آفاق الوساطة الدبلوماسية الصينية بين المملكة العربية السعودية وإيران

https://rasanah-iiis.org/?p=38550

بواسطةمحمد زريق

مقدِّمة

ينبثق الصراع بين المملكة العربية السعودية وإيران من عدَّة عوامل تاريخية ودينية وجيوسياسية، ويمكن إرجاع ذلك إلى تاريخ تأسيس «الجمهورية الإسلامية الإيرانية» في عام 1979م، الذي كان بمثابة نقطة تحوُّل كبيرة في ديناميكيات القوَّة الإقليمية[1]، إذ جلبت الثورة الإيرانية بقيادة الخميني نظامًا ثيوقراطيًا شيعيًا إلى السُلطة؛ ما شكَّل تحدِّيًا على الوضع الراهن، الذي يهيمن عليه السُنَّة في الشرق الأوسط[2].

وكانت المملكة العربية السعودية -وهي مملكة سُنِّية والوصية على أقدس المواقع الإسلامية- تنظر إلى النظام الشيعي الجديد في إيران، على أنَّه تهديدٌ مباشر لسُلطتها الدينية ونفوذها الإقليمي، وكان الانقسام الأيديولوجي بين السُنَّة والشيعة سببًا في تغذية التنافس، إذ يتنافس البلدان على زعامة العالم الإسلامي[3].

ومن الناحية الجيوسياسية، تفاقم الصراع بسبب المنافسة من أجل الهيمنة على المناطق الإستراتيجية الرئيسية، مثل منطقة الخليج، وأسفر التنافس أيضًا عن المنافسة العسكرية، فكلا البلدين يستثمران وبقوَّة في مجال القُدرات الدفاعية، ويسعيان إلى إقامة تحالُفات مع القُوى العالمية الكُبرى[4]. هذا وقد أثَّر الصراع سلبًا على الاستقرار الإقليمي، وغالبًا ما أعاق الجهود المبذولة لحل الصراعات الأخرى، وساهم في نشوء التوتُّرات الطائفية في جميع أنحاء الشرق الأوسط.

ويمثِّل الدور الناشئ، الذي تلعبه الصين كوسيط في الصراع السعودي-الإيراني، تحوُّلاً كبيرًا في سياستها الخارجية ونهجها الدبلوماسي، فالصين معروفة تقليديًا بمبدأ عدم التدخُّل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، لكنّها مالت تدريجيًا نحو لعِب دورٍ أكثر نشاطًا في تسوية الصراعات الدولية، خاصَّةً في الشرق الأوسط[5][6].

ويمكن القول إنَّ جهود الوساطة الصينية، مدفوعة بمصالحها الاقتصادية والإستراتيجية المتنامية في المنطقة، فالصين من منطلق كونها أكبر مستورد للنفط في العالم، لها مصلحة راسخة في ضمان الاستقرار في الشرق الأوسط لتأمين إمداداتها من الطاقة[7]. بالإضافة إلى ذلك، تُعَدُّ المنطقة جزءًا مهمًّا من «مبادرة الحزام والطريق» الصينية، التي تهدُف إلى تعزيز الاتصال والتكامل الاقتصادي عبر آسيا وأفريقيا وأوروبا.

ويمتاز نهْج الصين في الوساطة، بالتركيز على الحوار والمفاوضات، إلى جانب تبنِّي موقف محايد. وعلى عكس القُوى الغربية، التي غالبًا ما تنحاز إلى أحد الجانبين في الصراعات الإقليمية، فإنَّ الصين تقدِّم نفسها كوسيط محايد، وتستفيد من علاقاتها الجيِّدة مع كلٍّ من المملكة العربية السعودية وإيران، وقد منح هذا الحياد -مقترِنًا بحضورها الاقتصادي- الصين ميزة فريدة في تسهيل الحوار بين الدول المتنافسة.

وتعكس إستراتيجية الوساطة الصينية أيضًا أهداف سياستها الخارجية الأوسع نطاقًا، المتمثِّلة في تعزيز نظام عالمي متعدِّد الأقطاب، والحدّ من نفوذ الولايات المتحدة في الشرق الأوسط[8]. وتهدُف الصين من خلال لعِب دورٍ بنّاء في حل الصراعات الإقليمية، إلى تعزيز استقرارها العالمي، وترسيخ نفسها على أنَّها قوَّة كُبرى مسؤولة.

وقد اكتسبت الجهود الدبلوماسية، التي بذلتها الصين، بروزًا أكبر في السنوات الأخيرة، كما تجلَّى في دورها كوسيط في الاتفاق التاريخي لاستعادة العلاقات الدبلوماسية بين المملكة العربية السعودية وإيران، وقد أظهر هذا النجاح إمكانات الصين كوسيط، وبرز نفوذها المتنامي في تشكيل المشهد الجيوسياسي في الشرق الأوسط.

ويتلخَّص الغرض من هذه الدراسة، في إجراء دراسة نقدية لدور الصين كوسيط في الصراع بين المملكة العربية السعودية وإيران، مع التركيز على التحوُّل من استخدام الصين للقوَّة الناعمة، إلى تبنِّي نهْج أكثر جيوسياسية. وتهدُف الدراسة إلى تقييم مدى فعالية إستراتيجية الوساطة الصينية، وتأثيرها على الاستقرار الإقليمي، وتداعياتها على الديناميكيات الدبلوماسية العالمية. وتسعى الدراسة -من خلال تحليل نْهج الصين في حل الصراعات وتأثيرها في الشرق الأوسط- إلى المساهمة في فهْم الاتّجاهات الناشئة في الدبلوماسية الدولية، ودور القُوى الصاعِدة في تشكيل السياسة العالمية.

وتكمُن أهمِّية هذه الدراسة، في تناولها لهذا التطوُّر المحوري في منطقة الشرق الأوسط، وهي منطقة ذات أهمِّية إستراتيجية للأمن العالمي وأسواق الطاقة، وبالتالي يصبح فهْم دور الصين -مع استمرار ترسيخ وجودها على المسرح العالمي- في التوسُّط في الصراعات الإقليمية، أمرًا بالغ الأهمِّية بالنسبة لصُنّاع السياسات والباحثين والمراقبين الدوليين. وستوفِّر نتائج هذه الدراسة رؤى قيِّمة حول تعقيدات السياسة الخارجية للصين، وإمكاناتها كصانعة للسلام؛ ما يوفِّر منظورًا دقيقًا للديناميكيات المتطوِّرة للقوَّة والدبلوماسية في القرن الحادي والعشرين.

أولًا: الإطار النظري

يتطرَّق الإطار النظري إلى مفهوم الوساطة، والقوَّة الناعمة، والجغرافيا السياسية في الدبلوماسية، وذلك على النحو الآتي:

1. نظريات الوساطة في الصراعات:

توفِّر نظريات الوساطة في الصراعات إطارًا لفهم وحل الصراعات، من خلال تدخُّل طرف ثالث محايد. وتشمل هذه النظريات مجموعة من المناهج والإستراتيجيات، التي تهدُف إلى تسهيل التواصل والتفاوض والاتفاق بين الأطراف المتنازعة. وتتناول السطور التالية بعض النُهُج الأساسية في الوساطة في الصراعات:

أ. النهج العلائقي القائم على المصالح، والذي يركِّز على تحديد ومعالجة المصالح الأساسية للأطراف، بدلًا من مواقفهم المُعلَنة[9]. ويؤكِّد هذا النهج على أهمِّية بناء العلاقات، وإيجاد حلول مفيدة للطرفين تلبِّي احتياجات جميع المشاركين.

ب. نهْج الوساطة التحويلية، ويهدُف إلى تغيير طريقة إدراك الأطراف وتفاعلهم مع بعضهم البعض. ويسعى هذا النهج إلى تمكين الأفراد وتشجيع الاعتراف المُتبادَل؛ ما يؤدِّي إلى تحوُّلٍ في علاقتهم، وحلِّ الصراع[10].

