مقدِّمة
يُعتبَر الذكاء الاصطناعي أحد أهمّ المجالات التكنولوجية الواعدة ومتنامية التأثير والانتشار على مستوى العالم، وقد اكتسب هذا المجال زخمًا واهتمامًا كبيرين في المملكة العربية السعودية في السنوات الأخيرة، وذلك في ظل سعي حكومة المملكة إلى التحوُّل الرقمي وتطوير قطاع التكنولوجيا، وبذْل جهود كبيرة لاستغلال الذكاء الاصطناعي لتعزيز «رؤية 2030»، والاستفادة من إمكاناته في مختلف القطاعات، بالتزامن مع تسارُع جهود توظيف هذا المجال التكنولوجي الحيوي لدعم السياسة التنموية ودفعها قُدُمًا، انطلاقًا من منظور شامل يأخذ في الاعتبار الأبعاد الاقتصادية والاستثمارية، بالإضافة إلى الأبعاد الجيوسياسية المتعلِّقة بمكانة السعودية ودورها الريادي في منطقة الشرق الأوسط، ومتطلَّبات أمنها القومي، مع إدراك أهمّية المشاركة الفعّالة في مسار تطوير التقنيات الرقمية، وعدم الاقتصار على استهلاكها أو الاستفادة منها فقط. وفي هذا الإطار، تبنّت الحكومة السعودية «الاستراتيجية الوطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي»، وضخّت استثمارات ضخمة في مجال الذكاء الاصطناعي، وعمِلَت على جذْب الشركات العالمية وروّاد الأعمال في هذا المجال إلى المملكة، فضلًا عن دعْم الكفاءات الوطنية والشركات السعودية الناشئة المتخصِّصة في تقنيات الذكاء الاصطناعي، كما نظَّمت فعاليات دولية مهمَّة متعلِّقة بهذا المجال، كالقمّة العالمية للذكاء الاصطناعي بنسخها الثلاث، في أكتوبر 2020م وسبتمبر 2022م، وسبتمبر 2024م، والأولمبياد العالمي الأول للذكاء الاصطناعي في سبتمبر 2024م، الأمر الذي يثير التساؤل حول أبعاد الذكاء الاصطناعي ومقوِّماته وآفاقه المستقبلية في السعودية. وتحاول هذه الدراسة استكشاف تلك الأبعاد والمقوِّمات والآفاق، من خلال تناول: تعريف الذكاء الاصطناعي وأهمّ استخداماته، أبعاد الذكاء الاصطناعي في السعودية، مجالات تطبيق الذكاء الاصطناعي في السعودية، مقوِّمات الذكاء الاصطناعي في السعودية والتحدِّيات التي تواجهه، انعكاسات الذكاء الاصطناعي على السياسة التنموية السعودية، وأخيرًا الآفاق المستقبلية للذكاء الاصطناعي في السعودية.
أولًا: تعريف الذكاء الاصطناعي وأهمّ استخداماته
الذكاء الاصطناعي «Artificial Intelligence (AI)» هو نمط من التكنولوجيا، التي تمكِّن أجهزة الكمبيوتر والآلات من محاكاة التعلُّم البشري، وفهْم المشكلات وحلّها، واتّخاذ القرارات بشكل إبداعي، وذلك اعتمادًا على قُدرة التطبيقات والأجهزة المزوِّدة بالذكاء الاصطناعي على فهْم اللغة البشرية والاستجابة لها، ورؤية الأشياء وتحديدها، والتعلُّم من المعلومات والخبرات الجديدة، وتقديم توصيات مفصَّلة للمستخدمين والخبراء، مع إمكانية التصرُّف بشكل مستقِلّ، ما يقلِّل الحاجة إلى التدخُّل البشري[1]. حيث يتيح الذكاء الاصطناعي لأجهزة الكمبيوتر والآلات محاكاة الذكاء البشري، والقُدرة على التفكير، واتّخاذ الإجراءات لتحقيق أهداف محدَّدة، أو القيام بمهام حل المشكلات[2].
