السياسة الخارجية الإيرانية وفق الدستور الإيراني

بواسطةد.محمد بن صقر السلمي

يتحدث كثيرون عن طبيعة صناعة السياسة الخارجية وواقعها في إيران وانعكاس ذلك على السياسة التوسعية والسلوك الإيراني على المستويين الإقليمي والدولي، لكن معظم التحليلات المطروحة ترتكز على ما تمارسه إيران في سياستها الخارجية دون محاولة البحث في محرك هذه السياسة والتوجهات، ولفهم المحرك الأساس للسياسة الخارجية الإيرانية علينا العودة إلى دستور الجمهورية الإسلامية في إيران الذي صدر خلال فترة الخميني ثم حُدِّث خلال مرحلة خامنئي، ومحاولة التنقيب فيه وفهم مواده المرتبطة بشكل أو بآخر بالسياسة الإيرانية، هناك العديد من المواد في الدستور الإيراني تتحدث عن هذا الأمر، وأيضا هناك توضيحات وتفسيرات لبعض المواد قدمها الساسة الإيرانيون.
فقد تحدث الدستور الإيراني في الديباجة عن آلية السياسة الخارجية في إيران الإسلامية بقوله: “وبالنظر إلى محتوى الثورة الإسلامية في إيران، التي كانت حركة تهدف إلى نصرة جميع المستضعفين على المستكبرين، فإن الدستور يعدّ الظروف لاستمراريّة هذه الثورة داخل البلاد وخارجها، خصوصًا فيما يتعلق بتوسيع العلاقات الدولية مع سائر الحركات الإسلاميّة والشعبيّة إذ يسعى إلى بناء الأمة الواحدة في العالم … ويعمل على مواصلة الجهاد لإنقاذ الشعوب المحرومة والمضطهدة في جميع أنحاء العالم”، وفي المادة رقم 2، البند6 ، فقرة (ج) يتحدث الدستور الإيراني عن “رفض جميع أشكال الاضطهاد، سواء بفرضه أو الخضوع له، وجميع أشكال الهيمنة، سواء بفرضها أو بقبولها”، ولتحقيق الأهداف المذكورة في المادة 2 تنص المادة 3 من الدستور الإيراني على أنّ “حكومة جمهورية إيران الإسلامية تلتزم بأن توظف جميع إمكانياتها لتحقيق ما يلي: (في البند 16 من هذه المادة نقرأ ما نصه): صياغة السياسة الخارجية للبلاد على أساس المعايير الإسلامية والالتزامات الأخوية تجاه جميع المسلمين، وتوفير الدعم الكامل لمستضعفي العالم”، وهذه المادة توضح أنَّ علاقات النظام الخارجية تتجاوز الحكومات والأنظمة السياسية وتتجاهلها وتركز على ما دون الدولة.

