اتـجـاهـات الـحـراك الاحـتجـاجـي الشـعبـي فـي إيــران

https://rasanah-iiis.org/?p=38586

في لحظة تاريخية فارقة في عمر النظام السياسي في إيران يواجه خلالها تحديات مصيرية وضغوطات خارجية لتقديم تنازلات في الملفات الخلافية، انطلقت جولة جديدة من  الاحتجاجات الشعبيـة في إيران قـبل نهاية ديسمـبر 2025م -لازالت مستمرة حتى تاريخ نشر التقرير- على خلفية تدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية الحادة، وذلك بفعل إخفاق النظام في طرح المقاربات الحقيقية لرفع العقوبات، لا سيما في ظل استمرارية معاناة الشعب ودفعه فاتورة تداعيات سياسات النظام وتوجهاته الثورية، التي لم يجني منها النظام سوى الارتدادات الخارجية والأزمات الداخلية.

تكشف الاحتجاجات الحالية طبيعةً مختلفةً مقارنةً بالجولات السابقة، حيث كان محركها الأساسي تجار السوق (البازار) ثم تفاعلت معها بقية أطياف المجتمع، وتبرز مجموعة من التساؤلات يحاول هذا التقرير الإجابة عليها، أهمها: ما أبرز الفروقات التي تميز الاحتجاجات الراهنة التي أكسبتها خصوصية كبيرة من حيث الانتشار الجغرافي والمطالب والدوافع والشعارات والأهداف واستراتيجية النظام لإدارتها؟ بعبارة أخرى ما الذي يميزها ويزيد من خطورتها عن الجولات السابقة؟ وما تقييمها وحدود تأثيرها على الداخل وسياسات النظام؟ وما اتجاهاتها؟ وما الذي يؤدي إلى صعودها أو تراجعها؟ وما أبرز الخصائص والتحولات في التعاطي الإقليمي والدولي معها؟ وهل من مصلحة الدول في الشرق الأوسط انفجارٌ احتجاجيٌ أوسع يعزز من فرص التغيير الجذري للنظام في إيران؟ أم أنَّ المصالح تقتضي إحداث تحولات ضاغطة لتعديل سلوك النظام؛ بما يؤدي لمزيد من انكفائه واستمراريته كموازن إقليمي؟  

أولاً. طبيعة وملامح الحراك الاحتجاجي

تميزت الاحتجاجات الشعبية الراهنة بانطلاقها من المركز (العاصمة طهران) بتاريخ 28 ديسمبر 2025م، وانتشارها سريعًا إلى المدن الكبرى والحدودية، مع مشاركة شرائح اجتماعية متعددة. هذه الاحتجاجات لم تقتصر على المطالب الاقتصادية اليومية، بل توسعت لتشمل تساؤلات حول أسلوب الحكم والمستقبل السياسي والاقتصادي للدولة، ما يجعل فهم طبيعتها يعتمد على ثلاثة أبعاد مترابطة، تتمثل في:

1. خارطة الانتشار: تمدَّدت من طهران، حيث شهدت الأسواق الكبرى مثل البازار وأسواق الهواتف المحمولة إغلاقًا واسعًا لمراكزها التجارية، في مؤشر واضح على تنامي حالات الاحتقان الشعبي. واتسعت لتطال مدن رئيسية أخرى غير العاصمة، شملت أصفهان، شيراز، مشهد، تبريز، رشت، كرمانشاه، همدان (انظر الجدول رقم 1). مع انتشار-وإن كان غير كثيف-في المناطق العرقية والطائفية، من كردستان في الغرب إلى سيستان وبلوشستان في الجنوب الشرقي، ما يؤكد أن الحراك لم يبقَ محصورًا في طهران أو في عدد محدود من المدن الكبرى، بل شمل مدنًا ومحافظات ذات أوضاع اقتصادية واجتماعية متردية، قدرت في بعض المنصات بمشاركة ما لا يقل عن 60 مدينة في 25 محافظة، بما يعكس تمدد دائرة السخط والاحتقان الشعبي.

جدول رقم (1): المحافظات والمدن الإيرانية التي شهدت احتجاجات

المحافظةالمدينة
طهران طهران (خاصة البازار الكبير) وضواحيها مثل طهران بارس، نازي آباد
لورستانكوهدشت، أزنا
أصفهانأصفهان، فولاد شهر
كرمانشاهكرمانشاه
همدانهمدان
المحافظة المركزيةأراك
إيلامملك شاهي، مدينة إيلام
أذربيجان الشرقيةتبريز
خراسان رضويمشهد

يحمل هذا النمط من الانتشار السريع دلالات استراتيجية مهمة، أبرزها أن الاحتجاجات بدأت من قلب السلطة السياسية والاقتصادية ثم انتقلت إلى مدن كبرى تمثل مراكز اقتصادية ودينية وسكانية مؤثرة، وهو ما يضع النظام أمام تحدٍ مباشر في ضبط العاصمة والمراكز الحيوية في آن واحد. اختراق مدن كطهران وأصفهان ومشهد يشير إلى تراجع نسبي في قدرة النظام على تحصين دوائره الرمزية والتقليدية، ويحد من فاعلية الخطاب الرسمي القائم على تصوير الاحتجاجات كحراك هامشي أو محصور في مناطق بعينها.

كذلك يعقد انتقال الاحتجاجات من المركز إلى الأطراف، وخصوصًا إلى المحافظات الحدودية ذات الحساسية الأمنية والاجتماعية، من خيارات التدخل الأمني، إذ يفرض على النظام توزيع جهوده بين ضبط المدن الكبرى ومنع تفاقم التوتر في المناطق الطرفية التي تعاني تاريخيًا من تهميش اقتصادي أو توترات إثنية. ومن منظور استراتيجي، فإن هذا الانتشار الواسع يعكس تحوّل الاحتجاجات من موجة مطلبية محدودة إلى حركة شعبية تتمدد، قادرة على الاستمرار وإعادة إنتاج نفسها، ويشكّل ضغطًا مركّبًا على شرعية النظام وقدرته على فرض السيطرة والاستقرار.

