أصبحت أزمة مضيق هرمز أحد أبرز التطوُّرات الجيوسياسية زعزعة للاستقرار في عقد العشرينات من هذا القرن، وتعود جذور هذه الأزمة إلى تصاعُد التوتُّرات بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، من جرّاء المواجهات العسكرية الأخيرة. بالنسبة لأوروبا، التي لا تزال تتعامل مع تداعيات الحرب الروسية-الأوكرانية والتحدِّيات الهيكلية أمام سياسيات خفض الانبعاثات الكربونية، فقد أدَّى الإغلاق المتقطِّع في حركة الملاحة عبر المضيق إلى تداعيات متسلسلة تتجاوز أزمة نقص الإمدادات الفورية. لقد كشفت الأزمة عن نقاط الضعف الهيكلية في أنظمة الطاقة، وفاقمت الضغوط الناجمة عن التضخم، وأضعفت الموقف الدبلوماسي، وفرضت مفهوم إعادة تقييم الاستقلال الإستراتيجي في نظام دولي يتّجِه بشكل متزايد نحو التعدُّدية القطبية.
ويُعَدُّ الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة عبر الأسواق الأوروبية واحد من أبرز تداعيات الحرب الإيرانية منذ نشوبها؛ فقد ارتفعت أسعار النفط بنحو 50%، في حين ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي بنسبة تصِل إلى 63% بحسب بعض المؤشِّرات؛ ما أضاف ما يُقدَّر بنحو 24 مليار دولار إلى فاتورة وارادت الاتحاد الأوروبي من الوقود الأحفوري وحده. وعلى الرغم من إعادة فتْح المضيق، لا تزال حركة سير السُفُن أقلّ بكثير ممّا كانت عليه قبل الأزمة، ناهيك عن أنَّ ضبابية الحالة الجيوسياسية تواصل تأجيج التقلُّبات في أسواق عقود الآجلة الطاقة؛ الأمر الذي قد يؤخِّر تحقيق أيّ استقرار ملموس في الأسعار.
وقد تحوَّلت هذه التطوُّرات إلى ضغوط ملموسة أثقلت كاهل الأُسَر، يتجلَّى ذلك من خلال ارتفاع تكاليف التدفئة، والنقل، وأسعار السِلَع الاستهلاكية اليومية. واضطرَّت الصناعات، التي تعتمد بشكلٍ كبير على الطاقة، لا سيّما في قطاعي الكيماويات والتصنيع، إلى خفْض مستويات الإنتاج، حيث علَّقت منشآت في ألمانيا وهولندا عملياتها بشكلٍ مؤقَّت من أجل تجنُّب تكاليف التشغيل لا يمكن تحمُّلها. علاوةً على ذلك، أقرَّ الاتحاد الأوروبي خطَّة لدعم أسعار الكهرباء للصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة؛ الأمر الذي قد يسهم في توفير ما يصِل إلى 3.8 مليار دولار من الدعم الحكومي حتى عام 2028م. بينما وصفت وزيرة الاقتصاد كاترينا رايشه هذا الإجراء بأنَّه «نجاح كبير»، يعتقد ممثِّلو الصناعة والعمل أنَّ القيود التنظيمية داخل الاتحاد الأوروبي ستحِد بشكل كبير من نطاق فعاليته؛ ما ترَكَ العديد من الشركات أمام مكاسب هامشية محدودة. وكان قطاع الطيران من أكثر المتضرِّرين في هذه الأزمة؛ فقد أدَّى نقْص إمدادات وقود الطائرات إلى إلغاء الرحلات الجوِّية وارتفاع الأسعار؛ الأمر الذي أدَّى لاضطرابات واسعة في قطاع السياحة والسفر، في وقت كان فيه الوضع الاقتصادي بعد جائحة كورونا قد بدأ للتو بالتعافي.