أما المادة الأكثر شهرة في الدستور الإيراني والمرتبطة بشكل مباشر بهوية الدولة ومن ثمَّ منطلقاتها داخليًا وخارجيًا فهي المادة رقم 12 التي تنص على طائفية النظام وإقصائه للآخر، إذ تؤكد إنّ “‫الدين الرسمي لإيران هو الإسلام والمذهب الجعفري الاثنا عشري، ويبقى هذا المبدأ قائمًا وغير قابل للتغيير إلى الأبد”.‬
أما المادة 144، فتعكس تطبيق المادة رقم ١٢ على العقيدة العسكرية للجيش الإيراني إذ تقول: “يجب أن يكون جيش جمهورية إيران الإسلامية جيشًا إسلاميًا، أي جيشًا ملتزمًا بالعقيدة الإسلامية وبالشعب الإيراني، وأن يضم أفرادًا يؤمنون بأهداف الثورة الإسلامية ويعملون بإخلاص من أجل تحقيقها”، إنّ الحديث عن العقيدة هنا يتمثل في العقائد المماثلة أو التي اُستقطِبت لتسهم في إنجاح مشروع تصدير الثورة.
وفي توضيح السياسة الخارجية في الدستور الإيراني بشكل مباشر ومركز، نجد أن المادة 152 تشرح بوضوح منطلقات هذه السياسة إذ تنص المادة على أن “تقوم السياسة الخارجية لجمهورية إيران الإسلامية على رفض كل أشكال التسلط، سواء ممارسته أو الخضوع له، والمحافظة على الاستقلال الكامل ووحدة أراضي البلاد، والدفاع عن حقوق جميع المسلمين، وعدم الانحياز لأي من القوى العظمى المتسلطة والاحتفاظ بعلاقات سلمية متبادلة مع جميع الدول غير المعادية”.
أما المرحلة التطبيقية لهذه المادة وللمادة رقم 144 فهي المادة 154، وهي التي تشرعن للنظام الإيراني التدخل في الشؤون الداخلية للدول ومن ثمَّ تحريك قواتها المسلحة والعناصر التابعة لها لتطبيق هذه السياسة على واقع الأرض. تشير هذه المادة إلى أنّ “جمهورية إيران الإسلامية تعتبر سعادة الإنسان في المجتمع البشري كله مثلها الأعلى، وتعتبر الاستقلال والحرية وسيادة القانون والحق حقًا لجميع شعوب العالم. وعليه، فإنها تدعم النضال المشروع للمستضعفين ضد المستكبرين في جميع بقاع العالم”.
بعبارة أكثر وضوحًا وأكثر تفصيلًا وشرحًا لما سبق وبشكل مختصر تقسم إيران العالم إلى قسمين رئيسيْن هما: المستكبرين والمستضعفين، تضم القوى الاستكبارية، من وجهة النظر الإيرانية، عددًا من الدول من أهمها الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية وإسرائيل والسعودية والإمارات والبحرين، أما الدول المستضعفة فتضم حاليًا إيران وسوريا ولبنان وفنزويلا واليمن والسودان وبوليفيا وزيمبابوي وغيرها.
من خلال هذا التصنيف تسعى إيران إلى تحقيق أهداف تخريبية من بينها استغلال الأقليات الدينية والمذهبية واستهداف مصالح الدول المصنفة كدول استكبار، والإخلال بالأمن والاستقرار في الدول المستهدفة إقليميًا، والتصريح بضرورة تحرير القدس ومكة والمدينة من إسرائيل والسعودية، وقد كان الخميني يقول إنّ الطريق إلى القدس يمر خلال كربلاء، وتقول الحركة الحوثية حاليا إنّ الطريق إلى القدس يمر خلال مكة، ومن أهدافها أيضًا السعي إلى قيادة العالم الإسلامي وعاصمته السياسية طهران والدينية قم، وتمهيد الطريق لظهور الإمام الغائب من خلال تأسيس ودعم الجماعات المسلحة في المنطقة وعلى سبيل المثال حزب الله اللبناني وأنصار الله الحوثية، والميليشيات الأخرى المنطوية تحت مظلة الحرس الثوري ودعم حماس والجهاد الإسلامي للانتصار على السلطة الفلسطينية.
إنّ إيمان إيران الإسلامية بالثورة وانتشار الدمار والخراب والحروب الدائمة لتشكيل أمة عالمية واحدة وَفقًا لأدبيات ولاية الفقيه المطلقة واستمرار جميع أنواع الدعم المالي والتسليحي والعتاد العسكري لكل من يطلب ذلك في قتاله ضد من تصنفهم طهران بـِ”قوى الاستكبار” في العالم هي سياسة يشرعنها الدستور الإيراني بعمق وجلاء كما وضحنا أعلاه.
وبالعودة للمادة رقم 12 التي تنص على طائفية النظام دستوريًا، نجد أن أدبيات دولة الولي الفقيه تكرر مقولة “كل يوم عاشوراء وكل أرض كربلاء” وهذا يعني العزف المستمر والحشد الدائم للشعور الطائفي وضرورة استمرار الصراع، بالاعتماد على أدبيات طائفية بحتة. بعبارة أخرى، إن محتوى الدستور الإيراني الراهن مبني بشكل أساس وحصري على الأيديولوجيا وإقصاء الآخر سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي، إذ يركز النظام الإيراني في دستوره بشكل عام على ثلاثة عناصر رئيسة أولًا: العزة، من خلال الصراع ضد الآخر وَفقًا للفكر الأيديولوجي الذي يشكل قاعدة النظام الإيراني وأساسه، ثانيًا: الحكمة، من خلال الوصول للعزة عبر التقية السياسية والبراجماتية المقننة، وثالثًا: المصلحة، عبر تحقق الأهداف العليا للثورة الإيرانية وتصديرها ونشر مبادئها والعمل على إضعاف الآخر واستهدافه.
‎‪ وأخيرًا: إنّ مثل هذا التوجه العدائي سيقود دولة جارة وذات حضارة وتاريخ إلى الهاوية، وسوف يشكل تهديدًا وشيكا للنظام في طهران ولعل ‬ نموذج فنزيلا حيث الاستعداد العالمي لقبول المعارضة بشكل سريع والاعتراف بها رغم ضعفها -وهذه ربما سابقة في العلاقات الدولية- يقدم لنظام الولي الفقيه درسًا مجانيًا يجعله يعيد النظر في كثير من السياسات والتوجهات، ولكن البداية يجب أن تكون من الدستور الذي يحرض على الصراع والكراهية والإقصاء داخليا وخارجيا ومن ثمَّ ينعكس هذا المسار التصحيحي على السياسة الداخلية والإقليمية والدولية لتجنيب المنطقة والعالم ويلات الحروب وسفك الدماء والعيش بسلام وانسجام مع العالم وفق المعاهدات والمواثيق الدولية وسياسات حسن الجوار.‬

مترجم عن: Arab News


  الآراء الواردة في المقال تعبر عن وجهة نظر كاتبها، ولا تعكس بالضرورة رأي المعهد

د.محمد بن صقر السلمي
د.محمد بن صقر السلمي
رئيس المعهد الدولي للدراسات الإيرانية