حديث مع ظريف عن سوريا وإدلب

بواسطةمهدي نوربخش

يا سيد ظريف!
في هذه الأيام، تُعِدّ حكومة الأسد نفسها للسيطرة عسكريًّا على منطقة إدلب، إدلب التي تنتظرها كارثة كبيرة وسفك دماء. إن العالَم يتطلع إلى إدلب حاليًّا ليروا إلى أي مدى أنصار الأسد في سوريا مستعدون للعنف وإراقة الدماء باسم الإرهاب، مُظهِرين قسوتهم مرة أخرى لكل الشعب السوري البريء ومواطني هذه الدولة. فيا سيد ظريف! أنت تعلم أكثر منِّي أن إدلب كانت المنطقة السورية الوحيدة التي يتخذها معارضو الأسد ملجأً في أعقاب القصف الروسي العشوائي في مناطق أخرى من البلاد، وقد نجح بوتين والروس من خلال تحويل سوريا إلى شيشان أخرى، والقتل الواسع لشعب هذه البلاد الذي لم يفرِّق بين أحد، في أن يحافظوا على مستبِدِّك «الأسد» من أجل المرشد الإيرانيّ والحرس الثوري، والآن تنتظر إدلب إراقة دماء شعب هذه البلاد بدعمكم، في حين أنك تتوجّه إلى العالَم لتثبت أن قتل الشعب السوري ليس فقط مدعومًا من الحرس الثوري المغامر والعنيف، بل سيكون توقيعك أيضًا قابعًا أسفل هذا العار الدولي.

يا سيد ظريف!

أنت تعلم أكثر مني أن إيران وقفت منذ بداية الحرب الأهلية السورية إلى جانب استبداد الأسد حتى تؤيِّده، وقد أخفيتم الحقيقة عن شعبكم بمبرِّرات مثل «العمق الاستراتيجي الإيرانيّ المعادي لإسرائيل»، و«الدفاع عن الضريح»، و«محاربة داعش»، و«إذا لم نقاتلهم في سوريا فسيأتون إلى طهران»… لقد ذهبتم إلى سوريا حتى تحوِّلوها إلى قاعدة معادية لإسرائيل، وكانت كل المبرِّرات الأخرى مثل أن عملكم في سوريا مقتصر على تقديم الدعم الاستشاري، كانت فقط من أجل خداع الناس.
حين ذهبَت إيران إلى سوريا لم يكُن هناك أي خبر عن الجماعات الجهادية، ذهبت إيران إلى سوريا في نهاية عام 2010، وبعد عام كانت جبهة النصرة أول جماعة إرهابية لتنظيم القاعدة تبدأ نشاطها في سوريا، وبعد عامين من بدء الحرب الأهلية دخلت داعش هذه البلاد بدعوة من جبهة النصرة، وبعد 9 أشهر من بدء الحرب الأهلية في سوريا اقترحت حكومتك على معارضي الأسد لأول مرة أنه بإمكانهم، إذا رغبوا، المشاركة في الحكومة أو حتى الاستحواذ عليها، بشرط بقاء الأسد وفي يده جميع القوات العسكرية، وحتى حين رأيتم أن حكومة الأسد ضعيفة أمام معارضيها، لم تكونوا مستعدِّين لتصبحوا وسطاء منصفين يتحلَّون بالأخلاق، وأردتم أن يتولى معارضوه الحكومة، حتى تقتل الحكومة العسكرية معارضيها بقسوة حالما تشاء.
لقد زعمَت حكومتك أنها ذهبت إلى سوريا لمواجهة التكفيريين والجماعات الجهادية، لكنك تعلم أكثر من أي شخص آخَر أنكم كذبتم على الشّعب، فقد ذهبت إيران إلى سوريا للحفاظ على الأسد وعمقها الاستراتيجي الممزوج بحب المغامرة لمواجهة إسرائيل، وحتى عندما كانت الجماعات التكفيرية تقطع رؤوس شعب هذه البلاد البريء، لم تعُد إلى ضميرك الإنساني لتجدِّد العهد مع شعب هذه البلاد ضدّ الإرهابيين والدواعش مصاصي الدماء، وتشجع حكومة الأسد على دعم الشعب السوري.

يا سيد ظريف!