ج. نهْج الوساطة السرْدية، ويركِّز على دورٍ حول الروايات المسرودة في الصراعات؛ ما يُشير إلى أنَّ الصراعات تنشأ من تضارُب الروايات[11]. ويساعد الوُسطاء الأطراف على إعادة صياغة رواياتهم، وفهْم وجهات نظر بعضهم البعض، والمشاركة في بناء سرْد جديد يعترف بالجانبين[12].

د. نهْج التفاوض التكاملي -والمعروف أيضًا باسم التفاوض المُربِح للجانبين- وهو إستراتيجية تسعى إلى إيجاد حلول تُرضي جميع الأطراف، وترقى لمصالحهم. ويُشجِّع هذا النهج على حل المشكلات بشكل تعاوني، والتفكير الخلّاق لتحقيق نتائج مفيدة للجميع[13].

ويمكن تطبيق هذه النُهُج في سياق الدبلوماسية الدولية لفهم الكيفية، التي يتعامل بها الوُسطاء مع الصراعات الجيوسياسية المعقَّدة، كما هو الحال مع وساطة الصين في الصراع السعودي-الإيراني، ويهدُف الوُسطاء من خلال استخدام إستراتيجيات الوساطة المختلفة، إلى تضييق هوَّة الخلافات، وتعزيز الحوار، وتشجيع الحلول السِلْمية.

 2. القوَّة الناعمة والجغرافيا السياسية في الدبلوماسية:

يُعَدُّ مفهوما القوَّة الناعمة والجغرافيا السياسية مفهومين حاسمين في عالم الدبلوماسية، ويؤثِّران على الكيفية، التي تتفاعل بها الدول، والطريقة التي ترسِّخ بها الدول من نفوذها على المسرح العالمي. ويعني مصطلح «القوَّة الناعمة»، الذي صاغه جوزيف ناي، القُدرة على الجذب والضمّ دون الإكراه أو استخدام القوَّة كوسيلة للإقناع[14]. وتنبثق القوَّة الناعمة من ثقافة البلد، وقِيَمه السياسية، وسياساته الخارجية، والتي من شأنها أن تعمل على توليد النوايا الحسنة، وتعزيز التعاون الدولي. وغالبًا ما تُستخدَم القوَّة الناعمة في الدبلوماسية، من خلال التبادلات الثقافية، والبرامج التعليمية، ومبادرات الدبلوماسية العامَّة؛ لبناء تصوُّرات وعلاقات إيجابية تسهِّل تحقيق أهداف السياسة الخارجية[15].

ومن ناحية أخرى، تشمل الجغرافيا السياسية دراسة الكيفية، التي تؤثِّر بها  العوامل الجغرافية -مثل الموقع والموارد والتضاريس- على القرارات السياسية، وديناميكيات السُلطة. وفي الدبلوماسية، تلعب الجغرافيا السياسية دورًا حاسمًا في تشكيل الإستراتيجيات والإجراءات، إذ تسعى الدول إلى حماية مصالحها، وتأمين الموارد، وممارسة النفوذ في المناطق ذات الأهمِّية الإستراتيجية[16]. وغالبًا ما تُحفِّز العوامل الجيوسياسية اندلاع الصراعات والمفاوضات، وعملية إنشاء التحالفات، في الوقت الذي تنخرط فيه الدول في التفاعلات المعقَّدة بين القوَّة والأمن والطموحات الإقليمية.

ويتجلَّى التفاعل بين القوَّة الناعمة والجغرافيا السياسية في الدبلوماسية الحديثة، إذ تستخدم الدول مزيجًا من التأثير الثقافي والمواقع الإستراتيجية لتعزيز مصالحها. وعلى سبيل المثال، تكشف «مبادرة الحزام والطريق» الصينية استخدام بكين للقوَّة الناعمة، من خلال التنمية الاقتصادية، والتبادلات الثقافية، في حين تسعى في الوقت نفسه إلى تحقيق أهداف جيوسياسية، من خلال توسيع بصمتها الإستراتيجية عبر آسيا وأفريقيا وأوروبا.

3. إستراتيجية الوساطة الصينية في هذا السياق:

تتّصِل مفاهيم القوَّة الناعمة والجغرافيا السياسية اتصالًا وثيقًا بإستراتيجية الوساطة الصينية، خاصَّةً في دورها كوسيط في الصراع السعودي-الإيراني. وينبثق النهج الذي تتبنّاه الصين في التعامل مع الوساطة، من عُمق أهداف سياستها الخارجية الأوسع، التي تسعى إلى إيجاد التوازن بين ميلها للقوَّة الناعمة وطموحاتها الجيوسياسية[17].

وتتجلَّى قوَّة الصين الناعمة، في جهودها الدبلوماسية الرامية إلى تقديم نفسها كوسيط محايد يحترم سيادة ومصالح كافَّة الأطراف، وتهدُف الصين من خلال تعزيز ثقافتها وطرْح نموذج التنمية الاقتصادية ومبادئ عدم التدخل والتعايُش السِلْمي، إلى بناء الثقة والمصداقية بين دول الشرق الأوسط، ويُيَسِّر نهْج القوَّة الناعمة على الصين دخولها في المشهد الدبلوماسي في المنطقة؛ ما يمكِّنها من العمل كوسيط في صراعات، مثل الصراع السعودي-الإيراني.

وفي الوقت نفسه، تتأثَّر إستراتيجية الوساطة الصينية بمصالحها الجيوسياسية، ويُعَدُّ الشرق الأوسط منطقة حيوية لأمن الطاقة في الصين، ونجاح «مبادرة الحزام والطريق»[18]. وتسعى الصين من خلال التوسُّط في الصراعات وتعزيز الاستقرار في المنطقة، إلى حماية مصالحها الاقتصادية، وتعزيز حضورها الإستراتيجي. وعلاوةً على ذلك، تتوافق جهود الوساطة التي تبذلها الصين، مع هدفها الأوسع المتمثِّل في وضْع نفسها كقوَّة عالمية كُبرى قادرة على تشكيل الشؤون الدولية.

ثانيًا: السياق التاريخي

لم تُولَد الوساطة الصينية بين المملكة العربية السعودية وإيران من فراغ، لكنَّها ارتبطت بسياقٍ تاريخي، وتطوُّرات مهمَّة لا يمكن إغفالها. في هذا الإطار، يمكن الإشارة إلى ما يأتي:

1. نظرة عامَّة على العلاقات السعودية-الإيرانية:

سادت علاقة المملكة العربية السعودية وإيران عقودًا من التنافس والتوتُّر، التي شُكِّلت بفعل عوامل دينية وأيديولوجية وجيوسياسية، فقد تنافست الدولتان -اللتان تمثِّلان كلًّا من الإسلام السُنِّي والشيعي- على النفوذ والزعامة في العالمين العربي والإسلامي؛ الأمر الذي أدَّى إلى تفاقُم الانقسامات الطائفية.

وكانت الثورة الإيرانية من عام 1979م، التي أسَّست نظامًا ثيوقراطيًا شيعيًا، نقطة تحوُّل في العلاقات السعودية-الإيرانية، وكان يُنظَر إلى الأيديولوجية الثورية للحكومة الإيرانية الجديدة ودعواتها للإطاحة بالأنظمة الملكية في منطقة الخليج، على أنَّها تهديدات مباشرة من جانب النظام الملكي السعودي[19]، وردًّا على ذلك، سعت المملكة العربية السعودية إلى مواجهة النفوذ الإيراني، من خلال تعزيز أوراق اعتمادها الدينية والسياسية، وتشكيل تحالُفات مع الدول الأخرى ذات الأغلبية السُنِّية[20].

