تحديات الإرهاب على طول الحدود الباكستانية-الإيرانية

بواسطةآصف دراني

كان مقتل 27 فردًا من الحرس الثوري في هجوم انتحاري في 13 فبراير على طريق زاهدان-خاش، على بعد نحو 110 كيلومترات من الحدود الباكستانية، حادثًا خطيرًا. وقد تبنت جماعة «جيش العدل» في إيران، التي تتألف من منشقين «بلوش»، المسؤولية عن الحادثة. وسارع المسؤولون الإيرانيون إلى إلقاء اللوم على باكستان بسبب تساهلها مع المنشقّين الإيرانيين البلوش. بدوره انتقد قائد «فيلق القدس» في الحرس الثوري قاسم سليماني الذي حصل مؤخرًا على مكانة أسطورية في البلاد لقيادته قواته في العراق وسوريا ، باكستان لتراخيها الذي شجع «الإرهابيين» على استخدام الأراضي الباكستانية لتنفيذ عمليات ضدّ إيران، كما هدد بأنه إذا كانت باكستان غير قادرة على اتخاذ إجراء فلن تتردد إيران في اتخاذ إجراء مباشر ضدّ الإرهابيين.
إن الغضب الإيراني ضدّ الهجمات الإرهابية أمر مفهوم، لكن لم تكن لغة القيادة الإيرانية القاسية ضدّ باكستان مروّعة فحسب لكثيرين في باكستان، بل كانت مؤشّرًا للأخطار الناشئة في المنطقة، وهو احتمال تفضّل كل من باكستان وإيران تجنُّبه. أما المسؤولون في كلا البلدين، فيجب أن يكونوا أدركوا أن تاريخ العلاقات الباكستانية-الإيرانية قد تَرسَّخ في وقوف كلا البلدين إلى جانب الآخَر في الأوقات الصعبة. إن مرور كلا البلدين باضطرابات سياسية هو حقيقة أيضًا. لقد كانت العقود الأربعة بعد الثورة الإيرانية الثيوقراطية تهديدًا في الجوار، بخاصة لدول مجلس التعاون الخليجي. ويعتقد منتقدو الثورة الإيرانية أن الطبيعة التدخلية للنظام السياسي التي اتبعها الثوّار خلقت احتكاكات في المنطقة بدلًا من إيجاد حالة تَماسُك فيها.
إن باكستان ليست دولة ثورية، وكان لديها مشكلاتها الخاصة، فعلى الصعيد المحلي كانت الدولة تتصارع مع تحديات عدة متمثلة في إقامة الديمقراطية في البلاد، في حين تلقت هزّات متكررة بسبب التطورات التي تحدث في المنطقة. على سبيل المثال أصبح الجنرال ضياء الحق والجنرال برويز مشرف اللذان عانيا من أزمة الشرعية داخل البلاد حتى آخر يوم لهما في السلطة، عزيزَين للولايات المتحدة والغرب عندما كانت في أفغانستان أزمة، أولًا عندما غزا الاتحاد السوفييتي السابق أفغانستان، ولاحقًا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر. وسابقًا اختار الجنرال أيوب خان أن يكون حليفًا للولايات المتحدة وجعل باكستان عضوًا في منظمة أمن جنوب شرق آسيا ومنظمة المعاهدة المركزية لاحتواء «التوسُّع السوفييتي». لذلك كانت البلاد خلال فترة وجودها متحالفة مع الغرب بقيادة الولايات المتحدة. وقد كان شيء واحد واضحًا هو أن الباكستانيين يقاومون دائمًا البونابرتية ويكافحون لحرية التعبير، بخاصة في أثناء حكم الجنرال ضياء الوحشي عندما وضع الصحفيين خلف القضبان وعاقبهم بالجَلْد.
إن سبب إجراء مقارنة بين نظامَي الحكم الإيراني والباكستاني هو إبداء رأي مستنير حول الحقائق أو الدوافع الواقعية التي قد يواجهها كل جانب. يجب أن تعلم إيران أنها ليست مركز الكون، ولا يمكن تكرار عقلية إيران الثورية في باكستان أو في أي مكان آخر، كما لا يمكن أن تكون معيارًا لتحديد صداقة إيران مع العالم الإسلامي، وكونهما دولتين ذواتَي سيادة يمكن لكل منهما اختيار أصدقائه دون الإضرار بمصالح الآخر. لقد اتبعت باكستان هذه السياسة منذ البداية، ومن الأفضل لها أن تحافظ على موقفها المحايد في التنافس الإيراني-الخليجي الحالي.
وفي الوقت الذي أعلن فيه «جيش العدل» مسؤوليته عن الهجمات التي وقعت على مركبات الحرس الثوري الإيراني على طريق زاهدان-خاش السريع الذي يبعد نحو 110 كم عن الحدود الباكستانية، لا يمكن لإيران أن تنكر حقيقة وجود مشكلة في سيستان وبلوشستان، حيث يناضل الناس لأجل حقوقهم السياسية في مقاطعتهم. إنها ضغينة مشتركة بين السكان البلوش في بلوشستان الإيرانية، لأن تمثيلهم في البلاد ناقص في الحكومة والبيروقراطية والقوات المسلحة، كما أن العمدة ونوابه يُرسَلون من طهران. إن الانقسام الطائفي هو مصدر رئيسي آخر للاحتكاك في المقاطعة، إذ يشكّل المذهب السني الغالبية العظمى من البلوش. ويواجه القادة السُّنَّة التمييز، كما يُحظَر عليهم أحيانًا مقابلة الناس. أضف إلى ذلك إن الفقر بين البلوش هو الأعلى بينا مناطق البلاد.
