نظرة إلى موازنة إيران للعام الجديد

بواسطةهاشم باروتي

يعتبر معظم الاقتصاديين عام 1398 (21 مارس 2019-21 مارس 2020) أصعب عام على الإدارة الاقتصادية في إيران، وستكون ظروفها أصعب وأكثر تأزمًا قياسًا بسنوات الحرب الإيرانيَّة-العراقية، فبعد انطلاق المرحلة الجديدة من العقوبات النِّفْطية والمصرفية الأمريكيَّة والمسايرة الضمنية لأوروبا معها، أصبح لهذه الموازنة ميزتان أساسيتان: أولًا تحديد سعر الدولار بثمانية آلاف تومان، وثانيًا زيادة الرواتب والأجور بنسبة 20%، وَفْقًا لما سمعناه.
بعد انطلاق المرحلة الثانية من العقوبات النِّفْطية والمصرفية الأمريكيَّة ومسايرة أوروبا الضمنية لها، سيصبح أداء الحكومة في نطاق الاقتصاد الكلي، شاقًّا جدًّا ومحفوفًا بالمخاطر، لهذا صيغت الموازنة وَفْقًا للظروف الحساسة جدًّا للبلاد، وتستطيع أن تؤثر كثيرًا على الظروف المعيشية للناس، لا سيما المجتمع العمالي الذي يأمل زيادة الرواتب والأجور ليحل بعض مشكلاته، وتجري حاليًّا مفاوضات ومساومات بين ممثلي الحكومة وأصحاب العمل والعمال، ويبدو أن وضع رواتب العمال وأجورهم سيتحدد قريبًا، وستتراوح زيادتها بين عشرين وثلاثين في المئة.
علاوة على موضوع حل مشكلة رواتب العمال والموظفين، تبقى هناك مشكلة أخرى ستثير أزمة أكبر للحكومة، هي الوضع المتأزم والفوضوي لصناديق التأمين الوطنية، فوَفْقًا للإحصاءات الصادرة فإن مؤسَّسة التأمين الاجتماعي وصناديق التقاعد مفلسة فعلًا، ولا تزال الحكومة تؤجّل دفع التزاماتها المالية لهذه الصناديق، وهذا يمكن أن يؤثر على الوضع المعيشي للمتقاعدين في إيران.
وتفيد الإحصاءات الرسميَّة بأن حصة النِّفْط من النفقات الجارية، التي شهدت انخفاضًا خلال السنوات الماضية، تصاعدت منذ عام 2017، وارتفع مرة أخرى اعتماد الموازنة على الموارد الخاصَّة بالمصادر النِّفْطية والأحفورية، فالسياسات الاقتصادية لحكومة روحاني في العام المقبل، التي تكررها الحكومة كل عام، هي: تعبئة إمكانيات البلاد في عرض السلع والخدمات العامَّة، والاهتمام بالانضباط المالي في الموازنة، وإصلاح النِّظام الإداري بغرض زيادة الكفاءة وتقليص حجم الحكومة، وتقوية وزيادة الإنتاجية للشركات الحكومية والمصارف والمؤسَّسات الربحية التابعة للحكومة، وتجهيز المصادر غير النِّفْطية العامَّة، وتنظيم خطط ملكية الأصول الرأسمالية، وإعداد موازنة قائمة على الأداء.
لكن النمو الاقتصادي السلبي هو الذي سيقيد أيدي الحكومة خلال العام المقبل، فهي فعلًا حتى في أحسن الحالات بعد توقيع الاتفاق النووي وإعلانها نموًّا نسبته 4%، لم تستطع أن تضع المشروعات العمرانية كقضايا تنموية هامة في ميزانيتها، ولم توجِّه إيرادات بيع النِّفْط الخام نحو سوق العقارات وأسواق النقد والمال، بل ومن أجل الهروب من التضخُّم وإحالته إلى المستقبل، لم تستطع إحياء قطاع الإنتاج وتحديثه، إذ شهدت المعامل والورش والمصانع المتوسطة والصغيرة في فترة روحاني ركودًا مشفوعًا بالتضخم والبطالة كذلك الذي ساد إبّانَ حكومة أحمدي نجاد.
من جهة أخرى، أدَّى ارتفاع التضخُّم الناجم عن تذبذبات أسعار العملة الصعبة إلى إيجاد مشكلات كالنقص في الموارد ورأس المال المتداول لإنتاج المواد الخام، فوَفْقًا لتوقعات المؤسَّسات الدولية والمحلية ومنها صندوق النقد الدولي ومركز دراسات البرلمان الإيرانيّ، ستشهد إيران ركودًا ونموًّا سلبيًّا في مختلف القطاعات الاقتصادية، من جهة أخرى كانت الحكومة تأمل في زيادة نسبة الإيرادات الضريبية إلى حدّ ما، وهي تصر على هذا الأمر في موازنة 2019، لكن للأسف ستضاعف هذه السياسة الحكومية من الضغوط الناجمة عن الضرائب على المؤسَّسات الاقتصادية التي تمثل القطاع الحقيقي والشفاف للاقتصاد الإيرانيّ، وستكون بمثابة رصاصة الرحمة لهذه المؤسَّسات، إذ تنوي الحكومة رفع حصة موازنة 2019 من الإيرادات الضريبية بنسبة 20%.
ويرى بعض الخبراء أنه يمكن توقُّع زيادة الضرائب بنسبة 20% في لائحة الموازنة وَفْقًا لنسبة التضخُّم، لأن زيادة التضخُّم ستجعل من الممكن الحصول على دخل جيد من قطاع ضريبة القيمة المضافة، ومع ذلك فإن نسبة هذا النوع من الضرائب إلى الناتج المحلي الإجمالي GDP منخفضة.

