تعليمات بقمع العرب في إيران

بواسطةمحسن كاركاش

في الأيام الأخيرة تم نشر خطة بعنوان “الخطة الأمنية الشاملة لمحافظة خوزستان” (الأحواز)، وتم تداولها على شبكات التواصل الاجتماعي. هذه الخطة هي “لائحة تنفيذية” من 29 صفحة تحت تصنيف “سري للغاية”، وتناولت التهديدات واستراتيجيات العمل في المجالات الثقافية، الاجتماعية، الاقتصادية، السياسية والأمنية لمحافظة خوزستان .
وتم عرض واحدة من الاستراتيجيات في هذه الخطة من أجل “تغيير التركيبة السكانية” للمحافظة “بأقل التكاليف”، وهي الهجرة. وهو الموضوع الذي يعتبره النشطاء الاجتماعيون والسياسيون العرب برنامجاً جديداً، يأتي لكنه استمراراً لمسيرة قمع العرب و”تغيير نسيج التركيبة السكانية في هذه المحافظة” في السنوات الأخيرة.

ثلاث خطط في حقبتين من الزمن

وفقاً لنشطاء عرب، فإن الخطة الأخيرة هي ثالث “وثيقة” متعلقة “بتغيير نسيج التركيبة السكانية لمحافظة خوزستان” التي يكشفها نشطاء عرب داخل البلاد خلال الحقبتين الماضيتين.
وعلى الرغم أن الجمهورية الإسلامية لم تبدِ أي رد فعل إلى الآن حول انتشار الخطة الأخيرة، لكنه تم عرض خبر تصويب مثل هذا الطرح دون الإشارة إلى تفاصيله في وكالات الأنباء الإيرانية.
ومن الواضح أن مسؤولي الجمهورية الإسلامية في مراحل التصديق، قاموا بتغيير عنوان الطرح بسبب ما يخلقه من حساسية، وأن “العنوان المذكور يدعم عدم الاستقرار والأمن في المحافظة”، وأطلقوا عليه “الخطة الشاملة للتنمية المستدامة لمحافظة خوزستان”، وهو الشيء الذي يتوافق مع الأخبار المنتشرة بنفس العنوان أيضاً.
وفي عام 2005 ميلادي، نشرت رسالة منسوبة إلى مكتب رئيس الجمهورية الإسلامية بُنيت على إجراء برامج من أجل “تغيير التركيبة السكانية لمحافظة خوزستان تضر بالشعب العربي الأصلي في المناطق التي يقطنها العرب”.
وذكر المسؤولون في إيران حينها أن هذه الرسالة مزورة، وتمت مواجهة تجمهر واحتجاج السكان العرب بالقمع. وقتل على الأقل حوالي 3 أشخاص، وجُرح أيضاً بضعة أشخاص خلال المواجهات.
يقول كريم عبديان، الناشط في مجال حقوق الإنسان العربي، بخصوص واقعية مثل هذا النوع من “الخطط والرسائل”: “بخصوص الوثيقة الثانية، كان لدينا تأكد تام أن هذه الوثيقة واقعية، ولكننا راجعنا أكبر منظمة مستقلة وأكثرها خبرة في التحليلات والأمن حول العالم، وهي مؤسسة جنز ديفنس في لندن، من أجل إثبات ذلك على المستوى الدولي ورفض ادعاءات النظام بشأن أن تلك الوثيقة مزوّرة. وقالت هذه المؤسسة في تشريح الوثيقة إن هذه الوثيقة حقيقية وليست مزورة”.
ووفقاً للسيد عبديان، فإن الخطة الأولى “رسالة سرية برقم/777/1/1301 ومؤرخة بتاريخ 23/8/1995 ميلادي، بتوقيع العميد بالحرس الثوري غلام علي رشيد، نائب الاستخبارات وعمليات القيادة العامة للقوات المسلحة، تم توجيهها إلى عيسى كلانتري الذي كان وزيراً للزراعة في ذلك الوقت، والذي طالب فيها بناء على (سياسة تخطيط استخدام الأراضي) بأن تدخل الأراضي الزراعية للسكان العرب في شرق وشمال محافظة خوزستان إلى حيازة “قدامى المحاربين”.
يقول هذا الناشط في مجال حقوق الإنسان العربي في شأن الرسالة الأولى إنه لم يكن هناك داع لإثبات حقيقة تلك الرسالة لأن السلطة لم تنكرها ولم تكذبها: “لكنها صدمت من تسريب تلك الوثيقة بواسطة القوى الشعبية”.

