النظام الإيراني في ميزان المعارضة الإيرانية بالخارج.. قراءة تحليلية لخطاب مؤتمر المعارضة الإيرانية بباريس

السنوات الثلاث لحكم الملا “روحاني”، وما شهدته الجمهورية الإيرانية من أحداث دامية ضد الشعب الإيراني، من قمع وشنق “أعواد المشانق” وتنكيل وتوقيف، دون أدنى مراعاة لحق السجين السياسي المكفولة دولياً، وحال الإقليم المضطرب أمنياً، والدور الإيراني في تأجيج أزماته وقضاياه المعقدة، وحقيقة العلاقة مع الغرب وإسرائيل… كلها كانت في ميزان المؤتمر السنوي للمعارضة الإيرانية، الذي انعقد في باريس خلال الفترة بين 9-10/7/2016، بزعامة المعارضة الإيرانية رئيسة المجلس الوطني للمقاومة “مريم رجوي”.

أهمية المؤتمر

771000 بداية، تنبع أهمية المؤتمر من عدة زوايا (أولاها): حجم المشاركين، إذ شارك فيه ما لا يقل عن مائة ألف من الجالية الإيرانية المهجرة، وزهاء 600 شخصية دولية بارزة، إضافة إلى رؤساء حكومات سابقين ووزراء وبرلمانيين من أوربا وأمريكا وأستراليا، إلى جانب وفود عربية كانت في مقدمتها وفود دول ما سمي بالربيع العربي التي تدخلت إيران في دولها كما هو الحال في سورية واليمن. (ثانيها) توقيت انعقاده الذي جاء في ضوء اتساع حركة الاحتجاجات الشعبية في مختلف المحافظات والمدن الإيرانية، وعلى خلفية التصعيد الخطير في الإعدامات التي بلغت رقماً قياسياً في عهد روحاني منذ ربع قرن مضى، وكذلك قمع النخب الإيرانية. كما أنه يأتي في وقت تفاقمت فيه الصراعات الداخلية داخل تركيبة الحكم الإيراني، نتيجة الصراع بين الحرس الثوري وفيالقه من ناحية وروحاني – ظريف من ناحية أخرى، وذلك على الرغم من الامتيازات الكبيرة والتنازلات التي أعطتها وقدمتها دول العالم لهذا النظام على حساب دول المنطقة وشعوبها واستقرارها وأمنها. (ثالثها) تفنيده الأزمات الداخلية الإيرانية التي يمكن استغلالها والبناء عليها مستقبلاً وتقييمه سجل “روحاني” خلال فترة حكمه داخلياً في ملف قمع الحريات العامة في إيران، والآفاق المستقبلية للتطورات الإيرانية الداخلية، وخارجياً التدخل الإيراني في سوريا والعراق واليمن وغيرها من الدول، بالإضافة إلى حقيقة السياسات الغربية حيال النظام الحاكم في طهران.

