من الحرب إلى التقسيم «تحولات الميدان ومأزق التسوية في قطاع غزة»

https://rasanah-iiis.org/?p=38540

بواسطةد. حسين الديك

لم تُعلن إسرائيل الحرب على قطاع غزة، وتدخل في حرب لمدة عامين كاملين، وتتكبد الكثير من الخسائر المادية والبشرية، في أطول حربٍ في تاريخ الدولة العبرية، لتأتي بعد ذلك وتخرج من قطاع غزة وتقول للفلسطينيين «هذا عرشك فاستلمي»، من يعتقد أن ذلك سوف يحصل، فهو بعيدٌ جدًا عن الواقع، وهذا الأمر أصبح من ضروب الخيال، إضافة إلى ذلك، فإن ما يعزِّز بقاء السيطرة الإسرائيلية على قطاع غزة، تلك التطلعات الكبيرة لدى اليمين القومي الإسرائيلي، نحو الاستيطان في قطاع غزة، بوصفه جزءًا لا يتجزأ من أرض الميعاد، وقد ظهر هذا جليًّا وبصورة لا تقبل التأويل، ولأول مرة في تاريخ دولة إسرائيل، البعد الديني وتوظيف الدين في تلك الحرب من قبل المؤسسة السياسية والعسكرية الإسرائيلية، وحتى في تصريحات المسؤولين الإسرائيليين.

فقد ظهر بكل وضوح أن خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن قطاع غزة، تواجه تعقيدات متزايدة، تجعل مستقبلها غامضًا وهشًّا، في ظلِّ تضارب المواقف الإسرائيلية وشروط حركة «حماس»، إضافة إلى مستجدات إقليمية ودولية، تؤثر في مسار الاتفاق ومآلاته المستقبلية، وما يؤكد ذلك التصريحات العلنيّة الصادرة عن قيادات حركة «حماس»، والتي تُشدّد على رفض نزع السلاح من جانب، ومن جانب آخر تبحث عن مسار سياسي، يضمن بقائها وسيطرتها فيما تبقى من قطاع غزة، ومن هنا فإن تصريحات خليل الحية، القيادي في حركة «حماس»، والتي أكد فيها على رفض الحركة نزع سلاحها بأي وسيلة كانت، هو بمثابة تحدٍ لخطة الرئيس ترامب، وفشل تنفيذ ما يُعرف بالمرحلة الثانية من الخطة، إضافة إلى ذلك، فإن تصريحات خالد مشعل، حول رغبة الحركة في  فتح حوار مع الإدارة الأمريكية، والاستعداد لهدنة طويلة الأمد مع إسرائيل، تؤكد بكل وضوح عن تمسك «حماس» بسلطتها في قطاع غزة، وعدم رغبتها في مغادرة الحكم والانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة الرئيس ترامب.

أما على الجانب الآخر، فإن إسرائيل لازالت تتمسك بموقفها وبقاء سيطرتها على ما يُعرف بالخط الأصفر، وعدم انسحابها إلا بعد نزع سلاح «حماس»، وفي حالة عدم نزع السلاح من أية جهة دولية؛ فإن إسرائيل على استعدادٍ تامٍ للقيام بتلك المهمة، إضافة إلى تصريحات رئيس هيئة الأركان الإسرائيلية، ايال زامير، التي أكد فيها بأن الخط الأصفر أصبح يُمثّل الحدود الجديدة لقطاع غزة مع دولة إسرائيل.

أصبحنا اليوم أمام واقع جديد في قطاع غزة، يتمثَّلُ في تعقيداتٍ مركبة من كلا الجانبين، تحولُ دون تنفيذ خطة الرئيس ترامب، وهذه التعقيدات تنقسم إلى شقين أساسيين، الأول: يتمثَّل في موقف الحكومة الإسرائيلية الرافض للانسحاب الكامل من قطاع غزة إلى ما وراء “الخط الأصفر”، والعودة إلى حدود ما قبل السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023م، والثاني: مرتبطٌ بموقف حركة «حماس» من قضية السلاح، سواء فيما يتعلق بتسليمه أو تنظيمه أو جمعه أو نزعه، وهو ما يُشكِّل عقدةً مركزية في أي ترتيبات مستقبلية في قطاع غزة، نحو إعادة الإعمار، وإدخال المساعدات الإنسانية، وخلق حالةٍ من الاستقرار.

