خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.. وسياستها الخارجية تجاه إيران

بواسطةد.بنفشه كي نوش

ستُعِدّ بريطانيا قريبًا قرار إعادة التفاوض على اتفاق الخروج من الاتحاد الأوروبي، أو الخروج دون اتفاق، إذ تشير الدلائل إلى أن بريطانيا تميل نحو الخروج من الاتحاد الأوروبي دون اتفاق، وذلك سيدفع المملكة المتحدة إلى البحث عن صفقات تجارية مع الولايات المتحدة لتعويض أي خسائر قد تلحق بها في تجارتها مع أوروبا. وتتزامن معضلة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي مع السياسية الوقائية التي تتبعها كل من دول الخليج والولايات المتحدة وبريطانية، لاحتواء إيران بعد أزمة السفن التي دارت مؤخرًا بين لندن وطهران.

للوهلة الأولى قد لا تبدو واضحًا تمامًا كيف سيؤثر خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي على سياستها تجاه إيران، إلا أن الدلائل تشير إلى أن القضيتين مرتبطتان، إذ تدعم واشنطن ما يُعرفُ بـ«البريكست الصعب» أو الخروج الصعب لبريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ولا سيما بعد انسحابها العامَ الماضي من خطة العمل الشاملة المشتركة وإعادة فرضها للعقوبات التجارية على إيران، ولذلك فإنّ خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي قد يدفعها إلى الانسحاب من الاتفاق النووي إذا ما طلبت الولايات المتحدة منها ذلك.

إنّ أيّ صفقة تجارية رئيسية بين الولايات المتحدة وبريطانيا ستتطلب امتثال بريطانيا للسياسات العسكرية والسياسية لواشنطن، لذلك فرغبة إيران بأن تتحاشى بريطانيا أيّ شراكة قوية عبر الأطلسي ليست مستغربة. وإذا كانت المملكة المتحدة تعتمد أكثر على التجارة مع الولايات المتحدة، فسيكون من الصعب على إيران إقناع لندن بالاستمرار في التجارة معها، وهذا قد يزجُّ بالاتفاق النووي إلى مرحلة الموت البطيء، على افتراض أن المملكة المتحدة لن تنسحب منه فورًا.

يريد شركاء المملكة المتحدة في الاتفاق النووي (ألمانيا وفرنسا) الاستمرار في التجارة مع إيران على الرغم من العقوبات الأمريكية. ومع اقتراب المملكة المتحدة من واشنطن، تحاول إيران الإشارة إلى أن المخاطرة بالاتفاق ستؤدي إلى إشعال توترات.

استولت إيران على سفينة «إم في مسدار» التي ترفع علم ليبيريا وتديرها بريطانيا، وناقلة النفط «ستينا إمبيرو» التي ترفع العلم البريطاني في الخليج العربي، بتاريخ 19 يوليو 2019. وجاءت عمليات الاستيلاء عليهما بعد أن اعترضت سفينة بريطانية ناقلة النفط الإيرانية «غريس-1» قبالة جبل طارق التي كانت تحمل مليونَي برميل من النفط.

وقد حذر خبراء السياسة الإيرانيون من أنه ينبغي على لندن تجنب ارتكاب أيّ خطأ استراتيجيّ من خلال التورط في أزمة الناقلات، والإفراج عن الناقلة «غريس-1» وفقًا لمخالفات الملاحة. وقد وصلت الأزمة إلى ذروتها بعد أن رفض وزير الخارجية البريطاني دومينيك راب في البداية اقتراحًا بتبادل الناقلات مع إيران. وقد تحدَّت سلطات جبل طارق الجهود التي بذلتها الولايات المتحدة الى اللحظة الأخيرة للاستيلاء على «غريس-1» وأعيدت الناقلة إلى إيران في 15 أغسطس 2019.

