إعادة تأكيد سُلطة الكونغرس على التجارة.. دروس سياسات من حُكم المحكمة العُليا بشأن الرسوم الجمركية

https://rasanah-iiis.org/?p=38815

في 20 فبراير2026م، أصدرت المحكمة العُليا للولايات المتحدة حُكمًا تاريخيًا، أبطلت من خلاله سلسلة من الرسوم الجمركية الواسعة، التي فرضها الرئيس دونالد ترامب، معتبرة أنَّ قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية (IEEPA) لا يمنح الرئيس سُلطة فرْض مثل هذه الرسوم. وفي حُكم صدَرَ بأغلبية ستة قُضاة مقابل ثلاثة في القضيتين الموحَّدتين «Learning Resources, Inc. v. Trump» و«Trump v. V.O.S. Selections, Inc»، أكَّدت المحكمة مجدَّدًا، أنَّ الكونغرس يحتفظ بالسُلطة الدستورية الأساسية في مجال الضرائب وسياسات التجارة، بموجب المادَّة الأولى في القسم الثامن من الدستور. ويُعَدُّ هذا الحُكم أحد أبرز الضوابط المفروضة على السُلطة التنفيذية في المجال التجاري منذ عقود، وقد أثار نقاشًا واسعًا بشأن استرداد الرسوم، والاضطرابات الاقتصادية، ومسار الإستراتيجية التجارية الأمريكية.

نشأت أزمة الرسوم مع تجديد ترامب لأجندة «أمريكا أولًا» التجارية، عقِبَ عودته إلى البيت الأبيض عام 2025م. واستنادًا إلى قانون IEEPA الصادر عام 1977م، الذي صُمِّم لتمكين الرئيس من تنظيم بعض المعاملات الاقتصادية خلال حالات الطوارئ الوطنية المرتبطة بتهديدات خارجية، وعليها أعلن ترامب حالتي طوارئ  في البلاد مرتبطتين بتهريب المخدّرات واستمرار اختلال الميزان التجاري. وبناءً على ذلك، فرَضَ رسومًا إضافية بنسبة 25% على معظم الواردات من كندا والمكسيك، و10% على السِلَع القادمة من الصين، بحُجَّة أنَّ تدفُّقات «مخدِّر الفنتانيل» والشبكات الإجرامية المرتبطة به تشكِّل «تهديدًا غير عادي واستثنائي» للأمن القومي. وبالتوازي، أطلقت الإدارة رسومًا «مُتبادَلة» حدَّدت بموجبها تعرفة أساسية لا تقِلّ عن 10% على واردات جميع الشركاء التجاريين، مع معدلات أعلى طُبّقت على عشرات الدول، التي اعتُبِرت محافظة على فوائض تجارية بِنيوية مع الولايات المتحدة. وقد أُعلِن عن هذه الإجراءات في أبريل2025م، وأُطلِق عليها إعلاميًا «رسوم يوم التحرير»، وشهِدَت هذه الإجراءات تعديلات متكرِّرة، أدَّت إلى تصعيد التوتُّرات مع الحلفاء والمنافسين الإستراتيجيين..

وسرعان ما أُقيمت طعون قانونية؛ فقد جادلت شركات صغيرة ومستوردون وعدَّة ولايات بأنَّ تخويل قانون «IEEPA» للرئيس «تنظيم … الاستيراد» لا يشمل سُلطة فرض الرسوم الجمركية، التي اعتبروها ضرائب محفوظة دستوريًا للكونغرس. وذهبوا إلى أن تفسير الإدارة يمنح السُلطة التنفيذية صلاحية مالية مفتوحة بلا حدود زمنية أو موضوعية ذات معنى. وانحازت محكمة التجارة الدولية الأمريكية، ثم محكمة الاستئناف للدائرة الفيدرالية إلى المدّعين، معتبرتين أن الرسوم استثنائية من حيث نطاقها وتفتقر إلى أساس تشريعي واضح. ونظرًا لما للقضية من تبعاتٍ اقتصاديةٍ كُبرى وإثارتها أسئلة دستورية جوهرية، قررت المحكمة العُليا النظر إليها وضمّ القضايا المرتبطة بها ضمن مراجعة معجّلة.

وفي رأي الأغلبية، شدَّد رئيس المحكمة جون روبرتس على أنَّ الرسوم الجمركية ليست مجرَّد أدوات تنظيمية، بل تمثِّل ممارسة جوهرية لسُلطة فرْض الضرائب. وخلُص إلى أنَّ قانون «IEEPA» لا يتضمَّن تفويضًا صريحًا بفرض رسوم جمركية. وكانت الإدارة قد دفعت بأنَّ النص، الذي يُجيز للرئيس «تنظيم» الواردات يتضمَّن ضِمنًا سُلطة فرْض الرسوم. غير أنَّ المحكمة رفضت هذا التفسير، مستندة إلى مبدأ «القضايا الكُبرى»، الذي يقضي بأنَّه عندما ينطوي الإجراء التنفيذي على آثار اقتصادية وسياسية واسعة النطاق، يجب أن يتحدَّث الكونغرس بوضوح لا لبس فيه. وبما أنَّ القانون لا يذكر «الرسوم الجمركية» أو »التعريفات« صراحةً، ولم يسبق لأيّ رئيس أن استخدمه كسُلطة عامَّة لفرض الرسوم، رأت الأغلبية أنَّه لا يمكن استنتاج مثل هذا التفويض الفضفاض ضِمنيًا.