واشتَدَّ هذا التنافس خلال الحرب الإيرانية-العراقية في الثمانينيات، حيث دعمت المملكة العربية السعودية العراق كقوَّة موازِنة لنفوذ إيران المتنامي[21]، ثمَّ اتَخذ الصراع في العقود التالية شكًلً غير مباشر، من خلال توظيف الوكلاء، وعلى الأخصّ في سوريا واليمن ولبنان، ودعْم كلا البلدين الفصائل المتعارِضة.

وظلَّت العلاقة محفوفة بالشكوك والعداء المُتبادَل، على الرغم من الجهود الدبلوماسية، ومحاولات الحوار بين الحين والآخر. هذا وعمِلَت التطوُّرات الأخيرة، مثل هجوم عام 2021م على منشآت النفط السعودية، الذي ألقت الرياض باللوم فيه على طهران والصراع المستمِرّ في اليمن، على استمرار توتُّر العلاقات؛ ما جعل أيّ احتمال للمصالحة صعبًا[22].

2. تطوُّر سياسة الصين الخارجية:

اتَسم تطوُّر السياسة الخارجية للصين بتحوُّلات كبيرة، منذ تأسيس جمهورية الصين الشعبية في عام 1949م. ففي البداية، تأثَّرت سياسة الصين الخارجية، بشدَّة، بتحالفها الأيديولوجي مع الاتحاد السوفييتي، وتركيزها على دعْم الحركات الشيوعية في جميع أنحاء العالم، ومع ذلك، دفَعَ الانقسام الصيني-السوفييتي في الستينيات الصين، إلى تبنِّي موقف أكثر استقلالية في السياسة الخارجية[23].

 ثمَّ شهِدَت السياسة الخارجية للصين في السبعينيات تحوُّلًا كبيرًا، مع تطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة[24]، وكان هذا التحوُّل مدفوعًا بعوامل إستراتيجية؛ لموازنة نفوذ الاتحاد السوفييتي، ومتابعة الحداثة الاقتصادية. وكان انفتاح الصين على العالم في عهْد دنغ شياو بينج، في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات، بمثابة تحوُّل إضافي عن السياسة الخارجية الأيديولوجية نحو البراغماتية والتنمية الاقتصادية[25].

وقد اتّسمت سياسة الصين الخارجية، منذ تسعينيات القرن العشرين، بإستراتيجية «الصعود السِلْمي»، أو «التنمية السِلْمية»، التي ترسِّخ مفاهيم عدم المواجهة والتعاون الاقتصادي وتعدُّد الأطراف[26]، وقد سعت الصين إلى طمأنة العالم حول نواياها الحميدة، في الوقت الذي تشهد فيه قوَّتها نموًا، مع التركيز على بناء الشراكات، ودمْج نفسها في الاقتصاد العالمي.

وأصبحت السياسة الخارجية للصين في السنوات الأخيرة، وفي عهد الرئيس شي جين بينج، أكثر حزمًا، كما يتّضِح من «مبادرة الحزام والطريق»، والمطالبات الإقليمية في بحر الصين الجنوبي، والجهود الرامية إلى زيادة وجودها في المؤسَّسات الدولية. وقد دفعت قُدرات الصين الاقتصادية والعسكرية المتنامية بها، إلى اتِّباع نهْج أكثر ثقة في تحقيق مصالحها، وتأكيد دورها كقوَّة عالمية كُبرى.

3. التحوُّل من القوَّة الناعمة إلى الجغرافيا السياسية:

يعكس التحوُّل من القوَّة الناعمة إلى الجغرافيا السياسية في العلاقات الدولية، تغيُّرًا في الكيفية، التي تمارس بها الدول نفوذها وسعيها إلى تحقيق مصالحها على المسرح العالمي؛ فالقوَّة الناعمة -وهو مفهوم من صياغة جوزيف ناي- تركِّز على قُدرة أيّ بلد على استمالة الآخرين واستيعابهم، من خلال الجاذبية الثقافية والقِيَم السياسية والسياسات الخارجية، بدلًا من الإكراه، أو استخدام القوَّة كوسيلة للإقناع[27]، فهي تتمحور حول تشكيل التفضيلات، وبناء التصوُّرات الإيجابية؛ لتحقيق النتائج المرجُوَّة.

وفي المقابل، تركِّز الجغرافيا السياسية على الاستخدام الإستراتيجي للعوامل الجغرافية، مثل الموقع والموارد والتضاريس؛ لاكتساب النفوذ السياسي، وتأمين المصالح الوطنية[28]، فهي تنطوي على نهْجٍ أكثر تقليدية وواقعية في العلاقات الدولية، تلعب فيه ديناميكيات القوَّة والسيطرة الإقليمية والقُدرات العسكرية دورًا مركزيًا.

ويمكن فهْم التحوُّل من القوَّة الناعمة إلى الجغرافيا السياسية، ضمن إطار الطبيعة المتغيِّرة للتحدِّيات العالمية، وصعود قُوى جديدة. وثمَّة تركيزٍ متنامٍ -في الوقت الذي تواجه فيه البلدان تهديدات أمنية أكثر تعقيدًا وتعدُّدًا مثل الحرب السيبرانية والإرهاب والتنافس على الموارد- على الإستراتيجيات الجيوسياسية؛ للتغلُّب على هذه التحدِّيات. وبالإضافة إلى ذلك، فقد أدَّى صعود دول مثل الصين وروسيا -التي أصبحت حازِمة جدًّا في الدفاع عن مصالحها الإقليمية والعالمية- إلى تجدُّد التركيز على الجغرافيا السياسية[29].

ولهذا التحوُّل آثارٌ على الدبلوماسية والتعاون الدولي وحلّ الصراعات، وفي حين تظَلّ القوَّة الناعمة أداةً مهمَّة لبناء التحالُفات، وتعزيز النوايا الحسنة. إلّا أنَّ عودة ظهور الجغرافيا السياسية، تسلِّط الضوء على الأهمِّية الدائمة لتحديد المواقع الإستراتيجية وسياسات القوة، في تشكيل الشؤون العالمية.

ثالثًا: إستراتيجية الوساطة الصينية

استخدمت الصين أدواتها وأوراقها؛ من أجل إنجاح وساطتها بين السعودية وإيران، ويمكن توضيح ذلك، من خلال ما يأتي:

1. النهج والتكتيكات الدبلوماسية:

تتميَّز إستراتيجية الوساطة الصينية في الصراعات الدولية، مثل الصراع السعودي-الإيراني بنهجٍ دبلوماسي متميِّز، ومجموعة من التكتيكات، التي تعكس مبادئ وأهداف سياستها الخارجية الأوسع. وتتمثَّل أحد العناصر الأساسية للنهج الدبلوماسي الصيني، في التزامها بمبدأ عدم التدخُّل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى[30]. ويسمح هذا المبدأ للصين بوضع نفسها كوسيطٍ محايد؛ قادر على تسهيل الحوار بين الأطراف المتنازعة، من دون أن يُنظَر إليها على أنَّ لها مصلحة خاصَّة في النتائج، وهذا الحياد أمرٌ بالغ الأهِّمية؛ لكسب ثقة طرفي الصراع، ولخلق بيئة مواتية للتفاوض.

وتستخدم الصين أيضًا نهجًا خفيًا من وراء الكواليس في الوساطة، إذ تفضِّل الصين غالبًا الدبلوماسية الهادئة، بدلًا من السعي إلى جذْب انتباه الرأي العام، أو الاضطلاع بدورٍ قيادي في مبادرات السلام رفيعة المستوى، بل وتنخرط في مناقشات منفصلة، وتعرض مساعيها الحميدة لتسهيل المحادثات. ويساعد هذا النهج على تجنُّب تفاقُم التوتُّرات، أو إثارة المقاومة من جانب الجهات الخارجية الأخرى المشاركة في الصراع.

