أهمية زيارة أردوغان الأخيرة للعراق

https://rasanah-iiis.org/?p=34959

في 22 أبريل 2024م، زارَ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان العراق، في أول زيارة رسمية له للبلاد منذ أكثر من عقد. وخلال زيارته لبغداد، التقى الرئيس العراقي عبد اللطيف رشيد، ورئيس الوزراء محمد شيّاع السوداني. وزارَ أردوغان أيضًا أربيل؛ عاصمة إقليم كردستان، الإقليم الذي كثَّفت تركيا عليه في السنوات الأخيرة ضرباتها، التي تستهدف الجماعات المتمرِّدة الكردية، لا سيّما حزب العُمّال الكردستاني ووحدات حماية الشعب.

وأبرمت العراق وتركيا اتفاقية إطار عملٍ إستراتيجي للتعاون المشترك خلال زيارة أردوغان؛ الأمر الذي يُشير إلى الالتزام بتعزيز التعاون عبر قطاعاتٍ متعدِّدة. وشمِلَت الاتفاقيات 24 مذكِّرة تغطِّي مجالاتٍ متنوِّعة، بما في ذلك الطاقة والتجارة والنقل والاستثمار والبنية التحتية والعلوم والتكنولوجيا والزراعة وإدارة الموارد المائية. وسوف تُنفَّذ اتفاقية تقاسُم المياه من نهري دجلة والفرات، والمشاريع المشتركة، بما في ذلك تحديث أنظمة الري العراقية، على مدى 10 سنوات. ويهدُف هذا الاتفاق إلى ضمان الإدارة العادلة لموارد المياه، ومعالجة المخاوف القائمة منذ فترة طويلة إزاءَ تأثير السدود التركية على مستويات المياه، وتفاقُم قضايا الجفاف في العراق.

ووفقًا للبيانات الرسمية، انخفضت التجارة الثنائية من 24.2 مليار دولار في عام 2022م، إلى 19.9 مليار دولار في عام 2023م. ومع ذلك، وخلال الربع الأول من عام 2023م، شهِدَت الصادرات التركية إلى العراق ارتفاعًا بنسبة 24.5%، بينما انخفضت الواردات بنسبة 46.2%. وأكَّدت رئيسة لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان العراقي ديلان غفور صالح، تطلُّع تركيا إلى زيادة حجم التجارة السنوية مع العراق إلى 24 مليار دولار.

وأكَّد البلدان اهتمامهما بتعزيز التعاون في مشروع الطريق التنموي الطموح، وهو مبادرة تهدُف إلى إنشاء خط مواصلات تُقدَّر قيمته بنحو 20 مليار دولار، يمتَدّ على مسافة 1275 كيلومترًا من البصرة؛ المحافظة الجنوبية الغنية بالنفط في العراق، إلى تركيا. ويشمل المشروع قطر والإمارات العربية المتحدة أيضًا، ووعَدَ كلا البلدين باستثمارات مالية لتطوير شبكات الطُرُق والسكك الحديدية. ويحظى هذا المشروع بأهمِّية كبيرة بالنسبة لتركيا؛ نظرًا لدوره المُحتمَل في تعزيز الروابط التجارية مع منطقة الخليج ودول أخرى، كما أنَّ المشاركة الدبلوماسية بين البلدين قد زادت في السنوات الأخيرة نتيجة لهذا التقارب.

وتسعى تركيا إلى الاستفادة من موقعها الإستراتيجي، خاصَّةً أنَّها استُبعِدت من المقترحات السابقة، مثل الممرّ الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط. وخلال قمَّة مجموعة ال 20 في سبتمبر 2023م، أكَّد أردوغان على أهمِّية تركيا، قائلًا: «لا يمكن أن يكون هناك ممرّ بدون تركيا». وتُعَدُّ تركيا قاعدة إنتاج وتجارة هامَّة؛ ويجب أن يمُرّ الخط الأنسب لحركة المرور من الشرق إلى الغرب عبر تركيا، ويتجاوز كلا المسارين قناة السويس، وتعمل الإمارات بمثابة شريك مشترك. ويكمُن الفرق الأساسي بين الممرّ الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط ومشروع طريق التنمية، من خلال مشاركة إسرائيل. سعت اللجنة إلى استكمال وتسريع محادثات التطبيع بين المملكة العربية السعودية وإسرائيل، ومع ذلك، تمسَّكت الرياض بموقفها بأنَّ محادثات التطبيع لن تكون ناجحةً دون حل عادل للفلسطينيين. لقد غيَّرت هجمات «حماس» في 7 أكتوبر 2023م، وما تلاها من مآلات، الوضع الإقليمي، لا سيّما بسبب المخاطر الأمنية وحالة الاستقطاب السياسية. وفي السياق الحالي، توقَّفت عملية التطبيع بسبب العدوان الإسرائيلي على غزة؛ إذ تواجه إسرائيل إدانة عالمية ومعارضة شعبية قوية في جميع أنحاء العالم العربي. ويُدرك أردوغان أهمِّية الفُرصة، للمُضي قُدُمًا في خطّته، في ظل الظروف الحالية.

