لم تكُن المواجهة العسكرية التي اندلعت في 28 فبراير 2026م بين الحِلف الأمريكي-الإسرائيلي وإيران مجرَّد صراع إقليميّ عابر، بل تحولت إلى «لحظة كاشفة» زلزلت أركان النظام الدولي وكشفت عن عمق الفجوة البنيوية بين المصالح القومية الأوروبية والتوجهات الأُحادية لواشنطن. فبينما كانت المدافع والطائرات تَدُكّ المنشآت النووية والاقتصادية الإيرانية، دخلت العلاقات الأمريكية-الأوروبية مرحلة «القطيعة الإستراتيجية» غير المعلَنة، إذ وجدت العواصم الأوروبية نفسها أمام مأزقٍ وجوديٍّ يضع حلف شمال الأطلسي (الناتو) أمام اختبار التفكك أو التبعية المطلَقة. وما زاد مِن حدّة الأزمة اكتشاف القارة العجوز أن إدارة ترامب في غمرة سعيها لتغيير النظام في طهران كانت تحدث صفقات منفردة في كواليس واشنطن تهز ثقة الحلفاء، مُظهِرةً استعدادًا براغماتيًّا للتضحية بأمن أوروبا الطاقي والسياسي مقابل مكاسب تجارية أو تفاهمات جانبية مع خصوم تاريخيين مثل روسيا. وبذلك، لم تعُد الحرب في إيران مجرد صراع سياسي على النفوذ في الشرق الأوسط، بل تحولت إلى أزمة ثقة حادة داخل «الناتو»، فجَّرَت تساؤلات جوهرية حول جدوى تحالف بات يجرُّ القارة نحو صراعات صفرية لا تخدم استقرارها، بل تُهدِّد بتحويلها إلى ضحية جانبية للتقلبات السياسية في البيت الأبيض. في التقرير التالي، سوف نبحث الأزمة من خلال محورين أساسيين؛ هما أولًا: الموقف الأوروبي العامّ. ثانيًا: تداعيات «الشرخ» الإستراتيجي.
أولًا: الموقف الأوروبي العامّ
تُجسِّد حرب عام 2026م «لحظة الحقيقة» التي بيَّنَت هشاشة الدور الأوروبي وانكشافه الإستراتيجي، حيث وجدت القارة نفسها مُحاصَرة بين طموح الاستقلال الدبلوماسي وواقع التبعية للأحادية الأمريكية، لتتحول بروكسل من «مهندس» للاتفاقات الدولية إلى مجرد «مُتلقٍّ للصدمات» فاقدٍ للمبادرة في قرار السِّلْم والحرب. وقد تعمَّق هذا الانكسار بفعل الخلاف الجذري مع إدارة ترامب الذي تركزت مسبباته حول: الابتزاز الاقتصادي بالتعريفات الجمركية، والانتقادات اللاذعة لضَعف الإنفاق الدفاعي في «الناتو»، والتوجه الأمريكي لتقليص دعم أوكرانيا باعتباره أداة ضغط لتطويع الحلفاء، فضلًا عن رفض أوروبا الصارم للانخراط في مغامرة عسكرية ضد إيران خشية تدمير سلاسل إمدادها. هذا الصدام القيمي والمصلحي أكدته بيانات استطلاع «يوروكونسيومرز» في عشر دول أوروبية، أظهرت تزعزع الثقة الشعبية في نفوذ الاتحاد الأوروبي وقُدرته على حماية مصالح القارة، وسط تزايُد الاستقطاب الدولي، مما وضع العلاقات الأطلسية في مهب ريح «القطيعة الإستراتيجية» التي أعادت تعريف حدود القوة والتبعية. وتوضح النقاط التالية مدى تأثر العلاقات الأوروبية-الأمريكية بالأزمة:
- الاتحاد الأوروبي أمام «هشاشة الواقع» في النظام الدولي
وضعت الحرب أوروبا أمام حقيقة مريرة وهي هشاشة موقعها الإستراتيجي وضآلة تأثيرها ضمن النظام الدولي الجديد الآخذ في التشكُّل، حيث وجد الاتحاد الأوروبي، الذي استثمر سنوات طويلة من رأسماله السياسي ليكون «المهندس» الأول للدبلوماسية مع طهران عبر رعاية الاتفاق النووي، نفسه «مُهمَّشًا تمامًا» ومَقصِيًّا عن المشهد بمجرد اندلاع الحرب واحتكام الأطراف إلى القوة العسكرية، مما أثبت بشكلٍ قطعيٍّ فقدان بروكسل للمبادرة وانعدام امتلاكها لأدوات