سعر الدولار في لائحة موازنة 2019
طرح المسؤولون بعض المتغيرات في موازنة عام 2019، إذ أعلن الرئيس الإيرانيّ حسن روحاني في زيارته لمحافظة أذربيجان الغربية أن سعر الدولار لشراء السلع الأساسية للسنة المقبلة سيظل ثابتًا عند 4200 تومان كما هو هذا العام، وأن آراء أخرى مطروحة لتحديد سعر الدولار للاستخدامات الأخرى، وأحد المقترحات هو تحديد معدَّل لسعر4200 تومان وسعر نظام “نيما” أو نظام تداول العملات المتكامل، لكن آخر الأخبار تفيد بتحديد سعر 8000 تومان للدولار الواحد، وهذا يعني أنه من المتوقع أن يبلغ معدَّل التضخُّم في عام 2019 نحو 60% قياسًا بالعام السابق له، وتُظهِر المؤشّرات أنهم لم يحددوا حتى الآن حجم صادرات النِّفْط وسعره، وسعر الدولار للاستخدامات الأخرى، وحصة صندوق التنمية الوطنية، ونسبة الإيرادات الناتجة عن تطبيق قانون ترشيد الدعم الحكومي في الفقرة 14 من لائحة الموازنة.

حجم صادرات النِّفْط في الظروف الناجمة عن العقوبات
يفيد بعض التكهنات بأن حجم صادرات النِّفْط سيتراوح بين مليون و1.5 مليون برميل بسعر 60-65 دولارًا للبرميل الواحد. الخيار الأرجح أن إيران ستصدِّر مليون برميل نفط بسعر 60 دولارًا للبرميل الواحد، وبالطبع كل هذا مجرَّد تكهنات، والظروف الناتجة عن العقوبات النِّفْطية والمصرفية في عام 2019 تسير بشكل يُحتمل معه مواجهة وضع أسوأ في مجال تصدير النِّفْط الإيرانيّ واسترجاع عائدات ذلك من العملة الصعبة، رغم إعلان الحكومة المتكرَّر بأننا لا نواجه مشكلة في بيع النِّفْط، لكن يبدو أن هذه التصريحات ليست سوى مخادعة سياسية، وإحدى خطط الحكومة التي يهمس بها روحاني هي زيادة سعر البنزين والطاقة، ويمكن لهذا عمليًّا أن يقلِّل قلق الحكومة إلى حدّ ما.