كان الأمن من أهمّ القضايا، التي نُوقِشت بين البلدين، حيث كثَّفت تركيا هجماتها عبر الحدود ضّد حزب العُمّال الكردستاني. وحسبما أفادت به التقارير، ناقشت وزارة الدفاع التركية أيضًا مع العراق تقديم المساعدة الفنِّية، التي تخُصّ أمن الحدود ضدّ مقاتلي حزب العُمّال الكردستاني. وكان العراق قد وجَّه انتقادات في وقتٍ سابق للعمليات العسكرية، التي يقوم بها حزب العُمّال الكردستاني في شمال العراق. ومع ذلك، وبعد مداولات واسعة النطاق في العام الماضي، أصدر العراق وتركيا بيانًا مشتركًا، أُعلِن فيه عن تصنيف حزب العُمّال الكردستاني منظَّمةً محظورة. وبدأت تركيا سلسلةً من العمليات العسكرية ضدّ حزب العُمّال الكردستاني في شمال العراق، أطلقت عليها اسم «مخلب-القفل» في أبريل 2022م، والتي ساهمت في حدوث التوتُّرات بين البلدين. وكان وزير الدفاع التركي يشار غولر قد قال في وقتٍ سابق: إنَّ هدف أنقرة هو إنشاء ممرّ أمني على طول الحدود المشتركة مع العراق، يمتَدّ من 30 إلى 40 كيلومترًا. ويعكس القرار الأخير، الذي اتّخذته بغداد بحظر حزب العُمّال الكردستاني، هدفها في زيادة الإجراءات الأمنية في خِضَمّ المخاوف، التي تساورها إزاءَ انتهاك سيادتها؛ بسبب الأنشطة العسكرية التركية في العراق.

ومع احتمال وجود استثمارات كبيرة في مشاريع، مثل مشروع طريق التنمية الذي يلوحُ في الأُفُق، تُعرب بغداد عن إصرارها على عدم التخلِّي عن هذه المشاريع؛ بسبب بعض القضايا الخلافية، مثل حزب العُمّال الكردستاني. وبالتالي، تحرص بغداد على التوصُّل إلى توافُقٍ متبادل. يعتمد التعاون الثنائي، لا سيّما فيما يتعلَّق بمشاريع البنية التحتية ذات الأهمِّية، اعتمادًا كبيرًا على الأمن المحلِّي والإقليمي، فضلًا عن التنسيق والاتفاق الفاعلين بين الحكومة المركزية العراقية وحكومة إقليم كردستان، خاصَّةً في خِضَمّ المخاوف السائدة المتعلِّقة بالحُكم الذاتي. وتُدرك كلٌّ من بغداد وأنقرة هذه الدينامية؛ ما يؤكِّد الأهمِّية البالغة للمناقشات حول المسائل الأمنية، التي لا تزال تشكِّل التحدِّي الأكبر. ويعكس الاجتماع الأخير في أربيل بين أردوغان ورئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني، وكذلك رئيس الوزراء مسرور بارزاني، إدراكَ المزايا المشتركة للتعاون الثنائي. لقد توقَّف خط أنابيب النفط بين العراق وتركيا منذ مارس 2023م؛ بسبب نزاعات قانونية، حيث فشلت شركات النفط الأجنبية والسُلطات الكردية في تقديم عقود منقَّحة؛ الأمر الذي نتج عنه تداعياتٍ مالية على العراق. من المرجَّح أن يعمل كلا البلدين على التغلُّب على العوائق الحالية، أو إيجاد طُرُق بديلة ممكنة. وفي كلتا الحالتين، من المرجَّح أن تستخدم تركيا هذه المشاريع؛ من أجل أن تستكمل محاولاتها لوضع نفسها كمركزٍ إقليمي للطاقة يربط الشرق الأوسط بأوروبا.

وتمثِّل زيارة أردوغان الأخيرة للعراق علامةً فارقة في العلاقات الثنائية بين البلدين، وترمُز إلى تجديد الالتزام بالتعاون. ويسلِّط إبرام الاتفاقيات الرئيسية، بما في ذلك مشروع طريق التنمية الطموح واتفاقية الإطار الإستراتيجي للتعاون المشترك، الضوء على الرغبة المُتبادَلة في تعزيز الاتصال والتجارة والأمن بين البلدين. وتُظهِر أيضًا المحاولات لحل القضايا القديمة، مثل إدارة الموارد المائية وتصنيف حزب العُمّال الكردستاني كمنظَّمة محظورة، استعدادًا لمواجهة التحدِّيات المشتركة وبناء أساس للاستقرار طويل المدى.

المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
إدارة التحرير