في عام 2015، بعد أن عجز الحرس الثوري المغامر الخشن عن تحقيق الانتصار على معارضي الأسد بقواته التي جمعها من العراق ولبنان وباكستان، جررتم روسيا إلى سوريا، وجاء بوتين إلى طهران حاملًا قرآنًا مزيَّفًا هديةً للمرشد الذي وصفه بدوره بأنه «قائد استثنائي»، والسبب أن بوتين يرى مثلكم أن مصالحه التوسعية تكمن في الحفاظ على استبداد الأسد في سوريا.
لقد أحضرتموه إلى سوريا لأن الحرس الثوري الذي أوصل الحرب الأهلية في سوريا إلى طريق مسدود كان يحتاج إلى قوات جوية قوية لقتل مواطني هذه البلاد بعشوائية لتتمكنوا من تحقيق الانتصار، ولكنكم ارتكبتم خطيئة أكبر طوال الحرب الأهلية في سوريا، فمع ظهور الجماعات التكفيرية في سوريا وتوسيع مظلة حمايتها للشعب في المناطق المختلفة من البلاد، ساعدتم الجماعات التكفيرية على الحصول على الدعم الشعبي، لا سيما تَقارُب الشباب في سوريا مع آيديولوجيتهم، وعلى غرار الجماعات التكفيرية، وبالتعاون معها أحيانًا، مدّت الجماعات المحلية المعارضة للأسد أيديها للمساعدات الأجنبية، وشمّرت جميع الدول المجاورة بطريقة ما لتوسيع نفوذها في سوريا، فلو كانت دولة مثل قطر في البداية تدعم القوات الداخلية السورية التي كانت تحمل فكر الإخوان المسلمين، فسرعان ما لحقت بها تركيا والدول العربية في المنطقة وأمريكا، في محاولة منها لحفظ مصالحها ونفوذها، وهبُّوا لمساعدة الجماعات الأخرى.
لقد تحولت مشكلة سوريا الداخلية إلى مشكلة عالَمية بسبب افتقار إيران والمرشد والحرس الثوري المغامر إلى الكياسة، فقد أقبل غالبية معارضي الأسد على الراديكالية في المنافسة مع الجماعات التكفيرية، وإن انهيار آخر معقل للمعارضين في إدلب ينتظر بدء هجمات الروس وحكومة الأسد بدعم من إيران، وما تبقى من سوريا هو دولة خرِبة بوجود أكثر من 500 ألف قتيل و12 مليون لاجئ في داخلها وخارجها، وبهذا تمكنت إيران من الحفاظ على استبداد الأسد في خرابة تُدعى سوريا، ولكن هل حقَّقَت أهدافها الأخرى؟.

يا سيد ظريف!

إن الحرس الثوري المغامر الجاهل، والمرشد عديم البصيرة، لم يتعلموا الدرس من الماضي، من الحرب العراقية الإيرانيَّة، لقد ظنُّوا أنهم عندما يدخلون سوريا ويتدخلون، فإن كل دول المنطقة والقوى الأجنبية سوف تجلس تتفرّج على إيران، كان قادة إيران السياسيون يتوهمون أن دول المنطقة والقوى الأجنبية سيسمحون لإيران بالإبقاء على الأسد للحفاظ على أهدافها السياسية، دون دفع الثّمن، ويكشف خطاب المرشد السنوي بمناسبة عيد النيروز، الذي ألقاه هذا العام في مدينة مشهد، عن هذا الانعدام المطلق في البصيرة، فهو يقول إن تَدخُّل إيران في العراق وسوريا ليس من شأن أحد، ولم يكُن مُستبعَدًا صدور مثل هذا الكلام غير المنطقي وغير العقلاني من حيث القوانين الدولية، عن المرشد الذي لا يعلم أن بلاده تواجه نقصًا في حفَّاضات الأطفال بسبب انعدام الموادّ الخام في هذه البلاد، فضلًا عن فقدان الناس قدرتهم الشرائية.
لقد تكبدت إيران في سوريا أكثر من 40 مليار دولار وأكثر من ثلاثة آلاف قتيل، وفي نهاية المطاف تركت تحديد مصير هذه البلاد في يد الروس الذين يخطِّطون لمستقبل إيران في سوريا بتحالفهم مع بعض الدول، ومن خلال سعيهم لتحسين العلاقات مع أمريكا، بعيدًا عن مصالح إيران في سوريا وما يجب أن تكون.
لقد قصفت إسرائيل مرارًا بضوء أخضر من الروس عديدًا من المواقع الإيرانيَّة الرئيسية في سوريا، وما زالت تواصل هذا الأمر حتى الآن، وهم يقصفون المواقع العسكرية السورية بانتظام حتى يبقى الأسد معتمدًا كليًّا على الروس لتأمينه، فقبل أيام قليلة قصفت إسرائيل مطارًا ومركزًا عسكريًّا سوريًّا، وأعلنت حكومة الأسد وأنصارها الأمنيون في إيران أن الانفجار في المركز كان مصادفة، ومع ذلك، هل تعتبر التدخل العسكري الإيرانيّ في سوريا انتصارًا؟.