حقيقية وفعالة لمنع اشتعال صراعات تمسّ أمنها القومي في الصميم، لتتحول القارة من فاعلٍ دوليٍّ مؤثرٍ إلى مجرَّد «مُتلقٍّ للصدمات» الاقتصادية والأمنية العنيفة، دون أن يكون لها مقعد حقيقي أو صوت مسموع على طاولة القرار العسكري الأمريكي المندفع. إنَّ هذه الأزمة لم تكتفِ بتهميش الدور الأوروبي فحسب، بل كشفت عن تآكلٍ حادٍّ في نفوذها التاريخي، مؤكدةً أن القرار الإستراتيجي في منطقة الشرق الأوسط لا يزال يُصاغ في واشنطن بامتياز، الأمر الذي قلَّص دور العواصم الأوروبية إلى مجرَّد مُراقب قَلِق يبحث عن سُبل النجاة من تداعيات إغلاق الممرات المائية والارتفاعات الجنونية في أسعار الوقود، مما يعكس ارتهانًا كاملًا لتقلبات سياسة «الأحادية القطبية» التي تتبنَّاها الإدارة الأمريكية الحالية.
- الانقسام الداخلي.. صِراع العواصم حول «مشروعية الحرب»
وفي سياق متصل، شهدت أروقة العاصمة البلجيكية بروكسل استقطابًا حادًّا وخلافًا أوروبيًّا غير مسبوق حول «مشروعية الحرب»، حيث انقسمت المواقف بشكلٍ راديكاليٍّ بين الرفض القاطع والمشاركة الحَذِرة، مما عكَس انقسامًا عضويًّا في قلب الكتلة الأوروبية. وقد تبلورت جبهة رفض صارمة تقودها قوى ثقيلة مثل فرنسا وألمانيا، مدعومة ببعض دول الجنوب الأوروبي، انطلاقًا من رؤية جيوإستراتيجية تُحذِّر من أن هذا الانزلاق العسكري سيؤدي حتمًا إلى «كارثة إنسانية» كبرى وتدفُّق موجات لجوء مليونية غير مسبوقة، فضلًا عن الانهيار الكامل لما تبقّى من سلاسل الإمداد العالمية التي لم تتعافَ أساسًا من أزماتها الهيكلية السابقة. هذا الشرخ السياسي أدى في نهاية المطاف إلى فشل ذريع لـقمة الاتحاد الأوروبي الأخيرة التي عُقدَت في بروكسل 19 مارس الماضي، في صياغة موقف موحَّد أو اتخاذ قرار جماعي يدعم واشنطن عسكريًّا، حيث ذهبت دول كبرى بعيدًا في معارضتها عبر رفض تقديم أي تسهيلات لوجستية أو عسكرية لقوات الحلف، مُرسِّخةً قناعةً مفادُها أنّ هذه الحرب صُمِّمَت لتخدم أجندات انتخابية أمريكية ضيِّقة ومصالح إسرائيلية بحتة لا تتقاطع بأي شكل من الأشكال مع المصالح الحيوية الأوروبية، مما وضَع مستقبل التماسك الأطلسي على المحكِّ في مواجهة السياسات الأحادية المندفعة.
3. ألمانيا.. انقسام هرم السلطة والتهديد الصناعي
تعيش برلين حالة من الشلل السياسي الخانق، حيث تسبب الموقف من الحرب في انقسامات حادة على رأس هرم الدولة، وخلقت صراعًا عميقًا في الأولويات بين تيارات الحكومة، إذ يبرز تيار يرى ضرورة الالتزام الصارم بالتحالف الإستراتيجي مع واشنطن لضمان بقاء المظلة الأمنية لحلف «الناتو»، في مقابل تحذيرات شديدة اللهجة يُطلقها تيار «البراغماتيون الاقتصاديون» الذين يؤكدون أن الانخراط في دعم هذه الحرب يُمثِّل «انتحارًا صناعيًّا» للدولة نتيجة الانقطاع الحادّ في موارد الطاقة والارتفاع الجنوني في تكاليف الإنتاج التي تُهدِّد تنافسية الاقتصاد الألماني. ولا يتوقف القلق عند الحدود الاقتصادية، بل يمتد ليشمل مخاوف سيادية لدى القيادة الألمانية من أن يؤدي التضخم الجامح الناجم عن تداعيات الصراع إلى اندلاع اضطرابات اجتماعية داخلية واسعة، مما قد يوفر بيئة خصبة لنموّ التيارات اليمينية المتطرفة التي تُهدِّد الاستقرار السياسي والنسيج المجتمعي للجمهورية الاتحادية بشكل غير مسبوق.