وتستفيد الصين فيما يتعلَّق بالتكتيكات، من نفوذها الاقتصادي، ومساعداتها التنموية في عملية الوساطة[31]. ويمكن للصين من خلال تقديم الحوافز الاقتصادية، مثل الاستثمار أو المساعدات أو الفُرَص التجارية، تشجيع الأطراف المتنازِعة على المشاركة في الحوار، والسعي إلى التوصُّل إلى حلول سِلْمية[32]. ويكون هذا النفوذ الاقتصادي فعّالًا بشكل خاص في المناطق، التي تشكِّل التنمية الاقتصادية فيها أولوية، إذ يوفِّر ذلك حافزًا ملموسًا للتعاون. كما تتضمَّن إستراتيجية الوساطة الصينية منظورًا طويل الأمد، منبثِق من إدراكها أنَّ الصراعات المعقَّدة لا يمكن أن تُحَلّ بين عشية وضحاها. هذا ويُعرَف عن الدبلوماسيين الصينيين بصبرهم ومثابرتهم، وبناء العلاقات والثقة تدريجيًا مع مرور الوقت، وهو أمرٌ ضروري للوساطة الفعّالة.

2. دور المصالح الاقتصادية والسياسية:

تُعَدُّ المصالح الاقتصادية والسياسية أمرًا محوريًا في إستراتيجية الوساطة الصينية في الصراعات الدولية، فهذه المصالح لا تحفِّز الصين على المشاركة في جهود الوساطة فحسب، بل إنَّها تشكِّل أيضًا وجه التكتيكات والأساليب، التي تستخدمها.

ولدى الصين من الناحية الاقتصادية مصالح كبيرة في الشرق الأوسط، خاصَّةً في تأمين موارد الطاقة، وتوسيع «مبادرة الحزام والطريق»، إذ تُعَدُّ المنطقة مورِّدًا رئيسي للنفط والغاز إلى الصين. وبالتالي، فإنَّ استقرار المنطقة، هو أمرٌ بالغ الأهمِّية لضمان إمدادات الطاقة دون انقطاع[33]. وتهدُف الصين من خلال جهود الوساطة، التي تبذلها، إلى تعزيز بيئة مستقِرَّة تحمي مصالحها في مجال الطاقة، وتسهيل تنفيذ مشاريع البنية التحتية والاستثمار في «مبادرة الحزام والطريق». كما تسعى الصين أيضًا، من خلال وضْع نفسها كوسيط للسلام، إلى تعزيز سُمعتها كقَّوة عالمية مسؤولة وقادرة على جذْب المزيد من الشراكات الاقتصادية وفُرَص الاستثمار.

ومن الناحية السياسية، تتوافق جهود الوساطة الصينية مع أهداف سياستها الخارجية الأوسع نطاقًا؛ المتمثِّلة في تعزيز نظام عالمي متعدِّد الأقطاب، والحدّ من نفوذ القُوى الغربية -خاصَّةً الولايات المتحدة- في الشرق الأوسط. ويمكن للصين من خلال التوسُّط الناجح في الصراعات، أن تنمِّي من حضورها السياسي، وترسِّخ نفسها كلاعب رئيسي في الشؤون الإقليمية والعالمية، وهو ما يعزِّز نفوذها الدبلوماسي، ومكانتها في المحافل الدولية.

وفضلًا عن ذلك، فإنَّ جهود الوساطة، التي تبذلها الصين، تشكِّل جزءًا من إستراتيجيتها الرامية إلى إبراز القوَّة الناعمة، وبناء الشراكات الإستراتيجية. هذا ويمكن للصين من خلال المساهمة في السلام والاستقرار في الشرق الأوسط، تنمية حُسن النوايا، وتعزيز علاقاتها مع دول المنطقة، التي تحمل أهمِّية على الصعيدين الاقتصادي والإستراتيجي.

3. مقارنات مع جهود الوساطة السابقة:

يمكن مقارنة جهود الوساطة، التي تبذلها الصين في الصراعات، بجهود الوساطة السابقة، التي بذلتها جِهات فاعِلة أخرى، في عدَّة جوانب رئيسية.

أ. النهج والأسلوب: خلافًا للقُوى الغربية، التي غالبًا ما تتبنَّى نهجًا أكثر مباشرة ووضوحًا في التعامل مع الوساطة، فإنَّ الأسلوب الصيني يتّسِم بالتحفُّظ والتكتُّم. وقد يلجأ الوُسطاء الغربيون، مثل الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي، إلى الدبلوماسية العامَّة، أو الإدلاء بتصريحات قوية، أو فرْض شروط للمفاوضات[34]. وفي المقابل، تفضِّل الصين الدبلوماسية الهادئة، مع التركيز على المفاوضات خلف الكواليس، وتجنُّب إصدار الإنذارات أو الضغوط العلنية.

ب. المبادئ: تسترشد جهود الوساطة الصينية بمبدأ عدم التدخُّل في الشؤون الداخلية للبلدان الأخرى، ويتنافى هذا المبدأ مع بعض جهود الوساطة، التي يقودها الغرب، التي قد يُنظَر إليها على أنَّها تحمل أجندة خفية، أو تحاول فرْض قِيَم أو حلول خارجية على الأطراف المتنازِعة، ويُنظَر إلى أسلوب الصين على أنَّه أكثر حيادًا واحترامًا لسيادة الدول المعنية.

ج. النفوذ الاقتصادي: غالبًا ما تستخدم الصين قوَّتها الاقتصادية كأداة في جهود الوساطة، فيمكن للصين من خلال تقديم الحوافز الاقتصادية، مثل الاستثمارات أو الفَرَص التجارية، تشجيع الأطراف المتصارِعة على الجلوس إلى طاولة المفاوضات. ويشكِّل هذا النفوذ الاقتصادي سِمةً مميَّزة لإستراتيجية الوساطة الصينية، مقارنةً بالجهود الدبلوماسية التقليدية، التي قد تعتمد بشكل أكبر على الضغط السياسي، أو العسكري.

د. المنظور طويل الأمد: تتميَّز جهود الوساطة الصينية بمنظور طويل الأمد، إذ تُدرِك أنَّ الصراعات المعقَّدة تتطلَّب وقتًا وصبرًا لحلِّها، وهذا يتناقض مع بعض جهود الوساطة السابقة، التي ربما سعت إلى إيجاد حلول أسرع، لكن أقلّ استدامة للصراعات.

ه. السياق الجيوسياسي: يمكن القول إنَّ ثمَّة اختلاف في السياق الجيوسياسي لجهود الوساطة الصينية، إذ تشكِّل مشاركة الصين في الوساطة، من منطلق كونها قوَّة عالمية صاعدة، جزءًا من إستراتيجيتها الأوسع لتأكيد نفوذها على الساحة الدولية، وتحدِّي الهيمنة التقليدية للقُوى الغربية. وهذا يتناقض مع جهود الوساطة السابقة، التي رُبَّما كانت مدفوعة بالمصالح الإستراتيجية للقُوى الراسِخة في الحفاظ على نفوذها في مناطق معيَّنة.

و. النتيجة والأثر: لا تزال نتائج جهود الوساطة الصينية في طور التطوُّر، ويبقى أن نرى مدى فعاليتها على المدى الطويل. ويمكن القول إنَّ نتائج جهود الوساطة السابقة، التي بذلتها جهات فاعِلة أخرى، قد جاءت مختلطة، إذ أسفر بعضها عن اتفاقيات سلام دائمة، بينما فشل البعض الآخر في التوصُّل إلى حلٍّ دائم[35]. ويعتمد نجاح الصين في الوساطة، على قُدرتها على الإبحار عبر الديناميكيات المعقَّدة للصراعات، التي تنخرط فيها، وقُدرتها على تقديم حلول مقبولة لجميع الأطراف المعنية.