ويعتمد الذكاء الاصطناعي على تقنيتين رئيسيتين، هُما:
1. التعلُّم الآلي (Machine Learning)
الذي يتضمَّن إنشاء نماذج، من خلال تدريب خوارزميات معيَّنة لتقديم تنبُّؤات أو قرارات بناءً على البيانات. وهو يشمل مجموعة واسعة من التقنيات، التي تمكِّن أجهزة الكمبيوتر من التعلُّم من البيانات، واستخلاص استنتاجات بناءً عليها، دون برمجتها صراحةً لمهام محدَّدة. ومن أكثر أنواع خوارزميات التعلُّم الآلي شيوعًا ما يُسمَّى بالشبكات العصبية الاصطناعية، التي يتِم تصميمها على غرار بنية ووظيفة الدماغ البشري. وهي تتكوَّن من طبقات مترابطة من العُقَد (على غرار الخلايا العصبية)، التي تعمل معًا لمعالجة وتحليل البيانات المعقَّدة. وهي مناسبة للمهام، التي تنطوي على تحديد الأنماط والعلاقات المعقَّدة في كمِّيات كبيرة من البيانات.
2. التعلُّم العميق (Deep Learning)
وهو مجموعة فرعية من التعلُّم الآلي تستخدم شبكات عصبية متعدِّدة الطبقات، تُسمَّى الشبكات العصبية العميقة، إذ تحاكي عن كثب قُدرة اتّخاذ القرار المعقَّدة للدماغ البشري. وهذه الشبكات العصبية تتيح إمكانية التعلُّم غير الخاضع للإشراف، ويمكنها أتمتة استخلاص السِمات من مجموعات بيانات كبيرة وغير مصنَّفة وغير منظَّمة، وإجراء التنبُّؤات حول ما تمثِّله البيانات، بالإضافة إلى معالجة اللغة الطبيعية، والرؤية الحاسوبية، وأداء المهام الأخرى، التي تتضمَّن تحديد سريع ودقيق للأنماط والعلاقات المعقَّدة[3].
وينقسم الذكاء الاصطناعي إلى ثلاثة أنواع رئيسية، هي:
أ. الذكاء الاصطناعي المحدود أو الضيق: والذي يمكن تدريبه لأداء مهمَّة واحدة أو محدودة، غالبًا بشكلٍ أسرع وأفضل بكثير من قُدرة العقل البشري. ومع ذلك، لا يمكنه الأداء خارج نطاق مهمَّته المحدَّدة. وبدلًا من ذلك، يستهدف مجموعة فرعية واحدة من القُدرات المعرفية. ويتضمَّن هذا النوع فئتين وظيفيتين، هُما: الذكاء الاصطناعي الآلي التفاعلي: وهو نظام دون ذاكرة مصمَّم لأداء مهمَّة محدَّدة للغاية، ويمكنه تحليل كمِّيات هائلة من البيانات لإنتاج مُخرَجات تبدو ذكية، والذكاء الاصطناعي ذو الذاكرة المحدودة: والذي يمكنه تذكُّر الأحداث والنتائج السابقة، واستخدام البيانات الماضية والحالية لاتّخاذ قرار بشأن مسار العمل الأنسب للمساعدة في تحقيق النتيجة المرجُوَّة.
ب. الذكاء الاصطناعي العام: ويُعرَف أيضًا بالذكاء الاصطناعي القوي. ويمكنه استخدام التعلُّم والمهارات السابقة لإنجاز مهام جديدة في سياقٍ مختلف، دون الحاجة إلى البشر لتدريب النماذج الأساسية، وأداء أيّ مهمَّة فكرية يمكن للإنسان القيام بها. ويتضمَّن الذكاء الاصطناعي القائم على نظرية العقل ،(Theory of Mind AI) الذي يمكنه استنتاج الدوافع والمنطق البشري، وتخصيص تفاعلاته مع الأفراد بناءً على احتياجاتهم ونواياهم، وتحليل الأصوات والصور وأنواع أخرى من البيانات للتعرُّف على البشر ومحاكاتهم ومراقبتهم والاستجابة لهم.
ج. الذكاء الاصطناعي الفائق: وهو لا يزال قيد البحث والتطوير، ويعتمد على القُدرة على التفكير والاستدلال والتعلُّم وإصدار الأحكام، مع امتلاك قُدرات معرفية قد تفوق قُدرات البشر. ويتضمَّن الذكاء الاصطناعي القائم على الوعي الذاتي (Self-Aware AI)، الذي من المُفترَض أن يكون لديه القُدرة على فهْم ظروفه وسِماته الذاتية، إلى جانب المشاعر والأفكار البشرية[4].