2. القيادة والقيادات الداعمة: بدأت الاحتجاجات بمطالب اقتصادية قادها مجموعة من التجار وأصحاب المحلات في العاصمة طهران، وانضم إليهم التجار في مدن إيرانية أخرى. وسرعان ما تحولت المطالب لتشمل أهداف سياسية واجتماعية. ورغم افتقارها لعنصر القيادة، لكن هناك تأييد وانخراط من بعض النشطاء الذين شاركوا بفاعلية في احتجاجات مهسا أميني 2022م. أما أبرز رموز المعارضة الذين أيدوا الاحتجاجات، فهم رضا بهلوي الذي دعا قوات الأمن إلى عدم الوقوف في وجه المحتجين. كما أصدر 17 ناشطا من منظمات المجتمع المدني والسياسيين بيانًا مشتركًا يدعم الاحتجاجات، أكدوا فيه على ضرورة الانتقال السلمي من الجمهورية الإسلامية حقيقة لا يمكن قمعها”. وأشار الموقعون على البيان ومن بينهم أبوالفضل غدياني، وجعفر بناهي، ومصطفى تاج زاده، ونرجس محمدي، ومصطفى مالكيان، إلى الاحتجاجات باعتبارها “حركة مقاومة مدنية عظيمة من الشعب الإيراني”، وانعكاسًا للإرادة الوطنية لإسقاط النظام الحاكم، مؤكدين على مطالب مثل الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية وحق تقرير المصير.

كذلك تشير المعطيات المتوفرة إلى محدودية المشاركة المباشرة للمعارضة الإيرانية في الخارج، غير أن بعض الشخصيات المعارضة، بما في ذلك بهلوي، لعبت دورًا في الحشد الرمزي والمعنوي عبر خطابات تشجيعية متعددة، وإعادة نشر المقاطع المصورة للشعارات والاحتجاجات داخل إيران، بالإضافة إلى النشاط المكثف على منصات التواصل الاجتماعي.

3. الشرائح الاجتماعية المشاركة: تميزت الاحتجاجات بمشاركة واسعة لشرائح اجتماعية متعددة، شملت التجار وأصحاب المحال في العاصمة طهران، والعمال والموظفين في المدن الكبرى، إضافة إلى الطلاب والمعلمين فضلاً عن سكان المناطق الحدودية والريفية، وبما يمثل قاعدة اجتماعية تزيد من تعقيدات احتواء تحركها، إذ يجمع بين مطالب اقتصادية عاجلة، وأسئلة سياسية واجتماعية ملحة تشمل قضايا الفساد، الحوكمة، التعليم، والصحة، إلى جانب مطالب مرتبطة بالهوية الثقافية أو الإثنية في بعض المحافظات الحدودية. تجعل المشاركة المتعددة للشرائح الاجتماعية في إيران من هذا الحراك ظاهرة شاملة تتجاوز الفئات التقليدية المحتجة، وتمثل ضغطًا سياسيًا واجتماعيًا متزايدًا على النظام، لا سيما مع امتداده إلى المدن الكبرى والمراكز الاقتصادية والدينية. كما تعكس هذه التركيبة الاجتماعية قدرة الحركة على الاستمرار وإعادة إنتاج نفسها، وتحدّ من فاعلية محاولات العزل أو الاحتواء الأمني السريع، دون أن يعني ذلك بالضرورة انتقالها إلى مرحلة تهديد وجودي مباشر للنظام الإيراني.

ثانيًا. دوافع ومطالب وقضايا الاحتجاجات

دفع تردي الأوضاع المعيشية نتيجة استمرار انهيار العملة بسبب العقوبات إلى خروج الإيرانيين للاحتجاج والمطالبة بإيجاد حلول عاجلة لمشاكلهم، وقد كان البازار هو مركز انطلاق الاحتجاجات؛ حيث أغلق التجار في وسط طهران محالهم اعتراضا على عدم قدرتهم من العمل في ظل تراجع قيمة التومان أمام الدولار لانخفاض احتياطيات النقد الأجنبي في مقابل محدودية عوائد البدائل التي اعتمدتها الحكومة عبر سياسات التوجه شرقا، والتي أفرزت بدورها مشكلات جديدة نجمت عن اعتماد أطر غير قانونية لتصدير النفط؛ أوجدت ثغرات في إدارة الموارد المالية للدولة، وأنتجت منظومة معقدة من الفساد.

بدأت الاحتجاجات في التوسع منتقلةً من إضراب التجار إلى الخروج في مظاهرات محدودة ولكن في مناطق مختلفة من البلاد تحمل معها مطالب التغيير السياسي. يأتي هذا التطور في سياق داخلي وخارجي ضاغط على النظام كانت تداعيات حرب الإثني عشر يوماً في يونيو 2025م منعرجهُ الحاسم، إذ تعرَّض النظام لهجوم إسرائيلي-أمريكي طال مراكز ثقل النظام، أٌتبع لاحقا بتشديد العقوبات مع تهديدات أمريكية وإسرائيلية متواصلة بشن حرب جديدة في حالة عدم امتثال طهران لمطالبهما المرتبطة بالملف النووي ومنظومة الصواريخ الباليستية. في ظل هذه الأوضاع شهدت أسعار العملات الأجنبية قفزة كبيرة بداية من منتصف ديسمبر بعدما تجاوز سعر الدولار 143 ألف تومان للدولار الواحد بزيادة كبيرة بلغت 20% مقارنةً بالشهر السابق، مع زيادة الاقبال على شرائه وشراء الذهب كوسيلة للتحوط من التضخم والمخاطر المستقبلية.