وتحمل التداعيات الاقتصادية للحُكم أهمِّية كبيرة؛ إذ شكَّلت الرسوم المُلغاة بموجب قانون «IEEPA» نسبة معتبرة من إيرادات الرسوم الجمركية المُحصَّلة عام 2025م، مع تقديرات تتراوح بين 140 و200 مليار دولار أو أكثر، تبعًا للمنهجية والتوقيت. وإذا ما ألزمت المحاكم باستردادات واسعة النطاق، فقد يكون الأثر المالي كبيرًا، ورُبَّما يتجاوز 150 مليار دولار. كما سيكون العبء الإداري لمعالجة المطالبات وإعادة احتساب القيود الجمركية ضخمًا، مع توقُّع نشوب نزاعات حول أحقِّية الاسترداد في الحالات، التي نقْل فيها المستوردون التكاليف بالفعل إلى المستهلكين أو الشركاء التعاقديين.

وبالنسبة إلى الشركات الأمريكية، يوفِّر القرار قدرًا من الارتياح؛ فقد تستفيد الصناعات التحويلية المُعتمِدة على المُدخَلات المُستورَدة، وتُجّار التجزئة المرتبطة بسلاسل التوريد العالمية، والقطاعات الزراعية المتضرِّرة من الإجراءات الانتقامية، من انخفاض تكاليف المُدخَلات وتراجُع حالة عدم اليقين. كما قد تشهد الموانئ ومراكز الخدمات اللوجستية، لا سيّما في الولايات ذات الانكشاف الكبير على التجارة مع أمريكا الشمالية وعبر المحيط الهادئ، نشاطًا متجدِّدًا مع تلاشي التشوُّهات السعرية، لكن يبقى المناخ العام مضطربًا. فقد أشارت الإدارة، ردًّا على الحُكم، إلى نيتَّها الاعتماد بصورة أكبر على سُلطات تشريعية بديلة، من بينها المادَّة 232، وأعلنت عن رسوم جديدة مؤطَّرة باعتبارات الأمن القومي؛ ما قد يُطيل أمد التقلُّبات، ويُبقي الضغوط التصاعدية على أسعار المستهلكين.

وعلى الصعيد الدولي، يُعيد الحُكم تشكيل الحسابات الإستراتيجية؛ فقد جرى التوصُّل إلى تفاهمات ثنائية وترتيبات غير رسمية عدَّة، في ظل تهديد رسوم قانون «IEEPA». ومع زوال الأساس القانوني، قد يسعى الشركاء التجاريون إلى إعادة فتْح النقاشات أو المطالبة بتنازلات إضافية. ورحَّب حلفاء مثل كندا والمكسيك بتأكيد المحكمة للقيود الدستورية، لكنَّهم بقوا حذِرين إزاء  احتمال صدور إجراءات بديلة. أمّا المنافسون الإستراتيجيون، لاسيّما الصين، فقد يفسِّرون القرار بوصفه دليلًا على وجود قيود مؤسسية داخل النظام الأمريكي تعقِّد فرْض رسوم دائمة كأداة ضغْط عليها. وفي هذا الصدد، قدَّر اقتصاديون في «مورغان ستانلي»، أنَّ متوسِّط الرسوم المرجَّحة الجديدة على السِلَع الصينية ستنخفض من 32% إلى 24%.

سياسيًا، يشكِّل الحُكم انتكاسةً جلية لترامب، لكنَّه في الوقت ذاته يوضِّح حدود السُلطة الرئاسية. وعلى الرغم من انتقاد الرئيس العلني للقرار، فقد أعلنت الإدارة حتى الآن الامتثال له؛ ما يؤكِّد متانة مبدأ سيادة القضاء في تفسير الدستور. وبالنسبة إلى الكونغرس، يكشف القرار عن حالة من الجمود التشريعي الطويل في حوكمة التجارة؛ لهذا يواجه المشرِّعون الآن ضغوطًا متجدِّدة لتوضيح النطاق المسموح به للصلاحيات الاقتصادية الطارئة، وصياغة إستراتيجية تجارية متماسكة عابرة للحزبين، وقادرة على الصمود أمام الرقابة القضائية.

في المحصِّلة، يتجاوز قرار المحكمة العُليا نزاعًا تقنيًا حول تفسير نص تشريعي؛ فهو يُعيد تأكيد المبدأ البِنيوي القائل إن سُلطة فرْض الضرائب وتحديد السياسات التجارية العامَّة، تعود أساسًا إلى السُلطة التشريعية. وفي زمن يتّسِم باستقطاب سياسي حاد ومطالب تنفيذية موسَّعة، يبعث الحُكم برسالة مفادها أنَّ قوانين الطوارئ لا يمكن تمديدها بلا حدود لتبرير تحولات اقتصادية شاملة. وعلى الرغم من أنَّ الآثار الفورية ستشمل نزاعات قضائية مطوَّلة بشأن الاستردادات، واستمرار تجارب سياساتية تحت سُلطات بديلة، فإنَّ الإرث الأبعد مدى قد يتمثَّل في ترسيم أوضح للتوازن بين السُلطات. ومن هذا المنظور، يمثِّل القرار منعطفًا مفصليًا في الحوكمة الأمريكية المعاصرة، إذ عزَّز القيود الدستورية في مرحلة تتّسم بقدرٍ عميق من الضبابية الاقتصادية والجيوسياسية.

المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
إدارة التحرير