التهديدات من البطالة إلى “الانتماء إلى الوهابية” و”الانتماء العرقي”
طبقاً للمقترح الذي جاء في الطرح الأخير، ينبغي أن ينفذ الطرح بعد التصديق عليه في فترة من ثلاث إلى خمس سنوات “مع رعاية الملاحظات على أكمل وجه”.
في الجانب الاجتماعي، من جملة موضوعات التهديد والإضرار بمحافظة خوزستان، هذه الموضوعات التي تم ذكرها: “السخط الاجتماعي المتعدد، والتعرض للمناطق المهمشة، وإثارة الأزمات لإظهار الأزمات الاجتماعية، التحركات والاضطرابات العرقية في المناطق المهمشة، وإثارة الفوضى في الأحواز ومدن سوسنغرد وشادجان وشوش وشوشتر، وآبادان وخرمشهر وماهشهر وحميديه وباوي وكارون ورامشير، الصراعات المسلحة المتعددة، خلق حالة عدم الأمن في محافظة الأحواز وضواحيها، وجود الفقر والحرمان في مناطق الأحواز المختلفة والمدن، وخاصة المناطق المهمشة والفوضوية، بسط معدل وزيادة إحصاء بعض الاضطرابات الاجتماعية، من جملتها (السرقات المسلحة، الابتزاز، الاغتصاب، القتل، الاختطاف، الاقتتال والاشتباكات في الشوارع) في الأحواز والمدن الكبرى، القضايا، المشكلات والتحركات المريبة على مستوى الفكر والرأي، الثقافة وفي وسائل الإعلام المرئية والمسموعة، تخطيط جماعات المعارضة والمضادة للثورة في الساحات السياسية لاستغلال مجالات السخط والفقر بين العرقيات، ارتفاع معدل البطالة والإدمان بين الشباب في المحافظة، وبخاصة المناطق الفقيرة والمهمشة.
ويبدو أن ما طرح من موضوعات في هذه الخطة يظهر الخوف من انتشار الاحتجاجات بين العاطلين عن العمل والمهمشين في محافظة خوزستان التي تؤمن أكثر من 80 % من النفط والغاز لإيران، وهي واحدة من المحافظات التي اختصت بمعدل مرتفع من العاطلين والمهمشين.
ومن جملة التهديدات والإضرار في الجانب الثقافي السياسي والاقتصادي، تمت الإشارة أيضاً إلى هذه الأمور: بسط مخاطبي القنوات الفضائية في المجتمع المستهدف والتأثر من الاستحثاث العرقي وتغيير المذهب، الدعوة إلى التجزئة والفدرالية عن طريق وسائل الإعلام ومراكز الدعاية والمؤسسات الثقافية في داخل البلاد وخارجها التابعة لعناصر الجماعات المعادية للثورة، عدم تهيئة المجال للاحتجاجات في أشكالها المختلفة القانونية والسلمية، تدمير جزء واسع من الأراضي الزراعية بواسطة نفايات شركات تطوير مصانع قصب السكر.

تزايد التمييز والاضطرابات نتيجة الاستراتيجيات الاجتماعية

يبدو أن ما يذكر تحت عنوان الاستراتيجيات الاجتماعية، لم يكن تعقبه نتيجة سوى الاضطراب وتزايد عدم المساواة. فبعد احتجاجات عام 2005 ميلادي على “تغيير نسيج التركيبة السكانية لمحافظة خوزستان”، أصبح يُرى في كل عام تقريباً الاحتجاجات والتجمعات بخصوص هذا الموضوع في المناطق التي يقطنها السكان العرب، والتي دائماً ما تنتهي بالصدام بين القوات الأمنية واعتقال النشطاء العرب.
وجاء في الطرح الآخر الذي تم نشره لكنه يبدو أنه استراتيجية لحل المشكلات: “توفير الفرص المناسبة لتحقيق الازدهار الاقتصادي لمحافظة خوزستان، وبالتالي زيادة الدخل والثروة لسكانها، تقليل هجرة المتحدثين بالفارسية من أهالي المحافظة، وزيادة الهجرة العكسية إليها من جميع المحافظات والتي على المدى الطويل يمكنها تغيير الديموغرافيا والتركيبة السكانية للمحافظة.
لكن وكأن توفير الفرص المناسبة لتحقيق الازدهار الاقتصادي لمحافظة الأحواز، ليس فقط لم يؤد إلى تزايد الدخل والثروة لأهالي المحافظة، لكنه أدى إلى التهميش وزيادة الفقر.
وتحدث محسن حيدري، عضو مجلس خبراء القيادة، في لقاء مع بعض مسؤولي الأحواز بخصوص هذا الشأن قائلاً: “شركات السكر والنفط جففت الهور العظيم تحت ذريعة المشروعات القومية، وسيطرت على الأراضي الزراعية لضواحي الأحواز ودمرتها، ولم تعط أولوية العمل والاشتغال لأصحاب الأرض، وهذا هو أحد أسباب البطالة. ولو لم يوجد النفط وقصب السكر لما وُجِد اليوم كثيراً من العاطلين والمهمشين. فكلاهما من أسباب زيادة الفقر والبطالة.”
وأشار إمام جمعة طهران المؤقت إلى أن 18 شركة موجودة في الملاشيه وضواحيها، وقال: “إحصاء البطالة هنا أكثر من أي مكان آخر، ونشهد هجوماً للقوى غير الأصليين من العمال والموظفين، وأن الأولوية يجب أن تمنح للسكان الأصليين، وأن هذا الاضطهاد يشكل عقدة. فهذا ظلم صارخ وتمييز غير مقبول”.
وبيّن أن أهالي مدن محافظة خوزستان مثل الملاشيه التي تحيط بها شركات صغيرة وكبيرة كانوا يتوقعون أن معدل البطالة سوف يقل بينهم؛ وهو الشيء الذي حدث عكسه.
وفي هذا اللقاء قال الشيخ ناصر السعدون، من كبار الملاشيه: “المعدل المتوسط سنوياً هو مقتل شخص بالكهرباء، بسبب شفط الماء بالطرق التقليدية. فهل هذا هو جزاء حربنا وتقديم الشهداء منذ حرب الجهاد إلى الحرب المفروضة؟ وهل وجود خمسة في المائة فقط من القوى العربية في شركة النفط مكافأة حربنا وسيرنا في فلك ولاية الفقيه؟ وتحولت شركة قصة السكر من أجل زراعاتنا إلى مرض. فإما أنهم يسلبون أراضينا، وإما أنهم يُملحونها ويعملون على تبويرها”.

