تلميحات روحاني للسلام تلقى رواجًا ضئيلًا داخل إيران

بواسطةنويد أحمد

أشار خطاب الرئيس الإيراني حسن روحاني في 17 فبراير 2019م إلى رغبته في عقد السلام مع جيران الجمهورية الإيرانية. وقد صرّح روحاني في مقاطعة هرمزجان بأن «إيران مستعدة للعمل مع دول المنطقة للحفاظ على الأمن في الشرق الأوسط». وقال روحاني في خطاب نقله التليفزيون الحكومي: «نريد إقامة علاقات أخوية مع جميع دول المنطقة». لكنه نفى أن تكون طهران بدأت أي عداء في الشرق الأوسط. ووسط هتافات «الموت لأمريكا» و«الموت لإسرائيل»، حذّر الرئيس الإيراني من أن إيمان دول المنطقة بأن إسرائيل وأمريكا هما الضمان للأمن الإقليمي كان خاطئًا، وجاء ذلك بعد نحو أسبوع من قمة وارسو التي استضافتها بولندا ورعتها الولايات المتحدة. تَلقَّى مراقبو إيران على مستوى العالم الخطاب بتشكيك عندما أثارته وسائل الإعلام. وبما أن الرئيس لجأ إلى خيار ضبط النفس، فإن قادته العسكريين كانوا يفعلون عكس ذلك تمامًا. وفي ردّ فعل غير مباشر على مقتل 27 من قوات الحرس الثوري في إقليم سيستان وبلوشستان، كانوا يهدّدون المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وباكستان بالانتقام.
ووجدت وزيرة الخارجية الهندية سوشما سوراج فرصة للعثور على حليف، وتوقفت في طهران في أثناء عودتها من أوروبا. وقد غرّد مساعد وزير الخارجية الإيرانية للشؤون السياسية عباس عراقتشي بأن إيران والهند عانتا هجومين إرهابيين بشعين في الأيام القليلة الماضية أسفرا عن خسائر كبيرة. وأضاف: «اتفقت في لقائي اليوم مع وزيرة الخارجية الهندية سوشما سوراج على تعاون وثيق لمكافحة الإرهاب في المنطقة. لقد طفح الكيل!». لقد أصبح اقتراح المحادثات موضعًا لمزيد من الغموض بسبب تصريحات المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي الذي نقلت عنه وكالة إيسنا الإيرانية قوله: «قلوب أعدائنا غير النظيفة مليئة بالعداء تجاه الجمهورية الإسلامية… يجب أن لا يخدع الأوروبيون مسؤولينا. لذلك، لا تنخدعوا بالأوروبيين».
يبدو أن دعوة الرئيس حسن روحاني للتقارب مع الدول المجاورة أثبتت صرخة في العراء. ربما لم يكُن السياسي المتمرس يعني ذلك بالطريقة التي وردت بها كلماته خارج البلاد. قد يكون مجرَّد اختبار لدرجة الحرارة السياسية. ولا يمكن أن يكون أبعد عن حقيقة أن الأزمة الاقتصادية الناجمة عن العقوبات التي فرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أثارت غضب الثوريين وزملائه البرلمانيين وأصبحت دعوات استقالته أكثر وضوحًا وانتشارًا.
احتفلت إيران بالذكرى الأربعين للثورة في وقت سابق من العام الجاري، متوقعة الحماسة القومية المتزايدة من خلال سلسلة من التجمعات العامة والفاعليات في مختلف مدن البلاد الكبرى، كما ارتفع سعر صرف الدولار الأمريكي إلى أكثر من 13800 ريال إيراني، بينما استمرت الصادرات والاستثمارات الأجنبية في الانخفاض. بلغت شعبية روحاني ذروتها عند توقيع الاتِّفاق النووي مع مجموعة 5+1 في عام 2015. إن الوضع السياسي في إيران يتطور بسرعة، مع وجود قليل من خيارات التحكُّم في الأضرار مع كلا الجانبين.
وتفيد التقارير بأن الجنرال السابق في الحرس الثوري الإيراني حسن عباسي أخبر تجمعًا سياسيًّا في منطقة كرج بأن روحاني ولاريجاني وظريف سوف يُهانون لإضاعتهم الوقت في الاتِّفاق النووي بمجرَّد مغادرتهم السلطة. وبما أن استقالة روحاني يمكن أن تُدخِل إيران في أزمة أعمق، فإن أساليب الضغط تهدف إلى إبقاء الجيش بعيدًا عن مأزق الغضب الشعبي. وتهدف الحملة بالفعل إلى تحويل اللوم عن الحرس الثوري الذي يمتلك بصمة واسعة في سوء الإدارة الاقتصادية، ومن المحتمل أن يظل روحاني في منصبه إلى حين انتهاء ولايته. إن أي إجراءات نحو خفض التوترات في الخليج أو الحدّ من تدخُّل الحرس الثوري الإيراني في العراق وسوريا ولبنان هي خيارات سياسية باهظة التكلفة للنظام السياسي ورجال الدين الإيرانيين على حد سواء.
وقد ذهب عرض روحاني لإجراء محادثات أدراج الرياح عندما أجريت مناورات بحرية الأسبوع الماضي في مضيق هرمز، وهي الثانية من نوعها في الأشهر الستة الماضية. وفي 24 فبراير الماضي أجرت طهران اختبارًا لأول صاروخ كروز من فتحة طوربيد غواصة. ولا يُعلَن عن مدى الصواريخ وحمولتها عادةً. مع ذلك فإن إطلاق صاروخ كروز من غواصة هو بمثابة دفعة قوية لقدرة إيران البحرية، بخاصة في سياق تهديداتها بإغلاق مضيق هرمز. ومن المقرر أن يكون عام 2019 هو عام البحرية الإيرانية.
يترك هذا الجو المشوّش احتمالات ضئيلة للحوار الأمريكي-الإيراني وحتى الدول الأوروبية التي تتعرض لانتقادات تجاه تقاعسها عن تخفيف معاناة طهران الاقتصادية. وعبّر وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف عن إحباطه في مؤتمر ميونخ الأمني ​​متجاوزًا أي حدود لضبط كلماته، إذ قال إن الآلية المالية «إينستكس» لا توفي بالتزامات «الدول الأوروبية» لإنقاذ الاتِّفاق النووي، وعلى أوروبا أن تكون مستعدة «للبلل إذا أرادت السباحة ضدّ موجة خطيرة من الأحادية الأمريكية». بل وذهب ظريف إلى المقارنة بين علاقات إيران الاقتصادية بأوروبا والصين. وفي ردّ على دعوة نائب الرئيس الأمريكي مايك بينس أوروبا لدعم العقوبات على إيران، قال وزير الخارجية الإيراني: «إذا كانت الولايات المتحدة في سياق معركتها مع الصين ستخبر أوروبا بالتوقف عن التعامل مع الصين، فماذا ستفعل؟ كل ما تريد أن تفعله أوروبا في ذلك الحين تستطيع فعله الآن من أجل منع هذه الاحتمالية».
من غير المرجح أن تؤخذ محاولة روحاني للإغاثة في الخليج أو من الدول الأوروبية على محمل الجدّ إذا استمر الجيش في اختبار تكتيكات جديدة وعقد مناورات استفزازية.


  الآراء الواردة في المقال تعبر عن وجهة نظر كاتبها، ولا تعكس بالضرورة رأي المعهد

نويد أحمد
نويد أحمد
باحث في الشؤون الاستراتيجية