وتعاني كافة شرائح المجتمع من الارتفاع المستمر في معدلات الأسعار، وبخاصة أسعار المنتجات الغذائية البسيطة مثل الخبز الذي تجاوز ارتفاع أسعاره السنوي 70% ناهيك عن باقي أصناف الغذاء والمنتجات الضرورية من تعليم ودواء واسكان. وبشكل عام انحدر الوضع الاقتصادي الإيراني منذ الضربات الاسرائيلية الأخيرة، ثم تعمقت الأزمات المالية والاقتصادية عقب إعادة فرض العقوبات الأممية والأوروبية في الربع الأخير من العام، مما اضطر الحكومة إلى اتباع سياسات تقشفية وإلغاء دعم العملات الأجنبية وتقليص الانفاق، وانعكس هذا بالطبع في شكل ارتفاع في أسعار العملات الأجنبية ومعدلات الأسعار وزيادة ضغوط المعيشة على عامة الايرانيين.

يجمع المحتجون بمختلف توجهاتهم على المطالبة بإيجاد حلول للمشكلات التي يعانون منها، ولكن يبرز الاختلاف حول المطالب السياسية، إذ هناك من يرى أن يبقيها تحت سقف النظام، والبحث عن حلول ضمن مؤسسات الدولة مع التمسك بتوجهات النظام الحالية، في حين هناك  من يعتقد أن الحلول الجذرية تكمن في التغيير الجذري لتوجهات النظام وتحديدا علاقته بالغرب لأنه لا مخرج من هذا الوضع في ظل العقوبات، وهناك من المحتجين من يرفع شعارات تغيير النظام بالكامل عبر رفع شعارات “الموت للدكتاتور” و”يسقط السيد علي” و”الموت لخامنئي”  و”لا نريد الجمهورية الإسلامية لا نريدها” و”يجب أن يرحل الملالي”، بل هناك من يطالب وفق تقارير إعلامية بعودة نظام الشاه برفع اسم ولي العهد السابق رضا بهلوي، على غرار شعارات “هذه هي المعركة الأخيرة، البهلوي سيعود” و”رضا شاه طاب ثراك” و”الخلود للشاه”.

ثالثًا. أساليب النظام في إدارة الاحتجاجات

تبنى النظام خطابا مغايرًا وأقل حدة في إدارته للاحتجاجات يوازن بين الأبعاد الداخلية والخارجية، بما يتيح له المجال لاحتوائها مع الاحتفاظ بمبررات ردعها إذا ما شكلت تهديدا له، فقد  أقرت السلطة بمشروعية المطالبات نتيجة للأوضاع الاقتصادية الصعبة، والظروف المعيشية السيئة، ولكنها في الوقت نفسه لم تستبعد كليا نظرية المؤامرة عبر توظيف البعد الخارجي، فبدل إنكار السياق الداخلي واتهام أطراف خارجية بصناعتها من الأساس؛ صاغ النظام الإيراني رؤية تعتبر أن هناك أطراف خارجية تحاول استغلال الاحتجاجات المشروعة وتوجيهها كامتداد للحرب الإسرائيلية والأمريكية على إيران. انطلاقا من هذه الرؤية زاوج النظام في إدارته للاحتجاجات بين الاستجابة والمواجهة.

تمثلت الاستجابة في إقرار المرشد علي خامنئي المواطنين بأحقية الاحتجاج والإقرار بالركود الاقتصادي وتدهور الأوضاع المعيشية، وهو الأمر نفسه الذي أكده الرئيس مسعود بزشكيان وغيره من المسؤولين الإيرانيين، وفتح المجال للحوار مع المتظاهرين، واجراء بعض التغييرات في مقدمتها تغيير محافظ البنك المركزي وتعيين الخبير الاقتصادي عبد الناصر همتي محافظا جديدا خلفا لمحمد رضا فرزين، والذي وعد باستعادة الاستقرار الاقتصادي للمجتمع، كما أكد عزمه على مكافحة الريعية الناتجة عن تعدد أسعار العملة الأجنبية في البلاد. بالموازاة مع ذلك تم حل مصرفين تسببا بالخلل والغلاء، كما وعدت الحكومة بزيادة في الرواتب، وبعض الإعفاءات الضريبية، وزيادة الدعم.

أما على المستوى الأمني فتمثلت الاجراءات الأمنية في الانتشار الواسع للشرطة وأجهزة مكافحة الشغب، وتأطير بعض الاحتجاجات من خلال منعها من الوصول إلى المراكز الحساسة، وتفريق البعض الآخر عبر الغازات المسيلة للدموع وغيرها من الوسائل كرد على عنف بعض المتظاهرين، كما شددت القيود على خدمة الإنترنت، وعزل مسؤولي الحراسة في ثلاث جامعات رئيسية، وأطلاق سراح الطلاب المعتقلين، لتهدئة الطلبة، وتحويل الدراسة عن بعد في بعض الجامعات بحجة الظروف غير الطبيعية.

ربطت السلطة الإيرانية من ناحية أخرى بين تهديد القوى الخارجية بالتدخل لدعم المحتجين وبعض الاجراءات القمعية كمحاولة لتحييد التأثير الخارجي على دعم الاحتجاجات. فاستثناء “مثيري الشغب” و”المشاغبين” و”المندسين” الذين كان يشار إليهم كثيرا؛ يمثل المدخل الرسمي للتعاطي مع المظاهرات في هذه المرحلة ومستقبلا في حالة توسعها بشكل يهدد النظام مما يدفع إلى أمننتها، وهذا ما بررت به السلطة بعض الاعتقالات والقتلى بكونهم مثيري شغب يعملون على تنفيذ أجندة أجنبية بتوجيه من الملكية وغيرها من التنظيمات المعارضة في الخارج، وأعلن عن مصادرة أسلحة كانت بحوزة بعض الموقوفين.