- بريطانيا.. مأزق «الحليف التابع»
تطرح الحرب الدائرة سؤالًا مصيريًّا وحرجًا حول الهوية الدولية لبريطانيا وطبيعة دورها العالمي في مرحلة ما بعد «بريكست»، حيث تجد لندن نفسها عالقة في مأزق «الحليف التابع» الذي يضطر إلى المنافحة عن قرارات واشنطن الإستراتيجية والدفاع عنها حتى وإن كانت تتعارض بشكل صارخ مع مصالحها التجارية والسياسية الحيوية في منطقة الخليج العربي. وفي ظل هذا الوضع المعقد، يسعى السياسيون البريطانيون جاهدين للموازنة بين استحقاقات الحفاظ على العلاقة الخاصة التاريخية مع الولايات المتحدة، وبين الرغبة الملحّة في تحصين البلاد من الانجرار إلى مستنقع مواجهة برية قد تؤدي إلى استنزاف ما تبقّى من قدرات الجيش البريطاني المنهَك أساسًا، مما يجعل التحرك البريطاني يُراوِح بين إثبات الحضور كقوة مستقلة، وبين الرضوخ لمتطلبات التبعية التي تفرضها التحالفات الأطلسية التقليدية.
- فرنسا.. صِدَام الرؤى بين ماكرون وترامب
تُمثِّل باريس اليوم رأس الحربة في معارضة الأحادية الأمريكية، حيث يتبنى الرئيس ماكرون خطابًا راديكاليًّا يدعو إلى «الاستقلال الإستراتيجي الشامل» لأوروبا، معتبرًا أن الانجرار خلف واشنطن في حرب إيران 2026م هو بمنزلة «انتحار جيوسياسي» للقارة. وقدتحولت الأزمة السياسية بين ماكرون وترامب إلى «تلاسُنٍ» شخصيٍّ، ما يُشير إلى تفاقمها لتصل إلى طريق مسدود. فبينما يرى ترامب في حلف «الناتو» مجرد «مظلة مدفوعة الثمن»، ويستخدم لغة الابتزاز الدفاعي لتطويع الحلفاء، يُصِرّ ماكرون على أن الحلف بات يعيش حالة «موتٍ سريريٍّ» وظيفيٍّ إذا استمر كأداة لخدمة الأجندة الأمريكية في الشرق الأوسط. هذا الصدام العنيف لم يتوقف عند حدود التصريحات، بل ترجمته فرنسا ميدانيًّابرفضها القاطع منح الأجواء الفرنسية أو القواعد اللوجيستية للعمليات الهجومية، مما أحدث شللًا في التنسيق الاستخباري. وترى باريس أن ترامب يسعى لتفكيك وحدة الاتحاد الأوروبي عبر التعامل مع العواصم باعتبارها جزرًا منعزلة، وهو ما دفع ماكرون إلى محاولة بناء «تحالف الضرورة» مع برلين لإنقاذ ما يُمكِن إنقاذه من السيادة الأوروبية، معتبرًا أن بقاء الحلف بشكله الحالي تحت قيادة ترامب بات يُشكِّل تهديدًا لأمن أوروبا، مما يضع العلاقات الأطلسية أمام خطر التحلل الفعلي وتحولها إلى «كيان ورقيّ» فاقد للروح والقرار.
