الأثر الراهن للعقوبات الأمريكية على طهران

بواسطةد.محمد بن صقر السلمي

تَشكَّلَت الملامح الأولية للاستراتيجية الأمريكية تجاه إيران منذ خوض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منافسات الانتخابات الرئاسية في نوفمبر 2016م، إذ كان رَفْض الاتفاق النووي بحالته القائمة، والدعوة إلى عقد اتفاق جديد أو إضافة ملحق إلى الاتفاق القديم، أو تعديل بنوده وحجر الزاوية فيها، موقفًا واضحًا من الرئيس الأمريكي حتى قبل نجاحه في الانتخابات الرئاسية، وذلك بعد أن أخلّت إيران بروح الاتفاق النووي وأخذت تستغلّ مخرجاته لصالحها.
تشكِّل صادرات النفط الخام الإيرانية نحو 53% من إيرادات الموازنة العامة الإيرانية عام 2018م، وتحقيق الولايات المتحدة هدفها بإيصال الصادرات النفطية إلى الصفر، فضلًا عن وقف تدفُّقات الاستثمار الأجنبي المباشر لإيران، سوف يجعل الاقتصاد الإيراني يواجه عقبات حقيقية في تغطية نفقاته العسكرية وبرامجه النووية والصاروخية، ومن ثَمَّ تتقلّص السياسات العدائية الإيرانية تجاه دول الشرق الأوسط، فضلًا عن الضغوط التي سيتعرض لها النظام على المستوي الداخلي، في ظل موجات الاحتجاجات الداخلية التي اندلعت اعتراضًا على تردِّي الأوضاع الاقتصادية بداية من ديسمبر عام 2017، ولا تزال حتى الآن بشكل متقطع.