رابعًا. المواقف الإقليمية والدولية

مقارنة بكافة الجولات الاحتجاجية السابقة، تشهد الجولة الراهنة، تحولاً في المواقف لا سيما الأمريكية، من مواقف متواضعة إلى مواقف داعمة بشدة للاحتجاجات في عهد إدارة الرئيس ترامب، ولذلك يعد الدعم الخارجي من أبرز سمات الجولة الراهنة، لكونه يعزز من استمرارية الاحتجاجات، وربما يأتي ضمن سيناريو لإحداث فوضى عارمة تتيح التدخل بما يؤل بالنهاية إلى إسقاط النظام، وفيما يلي ملامح التحول:

1. الوعيد الأمريكي: في رسالة دعم ملغومة للمحتجين، تحث الكتلة الصامتة والمترددة للنزول إلى الشوارع، رسم الرئيس ترامب خطوط حمراء أمام النظام الإيراني في تعاطيه مع المحتجين، مهددًا بالتدخل المباشر في إيران حال استخدم النظام القمع ضد المتظاهرين، ووصفهم بالسلميين، وكتب على حسابه على شبكة التواصل الاجتماعي تروث سوشيال “إذا أطلقت إيران النار على المتظاهرين السلميين وقتلتهم بعنف، وهو ما اعتادت عليه، فإن الولايات المتحدة ستتدخل لإنقاذهم، وفي حالة تأهب كامل”.

2. التمويه الإسرائيلي: من ناحية أولى؛ تبنت الحكومة الاسرائيلية موقف حذر بالامتناع عن التعليق على الاحتجاجات، وأوضحت بعض التقارير بأن رئيس الحكومة نصح وزراء حكومته بضرورة الامتناع عن التعليق على الاحتجاجات الإيرانية، وترك التطورات تسير في مسارها الطبيعي، ومن ناحية ثانية؛ نشر الموساد رسالة باللغة الفارسية أعلن فيها دعمه للمحتجين، وحث رئيس الوزراء الأسبق نفتالي بينت الإيرانيين على النزول إلى الشوارع، ومن ناحية ثالثة؛ نشر الخبير العسكري رون بن يشاي تحليل قلل فيه من حجم وكثافة الاحتجاجات، مضيفًا بأن النظام لا يزال يمتلك بنية أمنية فعالة تجعله قادرة على سحق أي تمرد، ومن ناحية رابعة كتبت صحيفة “جيروزاليم بوست” في تحليل لها بأن إعلان الدعم الصريح للاحتجاجات يضر المحتجين ويحول الاحتجاجات إلى داعمة للنظام، ولذلك يفضل التحليل الدعم بدون ضجيج، وعلى ما يبدو أن إسرائيل تهدف من وراء تبني موقف رمادي إلى تفويت الفرصة على النظام في تبني سردية المؤامرة الخارجية، والترويج بأن الأولوية في الوقت الراهن الانهيار الداخلي للنظام وليس شن حرب جديدة.

3. الضغط الأوربي: ابتعدت الدول الأوربية عن التهديد والوعيد المباشر مقارنة بالموقف الأمريكي، لكنها تبنت موقفًا دبلوماسيًا ضاغطًا على النظام تجاه الاحتجاجات الإيرانية، حيث طالب الاتحاد الأوروبي إيران باحترام الاحتجاجات السلمية والامتناع عن أي قمع أو عنف ضد المحتجين.

­

بينما أبدى المعسكر الغربي–بأشكال مختلفة-موقفه الداعم للاحتجاجات في إيران، تغيبت المواقف من القوتين الرئيسيتين: الصين وروسيا، وربما بهدف التقليل من زخمها بما يقلل من الضغط على النظام المحسوب بشكل أو بأخر على المعسكر الشرقي، ويعزز من فرصه لا سيما في ظل الإدراك الصيني الروسي بتنامي رغبة المعسكر الغربي في توجيه ضربة جديدة لإيران.

خامسًا. خصوصية الجولة الاحتجاجية الراهنة مقارنة بالاحتجاجات السابقة

رغم عدم تجاوزها النطاق الجغرافي والعرقي والمذهبي الذي بلغته بعض الجولات الكبرى السابقة منذ احتجاجات 1999م، غير أن الاحتجاجات تكتسب خصوصية مقارنة بالجولات السابقة، بالنظر إلى:

1. التوقيت غير المواتي للنظام: مقارنة بمختلف الجولات السابقة التي انطلقت ضد نظام فتي على المستويين الداخلي والخارجي، انطلقت الجولة الراهنة في توقيت ضاغط وغير مواتي للنظام، ومختلفة من حيث البنية والأهداف والسياق العام، فمن ناحية أولى؛ يمر النظام بمأزق ربما يؤثر على مستقبلة في الحكم على خلفية الضربات الإسرائيلية القاضية لمراكز ثقله وأوتاده الاستراتيجية، وتمكن إسرائيل من زحزحة خط النار الإيراني بتفكيك ما يسمى بمحور المقاومة، ومن ناحية ثانية، يتزامن مأزق النظام مع ازدياد حدة الاحتقان والسخط الشعبي المفضي للانفجار على خلفية احباط الشعب من ضياع ثرواته في مغامرات عبثية لم تجنى منها بلادهم سوى خيبة الأمل. ومن ناحية ثالثة؛ تنطلق الاحتجاجات بينما يكثر الحديث عن تجمع سحب حرب جديدة، وانشغال النظام بكيفية مواجهتها لمنع القضاء على بقية مراكز ثقله، ومن ناحية رابعة؛ ربما يخطط النظام لكيفية التعاطي مع تداعيات سيناريو مماثل يحاكي إعادة تكرار سيناريو مادورو حال اندلاع فوضى عارمة بالبلاد، ولذلك ليس لدى النظام-مقارنة بالجولات السابقة-هامش للمناورة ولا رفاهية الوقت للتعاطي مع احتجاجات تزيد من إرباك الساحة الداخلية، وتوفر المنافذ للمخططات الأجنبية، وتعقد من قدرته على مواجهة التحديات الخارجية.