على الرغم من أنَّ أوروبا قد خفضت اعتمادها المباشر على النفط الخام القادم من الشرق الأوسط بعد تنفيذ سياسات تنويع مصادر الإمدادات في أعقاب الحرب الروسية الأوكرانية، لا يزال اعتمادها على المنتجات النفطية المكررة مرتفعً. ولا تزال الواردات من دول الخليج، خاصَّة الديزل ووقود الطائرات، تلعب دورًا حاسمًا في سلاسل التوريد الأوروبية. وقد أسفرت الاضطرابات في سلاسل الإمدادات هذه عن التراجع التدريجي عن موارد الطاقة الروسية؛ الأمر الذي أجبر شركات الطاقة الأوروبية لتأمين مصادر بديلة في ظل قيود متزايدة التعقيد. وتمَّ تحويل مسار شحنات الغاز الطبيعي المُسال من قطر وغيرها من الدول المصدِّرة إلى مسارات بحرية أطول وأكثر كُلفة، غالبًا حول رأس الرجاء الصالح؛ ما أدَّى إلى زيادة تكاليف الشحن بشكلٍ كبير. ومن أجل مواجهة ذلك، سرَّعت الحكومات الأوروبية وتيرة المفاوضات للحصول على إمدادات إضافية من الولايات المتحدة والنرويج، على الرغم من أنَّ هذه البدائل تنطوي على تكاليف اقتصادية وسياسية، بما في ذلك ارتفاع التكاليف المفروضة على التصدير والمعارضة المحلِّية لتجديد الاعتماد على الوقود الأحفوري. وحذَّر القادة السياسيون الأوروبيون من أن إعادة فتْح المضيق بالكامل لن تحُلّ الأزمة بالكامل؛ نظرًا لاحتمال حدوث أضرار في البنية التحتية واستمرار التهديدات الأمنية.
وتمتد التداعيات الاقتصادية إلى ما هو أبعد من أسواق الطاقة، فقد أسهمت الاضطرابات الجيوسياسية في إمدادات الطاقة الضغوط التضخمية في أوروبا؛ الأمر الذي يعقِّد مهمَّة البنك المركزي الأوروبي، الذي يواجه ضغوطًا جديدة لتحقيق التوازن بين تشديد السياسة النقدية ومخاطر تقويض النمو الاقتصادي. ومن المتوقَّع أن تثقل صدمات الأسعار المستمرة بشكلٍ خاص كاهل الاقتصادات المستوردة للطاقة، حيث تتعرَّض بلدان مثل إيطاليا وإسبانيا لاحتمال حدوث انكماش في الناتج. وفي الوقت نفسه ، امتدَّت اضطرابات صادرات الطاقة والبتروكيماويات الخليجية إلى مستلزمات صناعية وزراعية رئيسية، بما في ذلك الأسمدة والكبريت والميثانول والألمنيوم. وبسبب ارتباط هذه القطاعات الوثيق بمعالجة الهيدروكربونات، فقد أدَّى انخفاض الإمدادات إلى ارتفاع الأسعار العالمية؛ الأمر الذي أدَّى إلى زيادة تكاليف الإنتاج عبر مختلف الصناعات. وقد أثار الارتفاع الناتج عن ذلك في أسعار الأسمدة بدوره مخاوف بشأن المحاصيل الزراعية، لا سيّما في ظل الظروف مناخية غير مواتية أصلًا.
من الناحية الجيوسياسية، كشفت الأزمة عن حدود قُدرة أوروبا على تحقيق استقلالها الإستراتيجي. بينما تبنَّت الولايات المتحدة موقف حازم يهدف إلى تقييد الإيرادات الإيرانية، سعت الحكومات الأوروبية إلى اتّباع نهْج أكثر تنوُّعًا.و دعت فرنسا والمملكة المتحدة إلى تشكيل قوَّة بحرية متعدِّدة الجنسيات لتأمين الطُرُق البحرية، بالاعتماد على أُطُر عملياتية سابقة في المنطقة. غير أنَّ مثل هذه المبادرات تواجه قيودًا تتمثَّل في محدودية الموارد العسكرية المحدودة وتعدُّد الأولويات الأمنية، بما في ذلك جهود الردع في مواجهة روسيا وعدم الاستقرار في المناطق المجاورة مثل الساحل. وشدَّدت ألمانيا على أهمِّية الانخراط الدبلوماسي من خلال المؤسسات متعدِّدة الأطراف، خاصَّةً الأُمم المتحدة، والدعوة إلى خفْض التصعيد وضمان استعادة حرِّية الملاحة. ومع ذلك، فقد أبرزت هذه الجهود المعوقات الهيكلية، التي تواجه أوروبا؛ فغياب القُدرات العسكرية الموحَّدة أو نفوذ اقتصادي الحاسم على الفاعلين الإقليميين، على الرغم من فرْض الاتحاد الأوروبي عقوبات على السُلطات الإيرانية المسؤولة عن إغلاق مضيق هرمز، واجه الاتحاد الأوروبي صعوبة في صياغة النتائج بشكل استباقي. وفي الوقت نفسه، أدَّت الأزمة إلى زيادة حدَّة المنافسة مع الصين، التي يوفِّر توسُّع حضورها الاقتصادي في الشرق الأوسط شراكات بديلة قد تضعف النفوذ الأوروبي بشكل أكبر.
