحرب.
الثاني: التراجع؛ ليس لحدّ التسوية، وإنَّما التراجع عن التصعيد غير المحسوب المُفضِي للحرب؛ لمركزية القضايا الصراعية، وصعوبة تقديم تنازلات فيها، مثل معدّلات النفوذ والقوَّة والمصالح والقيادة العالمية، كذلك صعوبة قبول الولايات المتحدة بتوازُن القوى الدولي مقابل صعوبة قبول الصين بمعادلة الموازن الإقليمي. ويحقِّق ذلك الاتّجاه إدراك ترامب بتحوُّل القوَّة الصينية، وحاجة الجانبين للهُدنة التجارية تجنُّبًا لتداعياتها السلبية، وإدراك كل طرف لأدوات تأثير الطرف المنافس، وحاجة الدولتين لبعضهما في ملفّات دولية عديدة تتعلَّق بالحروب والاقتصاد والأمن والسياسة العالمية، والحاجة المُلِحَّة المُتبادَلة لاستقرار الاقتصاد العالمي. وفي هذا السياق، تأتي دعوة ترامب لنظيره الصيني لزيارة واشنطن في سبتمبر 2026م، ضمن مسعى أمريكي لتعزيز جهود التهدئة بين الاقتصادين الأكبر في العالم.
الثالث: التجميد المؤقَّت وعودة التأرجُح؛ الاتّجاه المرجَّح، إذ يُتوقَّع تجميد مؤقَّت للتصعيد، ثمَّ العودة للتأرجُح ما بين التصعيد والتهدئة من جديد، عطفًا على مستجدّات القضايا الصراعية والتحوُّلات الجيوسياسية العالمية. ويتحقَّق ذلك الاتّجاه نتيجة فُقدان كلٍّ من الطرفين لأوراق الضغط الكافية لحسم الصراع لصالحة، وتقارُب القوَّة بشكلٍ كبير بينهما لحدّ استبعاد التفكير في كسب الصراع بالحرب، مقابل الاعتماد على طريقة الكسب بالنقاط في القضايا الصراعية، والغموض والتقلُّبات والبراغماتية الحاكمة لعقلية الرئيس ترامب، وفُقدانه لإستراتيجية واضحة في تعامله مع الصين، وتأرجُح مواقفه ما بين تصريحات ودِّية تارةً، وتنقُّله سريعًا بين إستراتيجيات ومواقف متضارِبة تارةً أخرى؛ الأمر الذي يخصم من رصيد الدبلوماسية الأمريكية العالمية، ويعزِّز من الدبلوماسية الصينية أمام القوى الإقليمية والدولية، ويحوِّل بكين إلى قبلة لزيارات متعدِّدة قادمة.