2. الخطوط الحمراء الأمريكية الصريحة: مقارنة بالجولات الاحتجاجية السابقة، يعد من بين أبرز سمات الاحتجاجات الراهنة معدل الدعم الخارجي ومصدره، حيث يرتفع مستوى الدعم الخارجي للمحتجين، ومصدره الولايات المتحدة التي تشكل القوة الأكبر في العالم، فلأول مرة ترسم الولايات المتحدة خطوط حمراء صريحة أمام النظام الإيراني في مساعيه لإخماد نيران الاحتجاجات، ما من شأنه استمرارية زخم الاحتجاجات لا سيما في ظل وجود قناعة شبه استراتيجية لدى الدائرة الضيقة للنظام بل وللعديد من أنظمة الدول بجدية إدارة الرئيس ترامب في تنفيذ تهديدها حال تجاوز خطوطها المرسومة، حيث أن ترامب بعودة الاحتجاجات، ربما بات يرى فرصة مواتية لقطف الثمرة، ولذلك لم يستبعد الإيرانيون تدخل أميركي تحت غطاء دعم المحتجين.

لكن برز جدل حول ما إذا كان الدعم الصريح سيعزز من زخم الاحتجاجات أم سيوفر ذريعة لوأدها، وهنا انقسم المتخصصون والمراقبون إلى فريقين: الأول؛ يرى أن الدعم الصريح الساعي إلى إرباك المشهد وحسابات النظام يحرك الكتلتين الصامتة والمترددة للانخراط في الاحتجاجات، الثاني؛ يرى أن الدعم قد يأتي بنتائج عكسية ويخدم النظام في تطويقه للاحتجاجات لمنع الفوضى في الداخل، ما قد يوفر مبررات قوية لتشديد قبضته الأمنية، أو ربما يدفع شريحة من المحتجين إلى التراجع، بعد إدراكهم نوايا الداعمين بأنها لا تنطلق من مقاربة لمعالجة معاناتهم، بل من أجندات تخدم مخططات الداعمين

3. رمزية نقطة انطلاق الاحتجاجات من البازار: يحمل انطلاق الاحتجاجات من البازار دلالة رمزية كبيرة، حيث انطلقت الثورة التي أطاحت بنظام الشاة وجاءت بالخميني في نهاية سبعينيات القرن الفائت من البازار، ومن نفس السوق تنطلق الاحتجاجات المتصاعدة الحالية ضد النظام الديني الذي يحكم إيران منذ ما يقارب من نصف قرن من الزمان. وتاريخيًا لا يشكل البازار مجرد سوق تجاري فحسب، بل يعد أحد أبرز مراكز الثقل السياسي والاجتماعي في إيران، وأحد أعمدة التوازن غير المعلنة للنظام، من خلال علاقته المتبادلة مع المؤسسة الدينية وقدرته على الحشد والتأثير الاجتماعي والسياسي، إلا أن تفاقم الأزمة الاقتصادية، وارتفاع التضخم، وتآكل القدرة الشرائية، أدى إلى تصدع العلاقة، ودفع أجزاء من السوق إلى كسر حيادها التقليدي، وبما قد يعكس اختلال معادلة المنفعة المتبادلة، ويقوض قدرة النظام على استخدام البازار كأداة احتواء اجتماعي. وانطلاق الاحتجاجات من البازار تعكس دخول الأزمة الاقتصادية والمعيشية مرحلة حرجة، ورغم أن البازار قد لا يقود الحراك سياسيًا بعد تمدده، إلا أن دوره في الانطلاق المبكر للمظاهرات منح الاحتجاجات زخماً أوليًا، وزاد من قدرتها على الاستمرار، ورفع كلفة احتوائها أمنيًا وسياسيًا.

4. إدارة الأزمة والاحتواء المرن: على خلفية التوقيت الضاغط يتبنى النظام استراتيجية “الاحتواء المرن” مقارنة بأسلافه الذين تبنوا مبكرًا استراتيجية “القوة المميتة” لوأد الاحتجاجات مبكرًا، ويعتمد الاحتواء المرن على إجراءات تكتيكية مضمونها الاعتراف بمشروعية مطالب المحتجين، دون أن يعني عودة النظام للقوة المميتة حال انفجار شعبي واسع يشعره بالخطر على مستقبلة، حينها سيلجأ للعنف المفرط لإخماد الاحتجاجات. ورغم ذلك لاقت استراتيجية الاحتواء المرن ترحيب نخبوي فكري وسياسي إيراني، إلا أن فعاليتها لاحتواء الأزمة تظل موضع شك في ظل تجذر وتعقد المعضلات وارتباطها بعوامل بنيوية وهيكلية للنظام، وضيق هامش المناورة أمام الحكومة للمعالجة مع تنامي التهديدات الخارجية.

5. المحدودية النسبية للجولة الراهنة: مقارنة بجولات الاحتجاجات السابقة (انظر الجدول رقم 2) خاصة جولات 2017م و2021م و2022م، لا تزال الجولة الراهنة –حتى تاريخ نشر التقدير-متوسطة من حيث الانتشار الجغرافي وتنوع الطبقات والعرقيات المشاركة وعد المشاركين، لكن لم ترصد مؤشرات استراتيجية تؤدي إلى تراجع الاحتجاجات نتيجة فقدان المصداقية الشعبية في النظام واعتبار الحلول المطروحة تكتيكية لتفريغ الاحتجاجات من مضمونها. وفي التجربة الإيرانية، نادراً ما تظل انطلاقة الاحتجاجات بطبيعتها الاقتصادية في مختلف الجولات الاحتجاجية؛ إذ سرعان ما تتحول إلى احتجاجات سياسية نتيجة التشابك العميق بين الاقتصاد والسياسة ووقوف السياسة خلف الأزمات الاقتصادية، لذلك تسود قناعة لدى المحتجين بأن حلحلة الأزمات الاقتصادية والمعيشية غير ممكنة بدون إصلاحات سياسية حقيقية وليست تكتيكية مع إعادة صياغة العلاقة مع الخارج. ومقارنة باحتجاجات مهسا أميني 2022م، التي شهدت حضور واسع لمناطق الأقليات المذهبية والقومية مثل بلوشستان وكردستان وخوزستان، فإن تلك المناطق ذاتها لم تشهد بعد حضورًا وانخراطًا كثيفًا في الجولة الاحتجاجية الراهنة، لا سيما مع الحضور الإعلامي والسياسي اللافت لزعيم التيار الملكي المقيم في الولايات المتحدة رضا بهلوي ولي عهد إيران الأخير أيام الشاه، لتوجيه دفة الاحتجاجات وخصوصًا مع إطلاق هتافات مؤيدة له فيها، حيث أن هذا الحضور يثير حفيظة القوى العربية والكردية التي تختلف مع هذا التيار سياسيًا وفكريًا.