ودفعت أزمة الناقلات المملكة المتحدة إلى اتخاذ إجراء ضد إيران، إذ رفضت لندن في البداية عرضًا أمريكيًّا لحماية السفن البريطانية في مياه الخليج العربي، لكنها دعت بعد ذلك إلى تحالف من البعثات البحرية بقيادة أوروبا لضمان سلامة الملاحة في الخليج العربي. وعندما أعربت بعض الدول الأوروبية عن دعمها، تخلت لندن عن اقتراح واشنطن بالانضمام إلى تحالف بحريّ بقيادة الولايات المتحدة لضمان الأمن البحري في الخليج العربي.

وهناك علامات أخرى تشير إلى أن لندن ضاقت ذرعًا بإيران، إذ شاركت تيريزا فيليرز التي عُيِّنَت في حكومة رئيس الوزراء بوريس جونسون كوزيرة للبيئة، وانتُخبت مرتين في البرلمان البريطاني في المسيرات التي قامت بها جماعة مجاهدي خلق الإيرانية المعارضة.

ومنذ بداية هذه التطورات قلقت إيران من خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. ويمكن أن يؤدي ما يُسمى بـ«البركست الهادئ» إلى انضمام لندن إلى آليات الاتحاد الأوروبي المالية للتجارة مع إيران. كما أنّ المواءمة مع موقف الاتحاد الأوروبي بشأن إيران ستسمح أيضًا للندن بالدفع نحو اتفاق خروج بريطانيا مع أوروبا مقابل التزامها بالحفاظ على الاتفاق النووي قائمًا. إنّ الخروج الصعب لبريطانيا من الاتحاد الأوروبي قد يدفعها إلى التقارب مع واشنطن في ضغوط الأخيرة لعزل طهران.

لا ترى طهران أن لندن ترغب في دعم مزيد من العقوبات عليها، بل تعتقد أن لندن تضغط عليها لاستمالة واشنطن من أجل التفاوض على صفقات تجارية أفضل بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، لكن لندن قد تقرر عدم الانسحاب من الاتفاق النووي، إذا لم تستطع الولايات المتحدة أن تقدم لها سوى صفقات تجارية مجزأة. وتتشبث طهران بالأمل في أن يرى رئيس الوزراء البريطاني جونسون أن الولايات المتحدة تسعى للحصول على أقصى قيمة من المملكة المتحدة للتوصل إلى اتفاق تجاريّ. والجدير بالذكر هنا أن زيارته إلى إيران عندما كان وزيرًا للخارجية في عام 2017 لم تسفر عن أي نتائج ملموسة، ولا سيما عندما أكدت طهران أن المملكة المتحدة لم تنفذ الاتفاق النووي ولم تتمسك بالتجارة مع إيران.

يمتلك رئيس الوزراء البريطاني جونسون خيار تجاهل الاتفاق النووي وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي من دون صفقة، وإبرام تفاق تجاري مع الولايات المتحدة، إلا أن عليه الأخذ بالحسبان عدة عوامل، إذ لا يُعتبَر خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي خطوة سهلة حتى لو وعد الرئيس ترامب بتعزيز العلاقات التجارية عبر الأطلسي بمضاعفة التجارة بمقدار أربعة أضعاف، ولا سيما أن الكونغرس الأمريكي قد يرفض هذه الصفقات التجارية نظرًا إلى سياسة واشنطن الحزبية.

إنّ حماية الاتفاق النووي والعمل على الخروج الهادئ لبريطانيا من الاتحاد الأوروبي قد يكون الخيار الأول لرئيس الوزراء البريطاني جونسون، ويمكن أن يحظى هذا النهج بالدعم، خصوصًا إذا فاز الديمقراطيون في أمريكا، الذين تعهدوا بإنقاذ الاتفاق النووي، بالسباق الرئاسي الأمريكي المقبل في عام 2020. وفي حالة إبرام الرئيس الأمريكي اتفاقًا خاصًّا مع إيران خلال هذه الفترة، فالخيار الثاني لجونسون سيكون أن تُبقي المملكة المتحدة خياراتها التجارية مفتوحةً مع طهران.


الآراء الواردة في المقال تعبر عن وجهة نظر كاتبها، ولا تعكس بالضرورة رأي المعهد

د.بنفشه كي نوش
د.بنفشه كي نوش
خبيرة في الشؤون الإيرانية والشؤون الخارجية