أمّا استخدامات الذكاء الاصطناعي أو تطبيقاته، فهي تشمل مجالات عديدة، من أهمّها مجال الاستثمار والتجارة، ولا سيّما التجارة الإلكترونية؛ ومجال المعاملات الإدارية الحكومية، ومجال النقل والعمليات اللوجستية، ومجال المعاملات المالية والمصرفية لتنظيم العمليات الخاصَّة بالمحاسبة والاستثمار في الأسهم والأُصول، ومكافحة الاحتيال والجرائم المالية؛ ومجال التعليم لتحسين جودة العملية التعليمية؛ ومجال الرعاية الصحية؛ ومجال الأمن السيبراني؛ ومجال الفلك والأنشطة الفضائية؛ والمجال العسكري لتعزيز القيادة والتحكُّم والاتصالات، وتشغيل أجهزة الاستشعار والمركبات المسيَّرة أو غير المأهولة، وجمع المعلومات الاستخباراتية وتحليلها، وكشف التهديدات وتحديدها.
ثانيًا: أبعاد الذكاء الاصطناعي في السعودية
مع إطلاق «رؤية 2030»، كثَّفت الحكومة السعودية جهودها للتحوُّل الرقمي وبناء مجتمع المعرفة، من خلال استغلال كافّة الإمكانات التكنولوجية، بما فيها الذكاء الاصطناعي. وفي هذا السياق، جرى تبنِّي مخطَّطات واستراتيجيات طموحة لتوطين تقنيات الذكاء الاصطناعي، والاستفادة من إمكاناته في مختلف المجالات والقطاعات. وذلك بناءً على نهْجٍ متعدِّد الأبعاد، لا يقتصر على الجوانب الاقتصادية والاستثمارية فحسب، بل يشمل أيضًا الجوانب الجيوسياسية المتعلِّقة بمكانة السعودية ودورها الريادي في منطقة الشرق الأوسط، ومتطلَّبات أمنها القومي.
فمن الناحية الاقتصادية والاستثمارية، يكتسب الذكاء الاصطناعي أهمّية كبيرة بالنسبة إلى السعودية، باعتباره وسيلة لتنويع اقتصادها وتطوير بنيته التحتية، من خلال تشجيع الابتكار ودعْم التخطيط الاقتصادي وتعزيز الفعالية الإدارية، وتحسين كفاءة عمليات الإنتاج والتوزيع، على نحوٍ يسهم في الارتقاء باقتصاد المملكة ووضعه ضمن الاقتصادات الأكثر تقدُّمًا القائمة على البيانات والابتكار والتكنولوجيا الحديثة، بالإضافة إلى الإسهام في زيادة الناتج المحلِّي الإجمالي.
علاوةً على ذلك، يشكِّل توظيف الذكاء الصناعي فُرصة للسعودية لجني مكاسب تجارية واستثمارية كبيرة، بالنظر إلى الإمكانات الاستثمارية الضخمة والمتنامية، التي يوفِّرها هذا المجال التكنولوجي المهم، الذي من المتوقَّع أن يسهم بـ19.9 تريليون دولار في الاقتصاد العالمي بحلول عام 2030م، كنتيجة لزيادة الإنفاق على حلول وخدمات الذكاء الاصطناعي الناجم عن التبنِّي المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي في مختلف المجالات، والتحفيز الاقتصادي بين مستخدمي الذكاء الاصطناعي، ورؤية فوائده المتمثِّلة في زيادة الإنتاج وتحفيز تدفُّقات الإيرادات الجديدة، والتأثير على سلسلة توريد مزوِّدي الذكاء الاصطناعي بالكامل، ما يؤدِّي إلى زيادة الإيرادات لمقدِّمي الإمدادات الأساسية لمزوِّدي حلول وخدمات الذكاء الاصطناعي [5]. وفي هذا السياق، نصَّت الاستراتيجية الوطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي، على أنَّ من بين أهمّ مستهدفاتها استقطاب استثمار أجنبي مباشر في البيانات والذكاء الاصطناعي في المملكة، بقيمة تصِل إلى نحو 30 مليار ريال، وإقامة استثمارات محلِّية في هذا المجال تصِل إلى 45 مليار ريال بحلول عام 2030م[6].