دبلوماسيًا، أدَّت الاضطرابات في المضيق إلى توتُّر العلاقات عبر الأطلسي، وفي الوقت نفسه أتاح فتْح الفرصة لأشكال جديدة من التفاعل. على الرغم من أنَّ كلا الجانبين يشتركان في مصلحة استعادة الاستقرار، إلّا أنَّ تبايُن الأولويات الإستراتيجية، لا سيّما فيما يتعلَّق بإيران، خلقت توتُّرات غير مُعلَنة. وقد سعت بعض الدول الأوروبية إلى فتْح قنوات اتصال الدبلوماسية مع طهران بشكلٍ غير مُعلَن، مدفوعةً بضرورات أمن الطاقة وخفْض تصعيد الأزمة. ويعكس الموقف الأوروبي الصادر عن قمَّة نيقوسيا نهجًا حذِرًا وتدريجيًا. اقترح المستشار الألماني فريدريش ميرتس أنَّ تخفيف العقوبات يمكن أن يكون بمثابة أداة ضغط دبلوماسية، في حالة التوصُّل إلى اتفاق شامل مع إيران، في إطار مساهمة أوروبية في عملية السلام. ومع ذلك، أشار رئيس المجلس الأوروبي آنت أوشنيو كوستا، إلى أنَّه من السابق لأوانه مناقشة رفْع العقوبات. ومن جانبها، أكَّدت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لين على الشروط الصارمة، التي تتعلَّق بالخفض التصعيد قابل للتحقق والتغيير في سلوك إيران. وبشكلٍ عام، يسلِّط هذا الأمر الضوء على استعداد الاتحاد الأوروبي للمشاركة والانقسامات الداخلية، التي تحِدّ من قُدرته على اتّخاذ قرارات بشكلٍ حاسم.
في الوقت نفسه، سرَّعت الأزمة وتيرة استثمار أوروبا في إنتاج الطاقة المحلِّية والبنية التحتية المتجدِّدة؛ حصلت مشاريع الرياح البحرية في بحر الشمال ومبادرات الطاقة الشمسية في جنوب أوروبا على موافقات سريعة؛ الأمر الذي يعكس توافقًا متزايدًا حول الحاجة إلى الكفاءة الهيكلية. وعلى الرغم ممّا تبشِّر به هذه الإجراءات من مكاسب طويلة الأجل، إلّا أنَّ التكاليف الآنية لا تزال مرتفعة، إذ تتطلَّب استثمارات حكومية كبيرة في ظل محدودية الموارد المالية المتاحة. لقد تطوَّر الرأي العام تبعًا لذلك، حيث اقترن زيادة الدعم المتزايد للاستقلال في مجال الطاقة بشكوك حول وتيرة التحول نحو الاقتصاد الأخضر، والتداعيات على مستوى الدخل، ومدى القُدرة على تحمل تكاليفه.
تمثِّل أزمة هرمز اختبارًا حاسمًا لقُدرة أوروبا على الصمود، في عصرٍ يتّسِم بتنافس القُوى العُظمى وحالة عدم اليقين المنهجية. بحلول أواخر أبريل 2026م، تتزامن بوادر التعافي الطفيفة في حركة الملاحة البحرية مع استمرار ارتفاع أسعار الطاقة؛ الأمر الذي يُشير إلى أنَّ التداعيات الكاملة للأزمة لم تتكشَّف بعد. يواجه صانعو القرارات الأوروبيون ضرورة مزدوجة: تنفيذ إجراءات تخفيف قصيرة الأجل، بما في ذلك تنويع المتنوعة والدعم الموجه، مع تعزيز الإستراتيجيات طويلة الأمد التي ترتكز على الاحتياطيات الإستراتيجية، وتنويع مصادر الاستيراد، وتسريع وتيرة الاعتماد على الطاقة المتجدِّدة. لن تشكِّل النتيجة المسار الاقتصادي لأوروبا فحسب، بل أيضا قُدرتها على ترسيخ نفسها كفاعل جيوسياسي متماسك. قد تكون هذه الحادثة بمثابة عامل دافع نحو تعميق التكامل في سياسات الطاقة والدفاع، لكنَّها تنطوي أيضًا على خطر ترسيخ مواطن الضعف، في حال لم تُتَّخَذ إجراءات حاسمة.