الاحتجاجاتُ الأمريكية وتناقضاتُ الموقف الإيراني

https://rasanah-iiis.org/?p=21136

بواسطةنورة السبيعي

بمـوجب الشرعية الدولية يحقُّ لكافة الدول الأعضاء في الأُمم المتحدة والمُلتزمة بمواثيقها الدولية لحفظ السِلم والأمن الدوليين؛ الاعتراض على انتهاكات حقوق الإنسان بدولةٍ من دولها، كبرى كانت أم صغرى، لكن من المُفارقات العجيبة أن تُقدم دولةٌ تملك سجل تاريخي في انتهاكات حقوق الإنسان من إعداماتٍ واعتقالاتٍ وتعذيبٍ في السجون وقمعِ للمُحتجِّين مثل إيران، الإدانات لدولةٍ ما عندما تقعُ حالة انتهاكٍ واحدة على أراضيها رغم تقديم المتّهمين للعدالة؛ لنيل عِقابهم مثل الولايات المتحدة الأمريكية.

فما إن انطلَقت المُظاهرات في أمريكا؛ احتجاجًا على مقتل المواطن الأمريكي جورج فلويد على يد أحد أفراد الشرطة الأمريكية بمدينة مينيابوليس بولاية مينيسوتا الأمريكية، راح النظامُ الإيراني وزبانيته يكيلُ الاتّهامات للإدارة الأمريكية على طريقة مقتل فلويد، وأساليب التعاطي مع المُحتجِّين على مقتله، حيث علق المُرشد علي خامنئي بقوله: «يقتلون الناس وألسنتهم طويلة.. ويزعمون الدفاع عن حقوق الإنسان»، مضيفًا «الطريقةُ التي تعاملت بها حكومة ترامب مع شعبها تجسِّد في الحقيقة طبيعةَ النظام الأمريكي». يبدو أن خامنئي ورموزَ نظامه نسوا سِجلَّهم الحافل بالجرائم والانتهاكات التي اقترفوها بحقِّ المواطنين الإيرانيين منذ هيمنتِهم على السُلطة قبل نحو 40 عامًا حتى وقتنا الراهن؛ لتوطيد أركان الحُكم بدايةً من تنفيذ الإعدامات بحقِّ المعارضين السياسيين من خلال «لجنة الموت» التي كان أحدُ أبرز أعضائها رئيس السُلطة القضائية الحالي إبراهيم رئيسي الذي دعا إلى وقف انتهاك حقوق مواطني الولايات المتحدة، وتناسى تمامًا جرائمه التي لا تُغتفر ضدَّ المعارضين، بحق الآلاف من السُجناء السياسيين عام 1988م، وتُشير تقديراتٌ بأن أعدادهم تجاوزت الـ 30 ألف سجينٍ سياسي.

لا يحتوي سجل إيران بين طياته الإعدامات فحسب، بل ظلَّت أشكال العُنف مثل التعذيب الجسدي والاختفاء القسري والقمع المُمنهج والاعتقالات العشوائية والضرب المبرح كأدواتٍ حاضرةً لدى النظام للتَّعاطي مع كافة المعارضين والمُحتجِّين ضد سياساته بتهمٍ جاهزة، كالتآمر ومحاربة الله والإفساد في الأرض، ولذلك قُتل العشرات وأُعدم واعتُقل الآلاف، سواء من أبناء الأقليَّات المُطالبين بحقوقِهم أو من المعارضين والمُحتجِّين على أدائه في احتجاجات 1999م، واحتجاجات 2009م، واحتجاجات 2017-2018م التي راح ضحيتها 22 شخصًا واعتقال 3700 محتج، فضلاً عن قتل النظام 230 شخصًا باستخدام القوة المُفرطة تجاه المُحتجِّين في احتجاجات البنزين نوفمبر 2019م.