جدول رقم (1): جدول مقارنة بين الجولات الاحتجاجية الشعبية الكبرى في إيران منذ 1999م

احتجاجات 2026ماحتجاجات 2022ماحتجاجات 2021ماحتجاجات 2019ماحتجاجات 2017احتجاجات 2009ماحتجاجات 1999م 
28 ديسمبر 2025م16 سبتمبر 2022م15 يوليو 2021م15 نوفمبر 2019م28 ديسمبر 2017م13 يونيو 2009م8 يوليو 1999متاريخ الانطلاق
12 يوم ولا تزال مستمرة حتى تاريخ نشر التقدير.11 يوم حتى تاريخ إعداد التقرير 26 سبتمبر 2022م، واستمرت بعد ذلك لأيام.11 يوم6 أيام11 يوم3 أيام متواصلة وشهر ونصف متقطعة.7 أياممدة الاحتجاجات
انطلقت في البازار ثم وعدد من الاسواق والمحلات التجارية بطهران، ثم اتسعت رقعتها الجغرافية لتصل إلى 60 مدينة في 25 محافظة من إجمالي 31 محافظة، اهمها طهران، أصفهان، شيراز، مشهد، تبريز، رشت، كرمانشاه، همدان، كردستان وسيستان بلوشستان.طالت خلال هذه المدة نحو 83 مدينة حسب مصادر إيرانية، رغم انطلاقها من مدينة سقز بكردستان إيران غير أنها انتقلت للمركز طهران ثم لبقية المدن الإيرانية.طالت نحو 36 مدينة من بينها طهران ومشهد وكرمنشاة، رغم أنها انطلقت في مدينة الأحواز عاصمة إقليم خوزستان.طالت 29 من أصل 31 محافظة وبالتالي كانت الأوسع، وانطلقت من محافظة الأحواز، ثم انتقلت للمركز طهران فأصفهان وفارس ومشهد وكرمنشاة..الخ.طالت نحو64 مدينة بينها طهران قم، قزوين، همدان، أصفهان، كرمنشاه، بندر عباس، كرمان، خرّم آباد، زاهدان، مشهد، وشاهرود.طالت 4 مدن رئيسية (طهران، تبريز، أصفهان، شيراز).طالت 5 مدن رئيسية (طهران، تبريز، مشهد، شيراز أصفهان).خريطة الانتشار
شرائح اجتماعية متعددة، شملت التجار وأصحاب المحال في طهران، والعمال والموظفين في المدن الكبرى، إضافة إلى الطلاب والمعلمين وسكان المناطق الحدودية والريفية.تعددت ما بين شعبية من طلاب الجامعات والشاب الساخطين من سياسات النظام، وفئات سياسية من النشطاء والنخبة ثم المثقفين.تعددت ما بين المواطنين الساخطين من سياسات النظام ، مع مشاركة النشطاء السياسيين.الطبقات الفقيرة والشباب والطلبة والمرأة وانضم إليها شرائح من الطبقة الوسطى الدنيا.الطبقة الفقيرة الأكثر احتياجًا ثم انضمت إليها طبقات أخرى بشكل محدود.الطبقة المتوسطة والرموز والنخبة السياسية والمثقفين والنشطاء.الفئة الطلابية وانضمت إليها طبقات أخرى.الطبقات المشاركة
وسائل التواصل الاجتماعي، القنوات التلفزيونية التابعة للمعارضة بالخارج. ولمنع اتساع الرقعة الجغرافية حجبت السلطات الوصول إلى الإنترنت، مما أدى إلى انخفاض استخدام الإنترنت في إيران بنسبة 97%.وسائل التواصل الاجتماعي قبيل تقييد شبه كامل لاستخدام الانترنت في بعض المحافظات الاستراتيجية.وسائل التواصل الاجتماعي، قبل تقييد النظام لاستخدامه، والمنشورات.وسائل التواصل الاجتماعي عبر الانترنت قبل قيام السلطات بقطعه.وسائل التواصل الاجتماعي (التليجرام).القنوات الفضائية المعارضة، والمنشورات الطلابية.المنشورات الطلابية.اّليات الحشد
بدون قيادة (الايام الاولى كانت تحت قيادة مجموعة كبيرة من التجار لكنها سرعان ما خرجت من يد التجار).بدون قيادةبدون قيادةبدون قيادةتبدو عفوية بدون قيادة.مير موسوي، ومهدي كروبي.بدون قيادات، ونظمها الطلبة.القيادة
تردي الأوضاع المعيشية، وتراجع القدرة الشرائية، استمرار انهيار العملة، والتضخم.مقتل مهسا على يد شرطة الاخلاق، مع وجود بيئة متهيئة لاندلاع الاحتجاجات جراء حالات الاحتقان والسخط الشعبي الواسعة.شح المياه ومشاريع نقل مياه نهر كارون وفي إقليم خوزستان، وسرعان ما انضم إليها العديد من المحتجين احتجاجا على الأوضاع المعيشية وسياسة القمع.رفع أسعار الوقود في دولة يفترض أنها تمتلك رابع أكبر احتياطي نفطي في العالم، كما تعبر عن حالة سخط شعبي واسع.أسباب اقتصادية ومعيشية نتيجة الغلاء وارتفاع الأسعار وتدني مستوى معيشة الطبقة الفقيرة الأكثر احتياجا.تزوير الانتخابات الرئاسية، وتبني سياسة الاقصاء والتهميش، واعتقال وتعذيب المعارضين.صدور قانون الصحافة الذي يحد من حرية الصحافة واغلاق صحيفة سلام.الدوافع والأسباب