إقرار الأمن عن طريق التعذيب

جاء في قسم التهديدات الخاصة بالنواحي الأمنية لمحافظة خوزستان في الخطة التي تم نشرها أن “الدراسات الأمنية للمنطقة، وبالتحديد بحث ودراسة الأولويات الأمنية لمحافظة خوزستان تؤيد هذا الواقع، وهو وجود مشكلتين أمنيتين هامتين هما “القومية والتقسيم” (في السنوات الماضية، وخاصة بعد الثورة)، وظاهرة “تغيير المذهب من التشيع إلى البهائية” (في السنوات الأخيرة)، من أهم سمات ونماذج عدم الأمن والاضطراب في هذه المنطقة، ومن هذا الطريق فإنها ألحقت عواقب وتكاليف ثقيلة جداً على المحافظة والبلاد”.
ولم يكن قلق المسؤولين الإيرانيين من تغيير المذهب وتزايد عدد السكان السُنة محدوداً بهذا الطرح وهذه المحافظة فقط، لكن قبل ذلك، كان أحمد علم الهدي إمام جمعة مشهد وناصر مكارم شيرازي، وهما من مراجع التقليد ورجال الدين المحافظين بالحوزة العلمية بقم قد أعربا أيضاً عن قلقهما ومخاوفهما من تزايد عدد سكان أهل السنة في مدن أروميه وشيراز ومشهد.
وتمت الإشارة في جزء آخر من هذا الطرح إلى عدم إخلاء المحافظة من الجنسيات الأجنبية (خاصة الأفغان) الذين كان أغلبهم من أهل السنة، ومن وجهة نظر من دونوا هذا الطرح، فإن الأفغان الذين يسكنون المحافظة يمكن أن يؤدواً دوراً سلبياً في سيناريو سوريا والعراق والأحواز.
وكان الموقع الإلكتروني “شيعة أونلاين” قد ادعى في عام 1392 (2013) أنه فقط خلال الأشهر الأربع الأولى من نفس ذلك العام قد اتبع 2500 إيراني، فقط في مدينة الأحواز وضواحيها في محافظة خوزستان الوهابية الضالة (المذهب السني)، على حد قولهم.

واستمراراً لهذا المشروع أو الخطة، تمت الإشارة إلى الاحتفاظ بأربعة أضعاف المساجين بأكثر من سعة سجون المحافظة. ووفقاً لما جاء في الخطة، فإن “السعة الفعلية هي حوالي 3400 سجين”، في حين أنه وفقاً للإحصاء الفعلي يوجد أكثر من 14500 سجين في سجون المحافظة.
يقول كريم دحيمي الناشط في مجال حقوق الإنسان في حوار مع راديو فردا: “وفقاً للمشاهدات والدراسات، فإن هذه الخطة جارية التنفيذ حالياً في المناطق التي يسكنها العرب، ويمكن مشاهدة تأثيرها في الأوضاع والمجالات المختلفة”.
ويشير هذا الناشط الحقوقي إلى وضعية المساجين السياسيين العرب، الذين تم إعدامهم خلال السنوات الماضية بتهم مثل “الدعاية ضد النظام” و”العمل ضد الأمن القومي” كأنموذج.
وتحدث الدحيمي عن علي تشبي شاط (كعبي)، خالد موسوي، هاشم شعباني نجاد، هادي راشدي، غازي عباسي، عبدالرضا أمير خنافره، عبدالأمير مجدي، جاسم مقدم بناه، عبدالرحمن حيدريان، عباس حيدريان وعلي شريفي والذين تم إعدامهم منذ خرداد 1391  (2012) حتى الآن.
كل هذه القضايا، وليس جميعها، متعلق بانتهاك حقوق المواطن العربي، بل إنه وفقاً لما ذكره دحيمي، فإنه في تلك السنوات فقد أفراد أرواحهم نتيجة للتعذيب، أو تم إعدامهم في السر، دون أن يحظوا بمحاكمة شفافة وعادلة.

نقلا عن إذاعة زمانه الناطقة بالفارسية

محسن كاركاش
محسن كاركاش
كاتب إيراني في المهجر