وإذا ما أردنا أن نُحصي عَدد الإعدامات والاعتقالات في إيران لتطلبَ ذلك العديدُ من المقالات والتقارير المُوثَّقة من بيانات المُنظمات الدولية الرسمية، ولذلك سنكتفي في هذا المقال بطرح عددِ الإعدامات في إيران خلال عامٍ واحدٍ فقط، فمثلًا خلال العام 2018م، وبمحاكماتٍ غير عادلة، أعدَم النظام الإيراني نحو 507 أشخاص، وهو ما يُمثِّل حسبَ منظمة العفو الدولية للعام 2018م، نحو 51% من مجموع الإعدامات حول العالم، ونحو 60% من مجموع الإعدامات في منطقة الشرق الأوسط، ولذلك تبوأت إيران المرتبة الثانية ضمن قائمة الدولِ الأكثرِ تنفيذًا لحالات الإعدامات على مستوى العالم، والجميعُ يعلم أرقامَ المُختفين قسريًا من النُشطاء في مجال حقوق الإنسان أو الذين تعرَّضوا لعمليات قمعٍ أو تعذيبٍ جسدي أو الضرب المُبرح داخل السُجون التي يشهدُ فيها السُجناء ظروفًا غير آدمية، فضلًا عن تبوء إيران لمركزٍ مُتقدمٍ عالميًا من حيث عدد المهاجرين للخارج خوفًا من القمع والتنكيل.

لم تقف تناقضاتُ الموقف الإيراني عند حدِّ رموز النظام، بل امتدت لتشمل أجهزةَ إعلامه، حيث نشرت وكالة «تسنيم» التابعة للحرس الثوري على صدر صفحاتها الأولى إدانةَ منظمة «مراسلون بلا حدود» الحقوقية، تعامل قوات الأمن الأمريكية مع الصحفيين في ساحاتِ الاحتجاج على مقتل فلويد، رغم عدم نشرِها أيَّ تقارير داخلية أو خارجية، أو تصريحاتٍ رسمية وغير رسمية تُدين النظام الإيراني لانتهاك إيران حقوقَ الإنسان في كافةِ الاحتجاجات التي شهدتها البلاد سواءً الفئوية أو السياسية منذُ وصول النظام لسدةِ الحُكم قبل أربعة عقودٍ ماضية، حتى قضية الفتاة ذات الـ 14 ربيعًا، والتي لا زالت تشغلُ الرأي العام الإيراني هي خارج اهتمامات أجهزة الإعلام التابعة للنظام.

كشفت ردودُ الفعل الإيرانية عن تناقضاتِ الموقف الإيراني، فبينما يُدين هذا النظام طريقةَ التعاطي الأمريكية مع المُتظاهرين في الولايات المتحدة، رغم تقديم المتورطين في مقتل فلويد للعدالة، يستخدمُ أبشعَ أساليب العُنف والقوة المُفرطة؛ لإسكات المعارضين وإخماد المُحتجِّين في الداخل الإيراني، في انقلابٍ واضحٍ على المبادئ ذاتها التي سيطر من خِلالها النظام الثيوقراطي على الحُكم بعد أن ألقَت الثورة أوزارها مطلعَ ثمانينيات القرن المُنصرم، كما استخدمت ميليشياته المُسلحة وبإيعازٍ مِنه العُنف المُفرط ضدَّ النشطاء السياسيين المُعارضين للحضور الإيراني في الاحتجاجات العراقية واللبنانية الحاشدة المُستمرة منذ أكتوبر 2019م.