رابعًا: الآثار على الاستقرار الإقليمي

كان للوساطة الصينية تأثيرات جوهرية على التفاعلات الإقليمية، ويمكن تناول ذلك، من خلال ما يأتي:

1. الآثار قصيرة وبعيدة المدى:

لجهود الوساطة الصينية في الصراعات آثارٌ قصيرة وطويلة المدى على الاستقرار الإقليمي، ففي الأمد القريب يمكن أن تساعد مشاركة الصين كوسيط في تهدئة التوتُّرات، ومنْع تصعيد الصراعات. ويمكن للصين من خلال توفير منصَّة محايدة للحوار والمفاوضات، تسهيل التواصل بين الأطراف المتنازِعة؛ ما يقلِّل من احتمالات اندلاع أعمال عُنف فورية، أو صراع عسكري. كما يمكن أن يؤدِّي ذلك إلى وقْف مؤقَّت لإطلاق النار، أو اتفاقيات توفِّر الإغاثة الفورية للمنطقة، وتمنع وقوع المزيد من الخسائر في الأرواح والدمار.

وعلاوةً على ذلك، يمكن أن يحفِّز النفوذ الاقتصادي، الذي تتمتَّع به الصين، وفُرَصها الاستثمارية، الأطراف المتصارِعة على الانخراط في المفاوضات؛ ما يؤدِّي إلى اتفاقيات قصيرة الأجل تعمل على استقرار الوضع، كما تعمل هذه الحوافز الاقتصادية على تعزيز الشعور بالاعتماد المُتبادَل، ما يجعل الصراع أقلّ جاذبية بسبب التكاليف الاقتصادية المُحتمَلة.

وعلى المدى الطويل، يمكن للوساطة الناجحة من جانب الصين، أن تُسهِم في حلِّ القضايا العميقة، وإرساء السلام الدائم في المنطقة. كما يمكن للصين، من خلال معالجة الأسباب الجذرية للصراعات، وتسهيل الاتفاقيات المقبولة لجميع الأطراف، أن تساعد في بناء الأساس للاستقرار على المدى الطويل، وهو ما من شأنه أن يؤدِّي إلى زيادة التعاون والتكامل بين دول المنطقة؛ ما يعزِّز الاستقرار بشكل أكبر.

وعلاوةً على ذلك، فإنَّ الدور النشِط، الذي تلعبه الصين في تعزيز السلام والاستقرار، قادرٌ على إعادة تشكيل ديناميكيات القوَّة الإقليمية، والحد من نفوذ القُوى الخارجية؛ ما يؤدِّي إلى نظامٍ إقليمي متعدِّد الأقطاب أكثر توازنًا، ومن شأن ذلك أن يُهيِّئ بيئة أكثر ملاءمة للتصدِّي للتحدِّيات الأخرى، مثل التنمية الاقتصادية، والحوكمة، والأمن البشري.

ومع ذلك، تعتمد الآثار طويلة المدى لجهود الوساطة الصينية، على مدى فعاليتها في تحقيق حلول مُستدَامة واستعداد الجهات الفاعلة الإقليمية، لتبنِّي هذه الحلول ودعمها، وستتأثَّر هذه الآثار، أيضًا، بالسياق الجيوسياسي الأوسع، والمصالح المتطوِّرة للصين والقُوى العالمية الأخرى في المنطقة.

2. الآثار على الدول المجاورة:

من الممكن أن يكون لجهود الوساطة الصينية أثرٌ كبير على الدول المجاورة في الشرق الأوسط؛ فأولًا، يمكن للوساطة الناجحة أن تؤدِّي إلى الحد من التوتُّرات الإقليمية؛ الأمر الذي يمكن أن يكون له أثرٌ على استقرار البلدان المجاورة، ومن الممكن أن يؤدِّي انخفاض التوتُّرات إلى تقليل احتمالات حدوث آثار غير مباشرة، مثل تدفُّقات اللاجئين، أو العُنف عبر الحدود، أو انتشار الأيديولوجيات المتطرِّفة[36]، وهذا من شأنه أن يخلق بيئة أكثر أمنًا للبلدان المجاورة؛ ما يسمح لها بالتركيز على التحدِّيات، التي تواجهها في مجالي التنمية والحوكمة.

ثانيًا، يمكن لجهود الوساطة الصينية أن تؤثِّر على توازُن القُوى في المنطقة، إذ يمكن للصين من خلال العمل كوسيط، أن تزيد من حضورها، وأن تبني علاقات أقوى مع دول الشرق الأوسط، وهذا من شأنه أن يغيِّر ديناميكيات القوَّة التقليدية، التي هيمنت عليها القُوى الغربية والدول الإقليمية الكُبرى، مثل المملكة العربية السعودية وإيران. وقد تسعى الدول المجاورة إلى الانضمام إلى الصين؛ للاستفادة من دعمها الاقتصادي والدبلوماسي؛ ما يؤدِّي إلى تحوُّلٍ في التحالفات والشراكات.

ثالثًا، قد يكون لتركيز الصين على التنمية الاقتصادية كجزءٍ من إستراتيجية الوساطة، التي تنتهجها، آثارٌ جانبية إيجابية على البلدان المجاورة أيضًا، ومن الممكن أن تعمل الاستثمارات في مجالات البنى التحتية والطاقة والتجارة، على تعزيز الاتصال الإقليمي، والتكامل الاقتصادي؛ ما يعود بالنفع على البلدان المجاورة، من خلال زيادة الفُرَص التجارية والنمو الاقتصادي[37].

3. الآثار المترتِّبة على ديناميكيات القوَّة العالمية:

ولجهود الوساطة، التي تبذلها الصين، آثارٌ كبيرة على ديناميكيات القوَّة العالمية، إذ تتحدَّى الصين من خلال الانخراط بنشاط في حل الصراعات في الشرق الأوسط، الهيمنة التقليدية للقُوى الغربية -خاصَّةً الولايات المتحدة- في المنطقة، ويعكس هذا التحوُّل الأوسع نظامًا عالميًا متعدِّد الأقطاب، تمارس فيه قُوى متعددة، بما في ذلك الصين، نفوذها على المسرح العالمي.

ويمكن لوساطة الصين الناجحة، أن تعمل على تعزيز مكانتها العالمية، ومصداقيتها الدبلوماسية، وإظهار قُدرتها على المساهمة بشكل بنّاء في السلام والأمن الدوليين، وهذا من شأنه أن يعزِّز موقف الصين في المنتديات والمفاوضات الدولية، ويزيد من نفوذها في تشكيل قواعد ومعايير النظام الدولي.

وعلاوةً على ذلك، يقدِّم النهج، الذي تتبنّاه الصين في الوساطة، والذي يركِّز على الحياد والتنمية الاقتصادية وعدم التدخُّل، نموذجًا بديلًا لأساليب التدخُّل المرتبطة غالبًا بالقُوى الغربية[38]. ومن الممكن أن يروق هذا النهج للدول، التي تشعر بالقلق من التدخُّل الخارجي في شؤونها الداخلية؛ وهو ما من شأنه أن يؤدِّي إلى إعادة تنظيم التحالُفات والشراكات لصالح الصين.

ولمشاركة الصين المتزايدة في الشرق الأوسط آثارٌ أيضًا على منافستها الإستراتيجية مع الولايات المتحدة، إذ تزيد -في الوقت الذي تسعى فيه الصين إلى توسيع وجودها في المنطقة التي كانت ساحة تقليدية لمصالح الولايات المتحدة- المنافسة الجيوسياسية بين القوَّتين، ومن الممكن أن تمتَدّ هذه المنافسة إلى ما هو أبعد من الشرق الأوسط إلى مناطق أخرى؛ ما يعيد تشكيل ديناميكيات القوَّة العالمية بشكل أكبر.

ومع ذلك، فإنَّ صعود الصين كوسيط وقوَّة عالمية، يأتي مع حزمة من التحدِّيات المتعلِّقة بذلك، فسوف تحتاج الصين إلى التعامل مع السياسات الإقليمية المعقَّدة، وإدارة علاقاتها مع القُوى الأخرى، ومعالجة المخاوف بشأن نواياها واستدامة جهود الوساطة، التي تبذلها. ويعتمد مدى تأثير وساطة الصين على ديناميكيات القوَّة العالمية، على قُدرتها على موازنة مصالحها مع مصالح المجتمع الدولي، والمساهمة في تحقيق السلام والاستقرار الدائمين.

