ماذا تنتظر الدول العربية والخليجية من رئيس الحكومة العراقية الجديد؟

https://rasanah-iiis.org/?p=38962

بعد نحو خمسة أشهر على نتائج الانتخابات البرلمانية العراقية، حسمت قوى الإطار التنسيقي ملف استحقاق رئاسة الحكومة الجديدة بتسمية علي الزيدي لرئاستها، وكلَّفه الرئيس الجديد نزار آميدي رسميًا لرئاسة وتشكيل الحكومة الجديدة خلال 30 يومًا من تاريخ التكليف، الأمر الذي يفتح باب التساؤلات والنقاشات، حول ما يمكن أن يقدّمه رئيس الحكومة الجديدة من مقاربات وتفاهمات بنّاءة، تُسهم في عملية تشكيل كابينته الوزارية، في ظلِّ غياب قاعدةٍ حزبيةٍ صلبة تدعمه وتحدُّ من ضغوط الكتل السياسية عليه، وتُسهم في تخفيف تركة التحديات الداخلية والخارجية أمام حكومته، وما تنتظره الدول العربية والخليجية منه لتعزيز الشراكة، ضمن مقاربة جماعية تصون سيادة الدول العربية والخليجية، وتحدُّ من أدوار الفاعلين من دون الدول في تهديد الأمن العربي والخليجي.

تأتي تسمية رئيس الحكومة الجديدة في توقيتٍ ضاغطٍ وبالغ الحساسية والخطورة، يتطلب خبرةً وحنكةً ورشادةً سياسية تحدُّ من الأزمات والاستقطابات الداخلية، وتوازن التوجهات والمطالب الإقليمية والدولية؛ ما يجعل الزيدي أشبه بالذي يسير على حبالٍ مشدودةٍ بين توجُّهات الإطار التنسيقي ومطالب القوى الإقليمية والدولية لا سيَّما الأمريكية من العراق خلال المرحلة الراهنة؛ حيث يمرُّ العراق بمرحلةٍ يشهد خلالها تصعيدًا في الصراع على السلطة والنفوذ في الداخل، وبعلاقات متراجعة بل ومتوترة مع بعض الدول الإقليمية والدولية، نتيجة انخراط الميليشيات المسلحة الموالية لإيران في العراق في الحرب الأمريكية-الإيرانية لصالح إيران، واستهدافها الدول الخليجية خلال الحرب الأمريكية-الإيرانية.

