خطاب خامنئي السنوي.. رد فعل نفسي على انعدام الأمن الشخصي

بواسطةرضا حقيقت نجاد


كان خطاب خامنئي بمناسبة بدء العام الإيراني الجديد، الذي ألقاه في مشهد بتاريخ 21 مارس الحالي، من وجهة نظر السياسة الخارجية الأكثر غضبًا من بين جميع خطاباته التي ألقاها خلال العقد الأخير، فكما هو المعتاد وصف خامنئي قادة الولايات المتحدة بـ «الحمقى من الدرجة الأولى» وعدَّ الدبلوماسيين الغربيين يملكون «باطنا وحشيّا»، وعدّ الأوروبيين «خونة» و«خبثاء» و«أوغاد» يطعنون الآخر من الظهر، وأما السعودية فرأى أنها «الأسوأ» وأنها «فاسدة» و «ظالمة» و«عميلة».

لم ينسَ خامنئي أن يدعو الناس إلى «دفع تكاليف» العقوبات، وقال إنَّ العقوبات فرصة، وأنَّ نظرة بعض المسؤولين تجاه الغرب قد تغيرت، وأنَّ البرنامج الصاروخي لن يكون أداة للضغط على إيران، وأنه لا تفاوض حول هذا البرنامج، وذلك لكي يُظهر من نفسه «العزم» على المقاومة وعدم المرونة، كم أنَّ لنمطه الاقتصادي خصائص بسيطة ويمكن تحديدها، فبرنامجه العام «وقائي»، وهدفه إيجاد «الرّدع»، ونمطه المناسب هو «البرنامج الصاروخي»، و«اقتصاد المقاومة» هو الحلّ.

يقول خامنئي إنَّ إيران القائمة على «البرنامج الصاروخي» في مجال «القدرات الدفاعية» نجحت بأن تنتقل من مرحلة «الوقوف مكتوفة الأيدي» إلى مرحلة لا تحتاج فيها إلى «الاستيراد»، وتحولت صواريخها «الدقيقة» إلى «قبضة قوية» للنظام و«قوة الرّدع» في وجه «هجوم العدو»، ويرى أن حركة إيران في هذا المجال هي نتيجة العقوبات التي فُرضت عليها في مجال التسليح إبان حربها مع العراق، ويقول إنَّ هذه العقوبات أدّت إلى نمو «القدرة العلمية والعملية»، ويمكن تطبيق مثل هذا النمط في المجال الاقتصادي من أجل إفشال «الحرب الاقتصادية».
يؤكد خامنئي في قضية تطبيق هذا النمط بشكل أساس على «اقتصاد المقاومة» ومحوره «الإنتاج الداخلي»، وقد كان موضوع «الاقتصاد» و«اقتصاد المقاومة» أساسًا في إطلاق خامنئي الأسماء على السنوات الإيرانية خلال العقد الأخير، وهذه هي المرة الرابعة التي يولي فيها «الإنتاج الوطني» أهمية عند إطلاقه التسميات، إذ أطلق على عام 1391 هجري شمسي (21 مارس 2012-21 مارس 2013) اسم عام «الإنتاج الوطني، ودعم العمل ورأس المال الإيراني»، وقال إنَّ عام 1396 (21 مارس 2017-21 مارس 2018) هو عام «اقتصاد المقاومة، والإنتاج، وفرص العمل»، وأعلن عن عام 1397 (21 مارس 2018-21 مارس 2019) أنه عام «دعم السلع الإيرانية»، وبعبارة أدقّ فقد ركّز خامنئي حتى الآن ولثلاث سنوات متتالية على «الإنتاج المحلي» و«السلعة الإيرانية».
إنَّ المخاطَب بالدرجة الأولى في هذا الجانب، مخاطَبٌ خاصّ بالطبع، وهو الحرس الثوري والبسيج، فقد صرح قادة الحرس الثوري والبسيج خلال العام الماضي بأنَّ خط المعركة الأول الذي كان سوريا في السابق، أصبح الآن الإنتاج الداخلي، والوضع الذي يمكن توقّعه للأشهر المقبلة منذ الآن هو أن أغلب المشاريع في قطاع الزراعة والمواشي والصناعات التحويلية سوف تكون من نصيب الحرس الثوري والمؤسَّسات التابعة له، بالطبع في ظاهره تعاون مع الحكومة، ولكن الحقيقة هي أن ما يوازي تصريحات خامنئي هذه من وجهة نظر القطاع الخاص في إيران القول إنَّ «إفلاس الوحدات الإنتاجية والمصانع» هي أهم قضايا الاقتصاد الإيراني، فعلى سبيل المثال في نهاية عام 1391 (أوائل مارس 2013) الذي أُطلق عليه اسم «الإنتاج الوطني»، أُعلن رسميًا عن أن هذا العام شهد طرد أكثر من 100 ألف عامل إيراني، وإغلاق 10 آلاف وحدة إنتاجية، وأن 8 آلاف وحدة أخرى تمر بأزمة، ووصل معدل التوظيف في قطاع الصناعة والتعدين إلى سالب 36%.
من الممكن أن يقول بعضهم إنَّ هذه الأمور سببها أداء حكومة أحمدي نجاد، لكن بمشاهدة الأخبار طوال الأشهر الستة الأخيرة نرى أن التحذير من «تسونامي إفلاس الوحدات الإنتاجية» كان يتصدر العناوين، وبشكل أدق، في 27 يناير 2019 صرح رئيس اللجنة الخاصة بدعم الإنتاج في البرلمان، حميد رضا فولادكر، قائلًا: «ثلث الشركات الاقتصادية الصغيرة غير ناشطة وتعاني من الركود»، وأنَّ «ما تبقى يعمل بأقل من طاقته».
بناءً على هذا، إذا اعتبرنا أن هذه التصريحات وهذه الإحصائيات التي يعلن عنها المسؤولون الرسميون هي الأساس، وتتبعنا نتائج شعارات العامين الماضيين حول الإنتاج المحلي، سنرى أنَّ ما نحن مقبلون عليه هي تجربة «فاشلة بجميع المقاييس» خارجة عن سيطرة الحكومة، ولكن لماذا لا ينتهِ خامنئي عن إطلاق الشعارات والأسماء على الرغم من الإحصائيات المعلنة، والتحذيرات التي يطلقها محللو الاقتصاد والتقديرات الدقيقة والسريّة بشأن أوضاع الإنتاج المحلي في الإيران خلال العامين الأخيرين؟
هناك احتمال شائع يقول إنَّ السبب يمكن أن يعود لمقدار إدراك خامنئي عمقَ وأهمية «التهديد» القائم، فهو اليوم أكّد أيضًا على أنَّ أهم أولوية ومشكلة هي «الاقتصاد»، وهو يعي تعقيدات الحرب الأمنية والتهديدات الإقليمية والمشكلات الثقافية والاجتماعية والفجوة السياسية المحلية، ولكنه يعلم أنَّ «التهديد الاقتصادي» هو العنصر الأقوى الذي بإمكانه أن يُفقد قادة النظام سيطرتهم على أدوات وميدان اللعبة.
من هذا المنطلق، وفي خضم هذه الأزمة المعقدة والمؤثرة، فإنَّ استمرار التركيز على الاقتصاد «دعاية» متعددة الأغراض، فهي على مستوى الرأي العام الداخلي تُظهر أن ما يُقلق خامنئي ليست حرب السلطة واختلاق الأعداء، وإنما «معيشة الناس»، كما أنها تزيد من الضغوط على الحكومة كونها السلطة التنفيذية، فضلًا عن أنها مادة يلوكها من أجل مواجهة «حرب العدو النفسية».
في الحقيقة، لا يملك المرشد أي حل عملي ومؤثر يقوم على البنى التحتية والإمكانيات المتاحة والمؤثرة في حلّ الأزمة التي شأنها إبقاء خيوط اللعبة في يده من منظور علم الاقتصاد والإحصائيات الاقتصادية، وما يملكه هو برنامج دعائي شخصي وواضح، وهذا أسلوب بسيط يستخدمه الكثيرون حتى في كثير من تفاصيل حياتهم اليومية، فليس المهم ما ستكون نتيجة الشجار أو التحدي، ومن هم المنتصرون أو المتضررون، وكم ستكون الحلول عملية وفي متناول اليد، بل الأهم هو أن تبقى صورتك بوصفك إنسانًا عاقلًا، ومتمكّنًا، ومقتدرًا، ورحيمًا، أو أي صفة إيجابية أخرى تحبّها، وأن لا تُشوَّه هذه الصورة، وهذه رغبة «أنانية» لكن من الممكن أن تكون مُرضية.