خامسًا: احتمالات النجاح أو الفشل

مع أهمِّية الوساطة الصينية في وضْع إطار جديد للتفاعلات بين السعودية وإيران، وتأثيرها على التفاعلات الدولية المرتبطة بالمنطقة على نطاقٍ اوسع، فإنَّها محل اختبار مهم. ويمكن توضيح احتمالات هذا التأثير،ـ على النحو الآتي:

1. العوامل المساهمة في النجاح:

ويعتمد نجاح جهود الوساطة الصينية على عدَّة عوامل:

أ. الحياد والمصداقية: تُعَدُّ قُدرة الصين على الحفاظ على موقف محايد مع مساعيها لكي يُنظَر إليها كوسيطٍ ذي مصداقية من جانب جميع الأطراف، أمرٌ بالغ الأهمِّية، وهو الأمر الذي يتطلَّب نهجًا متوازنًا يحترم سيادة ومصالح الأطراف المتصارِعة، دون تفضيل طرف على آخر.

ب. النفوذ الاقتصادي: يمكن أن يشكِّل الوجود الاقتصادي للصين في المنطقة، من خلال مشاريع التجارة والاستثمار والتنمية، حافزًا قويًا للأطراف للمشاركة في الحوار، والتوصُّل إلى اتفاقيات، إذ يمكن أن تشجِّع العهود بتقديم المنافع الاقتصادية سُبُلٌ للتعاون والتسوية[39].

ج. المهارة الدبلوماسية: تشكِّل فعالية الجهود الدبلوماسية، التي تبذلها الصين، بما في ذلك قُدرتها على فهْم تعقيدات الصراع وبناء الثقة مع الأطراف وتسهيل المفاوضات البناءة، المفتاح لنجاح وساطتها.

د. الدعم الإقليمي والدولي: يمكن للدعم من القُوى الإقليمية الأخرى والمجتمع الدولي، أن يعزِّز من شرعية وآثار جهود الوساطة الصينية، كما يمكن أن يوفِّر التعاون مع الجهات الفاعلة الأخرى موارد ووجهات نظر إضافية لعملية الوساطة.

ه. الالتزام طويل الأجل: تتطلَّب الوساطة الناجحة في كثيرٍ من الأحيان مشاركة ومتابعة مُستدامة؛ لضمان تنفيذ الاتفاقيات، ومعالجة القضايا الأساسية[40]، ويُعَدُّ استعداد الصين للالتزام بعملية بناء السلام الطويلة الأجل، أمرٌ ضروري لتحقيق النجاح الدائم.

و. معالجة الأسباب الجذرية: إنَّ من شأن قُدرة الوساطة الصينية على معالجة الأسباب الجذرية للصراع، بدلًا من التركيز فقط على الحلول قصيرة الأجل، أن تحدِّد مدى نجاحها على المدى الطويل، ويشمل ذلك معالجة قضايا مثل التوتُّرات الطائفية، واختلال توازُن القُوى، والمنافسات الإقليمية.

2. العقبات والتحدِّيات المحتمَلة:

تواجه جهود الوساطة الصينية العديد من العقبات والتحدِّيات المحتملة، ومنها:

أ. العداء المتجذِّر: تشكِّل طبيعة التنافس السعودي-الإيراني الراسِخ وطويل الأمد، الذي تحرِّكه عوامل دينية وأيديولوجية وجيوسياسية، تحدِّيًا كبيرًا لجهود الوساطة، ويتطلَّب التغلُّب على انعدام الثقة والعداء المتجذِّر، الوقت والمشاركة المستمِرَّة.

ب. الديناميكيات الإقليمية: يمكن للديناميكيات الإقليمية المعقَّدة في الشرق الأوسط، إلى جانب وجود جهات فاعِلة ومصالح متعدِّدة، أن تعقِّد جهود الوساطة، وبالتالي فإنَّ تحقيق التوازن بين مصالح القُوى الإقليمية المختلفة ومعالجة مخاوفها، ليس بالأمر السهل.

ج. التأثيرات الخارجية: يمكن لتدخُّل القوى الخارجية، مثل الولايات المتحدة وروسيا، في الشرق الأوسط، أن يؤثَّر على فعالية الوساطة الصينية، وقد يكون لهذه القُوى مصالح وأجندات متنافِسة؛ ما قد يؤثِّر على رغبة الأطراف المتنازعة في المشاركة في المفاوضات.

د. التنفيذ والإنفاذ: حتى إن لم يُتَوصَّل إلى اتفاق، فإنَّ ضمان تنفيذه وإنفاذه يمثِّل تحدِّيًا كبيرًا، ويقوِّض الافتقار إلى آلية قوية لرصد الامتثال والتحقُّق من استدامة اتفاقيات السلام.

3. تحليل السيناريوهات:

يُعَدُّ تحليل السيناريوهات أداةً مفيدة لاستكشاف النتائج المُحتمَلة لجهود الوساطة الصينية في الصراع السعودي-الإيراني، ويمكن من خلال النظر في سيناريوهات مختلفة، أن يفهم صُنّاع السياسات والمحلِّلون نطاق الاحتمالات بشكل أفضل، والاستعداد لمختلف الاحتمالات.

السيناريو الأول: الوساطة الناجحة: يمكن أن تُسفِر الوساطة الصينية في هذا السيناريو، عن التوصُّل إلى اتفاقٍ ناجح بين المملكة العربية السعودية وإيران. وقد تتناول الاتفاقية قضايا رئيسية، مثل المخاوف الأمنية، والنفوذ الإقليمي، والتعاون الاقتصادي. وقد يُسهِم موقف الصين المحايد وحوافزها الاقتصادية في بناء الثقة وتسهيل الحوار، كما يمكن أن تعزِّز الوساطة الناجحة مكانة الصين العالمية، وتسهم في الاستقرار الإقليمي.

السيناريو الثاني: النجاح الجزئي: قد تُسفِر الوساطة الصينية عن اتفاقٍ جزئي يعمل على تهدئة التوتُّرات، لكنَّه لا يحِلّ القضايا الأساسية بشكلٍ كامل، وقد يتضمَّن الاتفاق تدابير لبناء الثقة أو تعاونًا محدودًا في مجالات محدَّدة. وعلى الرغم من أنَّ هذا السيناريو لا يحقِّق السلام الشامل، إلّا أنَّه يقلِّل من مخاطر الصراع، ويفتح الباب لمزيد من المفاوضات في المستقبل.

السيناريو الثالث: الجمود: قد تصِل جهود الصين المبذولة في عملية الوساطة إلى طريقٍ مسدود، مع عدم رغبة المملكة العربية السعودية أو إيران في تقديم تنازلات كبيرة، فالتنافس المتجذِّر والمؤثِّرات الخارجية تُعيق التقدم. وفي هذا السيناريو، يصبح دور الصين كوسيط محدود، ويظل الوضع الراهن في المنطقة جامدًا كما هو دون تغيير.

السيناريو الرابع: تصعيد الصراع: في هذا السيناريو، تفشل جهود الوساطة، وتتصاعد التوتُّرات بين المملكة العربية السعودية وإيران إلى صراعٍ أكثر مباشرة. وقد ينجُم هذا السيناريو عن انهيار المفاوضات، أو الاستفزازات الخارجية، أو الضغوط الداخلية، ومن شأن تصعيد الصراع أن يخلِّف عواقِب كبيرة على الاستقرار الإقليمي، والأمن العالمي؛ الأمر الذي قد يقوِّض موقف الصين كوسيط.

ويسلِّط كل سيناريو من السيناريوهات تلك الضوء على تحدِّيات وفُرَص مختلفة لجهود الوساطة الصينية، ويؤكِّد على أهمِّية اتِّباع نهٍج دقيق وقابل للتكيُّف، لحل الصراعات في الشرق الأوسط.