بدأت اقتصادية بمطالب المحتجين بمختلف توجهاتهم لإيجاد حلول للمشكلات الاقتصادية التي يعانون منها، ثم تحولت لمطالب سياسية بالمطالبة بالتغيير الجذري لتوجهات النظام وتحديدا علاقته بالغرب لأنه لا مخرج من هذا الوضع في ظل العقوبات.بدئت بمطلب تقليص صلاحيات شرطة الأخلاق، وحق مهسا، وسرعان ما انتقلت إلى مطالب اقتصادية تعبر عن حالة السخط العام في البلاد، جراء تردي الأوضاع المعيشية، ثم مطالب سياسية تطالب بتغيير النظام.اقتصادية تتعلق بحل مشاكل نقص ونقل المياه لحل أزمة الجفاف.اقتصادية ومضمونها يتمحور حول إلغاء زيادة سعر البنزين.اقتصادية لتوفير الخبز والوظائف، وسياسية ضد النظام برمته، ومطالب بالحريات وعدم التدخل الإيراني في الدول العربية.اعلان الحكومة مسؤوليتها عن تزوير الانتخابات، واعداد قانون جديد للانتخابات والافراج عن السجناء.سياسية، إلغاء قانون الصحافة وعودة صحيفة سلام، ثم تطورت إلى سقوط النظام.المطالب
بعض السجناء السياسيين، ولي عهد إيران السابق رضا بهلوي، العديد من النشطاء والأحزاب المعارضة بالخارج والداخل.ولي عهد إيران السابق رضا بهلوي والعديد من الأحزاب الكردية الإيرانية، وأيضًا العديد من النشطاء والأحزاب المعارضة بالخارج، مثل: والحزب العلماني الديمقراطي الإيراني، والحزب القومي الإيراني.. الخ.لا يوجدلا يوجد سوى أصوات إصلاحية تطالب بحق المتظاهرين في الاحتجاج ورفض القمع، كان لخاتمي موقف أقل حدة من احتجاجات 2017.لا يوجدخاتمي، رفسنجاني، ايه الله منتظري، عبد الكريم موسوي، بيات زنجاني.لا يوجد  القوى الداعمة
هناك من المحتجين من يرفع شعارات تغيير النظام بالكامل مثل “الموت للدكتاتور” و”يسقط السيد علي” و”الموت لخامنئي”  و”لا نريد الجمهورية الإسلامية لا نريدها”  و”يجب أن يرحل الملالي”، بل هناك من يطالب وفق تقارير إعلامية بعودة نظام الشاه برفع اسم ولي العد السابق رضا بهلوي، على غرار شعارات “هذه هي المعركة الأخيرة، البهلوي سيعود” و”رضا شاه طاب ثراك” و”الخلود للشاه”.الموت للدكتاتور في إشارةٍ لخامنئي، اقتل اقتل كُل مَن قتل أختي، أغرب عن وجهي أيها الباسيجي، وقصت بعض الناشطات شعورهن، وخلعت أخريات الحجاب وقاموا بحرقه.الموت للديكتاتور، في إشارة إلى خامنئي، أنا عطشان، الإيراني يموت ولا يقبل الذل، بالروح بالدم نفديك يا كارون، ماي ماي عطشان الشط، يا شاه إيران ارجع إلى إيران.الموت للديكتاتور الموت لخامنئي، ارحل يا روحاني، ضاعت أموال النفط وصرفت في فلسطين، لا غزة ولا لبنان… روحي فداء إيران.خامنئي قاتل وحكمه باطل، الموت لخامنئي، الإيراني يموت ولا يقبل الذل، وغادروا سوريا-فكّروا فين، سليماني مجرم سليماني قاتل.أين ذهب صوتي، الانتخابات مزورة، الحرية للمعتقلين، لا غزة لا لبنان روحي فداء إيران.خامنئي العار عليك، القيادة ليست لك، العار للشرطة.الشعارات
استراتيجية الاحتواء المرن بالإقرار بمشروعية المطالب، واجراء بعض التغييرات الاقتصادية، ووعود بزيادة في الرواتب، وتقديم بعض الإعفاءات الضريبية، وزيادة الدعم بالتزامن مع الانتشار الأمني الواسع واستخدام الغازات المسيلة للدموع لمنع المحتجين من الوصول إلى المراكز الحساسة، وتشديد القيود على الإنترنت.حلول أمنية مشددة مع القمع وتقييد استخدام الانترنت والحشد المضاد والقوة المفرطة بمشاركة الجيش الوطني لأول مرة في كبح الاحتجاجات.الحلول الأمنية مع قطع الانترنت والقمع وتجنيد المليشيات الموالية لها في ساحات النفوذ، واتهامات بالعمالة.الحلول الأمنية مع قطع الانترنت-والقمع والاعتقالات والحشد المضاد.الحلول الأمنية وحشد الأنصار ووعود بمعالجات اقتصادية.  الحلول الأمنية والقمع وحشد الأنصار.  الحلول الأمنية والقمع والتضييق على الحريات.تكتيكات النظام
بلغ عدد القتلى نحو 36، أربعة منهم دون سن 18 عامًا، وشخصين من القوات الأمنية والشرطية.41 قتيل حسب الرواية الرسمية بينما أكدت منظمات حقوقية مقتل نحو 57 شخص.10 قتلي مع مئات الجرحى والمعتقلين.204 قتيل مع أكثر من 7000 معتقل على الأقل بحسب منظمات دولية.عدد القتلى يتراوح ما بين 40-50 شخص حسب الرواية الإيرانية.180 قتيل و1500 معتقل حسب تقديرات.5 قتلى و200 جريح.حصيلة القتلى

المصدر: مركز البحوث والدراسات، المعهد الدولي للدراسات الإيرانية (رصانة)، يناير 2026م.