يواجه خامنئي منذ عشرين عاما مضت شعورًا بانعدام «أمن المكانة» على صعيد السياسة الداخلية والأجواء الدولية
بالتأكيد يعلم الكثيرون منكم أن الشخص الأنانيّ لديه الكثير من «الآمال التي لم تتحقق»، والتي تسبب له شعورًا بانعدام الأمن الفكري، لذا نراه دائمًا يسعى للسيطرة على هذا الشعور مُبديًا «ردود فعل نفسية»، ومن أجل فهم إصرار خامنئي العجيب على الشعارات المكررة عديمة الفائدة، يجب أن ندرس الموضوع من منظور «ردّ الفعل النفسي» لا «البرنامج السياسي» أو «القلق الاقتصادي».
يواجه خامنئي منذ عشرين عاما مضت شعورًا بانعدام «أمن المكانة» على صعيد السياسة الداخلية والأجواء الدولية، وكلما ازدادت حدة هذا الشعور وواجه خوفًا وتهديدًا أكبر، كلّما كان «ردّ فعله النفسي» أقوى وكان أكثر إصرارًا ووضوحًا، لكي يحافظ على صورته العظيمة، وهذا الإصرار كان سببًا في أن يتحول خطابه السنوي الذي كان من المفترض طبق العادة أن يكون إستراتيجيةً في وضع السياسات وتنفيذها، إلى كلمة عاطفية ومكررة ومُبتذلة، لا يمكن حتى إنتاج أي مادة دعائية حولها إلا بشقّ الأنفس.

مادة مترجمة عن موقع راديو فردا


  الآراء الواردة في المقال تعبر عن وجهة نظر كاتبها، ولا تعكس بالضرورة رأي المعهد

رضا حقيقت نجاد
رضا حقيقت نجاد
باحث سياسي