ومن الناحية الجيوسياسية، تسعى السعودية من خلال استغلال إمكانات الذكاء الاصطناعي وتوطين تقنياته في المملكة، إلى تدعيم مكانتها الإقليمية والدولية، وتعزيز دورها كمركز تكنولوجي عالمي، خاصَّةً في ظل تنافس الأطراف الإقليمية الأخرى، كإسرائيل وتركيا وإيران والإمارات وقطر، على الاستحواذ على أدوار مؤثِّرة في مجال الذكاء الاصطناعي، وبناء القُدرات الذاتية المتعلِّقة بتطوير أنظَّمته وتطبيقاته، واستقطاب الشركات الكُبرى المختصَّة بهذا المجال، التي تتطلَّع إلى التوسُّع العالمي. حيث تعمل إسرائيل على تعزيز تفوُّقها في استغلال الذكاء الاصطناعي، خصوصًا في المجال العسكري، مستفيدةً من حرِّية الوصول إلى أحدث التقنيات، التي تنتجها الدول والشركات العالمية المهيمنة على التطوير التكنولوجي. وتسعى تركيا لتدعيم قُدرتها على توظيف الذكاء الاصطناعي في مختلف المجالات، وزيادة إسهامه في الناتج المحلِّي الإجمالي. وتعمل إيران على تطوير منصّاتها الخاصَّة للذكاء الاصطناعي، ودمجه في الأنشطة الحكومية، والحياة اليومية، وفي التقنيات العسكرية، بينما تتسابق الإمارات وقطر في إبرام الصفقات والشراكات مع المؤسسات الدولية الكُبرى المتخصِّصة في البيانات والذكاء الاصطناعي.
في هذا الإطار، تهدف السعودية إلى الحفاظ على دورها الريادي في منطقة الشرق الأوسط، وتقوية موقفها في مقابل الأطراف الإقليمية والدولية، من خلال العمل على امتلاك ذكاء اصطناعي سيادي خاص بها يعكس لغتها وثقافتها، ويلبِّي طموحاتها، ويخدم مصالحها خارج دائرة التجاذب والتنافس بين القُوى الكُبرى، لا سيّما الولايات المتحدة الأمريكية والصين، وذلك باستغلال السعودية لعناصر قوَّتها الوطنية ذات الصِلة بهذا المجال المتمثلة في القُدرات التمويلية الكبيرة، ووفرة موارد الطاقة، والبنية التحتية الرقمية الملائمة، والسيطرة على الوصول إلى البيانات، والمعرفة الدقيقة باقتصادها، ودرايتها بطبيعة مجتمعها وخصوصياته الثقافية. وقد أكَّدت الاستراتيجية الوطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي على هذا التوجُّه، حيث نصَّت على أنَّ السعودية تهدف لأن تصبح الوجهة الأولى للأطراف الفاعلة في مجال البيانات والذكاء الاصطناعي، من خلال وضْع سياسات جاذبة ومشجِّعة للأعمال، وتوفير بيئة تنظيمية تحقِّق إمكاناتهم الكاملة، وأن تكون المملكة الوجهة الأفضل من حيث سهولة الاستثمار في الفُرَص الواعدة والمتميِّزة في مجال البيانات والذكاء الاصطناعي، وأن تصبح منصَّة عالمية لأنشطة البحث والابتكار ذات الأولوية في هذا المجال[7].
ومن جانب آخر، يرتبط اهتمام السعودية بالذكاء الاصطناعي وسعيها إلى الحصول على تقنياته بمتطلَّبات الأمن القومي السعودي؛ نظرًا إلى إمكانية استخدام تطبيقاته وتقنياته المتطوِّرة لتحديد المخاطر والتهديدات السيبرانية ومواجهتها، ومكافحة التجسُّس الإلكتروني، وتعزيز الأمن الداخلي وأمن الحدود، وتحسين القُدرات العسكرية. وذلك بالإضافة إلى إدراك المملكة لخطورة عدم امتلاك ذكاء اصطناعي سيادي خاص بها، أو الاعتماد الكامل والدائم على الأطراف الخارجية في توفير تقنياته، ما قد يجعلها عُرضةً لضغوط الدول الكُبرى المنتجة لهذه التقنيات، أو يعرِّض أمنها للاختراق.
ثالثًا: مجالات تطبيق الذكاء الاصطناعي في السعودية
مع التوجُّه نحو الرقمنة، شهِدَت السعودية حراكًا تكنولوجيًا نشِطًا كان من أبرز مظاهره توسُّع استخدام الذكاء الاصطناعي في مختلف المجالات والقطاعات، كالتعليم والصحة والقطاع الحكومي والخدمي والحج والعمرة والنقل والمواصلات والطاقة.