سادسًا. سيناريوهات واتجاهات الاحتجاجات الشعبية الراهنة

على ضوء المعطيات السابقة ينتظر الحراك الاحتجاجي في إيران ثلاثة سيناريوهات رئيسية؛ كالتالي:

السيناريو الأول: صعود الاحتجاجات: يفترض السيناريو، استمرار الاحتجاجات وازدياد رقعتها الجغرافية يوماً بعد يوم على غرار احتجاجات 2022 والتي بدأت في العاصمة طهران ثم توسَّعت لتعم جميع المحافظات الإيرانية، ولعل ما يدعم هذا السيناريو هو استمرارية الأزمات الاقتصادية والسياسية التي خرج من أجلها الشعب إلى الشارع، فضلًا عن عدم نجاعة الحلول التي يحاول النظام وضعها لامتصاص غضب المحتجين وإقناعهم بالتراجع عن الاحتجاج، لكون هذه الحلول تكتيكية وغير كافية ولا تعالج جذور الأزمة، وبالإضافة إلى العاملين المذكورين أعلاه، هناك عاملٌ ثالث وهو  وجود دعم خارجي لهذه الاحتجاجات وتحديداً من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل، حيث تمارسان أقصى أنواع الضغط والتهديد لإجبار النظام على الإذعان لمطالبهما الخاصة بالبرنامج النووي الإيراني، وقد تخدم الاحتجاجات مصالح البلدين لكونها أقل تكلفة من الحرب، إما بالإطاحة بالنظام أو  ترغمه على اللجوء لحل الملفات الخلافية العالقة، والتي كان لها الدور المباشر في مفاقمة الأزمة الاقتصادية في إيران، كالبرنامج النووي والتدخلات الإيرانية في الشرق الأوسط.

السيناريو الثاني: إخماد الاحتجاجاتيشير هذا السيناريو إلى أن النظام لا يزال يمتلك عناصر القوة اللازمة لإخماد الاحتجاجات، مثل قوات الباسيج والحرس الثوري، بل والخبرة التاريخية الكافية للتعامل مع الاحتجاجات الحاشدة، حيث تمكن النظام من إخماد كافة الجولات الاحتجاجية السابقة، لكنه لا يزال يتبنى استراتيجية الاحتواء المرن نتيجة خصوصية الاحتجاجات الراهنة؛ وذلك لتفويت الفرصة على الدعم الخارجي الذي تتسم به الجولة، وقد يلجأ إلى استراتيجية القوة المميتة في اللحظة المناسبة التي يشعر فيها بانفجار شعبي واسع يهدد أركان النظام ويتيح للخارج النفاذ لمراكز ثقل النظام، هنا سيعطي النظام القبضة الأمنية الأولوية على بقية الإجراءات السياسية والاقتصادية للقضاء على الاحتجاجات، لكن سيظل هذا السيناريو متواضعًا على ضوء خصوصية الاحتجاجات الراهنة الدافعة نحو تعزيز حدة الاحتجاجات .وبما أنها أول احتجاجات في مرحلة ما بعد الضربات الإسرائيلية التي أضعفت النظام، فتعتبر هذه الاحتجاجات اختبارًا صعبًا أمام النظام بخلاف كل الجولات السابقة التي كان يسعى خلالها إلى افتعال الأزمات عبر أذرعه الإقليمية، والتي باتت مفككة.

السيناريو الثالث: الاحتجاجات المنفصلة (تخفيف حدة الاحتجاجات عبر الاحتواء): يفترض السيناريو نجاح النظام في احتواء الاحتجاجات عبر الإجراءات الحكومية، خاصةً في المجال الاقتصادي، ويستجيب للحد الأدنى المقبول من مطالب المحتجين؛ بما يؤدي إلى عودة التجار للعمل؛ وبالتالي حصرها في الإطار الفئوي دون أخذها طابعًا شعبيًا، وتراجع المظاهرات وعدم وصولها إلى المناطق المركزية مع بقاء بعضها في المناطق الهامشية، والمراهنة على عامل الوقت الذي يؤدي إلى تناقص أعداد المشاركين تدريجيًا وصولًا إلى توقفهم عن التظاهر. يساعد على هذا السيناريو وجود شخصية الرئيس مسعود بزشكيان في السلطة الذي يتبنى خطابًا قريبًا من التوجهات الشعبية إضافةً إلى دعم المرشد له بما يكبح القوى المتطرفة في التيار المحافظ التي تفضل المقاربة الأمنية، هذا إضافةً إلى الاعتبارات الخارجية وتحديدًا التهديدات الأمريكية والإسرائيلية بشن حرب جديدة على إيران؛ مما يجعل النظام الإيراني يبذل جهودًا أكبر للمحافظة على التماسك الاجتماعي تحسبًا لتوظيف الجبهة الداخلية في أي مواجهة مقبلة ضده، كما أن التطورات الدولية وعلى رأسها ما حصل في فنزويلا، وما رافقها من تصريحات ومواقف للرئيس دونالد ترامب تبعث برسائل سلبية للداخل الإيراني، حيث تثبط الرغبة في الاحتجاج بالتعويل على الدعم الخارجي، وحتى القوى المعارضة تتوجس من توصل النظام الإيراني إلى تسوية مع أمريكا تكون فيها هي الخاسر الأكبر.

الخاتمة

في ظل استعصاء المشكلات الاقتصادية الإيرانية وارتباطها بشكل مباشر بالعقوبات الدولية؛ فإن جُل المبادرات الحكومية ستكون حلولًا مؤقتةً فقط، وفي ظل استمرار الوضع المتأزم فإن ذلك سيؤدي مستقبلًا إلى تجدُد الاحتجاجات الفئوية التي سيعمل النظام على احتوائها بالطريقة نفسها باعتبارها الأقل تكلفة، ويبقى السيناريو الأخير هو الأقرب للتحقق على ضوء الخبرة الإيرانية المتراكمة للتعامل مع الاحتجاجات، وإن كانت التحولات السريعة وتشابك القضايا بفعل المتغير الأمريكي في عهد الرئيس ترامب تُصعِّب من مسألة الجزم بتحقق سيناريو معين.

المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
إدارة التحرير