لا يضيّع المسؤولون الإيرانيون وقتًا في إلقاء اللوم على باكستان في كل عمل ينفّذه «جيش العدل» في بلوشستان الإيرانية، وعليهم اتخاذ تدابير لمعالجة مظالم السكان البلوش، كما أن تظهر حاجة إلى خلق شعور بالانتماء بين شعب البلوش حتى لا يُضطرُّوا إلى البحث عن حلفاء خارج حدودهم. لقد تَبنَّت باكستان سياسة عدم التسامح في ما يتعلق بالمعارضين الذين ينفّذون أنشطة من بلوشستان الباكستانية. وقبل يومين فقط (من كتابة المقال) أعادت قوات الأمن الباكستانية أربعة من أفراد الحرس الثوري الإيراني من براثن المنشقين البلوش. كانت نسبة نجاح قوات الأمن الباكستانية في استعادة مسؤولي الأمن الإيرانيين كبيرة، وينطبق الشيء نفسه على مجرمين آخرين يحتمون في بلوشستان الباكستانية.
إن باكستان تشكو أيضًا من الحماس الثوري الإيراني الذي يتطفل على الشؤون الداخلية لباكستان في بعض الأحيان. لم يكن لدى باكستان مشكلة شيعية-سُنِّية قبل الثورة الإيرانية، وكان عديد من المنظمات الدينية متحمسًا في البداية للثورة في إيران إذ رأوا آفاقًا مماثلة تتفتح في باكستان، كما كانت الجماعة الإسلامية الباكستانية متفائلة بشكل خاص بشأن الثورة الإيرانية. وبمجرَّد إعلان إيران الإسلام الشيعي دينًا رسميًّا لإيران في دستورها، كان على الأحزاب الدينية الباكستانية أن تنأى بنفسها عن الثوار الإيرانيين. وعلى الرغم من الديكتاتوريات في باكستان، كانت البلاد تناضل دائمًا من أجل الديمقراطية وحرية التعبير، وسوف يتعارض ذلك مع عقلية ثورية تنظر إلى الأشياء من خلال منظور «نحن وهم».
أصبح من المعروف الآن أن الثوريين الإيرانيين يجندون الشيعة الباكستانيين لصالح لواء «زينبيون» بذريعة حماية الأضرحة المقدسة في العراق وسوريا. ويُدفَن الذين يُقتلون خلال العمليات في العراق وسوريا في قم وترعى الحكومة الإيرانية أسرهم. لقد أثارت باكستان هذه المسألة مرارًا وتكرارًا مع كبار المسؤولين الإيرانيين بنصيحة مفادها أن حملة التجنيد الإيرانية ستخلق وحوشًا ستكون في نهاية المطاف ضارة بالأمن القومي الباكستاني.
الأهمّ من ذلك أن إيران لم تشرح بعدُ كيف يمكن لضابط البحرية الهندي كولبهوشان جاديف أن يدير عملية وكالة الاستخبارات الهندية عبر تشابهار وقد اعتُقله المسؤولون الباكستانيون لتنفيذه أنشطة إرهابية في بلوشستان الباكستانية وكراتشي. وفرّ شركاؤه من تشابهار على الرغم من إبلاغ باكستان الإيرانيين في الوقت الفعلي. وفي حين كان اعتقال جاديف صدمة لباكستان، كان محرجًا بنفس القدر لإيران، إذ شكّك في الدور الهندي في بلوشستان الإيرانية، كما أن بعض عناصر المنظمات المنشقة في بلوشستان الباكستانية، بما في ذلك جيش تحرير بلوشستان وجيش البلوش الجمهوري، لجؤوا إلى بلوشستان الإيرانية تحت معرفة المسؤولين الإيرانيين الكاملة.
وعلى الرغم من التصريحات القاسية للقيادة الإيرانية، فقد مارس الجانب الباكستاني ضبطًا تامًّا، إذ يمكن معالجة القضايا المثيرة للجدل بين الأصدقاء بفاعلية، بعيدًا عن مرأى ومسمع الجمهور. ويُعَدّ الحفاظ على علاقة ودية مع إيران ضرورة استراتيجية لباكستان. يمكن أن يكون وجود «جيش العدل» متداخلًا على جانبي الحدود بين باكستان وإيران، ولكن أنشطتها في بلوشستان الباكستانية كانت دائمًا تحت المراقبة. مع ذلك فإن الحكمة تتطلب التعامل مع الحرمان الذي يتعرض له الشباب البلوش على جانبي الحدود على أساس الأولوية.

المصدر: «ديلي تايمز» الباكستانية


  الآراء الواردة في المقال تعبر عن وجهة نظر كاتبها، ولا تعكس بالضرورة رأي المعهد

آصف دراني
آصف دراني
السفير الباكستاني السابق لدى إيران