يا سيد ظريف!

أنت تعلم أكثر من أي شخص أن النفوذ الإيرانيّ يتضاءل اليوم في العراق وسوريا، وأن نفوذ إيران اليوم في سوريا تحت سيطرة روسيا المطلقة، في حين تسعى إسرائيل لطرد إيران من سوريا، وستفعل ذلك في الوقت المناسب وبالتخطيط مع الروس. الروس يسيطرون على إعادة إعمار سوريا، وما دامت إيران في سوريا ولم يُحَدَّد مصير الأسد، فإن المجتمع الدولي سيرفض المساهمة في إعادة إعمار هذه البلاد، إذ تُقَدَّر تكلفة إعادة إعمار سوريا بـ400 مليار دولار كحدّ أدنى، أما الحَدّ الأعلى لها فيصل إلى نحو تريليون دولار (ألف مليار دولار)، في حين أن أيًّا من إيران وروسيا غير قادرة على إعادة بناء سوريا.
إن وضع بلادنا ونطاق نفوذها في العراق أيضًا واضح تمامًا، فلا ترغب الجماعات العراقية المختلفة بدعم الشعب القوي في أن تواصل إيران نفوذها السابق في العراق، وقد هدَّدَت إسرائيلُ بأنها ستقصف صواريخ إيران إذا انتقلت إلى العراق، وإذا ما دخل الحرس الثوري في مغامرة أخرى في العراق، فلا شكّ أنه سيفشل مثل سوريا، فلا العراق ولا سوريا يريدان أن يتحولا إلى ساحة للصراعات الإيرانيَّة مع الدول الغربية، ويجب أن يكون دعم العبادي الضمني للعقوبات الأمريكيَّة ضدّ إيران بمثابة ناقوس خطر لبلادنا.

يا سيد ظريف!

يتوقع مواطنو هذه البلاد منك ومن الحكومة التي تنتمي إليها أن تكونوا صوت العقلانية والمنطق في مشهد السياسة الخارجية للبلاد. إن دعمكم إراقةَ الدماء في إدلب سيضرّ بما تبقى من مصداقيتكم على الساحة الدولية، وعلى الرغم من أن الجماعات التكفيرية قد لجأت إلى هذا الجزء من سوريا، فإن المتوقع أن لا تحرقوا الأبرياء من الشعب السوري بنار جرائم إراقة الدماء والعنف. والآن ينظر العالَم إلى إدلب، فوفِّروا سبل الحلّ السلمي فيها بدلًا من تشجيع العنف؛ لقد أضرّ عنف الحرس الثوري المغامر بمصداقية بلادنا أمام دول العالَم، ويُحتمل أن تستخدم الجماعات التكفيرية أو حكومة الأسد الأسلحة الكيميائية أيضًا في عنف إدلب، ولا شكّ أن أعداء إيران سيستغلون مثل هذه الهجمات سلبًا لتشويه سمعة بلدنا.

يا سيد ظريف!

مؤكَّد أنك تعلم أن أرواح آلاف الأبرياء معرَّضة للخطر في الهجوم على إدلب والقصف العشوائي الروسي لهذه المنطقة، فمن أجل الإنسانية والرحمة والشفقة الإسلامية والعدالة الإنسانية، لا تصبحوا أداة لتنفيذ نية الحرس الثوري الذي سفك دماء أبناء بلده بسبب احتجاجهم على تزوير الانتخابات، ولا تعتقد أن تاريخ الثورة والتدخُّل المُجحِف لقادة بلادنا السياسيين سيقف عند هذا الحدّ. لقد دخلتَ قلوب كثيرين من أبناء بلدك بعد إبرام الاتِّفاق النووي، ولكن تعاونك وتحالفك مع ممارسي الظلم في البلاد سلب وسيسلب منك هذه الشعبية، فعُدْ إلى ضميرك الإنساني، لا إلى السُّلْطة وأفعال الظَّلَمة.

 

مادة مترجمة عن موقع «زيتون»


الآراء الواردة في المقال تعبر عن وجهة نظر كاتبها، ولا تعكس بالضرورة رأي المعهد

 

مهدي نوربخش
مهدي نوربخش
أستاذ العلاقات الدولية في جامعة هاريسبورغ في بنسلفانيا