ما توقُّعات سعر العملة الصعبة في العام الإيرانيّ المقبل؟
في رأيي خفضت الحكومة سعر الدولار كي تنظم ميزانيتها لعام 2019 على أساس سعر ٨ آلاف تومان للدولار الواحد، ولكن بعد عرض الموازنة على البرلمان ستشهد أسعار العملة الصعبة ارتفاعًا، وستواجه هذه الأسعار تغييرات عديدة في الأسواق الرسميَّة وغير الرسميَّة، لكن سيكون تأثير زيادة سعر العملة الصعبة على التضخُّم ونمو السيولة النقدية في العام المقبل بمثابة الإعلان عن إفلاس اقتصادي عظيم.
بلغ حجم نموّ السيولة النقدية في 2017 نسبة 22.1%، ووصل إلى 1530 ألف مليار تومان (364 مليارًا و285 مليون دولار)، وشهدت القاعدة النقدية أيضًا نموًّا بنسبة 19.1% في العام الماضي، وبلغت 214 ألف مليار تومان (50 مليارًا و952 مليون دولار)، وبالنظر إلى أن السيولة هي في الأساس متغير اسميّ، ولدراستها بشكل أدقّ ينبغي أن تُقارَن نسبة هذا المتغير بمتغيرات أخرى مثل نسبة الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية، فوَفْقًا لتقارير البنك المركزي الإيرانيّ وصل حجم الناتج المحلي الإجمالي في نهاية عام 2018 إلى 1480 ألفًا و710 مليارات تومان (354 مليارًا و71 مليون دولار)، وبعملية حسابية بسيطة يمكن أن نفهم أن السيولة النقدية في عام 2017 الذي لم يشهد أزمة للعملة الصعبة كما هي الآن، تجاوزت حجم الناتج المحلي وبلغت نسبتها 103.3%.
من أهمّ أسباب تجاوز السيولة النقدية للناتج المحلي الإجمالي استمرار الآثار التضخمية لنمو السيولة في السنوات الأخيرة، ولارتفاع أسعار الفائدة على الودائع البنكية، لم يتحول معظم السيولة النقدية إلى طلب، ولم تؤدِّ هذه السيولة النقدية إلى تغيير المستوى العامّ للأسعار ونموّ الناتج المحلي الإجمالي الاسمي، وتظهر نظرة إلى نسبة السيولة النقدية مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي أنها ارتفعت من 63.2% في عام 2012 إلى 103.3% في العام الحالي بزيادة بلغت نسبتها 40.1%، وهذا الأمر يحدث لأول مرة خلال العقود الأخيرة في الاقتصاد الإيرانيّ.
فوَفْقًا للإحصاءات الأخيرة للبنك المركزي الإيرانيّ بلغ حجم السيولة النقدية في يناير 2018 نحو 1463 ألف مليار تومان (348 مليارًا و333 مليون دولار)، إذ شهد نموًّا شهريًّا بمعدَّل 106%، وعلى هذا بلغ حجم السيولة النقدية حتى أوائل عام 2018 أكثر من 1500 ألف مليار تومان (357 مليارًا و142 مليون دولار)، وإذا فرضنا أن معدَّل نسبة النمو السنوي للسيولة النقدية 20%، فسيصل حجمها في الاقتصاد الإيرانيّ خلال العام الجديد إلى مستوى 1800 ألف مليار تومان (428 مليارًا و571 مليون دولار).
بعبارة أخرى، إذا استمرّ الأمر في العام المقبل على ما هو عليه، فستدخل سيولة نقدية جديدة بحجم نحو ٤٠٠ ألف مليار تومان (95 مليارًا و238 مليون دولار) إلى الأسواق، وهذا الحجم من السيولة مدعاة للقلق حتى على الورق، وينبغي اتخاذ سياسات مناسبة لكبحه، وإذا لم يتم ذلك فسيتحول إلى عواصف هائجة تؤدي إلى فوضى في الاقتصاد الإيرانيّ.
إن 88% من هذه السيولة موجودة في الوقت الحالي على شكل ودائع طويلة الأجل في البنوك، و12% منها فقط تدور في الاقتصاد على شكل أوراق نقدية ومسكوكات وودائع جارية، وأحد أسباب السيطرة على معدَّل التضخُّم هو انخفاض حجم الأوراق النقدية والعملات في الاقتصاد، لكن إذا اهتز هذا التوازن لأي سبب في العام الإيرانيّ المقبل، فلا يمكن حينها التحكم في معدَّل التضخُّم بالأدوات الحالية.
الأمر الآخر هو نمو موازنة العام المقبل مقارنة بالعام الحالي بنسبة 41%، والسبب ليس نموّ الإيرادات، بل إلى انخفاض قيمة العملة الوطنية، وبالنظر إلى الدولار الذي يعادل ثمانية آلاف تومان، يمكننا القول إنه لم يُضِف أي شيء إلى مبالغ الموازنة رغم زيادة سعر الدولار فيها، والمسألة الأخيرة أنه إذا أدَّى الضغط الاقتصادي إلى بيع الأصول، فستؤدِّي ضغوط العرض على المدى القصير في قطاع العقارات والذهب والودائع على سبيل المثال إلى انخفاض الأسعار، ولكن هذا سيضغط بشكل متزايد على الحكومة في نطاق استهلاك السلع الأساسية.
أنا أتصور أن سعر الدولار الذي اقترحه جهانغيري [نائب الرئيس روحاني] لتوفير السلع الأساسية سينتهي العمل به عاجلًا، وفي هذه الحالة إذا أرادت الحكومة أن توفر السلع الأساسية بسعر 8000 آلاف تومان للدولار الواحد، فسيبدو توقعي لتضخم نسبته 60% متفائلًا ومثيرًا للضحك، إذ علينا حينها أن نتوقع تضخُّمًا يتكون من ثلاثة أرقام.
كذلك فإيرادات السُّلْطة والحكومة من بيع الوقود وتهريب النِّفْط والذهب وغيرها، لا يمكن أن تكون كبيرة بحيث تنقذ الحكومة من الانهيار، ومن المحتمل أنها ستخفف الضغوط بنسبة 20-30% فقط، وفي أفضل الحالات، فضلًا عن التزام الاتِّحاد الأوروبيّ بشراء مليون برميل نفط، يمكن لإيران أن تبيع نحو 300-400 ألف برميل إضافية، وفي مثل هذه الحالة يمكن التكهُّن بأن تتخذ الحكومة سياسات أكثر انكماشًا في مجال الصحة والعلاج والتعليم والإنتاج وغيرها، وهذا سيؤدي فعلًا إلى الاستياء العامّ في البلاد، وفي رأيي أن الجمهورية الإسلامية في هذه الظروف، التي يصفها البعض بالعادية والطبيعية، باتت منهارة اقتصاديًّا على الورق، إلا إذا سارعت مخلوقات من عالَم الغيب إلى نجدتها.

مادة مترجمة عن موقع زيتون


  الآراء الواردة في المقال تعبر عن وجهة نظر كاتبها، ولا تعكس بالضرورة رأي المعهد

هاشم باروتي
هاشم باروتي
باحث اقتصادي