وقد ظهرت نتائج القرار الأمريكي بالخروج من الاتفاق النووي على الاقتصاد الإيراني، في معدَّل نموّ الصادرات النِّفْطية ومعدَّل تدفق الاستثمارات إلى الخارج ودرجة استقرار أسعار الصرف، وذلك على النحو التالي:
1- تراجعت الصادرات النِّفْطية الإيرانية في النصف الأول من شهر يونيو بنسبة 16%، كأكبر انخفاض منذ ديسمبر 2016، وتوقفت شركات نفط كبرى عن شراء النِّفْط الإيراني كشركات توتال الفرنسية ورويال الهولندية، ورفض معظم الشركات الدولية شحن أو نقل النِّفْط الإيراني أو التأمين عليه، ونُقل نحو 70% من الشحنات النِّفْطية بسفن مملوكة لشركات الشحن الإيرانية وبمساعدات من شركات هندية.
2- خرجت كبريات الشركات العالمية العاملة في إيران، وأغلبها شركات عاملة في قطاعات محورية للاقتصاد الإيراني كالنِّفْط والغاز والطيران والبنوك والتأمين والنقل البحري والصناعة، وفي جانب آخر وقفت شركات أخرى تعاقدات سابقة مع إيران بمليارات الدولارات.
3- قفز سعر الدولار الأمريكي أمام التومان الإيراني بسعر السوق الموازية بنسبة ارتفاع فاقت 110%، من 4200 تومان للدولار في نهاية ديسمبر 2017 إلى 9000 تومان للدولار الواحد في الرابع والعشرين من يونيو 2018 -ارتفع سعر الدولار إلى 11900 تومان في الثلاثين من يوليو- ثم وصل إلى 20 ألف تومان في شهر أغسطس، ثم انخفض واستقر نسبيًّا عند سعر 13-15 ألف تومان للدولار الواحد.
4- ارتفع العجز في الميزانية الإيرانية في الربع الثالث من السنة الراهنة بشكل ملحوظ، وهو في تصاعد كبير مقارنة بالأشهر القليلة الماضية، كما أن نسب التضخم في البلاد وصلت حسب بعض التصريحات الرسمية إلى قرابة 35%، وبعض السلع الاستهلاكية من المواد الغذائية تضاعفت قيمتها بنسبة 400%.
5- الاستثناءات الأمريكية لثماني دول آسيوية وأوروبية بالاستمرار مؤقَّتًا في استيراد النفط الإيراني أو التعامل تجاريًّا مع إيران يشكِّل متنفَّسًا مؤقَّتًا للنظام الإيراني لإعادة ترتيب أوراقه، واحتمالية تخزين كثير من شحنات النفط لدى دول صديقة أو في سفن تملكها تبقى في مناطق مختلفة من العالم أو حتى في أعالي البحار، ومن ثم تُباع بتخفيضات كبيرة، وبتسهيلات في دفع القيمة على مدى متوسط أو بعيد، لتحافظ إيران على شراكاتها مع بعض الدول ولا تفقد حصتها من السوق بشكل كامل. تستطيع الولايات المتحدة الأمريكية بما تمتلكه من تقنيات تتبُّع هذه الشحنات وفرض عقوبات على الدول غير الملتزمة بالعقوبات الأمريكية، ولكن الأمر يعتمد في نهاية المطاف على مدى جدية واشنطن في ذلك.
6- في إيران مؤشرات لارتفاع نسبة التذمر وعدم الرضا الشعبي نتيجة لسياسات النظام وعدم تقديم حلول حقيقية للمشكلات التي يعاني منها المجتمع والمطالب المتكررة، بخاصة في مجال تضخُّم الأسعار والبطالة وعدم دفع رواتب كثير من المؤسسات والشركات شبه الحكومية، علاوة على ارتفاع سعر العملة الأجنبية وشُحِّها، واستمرار النظام في إنفاق الأموال على الميليشيات في المنطقة ودعم النظام السوري ماليًّا على حساب الداخل.
7- حتى الآن يوجد فشل حقيقي في خلق بدائل في القنوات المالية التي يمكن التعامل فيها مع إيران بعيدًا عن النظام العالمي وخارج السيطرة الأمريكية. قدّم الأوروبيون مقترح تأسيس قناة قانونية تُدعَى (SPV) The Special Purpose Vehicle أو ما يمكن تسميته “قناة مالية محددة الأغراض”، لإبقاء عمليات التجارة مع إيران قائمة وفق القانون الأوروبي، وتسمح بانضمام شركاء من خارج الاتحاد، بحيث تجري التعاملات المالية بين إيران والأطراف الخارجية دون التعرض للعقوبات الأمريكية، إما باستخدام عملات غير الدولار الأمريكي، وإما بإجراء التعاملات بعيدًا عن النظام المصرفي المعتاد، إلا أن هذا الخيار لا يزال متعثرًا من الجانب الفني وقد يستغرق تنفيذه وقتًا طويلًا.
يبقى قياس مدى تأثير العقوبات الأمريكية على إيران مرهونًا بمدى جدية واشنطن في تطبيق العقوبات وتتبُّع نقاط الخلل فيها ومراقبة محاولات التحايل الإيرانية على العقوبات، والعمل على استقطاب دول الجوار الإيراني وإقناعها بتطبيق العقوبات، وتقديم الدول المصدرة للنفط، بخاصة دول الخليج، بدائل نفطية وبأسعار منافسة للدول التي تستورد النفط الإيراني، وفتح قنوات تواصل مع الشركات المترددة في الخروج من السوق الإيرانية أو تلك التي تعتزم الدخول إليها من خلال تقديم حصص استثمارية لها في الأسواق المحلية النامية.
على الجانب الإيراني، لم تُعلِن الحكومة الإيرانية حتى الآن رسميًّا عن التدابير الاقتصادية التي سوف تتخذها إزاء العقوبات الأمريكية، واكتفت بالتصريح عبر عدة مصادر بأن الولايات المتحدة لن تستطيع فرض حظر على الصادرات النفطية الإيرانية، وأن السوق العالمية للنفط لن تستطيع التخلي عن النفط الإيراني، كما أن لدى إيران من الأصدقاء والتدابير ما يمكِّنها من كسر الحظر الأمريكي، في حين بدأت الحكومة الإيرانية بالفعل اتباع عدد من السياسات الهادفة إلى تمكين إيران من مواجهة العقوبات الأمريكية حتى لا تجبر على إعادة التفاوض وفق مبادئ الاستراتيجية الأمريكية الجديدة. وفي مقالنا في الاسبوع القادم سوف نستعرض السيناريوهات المتوقعة لتعاطي طهران مع العقوبات الأمريكية.

مادة مترجمة عن موقع عرب نيوز


  الآراء الواردة في المقال تعبر عن وجهة نظر كاتبها، ولا تعكس بالضرورة رأي المعهد

د.محمد بن صقر السلمي
د.محمد بن صقر السلمي
رئيس المعهد الدولي للدراسات الإيرانية