أثارت تصريحاتُ رموز النظام الإيراني وأجهزةُ إعلامه، إزاء الاحتجاجات الأمريكية موجاتِ تهكُّمٍ واسعة من الخارج وردودَ فعلٍ غاضبة وساخطة من الداخل الإيراني على تعامُل السُلطات الإيرانية القمعي ضد المُحتجِّين الإيرانيين، حيث يستحضرون الصورَ المُرعبة والمُفزعة أثناء تعامُل قوات الشرطة والتعبئة (الباسيج) والحرس الثوري المُمنهج مع المُحتجِّين عمدًا بالضرب المُبرح وإطلاق الرصاص الحي المُفضي للموت والاعتقال والتعذيب بالسجون دونَ تقديم المتورِّطين في قتل المُحتجِّين للعدالة، كما فعلت الولايات المتحدة لا سيما في ظل الإعلان عن مقتل 230 محتجًا في أقل من أربعة أيام، بأمرٍ من خامنئي نفسه، فكيف بمن يُدافع عن حقوق شعبِ دولةٍ في الخارج هو نفسه من يهدمُ حقوقَ شعبه في الداخل، ويعطي الأوامرَ لسحقِهم.

بدورها، اتهمت الناشطة السياسية والنائبة السابقة في البرلمان الإيراني فائزة هاشمي رفسنجاني النظام بالازدواجية في تعامُله مع المُظاهرات في الولايات المتحدة والمُظاهرات المُستمرة في إيران.

ورغم إدراك ويقين صُنَّاع القرار في إيران أن منزلهم من زجاج غير أنهم رموا الناس (الولايات المتحدة) بالحجارة لتحقيق مكاسب سياسية، من خلال بثِّ رسائل للداخل بأن تحقيقَ الأمن أولوية أولى للأنظمة السياسية في العالمين النامي والمُتقدم على السواء، لا سيما في ظل الأزمات الداخلية الخانقة مثل التي تعيشها إيران، وللخارج بأن تتوقف المنظمات الحقوقية الغربية عن كيل الإدانات لإيران، وأن تُعيرَ أوضاع حقوق الإنسان في دولِ الحرِّيات مثل الولايات المتحدة الأولوية. إيران ليست الدولةَ الوحيدة التي تنتهكُ حقوق الإنسان، بل من الدول التي تدَّعي الحريَّات، وذلك في مسعى واضح منها لتحويل الانتباه الدولي عن انتهاك حقوق الإنسان فيها.

وكذلك يُفهمُ الموقف الإيراني على ضوء الرغبة الإيرانية في تأزيم الأمور وتعقيد الأحداث على الساحة الأمريكية، بما يشكل عقبةً أمام حصول الرئيس دونالد ترامب على ولايةِ حُكمٍ ثانية، ومجيء إدارةٍ جديدة تعودُ للاتفاق النووي مع إيران، خاصةً مع تساقُط أوراق ضغطها على الإدارة الأمريكية منذ مقتل قاسم سُليماني مهندس مشروعها الإقليمي في يناير 2020م، على خلفية اعتداءاتها المُتكررة على ناقلات النفط في الخليج العربي، ودفع ميليشياتها الحوثية باستهداف الناقلات عند باب المندب الإستراتيجي، وتحريك ميليشياتها ضدَّ القوات والقواعد الأمريكية في العراق عبر قصفِها بالصواريخ. ونختِمُ بأن الموقفَ الإيراني من التعاطي الأمريكي مع المُحتجِّين على مقتل فلويد يكشفُ عن سوء إدراكٍ إيراني لما يُمكن أن تُشكِّله الاحتجاجاتُ الأمريكية من مصدر إلهامٍ للغاضبين الإيرانيين على تردِّي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، على خلفية سياساتِ النظام الداخلية ومُغامراته الخارجية، وخصوصًا في ظل الأوضاع الكارثيِّة التي أفرزتها العقوباتُ الاقتصادية الخانقة، والعزلةُ الدولية، والتَّداعيات السلبية لتفشِّي جائحة فيروس كورونا، التي فاقمت حالات التردِّي المعيشي والاقتصادي، ووضعت البلادَ على شفيرِ موجةٍ احتجاجيةٍ جديدة على إدارة حكومتِهم لأزمة كورونا.


الآراء الواردة في المقال تعبر عن وجهة نظر كاتبها، ولاتعكس بالضرورة رأي المعهد 

نورة السبيعي
نورة السبيعي
باحثة في المعهد الدولي للدراسات الإيرانية