يتفق أغلب المتخصصين في الشأن العراقي، أن قضية القضايا أو المعضلة الكبرى أمام الحكومات العراقية المتعاقبة منذ أكثر من عقدين من الزمان، تتمثَّل في تجاوز الفاعلين من دون الدول على القرار السيادي العراقي، الأمر الذي يرتب جملة من المعضلات الفرعية المعقدة، التي أضرت -ولا زالت تضر-بالعراق وموقعه ومكانته الإقليمية، بل وبعلاقاته مع أقرب الدول العربية والخليجية الجارة، التي تتعامل مع العراق وفق منهج المصالح المشتركة والمنافع المتبادلة لعراق فاعل ومتوازن في علاقاته الخارجية. وتُشكِّل توجُّهات الزيدي في التعاطي الإيجابي مع الدول العربية عامة والخليجية خاصة، اختبارًا حقيقيًا على قدرته في اتّباع مقاربة متوازنة تجاه الداخل والخارج، تخدم المصالح المتبادلة عامة، والعراقية خاصة، حسب افتراضات منهج المصالح القومية للدول، ومن أبرز القضايا التي يراقبها المتابعون للشأن العراقي، ويتعين على رئيس الحكومة العراقية الجديد مواجهتها: معضلة الدولة الوطنية/الميليشياوية؛ الإخفاق المتكرر في معالجة المعضلة، بعدم القدرة على الانتقال من الدولة الميليشياوية، التي تتجاوز فيها الميليشيات المسلحة القرار العراقي إلى الدولة الوطنية التي تحفظ المصالح العراقية، أضرَّ كثيرًا -ولا زال- بالمصالح العراقية بالأساس. فقد أضحى العراق بعد أكثر من عقدين من الزمان من المنطق الميليشياوي السائد في العراق، يفتقد النموذج التنموي والمكانة الإقليمية التي يستحقها وتتناسب مع إمكاناته ومقدراته، وأصبح مأزومًا يعيش منظومة معضلات معقدة للغاية أنهكته، بعدما طالته العقوبات والضغوطات، وسيطرة الميليشيات التي طالت استهدافاتها دولًا خليجية، تترقب علاقات جوار حسنه ومنفعة متبادلة مع العراق. ومعضلة التوازن الخارجي/التّبعية؛ من المشكلات الجوهرية التي أضرَّت بمصالح العراق، وتُفيد تجارب الحكومات العراقية المتعاقبة أن العراق كان يحقق مصالحه وأمنه واستقراره بنفس القدر والمسافة التي تأخذها الحكومة القائمة تجاه معالجة معضلة التوازن في العلاقات الخارجية، ومدى إدراكها لمصالح العراق، في ظلِّ الصراعات والمعارك الكبرى الإقليمية والدولية على الموارد والقوة والنفوذ، بينما التبعية لدولة إقليمية بعينها لا يخدم المصالح العراقية بالأساس، لا سيَّما إذا ما كانت تلك الدولة تسعى لتحقيق مصالحها على حساب المصالح العراقية، وتسعى لفرض أجندة تزيد من تعقيد التحديات العراقية واستعصائها على الحل. ومعضلة حكومة الوفاق الوطني/المذهبي؛ كشفت تجارب الحكومات العراقية ضمن طبيعة النظام العراقي الحاكم، أن كافة الحكومات المذهبية المؤدلجة تخدم مصالح القوى السياسية النافذة بالأساس، ومن ورائها الدول الداعمة وليس المصالح الوطنية العراقية الجامعة، ما جعل النظام العراقي غير قادر على أداء مهامه المنوط بها، من حيث الخدمات والأمن والاستقرار والاستقلالية والتوازن في العلاقات الخارجية، وأضحت الحكومات مقيدة غير قادرة على تنفيذ الأجندات الوطنية؛ حيث لا تحتكم إلى فلسفة برامج وأجندة وطنية على مستوى الدولة والهوية الجماعية بل تحتكم إلى فلسفة أجندة تخدم هوية فرعية؛ وبالتالي لا تخدم الحكومة المؤدلجة المصالح العراقية الجامعة، بل تعزِّز الأزمات وتواجه امتعاضات شعبية لا تدعم منهاجها، وتقلِّص من عمرها واستمراريتها أو تكبيلها.

ولذلك؛ ينبغي أن تكون معالجة معضلة السلاح المنفلت وضبط سلوك الميليشيات، ووضع حدٍ لاعتداءاتها المتكررة على الدول العربية والخليجية، ومنع استخدام الأراضي العراقية كمنصة تهديدٍ للأمن الخليجي، في مقدمة مهام الحكومة الجديدة؛ لتُبدي جديتها في ترميم العلاقات البينية، وما شابها من تعكيرٍ لصفو العلاقات بعدما استهدفت الأراضي الخليجية، وتسببت في استدعاءات للسفراء العراقيين، في مشهدٍ لم يكن مألوفًا بين الدول العربية، لا سيَّما وأن الدول الخليجية تُعلي من مبادئ احترام دول الجوار وشؤونها الداخلية. كما تربطها مشروعات ضخمة مع العراق، منها: مشروعات الطاقة والإعمار والاستثمار في البنية التحتية، والربط الكهربائي لسد العجز الكبير في أزمة الكهرباء العراقية، وتسعى لتعزيز فعالية الدول الوطنية الراغبة في البناء والتطور والنهوض الوطني، مثل الدعم الخليجي السخي لسوريا في مرحلة ما بعد بشار الأسد لأجل البناء والنهوض؛ ولذلك تمضي سوريا بخطى ملموسة لمعالجة مشكلاتها وبناء مؤسساتها.