سادسًا: التكاليف بالنسبة للصين

قد يترتَّب على الوساطة الصينية تكلفة واسعة النطاق على الصين، ويمكن توضيح ذلك، من خلال العناصر الآتية:

1. التكاليف الاقتصادية والسياسية والإستراتيجية:

تنطوي جهود الوساطة الصينية على تكاليف اقتصادية وسياسية وإستراتيجية مختلفة:

أ. التكاليف الاقتصادية: قد تتطلَّب جهود الوساطة الصينية استثمارات مالية كبيرة، بما في ذلك تمويل بعثات حفْظ السلام، أو المساعدات الإنسانية، أو جهود إعادة الإعمار في سيناريوهات ما بعد الصراع. وبالإضافة إلى ذلك، يمكن لمصالح الصين الاقتصادية في المنطقة، مثل إمدادات الطاقة ومشاريع البنية التحتية، أن تتعرَّض للخطر إذا فشلت جهود الوساطة وأدَّت إلى مزيد من عدم الاستقرار.

 ب. التكاليف السياسية: تحمل مشاركة الصين في الوساطة تكاليفًا سياسية، فالفشل في التوصُّل إلى حلّ من شأنه أن يُلحِق الضرر بسُمعة الصين باعتبارها وسيطٌ جدير بالثقة وقوَّة عالمية. وعلاوةً على ذلك، يتعيَّن على الصين أن تعمل على موازنة علاقاتها مع مختلف البلدان في المنطقة بعناية، لأنَّ تفضيل طرف على آخر قد يؤدِّي إلى تداعيات دبلوماسية، ويُضِرّ بمصالحها في أجزاء أخرى من الشرق الأوسط.

ج. التكاليف الإستراتيجية: قد يُسفِر تورط الصين في صراعات الشرق الأوسط، عن وقوعها في ديناميكيات إقليمية معقَّدة وصراعات على السُلطة؛ الأمر الذي قد يؤدِّي إلى تحويل الانتباه والموارد عن أولويات إستراتيجية أخرى. وبالإضافة إلى ذلك، تخاطِر الصين بالانجرار إلى صراعات مع قُوى كُبرى أخرى، مثل الولايات المتحدة أو روسيا، التي لها مصالحها الخاصَّة في المنطقة، وقد يؤدِّي هذا إلى زيادة التوتُّرات الجيوسياسية والتحدِّيات، التي تواجه سعي الصين إلى البروز السِلْمي.

2. مخاطر التورُّط في صراعات الشرق الأوسط:

قد ينطوي تورُّط الصين في صراعات الشرق الأوسط، مثل التوسُّط في الصراع السعودي-الإيراني، على مخاطر عدَّة:

أ. مَسْ السمعة: فقد يُشِّوه فشل الصين في التوسُّط الناجح لإيجاد حلّ، من صورتها كوسيطٍ عالمي فعّال، ويقوِّض مصداقيتها في الدبلوماسية الدولية، وقد يؤثِّر هذا على قُدرة الصين على لعِب دور بنّاء في صراعات أخرى وقضايا عالمية.

ب. التورُّط في المنافسات الإقليمية: يُعَدُّ الشرق الأوسط منطقة معقَّدة ذات منافسات عميقة الجذور وتحالفات متغيِّرة[41]، وعليه فإنَّ الصين تخاطِر بالانجرار إلى هذه المنافسات؛ الأمر الذي قد يؤدِّي إلى توتُّر علاقاتها مع القُوى الإقليمية، وتعقيد أهداف سياستها الخارجية.

ج. التأثير على المصالح الاقتصادية: للصين مصالح اقتصادية كبيرة في الشرق الأوسط، خاصَّةً في مجالي الطاقة والتجارة، ويمكن لتصاعُد الصراعات أو عدم الاستقرار في المنطقة، أن يعطِّل إمدادات النفط، ويعرِّض الاستثمارات للخطر، ويؤثِّر على أسواق الطاقة العالمية؛ ما يؤثِّر على اقتصاد الصين.

د. المخاطر الأمنية: هذا ويمكن للمشاركة المتزايدة في صراعات الشرق الأوسط، أن تعرِّض الصين لتهديدات أمنية، بما في ذلك الإرهاب والهجمات السيبرانية، وقد تصبح حماية المواطنين الصينيين وأُصولهم في المنطقة أكثر صعوبة.

ه. التوتُّرات الجيوسياسية: قد تؤدِّي جهود الوساطة الصينية إلى توتُّرات مع القُوى العالمية الأخرى، مثل الولايات المتحدة، التي لها مصالحها استراتيجياتها الخاصَّة في الشرق الأوسط، ويتطلَّب التعامل مع هذه الديناميكيات الجيوسياسية دبلوماسية حذِرة؛ لتجنُّب تصعيد الصراعات، أو إثارة مواجهة أوسع نطاقًا.

3. الآثار المترتِّبة على صورة الصين العالمية:

يمكن أن يكون لمشاركة الصين في التوسُّط في الصراعات أثرٌ كبير على صورتها العالمية:

أ. الأثر الإيجابي: يمكن للوساطة الناجحة أن تعزِّز من سُمعة الصين كقوَّة عالمية مسؤولة وملتزمة بالسلام والاستقرار، ويمكن أن تكشف عن براعة الصين الدبلوماسية، وقُدرتها على المساهمة بشكل بنّاء في الشؤون الدولية. وهذا من شأنه أن يعزِّز قوَّة الصين الناعمة، ويقوِّي علاقاتها مع دول في الشرق الأوسط وخارجه.

ب. إظهار القيادة: ويمكن للصين من خلال الاضطلاع بدورٍ استباقي في حل الصراعات المعقَّدة، أن ترسِّخ نفسها كدولة رائدة في الحوكمة العالمية، وهذا من شأنه أن يضع الصين كبديل للقُوى الغربية التقليدية، ويزيد من نفوذها في تشكيل النظام الدولي.

ج. التأثير المحايد أو السلبي: رُبَّما ينُظَر إلى جهود الوساطة الصينية على أنَّها متحيِّزة، أو غير فعّالة، أو مدفوعة بمصلحة ذاتية، فقد يؤدِّي ذلك إلى الإضرار بصورتها العالمية، فود يؤدِّي الفشل في تحقيق نتائج ملموسة أو النظر إلى الموضوع على أنَّه سببٌ في تفاقُم الصراعات، إلى انتقادات وشكوك حول نوايا الصين وقُدراتها.

د. تحقيق التوازن: يتطلَّب تورُّط الصين في صراعات الشرق الأوسط تحقيق توازُنٍ دقيق، ويتعيَّن عليها أن تتعامل مع الحساسيات الإقليمية، وأن تُدير العلاقات مع القُوى المتنافسة، وأن تتمسَّك بمبدأ عدم التدخُّل، في حين تسعى في الوقت نفسه إلى تحقيق مصالحها الخاصة. وسوف تؤثِّر الكيفية، التي تُدير بها الصين هذه التحدِّيات، على صورتها العالمية، وتصوُّر صعودها كقوَّة كُبرى.