ففي مجال التعليم، أطلق المركز الوطني للتعليم الإلكتروني إطارًا شاملًا لاستخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم الرقمي بالمملكة، بهدف وضْع المبادئ التوجيهية والمعايير والممارسات الداعمة لاستخدام الذكاء الاصطناعي في جميع مراحل التعليم، وليكون دليلًا شاملًا لدعم متّخِذي القرار والممارسين في توظيف إمكانات الذكاء الاصطناعي بمجالي التعليم والتدريب الرقمي، وتطوير وإدارة وتقييم استخداماته، إضافةً إلى دعْم وتعزيز الابتكار في مجال التعليم الرقمي. وذلك من أجل توظيف الذكاء الاصطناعي في جميع جوانب العملية التعليمية، بدءًا من الجهات والبرامج، وصولًا إلى تقديم الدعم للطلاب والممارسين من خلال التطوير المهني، والتقويم والتحسين المستمِرّ، مع تعزيز الأخلاقيات والممارسات المسؤولة لضمان استخدام الذكاء الاصطناعي بطُرُق تضمن الخصوصية والأمان[8].
وفي مجال الرعاية الصحية، يُستخدَم الذكاء الاصطناعي لتحسين إدارة السِجّلات الطبِّية، وتحليل البيانات، والتشخيص الدقيق للأمراض، والإسهام في تطوير العلاجات. وقد حقَّق قطاع الصحة السعودي إنجازات كبيرة بواسطة الذكاء الاصطناعي، مثل نجاح مستشفى الملك فيصل التخصُّصي ومركز الأبحاث في إجراء أول عملية زراعة قلب كاملة بالروبوت في العالم، متجاوزًا بذلك كافَّة التحدِّيات الطبية والتعقيدات، التي ترتبط بهذا النوع من العمليات[9].
وفي القطاع الحكومي، يجري استغلال تقنيات الذكاء الاصطناعي لتطوير الأداء، وتحسين تقديم الخدمات، وتعزيز عمليات صُنع القرار. ومن الأمثلة التطبيقية لهذا الاستخدام، منصَّة «استشراف» التابعة للهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، التي تقدِّم خدمات مدعومة بالذكاء الاصطناعي لتحليل البيانات واتّخاذ القرار لأكثر من 100 جهة حكومية؛ واستخدام وزارة العدل لتقنية التعرُّف الآلي على الحروف (OCR) لتبسيط عمليات معالجة مستندات العقارات وتسريعها بدقَّة تصِل إلى 98%؛ واستخدام هيئة الاتصالات والفضاء والتقنية للذكاء الاصطناعي للكشف عن معزِّزات الإشارة غير القانونية، الأمر الذي أدَّى إلى تحسين جودة الاتصالات بنسبة 49% [10].
وفي مجال الحج والعمرة، يُستخدَم الذكاء الاصطناعي لتيسير أداء المناسك، وضمان سلامة ورفاهية الأعداد الكبيرة من الحُجّاج، ولتحسين مستوى الخدمات في الحرمين الشريفين. وذلك من خلال العديد من التقنيات، من أبرزها بطاقة الحج الذكية، التي تعمل بتقنية اتصال المجال القريب (NFC)، والتي تتيح قراءة البطاقة بواسطة أجهزة خدمة ذكية منتشرة في أنحاء المشاعر المقدَّسة، وتساعد الحُجّاج على معرفة تفاصيل رحلتهم، وتقدِّم معلومات واضحة لفِرَق العمل في حالة احتياج أحد الحجاج لمساعدة؛ والحافلات التردُّدية ذاتية القيادة، التي تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي للسير دون تدخُّل بشري ضمن مسار محدَّد، وتقوم بجمع المعلومات خلال الحركة وتحليلها لاتّخاذ القرارات اللازمة؛ والروبوتات الذكية التي تُستخدَم للتعقيم والوقاية البيئية في الأماكن المغلقة، ولتوزيع عبوات مياه زمزم [11]. بالإضافة إلى منصَّة «بصير»، وهي منصَّة ذكية لتنظيم الحشود في المسجد الحرام وإدارة الحركة وفقًا للطاقة الاستيعابية في كل موقع، ومنصَّة «سواهر» التي تتيح خدمات التعرُّف والتحليل المتقدِّم الداعمة لمختلف حالات الاستخدام؛ كتنظيم حركة المركبات والحُجّاج، والتنبيه على التجاوزات في مختلف المواقع لمساعدة الجهات المعنية بالحج في اتّخاذ القرارات بسرعة[12].
وفي مجال النقل والمواصلات، تعمل السعودية على دمْج البيانات والذكاء الاصطناعي في قطاعات النقل بغرض إنشاء مركز لوجيستي إقليمي، وتأسيس نُظُم متطوِّرة تقوم على استخدام التقنيات الذكية في التنقُّل، وتعزيز السلامة المرورية في المُدُن[13].