ثانيًا: تداعيات «الشرخ» الإستراتيجي
وضعت الحربُ حلفَ شمال الأطلسي أمام اختبارٍ وجوديٍّ غير مسبوق، حيث تسببت سياسات واشنطن «الأحادية» في إحداث شرخ إستراتيجي عميق هز عقيدة الأمن القومي المشترك. وذلك كالتالي:
- تآكل عقيدة الأمن القومي المشترك
أدت السياسات «الأحادية» التي انتهجتها إدارة الرئيس الأمريكي ترامب إلى إحداث شرخ إستراتيجي في البنية التحتية لحلف شمال الأطلسي «الناتو»، مما تسبب في تآكلٍ تدريجيٍّ لعقيدة الأمن القومي المشترك التي قام عليها الحلف لعدة عقود، فبينما يُصِرّ ترامب على تحويل الحلف إلى أداة جيوسياسية تخدم الأهداف الأمريكية التوسعية على مستوى العالم، يتمسك الأوروبيون بالرؤية التأسيسية التي تعتبر الحلف درعًا للدفاع عن «القارة العجوز» وحمايتها، ويرفضون بشدةٍ الزج به في جبهات مشتعلة وصراعات استنزافية في منطقة الشرق الأوسط لا تخدم مصالحهم الحيوية. هذا الانقسام الرأسي في الرؤى جعل الحلف يبدو في نظر خصومه والرئيس ترامب أيضًا كـ«نمر من ورق»، خصوصًا بعد التقارير التي أشارت إلى أن انسحاب قوات «الناتو» من العراق تحت وطأة الضغوط الإيرانية قد أظهر الجيش الأمريكي وحلفاءه بمظهر الضعف والارتباك، مما منح الضوء الأخضر لقوى دولية صاعدة مثل روسيا والصين لتحدي نفوذ الحلف وتقويضه في ساحات إستراتيجية أخرى حول العالم، مُستغِلَّةً حالة التفكك والهشاشة التي أصابت القرار الأطلسي الموحد.
- تأثير السياسات الأمريكية في استقرار أوروبا
تتصاعد تساؤلات الخبراء والمحللين الإستراتيجيين حول المدى الخطير الذي يمكن أن تصل إليه تأثيرات السياسات الأمريكية «الأحادية» في ملف مكافحة الإرهاب واستقرار الأمن الداخلي في القارة الأوروبية، حيث يسود قلق عميق لدى أجهزة الأمن الأوروبية من حدوث ما يُعرف بـ«الرد العكسي» أو الارتداد الأمني العنيف، إذ يُخشى أن تؤدي نيران الحرب المشتعلة في الشرق الأوسط إلى تنشيط خلايا إرهابية نائمة داخل العمق الأوروبي، وتحويل حالة الغضب الشعبي المتنامي من ويلات الحرب وتَبِعاتها الاقتصادية إلى تهديدات أمنية مباشرة وعمليات انتقامية تضرب قلب العواصم الأوروبية. إنَّ هذا السيناريو القاتم يُمثِّل ثمنًا باهظًا ترفض بروكسل دفعه، معتبرة أن المقامرة بالأمن المجتمعي للقارة مقابل طموحات واشنطن أو أجنداتها الجيوسياسية المندفعة أمر لا يمكن قبوله، خصوصًا أن السياسات الخارجية الأمريكية باتت تُركِّز على أهدافها الخاصة بمعزل عن التنسيق الأمني الوثيق مع الحلفاء، مما يجعل المجتمعات الأوروبية في خط المواجهة الأول أمام أي انفجار أمني ناتج عن صراعات لا يد لها فيها.
3. التداعيات الاقتصادية وسقوط «الموثوقية الأطلسية»
تسببت المواجهة العسكرية في توليد اضطراب هائل وغير مسبوق في بنْية قطاع الأعمال والتجارة العالمية، حيث أدى تهديد مضيق هرمز واستهداف مجمعات الصلب والمنشآت الحيوية إلى انهيار شبه كامل في سلاسل التوريد، مما نتج عنه قفزات جنونية في تكاليف التأمين البحري وشلل في خطوط الشحن الدولية. هذا المشهد القاتم وضَع الاستثمارات الأوروبية-الخليجية المتبادلة، التي تُقدَّر بتريليونات الدولارات، في مهب الريح، مما عَمّق حالة الركود الاقتصادي الذي كانت تحاول «القارة العجوز» جاهدةً التعافي منه، محولًا التوقعات الاقتصادية إلى حالة من عدم اليقين.