خلاصة يمثِّل دور الصين كوسيط في الصراع السعودي-الإيراني تطوُّرًا كبيرًا في سياستها الخارجية، ونفوذها المتزايد في الشرق الأوسط، فقد وضعت الصين نفسها، من خلال تبنِّي موقف محايد والاستفادة من قوَّتها الاقتصادية نفسها، كلاعبٍ رئيسي في الدبلوماسية الإقليمية. ومن الممكن أن يؤدِّي نجاح جهود الوساطة، التي تبذلها، إلى تعزيز استقرارها العالمي، والمساهمة في الاستقرار الإقليمي، وتعزيز نظام عالمي متعدِّد الأقطاب. ومع ذلك، فإنَّ انخراط الصين في صراعات الشرق الأوسط لا يخلو من التحدِّيات، فالتنافسات الراسِخة، والديناميكيات الإقليمية المعقَّدة، ووجود قُوى عالمية أخرى، تشكِّل عقبات كبيرة أمام نجاح الوساطة. وعلاوةً على ذلك، يتعيَّن على الصين أن تُدير التكاليف الاقتصادية والسياسية والإستراتيجية المترتِّبة على مشاركتها بعناية، فضلًا عن مخاطر التورُّط في صراعات إقليمية. فتأثير الوساطة الصينية على ديناميكيات القوَّة العالمية عميق، ولتصرُّفات الصين في الوقت الذي تسعى فيه إلى تأكيد نفوذها في الشرق الأوسط، آثارٌ على علاقاتها مع القُوى الأخرى خاصَّةً الولايات المتحدة، وعلى النظام الدولي الأوسع. وعليه، فلن يؤثِّر نجاح أو فشل جهود الوساطة على الاستقرار الإقليمي فحسب، بل سيشكِّل أيضًا تصوُّرات لدور الصين كزعيمٍ عالمي. وستُوضَع جهود الوساطة الصينية في الصراع السعودي-الإيراني في هذا المشهد الجيوسياسي المتطوِّر تحت المجهر، وستقدِّم تلك الجهود رؤى قيِّمة حول إمكانيات وقيود النهج الدبلوماسي الصيني، فضلًا عن قُدرتها على الإبحار في شبكة معقَّدة من المصالح والتنافسات في الشرق الأوسط. وسوف يشكِّل دور الصين في التوسُّط في الصراعات -مع استمرار تأكيد حضورها على الساحة العالمية- اختبارًا حاسمًا لطموحاتها وقُدراتها، من منطلق كونها قوَّة كُبرى في القرن الحادي والعشرين.


[1] Chubin, S., & Tripp, C. (2014). Iran-Saudi Arabia relations and regional order. Routledge

[2]  Salamey, I., & Othman, Z. (2011). Shia revival and welayat al-faqih in the making of Iranian foreign policy. Politics, religion & ideology12(2), 197-212.

[3] Abdo, G. (2017). The new sectarianism: The Arab uprisings and the rebirth of the Shi’a-Sunni divide. Oxford University Press.

[4] Alsultan, F. M., & Saeid, P. (2016). The Development of Saudi-Iranian Relations since the 1990s: Between conflict and accommodation. Taylor & Francis.

[5] Zreik, M. (2021). China and Europe in Africa: Competition or Cooperation?. MJIR| Malaysian Journal of International Relations9(1), 51-67.

[6] McConnell, F., & Woon, C. Y. (2023). Mapping Chinese Diplomacy: Relational contradictions and spatial tensions. Geopolitics28(2), 593-618.

[7] Olimat, M. S. (2023). China and the Middle East: An Overview. Routledge Companion to China and the Middle East and North Africa, 9-24.

[8] Moeini, A., Mott, C., Paikin, Z., & Polansky, D. (2022). Middle powers in the multipolar world. The Institute for Peace & Diplomacy.

[9] Mullen-Rhoads, R. E. (2018). E-negotiations between Chinese and US business leaders: a brief review of the literature. International Journal of Teaching and Case Studies9(3), 221-240.

[10]  Bush, R. A. B., & Folger, J. P. (2004). The promise of mediation: The transformative approach to conflict. John Wiley & Sons.

[11] Winslade, J., & Monk, G. D. (2000). Narrative mediation: A new approach to conflict resolution. John Wiley & Sons.

[12] Winslade, J., & Monk, G. D. (2008). Practicing narrative mediation: Loosening the grip of conflict. John Wiley & Sons.

[13]  Stoshikj, M. (2014). Integrative and distributive negotiations and negotiation behavior. Journal of Service Science Research6, 29-69.

[14]  Nye, J. S. (1990). Soft power. Foreign policy, (80), 153-171.

[15] Zreik, M. (2022). Chinese Soft Power. Journal of Global Politics and Current Diplomacy10(1), 19-37.

[16]  Cohen, S. B. (2003). Geopolitics of the world system. Rowman & Littlefield.

[17] Langendonk, S. (2020). Discourse power as a means to ‘struggle for position’: A critical case study of the belt and road Narrative’s effects on foreign policy formulation in the Netherlands. Journal of Chinese Political Science25(2), 241-260.

[18] Hoh, A. (2019). China’s belt and road initiative in Central Asia and the Middle East. Digest of Middle East Studies28(2), 241-276.

[19] Grumet, T. R. (2015). New Middle East Cold War: Saudi Arabia and Iran’s Rivalry (Doctoral dissertation, University of Denver).

[20] Miller, R., & Cardaun, S. (2020). Multinational security coalitions and the limits of middle power activism in the Middle East: the Saudi case. International Affairs96(6), 1509-1525.

[21] Terrill, W. A. (2011). The Saudi-Iranian rivalry and the future of Middle East security. Department of the Army.

[22] Kaussler, B., & Grant, K. A. (2022). Proxy War in Yemen. Taylor & Francis.

[23]  Li, M. (2013). Mao’s China and the Sino-Soviet Split: Ideological Dilemma. Routledge.

[24] Jie, L. (2005). China’s Domestic Politics and the Normalization of Sino-US Relations, 1969–1979. In Normalization of US-China Relations (pp. 56-89). Harvard University Asia Center.

[25] Zreik, M. (2023). China-US Relations Under the New Economic Order: The Case for the US Withdrawal from the Trans-Pacific Partnership Agreement. Journal of Asia Pacific Studies7(1), 13-26.

[26] Zubair, B. (2023). From ‘Rise of China’to ‘Peaceful Development’: An Analysis of Competing Discourses. In Chinese Soft Power and Public Diplomacy in the United States (pp. 41-68). Singapore: Springer Nature Singapore.

[27] Nye, J. S. (1990). Soft power. Foreign policy, (80), 153-171.

[28] Sloan, G., & Gray, C. S. (2017). Geopolitics, geography and strategic history. Routledge.

[29] Ambrosio, T., Schram, C., & Heopfner, P. (2020). The American securitization of China and Russia: US geopolitical culture and declining unipolarity. Eurasian Geography and Economics61(2), 162-194.

[30] Zheng, C. (2016). China debates the non-interference principle. The Chinese Journal of International Politics9(3), 349-374.

[31] Chen, Z., & Yang, D. L. (2023). Governing Generation Z in China: Bilibili, bidirectional mediation, and online community governance. The Information Society39(1), 1-16.

[32] Sun, D., & Zoubir, Y. (2018). China’s participation in conflict resolution in the Middle East and North Africa: a case of quasi-mediation diplomacy?. Journal of Contemporary China27(110), 224-243.

[33]  Sharma, A. (2019). An analysis of ‘belt and road’ initiative and the Middle East. Asian Journal of Middle Eastern and Islamic Studies13(1), 35-49.

[34]  Melissen, J. (2005). The new public diplomacy. Palgrave.

[35] Wallensteen, P., & Svensson, I. (2014). Talking peace: International mediation in armed conflicts. Journal of peace research51(2), 315-327.

[36] Linebarger, C., & Braithwaite, A. (2020). Do walls work? The effectiveness of border barriers in containing the cross-border spread of violent militancy. International Studies Quarterly64(3), 487-498.

[37]  Chaziza, M. (2020). China’s Middle East diplomacy: the belt and road strategic partnership. Liverpool University Press.

[38] Wong, K. C. (2021). The rise of China’s developmental peace: Can an economic approach to peacebuilding create sustainable peace?. Global Society35(4), 522-540.

[39]  Friedberg, A. L. (2018). Competing with China. Survival60(3), 7-64.

[40]  Barakat, S. (2014). Qatari mediation: between ambition and achievement. Washington: Brookings Institution.

[41] Scobell, A., & Nader, A. (2016). China in the Middle East: the wary dragon. RAND corporation.

محمد زريق
محمد زريق
باحث في الشؤون الصينية