وفي قطاع الطاقة، اتّخذت السعودية خطوات مهمَّة للاستفادة من الذكاء الاصطناعي في هذا القطاع، حيث جرى إنشاء مركز الذكاء الاصطناعي للطاقة بالتعاون بين وزارة الطاقة والهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، بهدف الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في دعْم مبادرات هذا القطاع التنموي وزيادة إنتاجيته. وفي هذا الإطار، تُعَدُّ «أرامكو» واحدة من الشركات الرائدة في تطوير وتطبيق تقنيات الذكاء الاصطناعي في قطاع الطاقة على المستوى العالمي، لتعزيز الكفاءة التشغيلية، وخفْض التكاليف، ودعْم الاستدامة. حيث تستخدم «أرامكو» الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات الضخمة لتحسين عمليات التنقيب والإنتاج ما يساعد في تحديد المواقع الافضل لحفر الآبار وزيادة الإنتاجية، كما تستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي في عمليات الصيانة للتنبُّؤ بأعطال المعدّات، وفي تحسين كفاءة الطاقة داخل منشآتها، وتحليل الانبعاثات الضارّة وتطوير استراتيجيات للحدِّ منها، ما يعزِّز جهود تحقيق الاستدامة البيئية[14].
رابعًا: مقوِّمات الذكاء الاصطناعي في السعودية والتحدِّيات التي تواجهه
تمتلك المملكة العربية السعودية العديد من المقوِّمات التي تسهم في توفير بيئة مواتية لتحفيز قطاع الذكاء الاصطناعي. وتتمثل أهمّ تلك المقوِّمات في الأُطُر التنظيمية الملائمة، والبنية التحتية الرقمية المتطوِّرة، والإمكانات التمويلية الكبيرة، وتوافُر مصادر الطاقة.
1. الأُطُر التنظيمية الملائمة
مع اتجاه السعودية نحو الاهتمام بقطاع الذكاء الاصطناعي، جرى إنشاء العديد من الهيئات وتبنِّي عدد من اللوائح، التي شكَّلت في مجملها هيكلًا تنظيميًا فعّالًا وملائمًا لتحفيز نمو هذا القطاع في المملكة. حيث تمَّ تأسيس الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، لتكون صاحبة الاختصاص الأصيل والمرجع الوطني الأساسي في كل ما يتعلَّق بالبيانات والذكاء الاصطناعي من تنظيم وتشغيل وتطوير وتعامل، وللعمل على حوكمة البيانات والذكاء الاصطناعي، وتوفير الإمكانات المتعلِّقة بالبيانات والقُدرات الاستشرافية وتعزيزها بالابتكار المتواصل في هذا المجال، وضمان الارتقاء بالمملكة إلى الريادة ضمن الاقتصادات القائمة على البيانات والذكاء الاصطناعي[15].
كما تمَّ إنشاء عدد من الكيانات المرتبطة تنظيميًا بالهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي، كمركز المعلومات الوطني، ليختصّ بتطوير بنك البيانات الوطني ومنصّات الاستشراف الوطنية، واستضافتها وتشغيلها[16]، ومكتب إدارة البيانات الوطنية، ليختصّ بتطوير وتنفيذ الخِطَط والسياسات والبرامج والممارسات والإشراف عليها، لتمكين الجهات المؤسسية من حوكمة البيانات وتعزيز قيمتها، وإدارة البيانات الوطنية ورقمنتها وتنميتها وتمكينها لتعزيز الأصول والقُدرات الوطنية، وحماية البيانات الشخصية والحسّاسة، من خلال تطوير الاستراتيجيات والتنظيمات والسياسات والضوابط اللازمة ودعْم تطبيقها وضمان الالتزام بها[17]؛ والمركز الوطني للذكاء الاصطناعي، ليختصّ بالعمل على قيادة الأولويات الوطنية للذكاء الاصطناعي بالتعاون مع شركائه في القطاعين العام والخاص، لتوحيد الجهود الوطنية القائمة في هذا المجال، من خلال تنفيذ المشاريع البحثية وتعزيز منظومة البحث والابتكار في مجال الذكاء الاصطناعي، وتطوير الحلول التي تخدم الأولويات الوطنية في مختلف القطاعات، ورفْع مستوى الكوادر الوطنية في علوم البيانات والذكاء الاصطناعي والتقنيات الداعمة لهما [18]. وأيضًا، جرى تأسيس الشركة السعودية للذكاء الاصطناعي المملوكة لصندوق الاستثمارات العامّة، بهدف دعْم أهداف الصندوق في تطوير قطاع التقنية، والإسهام في تعزيز مكانة المملكة العربية السعودية كرائدة عالميًا في التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي، من خلال حلول مبتكرة تدعم تحوُّل مختلف القطاعات[19].