كلمة مريم رجوي

maryamparis27feb2016-5 وارتباطاً بما سبق، تعتبر كلمة السيدة “رجوي” من أهم ما يميز فعاليات المؤتمر بكشفها استخدام النظام الإيراني لآلية “التسلل الخشن” داخلياً من خلال تعامله مع المعارضين، وصناعة وتأجيج الأزمات الإقليمية في سوريا والعراق واليمن ولبنان والبحرين وغيرها، لتضع تقييماً لفترة حكم غاية في الأهمية على الصعيدين الداخلي والخارجي، حيث استبشر الإيرانيون خيراً بالرئيس روحاني بعد وصوله إلى سدة الحكم في إيران، وهو يتحدث عن الإصلاح وتحديث الدولة، لتصبح بمصاف الدول المتطورة، ووعد الإيرانيين برغد العيش بعد رفع الحظر عن الأرصدة ورفع العقوبات، بأنه سيرفع الرواتب، وينشط الاستثمارات، التي توفر فرص العمل للشباب العاطل عن العمل.
وأمام هذه الوعود البراقة خرج الإيرانيون للشوارع فرحين بنتائج الاتفاق، وأن غمة انزاحت عن صدورهم برفع الحظر عن أموالهم، ولكن سرعان ما تبددت آمالهم وضاعت طموحاتهم نتيجة عدم اكتراث النظام بالداخل تجاه تنشيط الاقتصاد والاستثمار، وتحمله التكاليف الباهظة لتسلله الخشن في دور الجوار طمعاً منه في تحقيق طموحاته وتطلعاته على حساب الشعوب والدول الأخرى بتدشينه الإمبراطورية الإيرانية الكبرى.
فداخلياً، ركزت السيدة الإيرانية على الأزمات، إذ ارتفع معدل الإعدامات بشكل غير مسبوق، لتحتل إيران موقع الصدارة عالمياً، فهذا النظام يحمل في سجله إعدام أكثر من 120 ألف معارض من الشيعة ومئات الآلاف ممن مورس بحقهم التعذيب في السجون، وقصف المناطق المعارضة مثلما يحدث الآن في مخيم ليبيرتي، كما يتعرض السنة للقمع والتمييز أكثر من ذي قبل، بدءاً من الاعتقالات والإعدامات في الأحواز، إلى قصف القرى في كردستان، ويتفق حديث رجوي هذا مع ما أكدته التقارير الداخلية والدولية وآخرها استطلاع للرأي قام به مجموعة من الباحثين السويديين في أكثر من 80 دولة حول العالم، إذ تصدرت فيه إيران قائمة الدول العنصرية في العالم، حيث حلت في المركز الثاني بانتهاجها سياسات تمييزية ضد كل من السنة والعرب المقيمين على أراضيها، حيث تمنع مواطنيها العرب من ارتداء الزي العربي أو تعلم اللغة العربية في المدارس، وتغيير أسماء المدن العربية إلى أسماء فارسية، ومنع العرب من استكمال دراساتهم العليا، وتولي المناصب القيادية والقضائية، وإعدام أكثر من 4 آلاف سني منذ عام 2011 حتى الآن بتهم واهية، وتحريم سكانها السنة من بناء مساجد لهم في عدد من المدن من بينها طهران، بالرغم من أن تعدادهم يصل 22 مليون سُني. كما تردت وفقاً للمعارضة الإيرانية حالة الأوضاع الاقتصادية بالبلاد، وارتفع معدل الفقر نتيجة التكاليف الباهظة التي يدفعها لقواته أو أتباعه في العراق وسوريا واليمن ولبنان، ففي سوريا وحدها – مثلاً – كانت كلفة التدخل الإيراني شهرياً ملياري دولار أمريكي حتى 2013، وارتفعت التكاليف عندما أعلن النظام الإيراني جهاراً نهاراً أن له قوات تقاتل مع بشار الأسد، وينتشر في سوريا ما لا يقل عن 60 ألف من قوات الحرس الثوري الإيراني حسب تصريح رجوي، لأن النظام الإيراني يستميت في الدفاع عن بقاء الأسد بالسلطة، وحجته: “إذا لم نقاتل في سوريا، فسنقاتل في طهران”، لذا لم يعد قادراً على إخفاء تدخله في سوريا وجثامين الشباب الإيراني بالعشرات يومياً، حتى إن محافظة أصفهان انتفضت ضد تدخل النظام الإيراني في سوريا، لتكاليفها البشرية الباهظة واستنزاف الموارد الإيرانية، خاصة مع تدهور أسعار النفط، فشحت موارد إيران، وتبخرت وعود روحاني للإيرانيين برغد العيش، إذ أغلقت الشركات والمصانع واحداً تلو الآخر، وأغرق النظام في الإفلاس والفساد، ما أدى إلى نظام مصرفي ضعيف ومتباطئ، ومعامل معطلة، وأقدمت أكثر من 6 دول إقليمية على قطع علاقتها مع إيران، وفي نهاية المطاف أجروا انتخابات مزيفة بشأن انتصار لصالح الإصلاحيين.
ويأتي ارتفاع معدل الفساد في أعلى أجهزة الدولة من بين مؤشرات إخفاق النظام الايراني، فالفساد ليس خافياً، بل على المكشوف بمليارات الدولارات لكبار الضباط ومجلس الحكم، بمن فيهم المرشد علي خامنئي، لدرجة عشش الفساد في كل مفاصل الدولة، من الرشوة وسرقة المال العام بصفقات وهمية ومشاريع أضعاف تكاليفها الحقيقية، والمواطن هو من يدفع ثمن الفساد بتدهور مستوى المعيشة أكثر فأكثر، فارتفعت نسبة الفقر إبان حكم روحاني ضعف ما كانت عليه في عهد سلفه أحمدي نجاد.وخارجياً – وفقاً لرجوي – منيت إيران بالتورط في أزمات إقليمية معقدة كلّفتها وستكلّفها تكاليف لا يحمد عقباها، إذ تدخلت علانية في شؤون الدول المجاورة بتأجيجها “البعد الطائفي” بين الشيعة والسنة في العراق وسوريا ولبنان واليمن وبعض الدول العربية الأخرى لتقوية نفوذها وعمقها الاستراتيجي بدعمها المليشيات الشيعية المسلحة ضد السنة وإرسالها المقاتلين العسكريين وغير العسكريين للسيطرة على مقاليد الأمور هناك، حتى تحولت هذه الدول إلى كيانات هشة مجزأة مهترئة تعاني من حروب أهلية طائفية دامية وانتشار تنظيم داعش واحتلاله مناطق واسعة من تلك الدول، ما أسفر عن بروز ظاهرة النزوح الجماعي غير المنظم إلى ملاذات آمنة (لاجئين) ومئات الآلاف من القتلى والجرحى والمعتقلين والمشردين.
فسوريا؛ على حد قول رجوي باتت ممزقة وخريطة مهشمة عبارة عن قطع متناثرة في شمال سوريا وفي جنوبها وشرقها، وهي مناطق إما صارت جزراً معزولة لا تشكل مخاطر حقيقية، وقد يجري قضمها بعد أن يصار إلى إنهاكها بسياسة الحصار والتجويع، وإما هي مخترقة من قبل التنظيمات التي تدعمها طهران بالسر أو تخترقها بطريقة ما.
وتقول السيدة “رجوي” هنا إنه يجب إعطاء الأولوية على الصعيدين السياسي والدولي لإبراز دور النظام الإيراني، وضرورة التصدي له، لأن الدينامية الرئيسية لبقاء الأسد هي النظام الإيراني الذي يسعى بممارسة نفوذه أو ممارسة الخدعة إلى جرّ أطراف أخرى في الحرب ضد المعارضة.
وفي العراق لم يكن الحال أفضل، إذ قادت إيران هذا البلد إلى الدمار والتخبط، وتؤكد أدلة وتقارير أن تنظيم داعش هو حصيلة قمع الشعبين العراقي والسوري من قبل النظام الإيراني بمساعدة بشار الأسد ونوري المالكي رئيس الوزراء العراقي السابق، وأن إرهاب داعش لم يقتصر على العراق وسوريا، بل وصل إلى فرنسا وبلجيكا والدنمارك أيضاً، ولولا ارتكاب النظام الإيراني لجرائم في العراق وسوريا، لما توسعت هذه الظاهرة البغيضة في الشرق الأوسط، ولما اندلعت الهجمات الإرهابية في فرنسا وغيرها من الدول، ولهذا السبب فإننا نؤكد دوماً أن الارهاب في أوروبا لا يمكن اجتثاثه طالما لا يتم التصدي للنظام الإيراني.