وفي خضمّ هذه المعاناة الأوروبية، فجَّر قرار إدارة دونالد ترامب المفاجئ بـ«رفع العقوبات عن النفط الروسي» موجة من الغضب العارم في بروكسل، حيث اعتبرتها المفوضية الأوروبية «طعنة غادرة في الظهر» وازدواجية معايير قاتلة، فبينما تُلزِم واشنطن حلفاءَها الأوروبيين دفع أثمان باهظة لدعم مجهودها الحربي ضد إيران وتحمُّل تبعات انقطاع الغاز، تذهب هي لعقد صفقات نفطية خلفية مع موسكو لتأمين حاجتها المحلية وخفض أسعار الوقود للمستهلك الأمريكي. هذه الخطوة لم تكتفِ بتقويض سياسة «العزل» الدولية التي فُرضت على الكرملين منذ أزمة أوكرانيا، بل عززت القناعة في باريس وبرلين بأن واشنطن تمارس «استنزافًا مُتعمدًا» للقدرات الصناعية الأوروبية، فيما تُحصِّن نفسها باتفاقات سرّية، مما جعل التضحيات الأوروبية السابقة تبدو بلا قيمة إستراتيجية. أدَّت هذه السلوكيات البراغماتية المتطرفة إلىتعميق الشرخ الأطلسي لمستويات تاريخية غير مسبوقة، حيث فقد حلف «الناتو» لغته الموحدة وتراجعت الثقة في المظلة الأمنية الأمريكية لصالح تيار صاعد يدعو بقوة إلى «السيادة الطاقية» والاستقلال عن تقلبات البيت الأبيض. ويرى محللون أن ترامب، بمنهجه «التجاري الصرف»، قد فكك -سواء بقصد أو دون قصد- ترابُطًا إستراتيجيًّا متينًا صمد لثمانية عقود، مما يفتح الباب أمام تشكُّل نظام عالمي جديد يبحث فيه الحلفاء عن بدائل إستراتيجية تضمن مصالحهم بعيدًا عن الهيمنة الأمريكية المتقلبة.
الخاتمة: تُمثِّل الحرب على إيران في عام 2026م المنعطف التاريخي الأهم الذي كشف عن تصدعات بنيوية عميقة في جدار التحالف الأطلسي، حيث لم يعُد التباين في المواقف الأوروبية تجاه الإستراتيجية الأمريكية مجرَّد «سحابة صيف عابرة» في العلاقات الدولية، بل تحوَّل إلى «زلزال جيوسياسي» أعاد رسم حدود القوة والتبعية في القرن الحادي والعشرين. لقد أثبتت هذه الحرب أن المصالح القومية الحيوية للقارة العجوز وصلت إلى نقطة «افتراق كبير» مع العقيدة العسكرية الجديدة المؤقتة للبيت الأبيض المتسمة بالاندفاع، مما وضع حلف «الناتو» أما اختبارٍ وجوديٍّ غير مسبوق في تاريخه، فيما يمكن اعتبار العلاقة الراهنة بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين بأنها أشبه بـ«الزواج الكاثوليكي»، ذلك الرباط الذي يمنع الانفصال الرسمي رغم استفحال الخلافات، حيث يجد الطرفان نفسيهما مجبرين على البقاء تحت سقف ميثاق الحلف لاعتبارات تاريخية وقانونية معقدة، رغم انعدام الانسجام الفعلي في الرؤى الإستراتيجية. ومن المرجح أن تدخل هذه العلاقة في فترة طويلة من «الفتور الحاد» والجمود الوظيفي، بانتظار انتهاء الحقبة الرئاسية الحالية للرئيس ترامب، مع بقاء باب الاحتمالات مفتوحًا لعودة الأمور إلى نصابها وسابق عهدها في مرحلة ما بعده، شريطة استعادة التوازن في المصالح المشتركة. إنَّ القارة الأوروبية تقف اليوم أمام مخاض عسير لمراجعة هويتها الأمنية، فإما القبول بدور «التابع» الذي يدفع فواتير حروب الآخرين من أمنه واستقراره الاقتصادي، وإما الانعتاق نحو استقلالية إستراتيجية تضمن حماية مصالحها السيادية، بانتظار لحظة سياسية مواتية تُنهي حالة الاستعصاء الراهنة في العلاقات مع الشريك الأمريكي.