وعلى مستوى الوثائق واللوائح التنظيمية، تمَّ تبنِّي الاستراتيجية الوطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي، لتوحيد الجهود الوطنية والمبادرات الخاصّة بالبيانات والذكاء الاصطناع،ي ضمن توجُّه وطني لتحقيق الاستفادة المُثلى، ما مكَّن السعودية من حصولها على المرتبة الأولى عالميًا على مؤشِّر الاستراتيجية الحكومية ضمن التصنيف العالمي للذكاء الاصطناعي[20]. كما جرى إصدار «نظام حماية البيانات الشخصية» بهدف حماية خصوصية البيانات الشخصية وحقوق الأشخاص عند التعامل مع البيانات؛ و«ضوابط الأمن السيبراني للبيانات» بغرض تعزيز تدابير حماية البيانات. وكذلك إصدار «مبادئ أخلاقيات الذكاء الاصطناعي» بهدف تخفيف مخاطر الذكاء الاصطناعي المحتملة، وضمان الاستخدام المسؤول له؛ وإطلاق «أداة تقييم أخلاقيات الذكاء الاصطناعي»، لمساعدة الجهات على تقييم مدى امتثالها للمعايير الأخلاقية عند تطوير الذكاء الاصطناعي واستخدام تطبيقاته. بالإضافة إلى ُأُطر قانونية وتنظيمية أخرى تدعم الذكاء الاصطناعي، كتشريعات الملكية الفكرية، والإطار الوطني للذكاء الاصطناعي في التعلُّم الرقمي[21].
2. البنية التحتية الرقمية المتطوِّرة
تُعَدُّ البنية التحتية الرقمية المناسبة، المتمثِّلة في مراكز البيانات وخدمات الحوسبة السحابية والحاسبات فائقة الأداء، متطلَّبًا أساسيًا لتطوير الذكاء الاصطناعي وتنفيذه ونشره. وقد عمِلَت السعودية على تعزيز مراكز البيانات بدرجةٍ كبيرة، واستضافت 22 مركز بيانات نشِط و40 مركزًا تحت التطوير، ما زاد سعة مراكز البيانات، لتصل إلى 204 ميجا وات في عام 2023م، لتصبح السعودية ثاني أكبر دولة في الشرق الأوسط من حيث عدد مراكز البيانات المشتركة. كما عمِلَت المملكة على دعْم خدمات الحوسبة السحابية، ونجحت في رفْع عدد مقدِّمي هذه الخدمات إلى 29 جهة، كما أطلقت «سدايا» في عام 2018م الحوسبة السحابية الحكومية (ديم)، لتقديم خدمات سحابية آمنة وموثوقة وقابلة للتوسُّع للجهات الحكومية وشبه الحكومية. وكذلك عمِلَت السعودية على زيادة القُدرة الحوسبية في بنيتها التحتية الرقمية، بامتلاك 10 حاسبات فائقة الأداء تُصنَّف 8 منها ضمن أفضل 500 حاسب فائق الأداء على مستوى العالم[22].
3. الإمكانات التمويلية الكبيرة
يتطلَّب تبنِّي تقنيات الذكاء الاصطناعي وتطويره، توافُر استثمارات كبيرة نسبياً. وتحظى السعودية بقُدرات تمويلية ضخمة، يمكنها أن تسهم بشكلٍ كبير في تحفيز قطاع الذكاء الاصطناعي. وفي هذا الإطار، أسّست الحكومة السعودية صندوق «آلات»، وهو صندوق تمويلي بقيمة 100 مليار دولار، مُكلَّف بتعزيز الصناعات المتقدِّمة محلِّيًا، بما في ذلك أشباه الموصِّلات والذكاء الاصطناعي[23]. بالإضافة إلى التخطيط لمشروع بقيمة 100 مليار دولار للاستثمار في مراكز البيانات، والشركات الناشئة، والبنية الأساسية الأخرى للذكاء الاصطناعي، ضمن مبادرة «مشروع التسامي»، بهدف تعزيز القُدرة التنافسية للسعودية، وترسيخ مكانتها كقوَّة عالمية في مجال تطوير الذكاء الاصطناعي[24].