♦ إيران وداعش في كلمة رجوي

2743acdc4ff42ca98c94534aeae028bb copy
كشف حديث السيدة الإيرانية عن عدة نقاط غاية في الأهمية
أولاها: طبيعة العلاقة بين إيران – داعش، فهذا الحديث لم يكن بمحض المصادفة، أو من قبيل المهاترات السياسية، وإنما يعكس رؤية حقيقية للبعد البراغماتي في السياسة الإيرانية، حيث يشي هذه الحديث بوجود علاقة بين النظام الإيراني وتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وذلك لوجود عدد من المصالح والأهداف المشتركة بين الجانبين بالنظر إلى تجاهل البغدادي لإيران في خطاباته، رغم أنه ذكر دولاً كثيرة منها دول إسلامية، ووصول داعش لحدود إيران، وعدم اختراقه لحدودها، وكذلك في سوريا لم يستهدف التنظيم مليشيا إيران الطائفية ولا النظام السوري، بل يصب كل جهوده ضد الثوار.
كما أن استهداف داعش الشعوب العربية والإسلامية وتفخيخ المساجد يصبان في مصلحة إيران المباشرة، وكما يتحدث داعش باللغة الطائفية واستهداف الآخر بدنياً ومعنوياً، إيران كذلك طائفية بالدرجة الأولى، فخطابها طائفي وأفعالها، كذلك المتابع لخريطة داعش منذ بدايته في العراق، يجد أنه كان دائماً في المحافظات والمدن السنية فقط، ثم تغلغل في الأنبار والرمادي والفلوجة، ولم يتوجه جنوباً نحو كربلاء أو النجف، على رغم أن المدينتين الشيعيتين على الحدود المباشرة لجنوب الأنبار.

ثانيها: أن تداعيات الأزمة في إيران ليست فقط بتدخل إيران في شؤون دول الشرق الأوسط، بل انعكست داخلياً في وضعها الاقتصادي ومعيشة المواطن الإيراني وملف الحريات التي لم تصل إلى المواطنين العاديين، لأن المتضررين من غياب الحريات هم أصحاب الرأي والعاملون بالسياسة، فتعج بهم سجون النظام الإيراني، خاصة في سجني إيفين في طهران وجوهر دشت في مدينة كرج، كما أن الوتيرة المتصاعدة لتدخل نظام ولاية الفقيه في مختلف البلدان كسوريا والعراق واليمن ولبنان والبحرين وغيرها لم تبق أي شك بأن النظام الإيراني كلما استمر في الحكم استمرت الحروب والإرهاب والمجازر في مختلف دول المنطقة.

عبدالرؤوف مصطفى الغنيمي
عبدالرؤوف مصطفى الغنيمي
باحث سياسي بالمعهد الدولي للدراسات الإيرانية