العلاقة بين سعر الدولار في إيران وأسعار السكن في تركيا

بواسطةبهزاد أحمدي نيا

قبل بضعة أيام نشرت وكالة “رويترز” خبرًا مفاده أن أكاديمية نوبل في السويد أعلنت أنها لن تقدّم جائزة نوبل للآداب هذا العام لأي أحد، وذلك بسبب الفضائح الجنسية الأخيرة في هوليوود. وفي توضيحها لهذا الخبر ذكرت الوكالة أن أغلب محكَّمي هذه الجائزة استقالوا من التحكيم بسبب الفضائح، والنتيجة أن عدد المحكّمين غير كافٍ، وبهذا فقد أثّر موضوعان، لا رابط بينهما في الظاهر، كلاهما على الآخَر، وزادا حدّة الأزمة. في عالَمنا اليوم، وبالنظر إلى مستوى العلاقات الموجود، تسير جميع الأمور على هذا النحو.
خلال الأشهر الأخيرة احتدّت النقاشات والتخمينات عدّة مرات بخصوص سوق العملة الصعبة في طهران وقيمة الريال مقابل العملات الأخرى، والتوصيات التي يجب العمل بها، وما وراء كواليس هذه الأوضاع. وبغضّ النظر عن أن هذه الأحداث طبيعية أو مُفتعلة، هل تستطيع الحكومة أو يجب على الحكومة أن تواجهها أم لا؟ وهنا نستعرض مثالًا على هذه الروابط العجيبة، فقد يكون مفيدًا في التخمينات والتحليلات.
المشهد الأول: قبل ثمانية أشهر، أي في نهاية صيف العام الماضي، وحين لم تكن التغييرات قد طرأت بعدُ على أسعار الدولار بالشكل الذي نشهده اليوم، كان سعر الليرة التركية يعادل 1050 تومانًا، وكانت متوافرة بكثرة ويمكن تداولها.
المشهد الثاني: حمي وطيس الدعاية والإعلان بخصوص العقارات في تركيا، والوعود بمنح الإقامة في هذه الدولة من خلال القنوات الفضائية، لدرجة أن كثيرًا من الشركات قامت بتوظيف مستشارين يتقنون الفارسية، وأقبل الإيرانيون على تأسيس مكاتب عقارات في تركيا، وبلغ حجم شراء العقارات، الذي كان قد بدأ قبل سنوات، الآن أوْجَه، في حين أن سوق العقارات في إيران تواجه ركودًا منذ عشر سنوات، ولا تزال أسعار المساكن ترتفع على الرغم من قلة الطلب.
المشهد الثالث: مع بدء حالة التغييرات الشديدة في سعر الدولار، والتي كان لها أسباب متعددة، ومن بينها السيطرة على الاقتصاد من قِبل بعض المؤسسات، وعدم امتلاك الحكومة أي مخطط لمواجهة ذلك، بدأ السعي الحثيث لإخماد النار الملتهبة، وفي نهاية المطاف تمكّنت الحكومة إلى حدٍّ ما من الوصول إلى نتيجة من خلال إعلانها “أحكامًا عرفية” في سوق العملة الصعبة. ومن مبررات هذه الأحكام العرفية محاربة خروج الأموال وشراء العقارات في دول الجوار ومن بينها تركيا، وأعلنت الحكومة أن هذه الأحكام تأتي في سياق تقليص أرباح مثل هذه الاستثمارات.
مؤخَّرًا، أشار أحد مراجع التقليد خلال لقائه أحد المسؤولين، وبشكل صريح، إلى أن بعض المسؤولين ومن ينتمون إلى الحكومة يجهزون أماكن للجوء إليها في حال هربوا من إيران، وليس واضحًا هل كان هذا المرجع يحتجّ على هذا العمل أم على أنه لا يملك مثل هذا الملجأ! وعلى أي حال، فهذا الخبر في حدّ ذاته كافٍ لإضفاء طابع رسميّ على أن كثيرًا من الاستثمارات العقارية بمليارات الدولارات في دول الجوار، خصوصًا تركيا، تتم من خلال المقربين من الحكومة أو من بين أعضائها.
المشهد الأخير: عندما كان سعر الليرة يعادل 1050 تومانًا، كان سعر الشقة السكنية في المناطق المتوسطة يقارب 500 مليون تومان [120 ألف دولار بسعر الصرف الرسمي الآن]، بينما كان ثمنها في تركيا، وفي ظروف بلا شك أفضل بكثير، يقارب 480 ألف ليرة، وهذا سعر يساوي سعر الشقة في إيران، لكنّ الظروف هنا مختلفة وأكثر جاذبية لرؤوس الأموال، ومع تجاوز سعر الليرة التركية خلال اليومين الماضيين حاجز 1500 تومان، فقد أصبحت 500 مليون تومان إيراني تعادل 330 ألف ليرة تركية، لكنّ سعر الشقة نفسها ارتفع ليصل إلى 600 ألف ليرة، وبعملية حسابية بسيطة سنجد أن أرباح كل 500 مليون تومان جرى استثمارها قبل عام من قِبل الأفراد والشركات الإيرانية في سوق العقارات التركية كان هناك عائد أرباح يعادل 120 ألف ليرة تركية، وتعادل قيمتها بسعر صرف اليوم 180 مليون تومان.
يبدو من ظاهر المعادلة أنها معقدة، لكن الحقيقة هي أن أرباح كل 500 مليون تومان استُثمرت في سوق العقارات في تركيا خلال عام واحد بلغت 100%، أي 500 مليون تومان، في حين أنه إذ استثمر المستثمر الإيراني نفس المبلغ في طهران فلن يتوقّع أن يحصل على أي ربح، هذا لو افترضنا أن هناك من سيشتري.
في مثل هذه الأوضاع، فإن ارتفاع معدّل صرف العملات، أو بمعنى آخر السقوط الحرّ لاقتصاد إيران، والذي أوشك على تسجيل رقم قياسي عالمي في السقوط المفاجئ لقيمة العملة، جعل كميات هائلة من الأموال تدخل جيوب المستثمرين المنتفعين والمرتبطين بالنظام الإيراني، وحتى لو نقل هؤلاء الأشخاص أموالهم إلى داخل إيران في الظروف الحالية فلن يعودوا بضعف ما استثمروه فقط، بل سيتمتعون -بسبب مليارات العملات التي سيحضرونها معهم- بامتيازات تشجيعية من الحكومة، التي تواجه كابوس نقص العملة الورقية، من قبيل الحصول على تراخيص لتأسيس مكاتب صرافة معتمدة، والحصول على دولار بسعر رسمي من البنك المركزي.
يبدو أن سلسلة من المحسوبيات والأمان الممنوح لأصحاب الثروات المفاجئة في “الجمهورية الإسلامية” قد تشكّلت، وهي غير قابلة للكسر أبدًا بالنظر إلى ضعف النظام الشديد في مواجهة منافسيه في الخارج، والعزلة الشديدة التي يعاني منها، وعدم وجود أصدقاء أقوياء ومخلصين في الخارج، لأن كسرها بحاجة إلى نظام ضرائب صارم وواضح، وما فعلته الحكومة الحالية من القليل من الصرامة والوضوح تسبب في موجة غضب بين المؤسسات شبه العسكرية، بحيث تُعَدّ أوضاع سوق العملة الصعبة اليوم جزءًا من ردّ فعلهم الغاضب


الآراء الواردة في المقال تعبر عن وجهة نظر كاتبها، ولا تعكس بالضرورة رأي المعهد

بهزاد أحمدي نيا
خبير اقتصادي