وفيما يتعلق بمسار دخول القوات الدولية، فإن هذا المسار يواجه عقباتٍ كثيرة، وهذا ما بدا واضحًا في اجتماع الدوحة الأخير؛ إذ دُعيَت إلى هذا الاجتماع أكثر من (40) دولة، ولكن الدول التي حضرت لم تتجاوز الـ(15) دولة، إضافة إلى ذلك فإن تلك الدول أكدت عدم الرغبة بتواجد قواتها في المناطق التي تسيطر عليها حركة «حماس»، وترفض أي احتكاك مع الحركة وعناصرها، بمعنى أنها ترفض الرؤية الإسرائيلية بأن تتولى تلك القوات نزع سلاح الحركة بالقوة في قطاع غزة، وفي مقابل ذلك ما زالت إسرائيل تتمسك برفض أي دور للسلطة الوطنية الفلسطينية في قطاع غزة، وتفرض (فيتو) على مشاركة بعض الدول في القوات المقترحة، وفي مقدمتها تركيا، التي كان يُنظر إليها كدولة إقليمية وازنة، ذات دور محوري ومباشر في تنفيذ الاتفاق، وبذلك فإن رفض إسرائيل أي دور للسلطة الفلسطينية في قطاع غزة، واستثناء مشاركة تركيا في القوات الدولية، يُعدُّ عائقًا أساسيًّا أمام إنجاز المرحلة الثانية؛ لأن اجتماع الدوحة أكد على ضرورة أن يكون هناك دور أساس للسلطة الوطنية الفلسطينية في قطاع غزة، إضافة إلى ذلك، فإن رفض إسرائيل لمشاركة تركيا في تلك القوات، وهي طرفٌ ضامن وموقع على التفاهمات في شرم الشيخ، سيترك آثارًا سلبية عميقة على فاعلية هذه القوات، وعلى طبيعة تعامل حركة «حماس» معها، بما ينعكس سلبًا على مستقبل الاتفاق نحو استبعاد تطبيق المرحلة الثانية، وهي المرحلة الأهم فيه.

وفي ظلِّ تعثُّرِ تنفيذ خطة الرئيس ترامب، وعدم الانتقال الى المرحلة الثانية من الاتفاق، أصبحت تظهر العديد من التسريبات في وسائل الإعلام الإسرائيلية، حول تعديلات محتملة على خطة ترامب، تُشير في غالبيتها إلى إمكانية بقاء حركة «حماس» وسلاحها، مقابل ذلك يستمر الوجود الإسرائيلي داخل قطاع غزة، إلا أن تلك التسريبات لم تؤكدها حتى الآن أية مصادر أمريكية أو عربية رسمية، ولكنها تعتبر مؤشر قوي على تعثر تنفيذ الاتفاق، في ظلِّ المعطيات على الأرض.

في الحقيقة فإن الهدف الأساس، الذي سعى إليه ترامب من خطته قد تحقق، وهو استعادة الأسرى الإسرائيليين الأحياء والرفات، وقدم ترامب ذلك كإنجاز سياسي له، أمام الرأي العام الأمريكي، وفي المقابل فإن وقف الحرب والمجازر اليومية في قطاع غزة، شكّل إنجازًا مهمًا على الصعيد العربي والفلسطيني، وأسقط مخططات التهجير القسري لسكان قطاع غزة، ولكن تنفيذ كامل بنود هذا الاتفاق، والانتقال إلى المرحلة الثانية يبدو صعبًا عمليًا، ويبدو أنه بعيد المنال، في ظلِّ عدم التزام إسرائيل باستحقاقات المرحلة الأولى، وعلى رأسها إدخال المساعدات الإنسانية، ورفع الحصار، وفتح معبر رفح، ووقف العمليات العسكرية، التي ما زالت تحصد أرواح المدنيين بشكل يومي، وتمسك «حماس» برفض تسليم السلاح، والتنازل عن الحكم في قطاع غزة.

وفي ظلِّ تلك المعطيات على أرض الواقع، فإن البوصلة تُشير إلى أن الولايات المتحدة، سوف تذهب إلى الخيار الوسط، وهو تكريس سياسة الأمر الواقع؛ بحيث تبقى نحو 60% من مساحة قطاع غزة تحت السيطرة الإسرائيلية، مقابل 40% تحت سيطرة «حماس»، مع بدء ترتيبات لإعادة الإعمار وإسكان الفلسطينيين في مناطق جنوب القطاع، خاصة رفح، عبر بيوت متنقلة، ومشاريع تنفذها شركات أمريكية وإسرائيلية، كحلٍ مرحلي للأزمة الإنسانية المتفاقمة في قطاع غزة.

وبذلك، فإن كل من إسرائيل و«حماس» ذاهب إلى تكريس الأمر الواقع في قطاع غزة، بالتقسيم وإبقاء الوضع على ما هو عليه الآن، ولكن هذا سينتج عنه منطقتين ونظامين مختلفين في القطاع، نظام تحت السيطرة الإسرائيلية، يتم فيه إعادة الإعمار، إعادة تسكين الفلسطينيين فيه، ونظام آخر تحت سيطرة «حماس» يعاني من الحصار والإغلاق والكوارث الإنسانية، وتستمر إسرائيل في استهدفه من خلال عمليات عسكرية خاطفة، أو بضربات جوية مركزة، وهذا ما يحقق الرغبة الإسرائيلية في أن يصبح الخط الأصفر كحد فاصلة جديدة ما بين إسرائيل وقطاع غزة، ويستمر هذا الواقع دون تدخل من الإدارة الأمريكية، التي تنشغل بملفات أكثر أهمية وحساسية، وخاصة ملفي الحرب في أوكرانيا وملف فنزويلا.

د. حسين الديك
د. حسين الديك
الأكاديمي والباحث في الشؤون الفلسطينية