وعلى الرغم من إدراك الدول الخليجية، بأن الحكومة العراقية ليست صاحبة يد في استهدافها من قبل الميليشيات، وأن الميليشيات جزء من منظومة السلاح الإقليمي الإيراني، ويتم توجيهها من قبل إيران، غير أنها تُدرك بالقدر نفسه أنها مسؤولية قانونية على الحكومة العراقية في المقام الأول؛ لأنها تنطلق من الأراضي العراقية التي تحتضن الميليشيات، لا سيَّما وأن الحكومات العراقية ساهمت في ترسيخ نهجٍ يسمح بتعزيز المنطق الميليشياوي السائد في العراق، وباتت أمام معضلة تجاوز الميليشيات لقراراتها السيادية، وتوريطها في صراعات إقليمية تضرُّ بالعلاقات العراقية. وتمثّل أمام الحكومة الجديدة فرصةً جيدةً على مواجهة سطوة الميليشيات على القرار العراقي من نافذة العلاقات القوية التي تجمع القوى الشيعية النافذة الداعمة للزيدي، في ظلِّ التراجع الإيراني أمام الضغوطات الأمريكية، وعجز إيران عن تقديم الدعم والمساندة لأذرعها الإقليمية، واتجاهها للمصلحة الإيرانية.

إنَّ تبني توجهات وسياسات متوازنة تجاه القوى الإقليمية والدولية الفاعلة في مجريات الشؤون العالمية، والبعد عن سياسة المحاور قدر الإمكان، يخدم المصالح العراقية بالأساس، كما أن تشكيل حكومة وطنية تراعي الضرورات وتدفع بالكفاءات، يحدُّ من وطأة الأزمات العراقية المستعصية، ويُعزِّز من العلاقات العراقية-العربية الضرورية لبناء العراق، ويخفف من الضغوطات الخارجية لا سيَّما الأمريكية في عهد حكومة الرئيس دونالد ترامب، التي أوقفت قبل أيام شحنة أموالٍ للعراق بقيمة 500 مليون دولار في حسابات العراق في بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي من عائدات النفط العراقي، كورقةٍ إضافيةٍ للضغط على العراق للحد ِّمن سطوة الميليشيات، وتفكيكها والابتعاد عن إيران.

وختامًا؛ لا تنتظر الدول العربية ولا الخليجية المعجزات من الحكومة العراقية الجديدة، بقدر ما تنتظر خطوات واقعية وإجابات عن عدة تساؤلات جوهرية، تُشكِّل معايير حقيقية لمستقبل العلاقات العراقية-العربية والخليجية؛ فهل تستطيع الحكومة الجديدة ضبط مسألة السلاح خارج نطاق الدولة؟ وهل تتمكن من إيقاف مسيرة تحوُّل العراق إلى منصةٍ لتهديد الأمن العربي والخليجي؟ كل ذلك يتوقف على القدر والحدود والمسافات التي تخطوها حكومة الزيدي في تلك الملفات الحساسة، وحال نجح في اتخاذ خطوات تحدُّ من سطوة الميليشيات وتُقيِّد تحركاتها، فستتجه العلاقات نحو شراكة بينية قوية.

أما إذا استمرت المعادلة السابقة، فربما تبقى العلاقات مع دول الجوار حذرة؛ نتيجة الأفعال العدوانية التي ارتكبتها الميليشيات بحق الدول الخليجية، خاصةً وأن دول الخليج تبدو في حالة مراجعة وتقييم لمدى فعالية المشاريع التنموية مع العراق؛ ولذا من المتعين على رئيس الحكومة الجديد، أن يبذل جهودًا كبيرة، ومساعٍ مكثفة لاستعادة زخم الأُطر التعاونية وبناء الثقة؛ لكيلا تتبخر آمال التعاون، ويفقِد العراق فرصًا تاريخية يصعُب استعادتها.

د. عبدالرؤوف مصطفى الغنيمي
د. عبدالرؤوف مصطفى الغنيمي
باحث سياسي بالمعهد الدولي للدراسات الإيرانية