كما شهِدَت المملكة زيادة في حجم الإنفاق التقني، الذي يشمل الذكاء الاصطناعي، بمعدل نمو سنوي مركب بلَغَ 59% من عام 2019م حتى عام 2023م. وأنشأت عدَّة جهات حكومية حاضنات ومسرِّعات أعمال، لدعم الشركات الناشئة المتخصِّصة في الذكاء الاصطناعي، من أبرزها مسرِّعة «غاية» (GAIA)، التي تُعَدُّ أول مسرِّعة في مجال الذكاء الاصطناعي للمراحل المبكِّرة عالميًا، والتي خصَّصت أكثر من 200 مليون دولار لتحويل الأفكار المُبتكَرة في الذكاء الاصطناعي إلى حلول تجارية ناجحة[25].
4. وفرة مصادر الطاقة
تحظى السعودية بموارد طاقة وفيرة ومتنوِّعة، سواءً من الوقود الأحفوري كالنفط والغاز، أو الطاقة المتجدِّدة، كالطاقة الشمسية الكهروضوئية وطاقة الرياح، ما يمكنها من توفير الكمِّيات الكبيرة من الطاقة الكهربائية اللازمة لمراكز البيانات الضخمة، التي تدعم تطوير الذكاء الاصطناعي، الأمر الذي يمثِّل عامل جذْب أساسي للشركات المتخصِّصة في البيانات والذكاء الاصطناعي.
وفي مقابل تلك المقوِّمات، ثمّة بعض التحدِّيات، التي تواجه قطاع الذكاء الاصطناعي في السعودية، من أبرزها القيود الصارمة، التي تفرضها الدول المنتجة للشرائح الإلكترونية الدقيقة أو أشباه الموصِّلات على تصدير هذا النوع من المكوِّنات، ما قد يعرقل تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي في السعودية. ففي إطار سعي الولايات المتحدة الأمريكية إلى الحفاظ على ريادتها العالمية في مجال الذكاء الاصطناعي وحماية حقوق الملكية الفكرية، تضع ضوابط معقَّدة على تصدير الشرائح الدقيقة؛ بسبب المخاوف من حصول الدول المنافسة، خاصّةً الصين، على التكنولوجيا الأمريكية. وتعمل السعودية على حل هذه المشكلة، من خلال تنويع مصادر حصولها على التكنولوجيا اللازمة لتطوير قطاع الذكاء الاصطناعي الخاص بها، مع سعيها أيضًا إلى الحصول على الشرائح الدقيقة عالية الأداء من الشركات الأمريكية الرائدة في إنتاج هذه المكوِّنات، من خلال تعزيز شراكتها وتعاونها مع الولايات المتحدة الأمريكية في مجال الذكاء الاصطناعي[26].
ومن ناحية ثانية، تشكِّل قلَّة الكفاءات والكوادر البشرية المتخصصة في تطوير الذكاء الاصطناعي عقبةً أمام تحفيز هذا القطاع. وهو التحدِّي الذي تعمل السعودية على التغلُّب عليه، من خلال تبنِّي نْهجٍ شامل لدعم تطوير قُدرات الذكاء الاصطناعي، وتحفيز المواهب الوطنية وتنميتها وتمكينها من المنافسة عالميًا، وزيادة القُوى العاملة المحلِّية في مجال البيانات والذكاء الاصطناعي، عن طريق رفْع الوعي العام حول هذا المجال، وتوفير كثيرٍ من فُرَص التعليم والتدريب المتخصِّصة فيه، حيث تقدِّم 86% من الجامعات السعودية برامج دراسية متعلِّقة بالذكاء الاصطناعي، إضافةً إلى إنشاء عدَّة أكاديميات تدريبية لتطوير المهارات المتعلِّقة بهذا المجال، من أبرزها أكاديمية «سدايا»، وأكاديمية «طويق» التابعة للاتحاد السعودي للأمن السيبراني والبرمجة والدرونز، وأكاديمية «مسك»، فضلًا عن مبادرة «مهارات المستقبل» التابعة لوزارة الاتصالات وتقنية المعلومات، وبرنامج «مبرمجو ذكاء المستقبل»، الذي يستهدف الطلاب والمعلِّمين، وبرنامج «فيول» (Fuel) الذي يهدف إلى تدريب 100 ألف مواطن على المهارات الرقمية، التي تشمل الذكاء الاصطناعي [27].
من ناحية أخرى، يمثِّل جمع البيانات وتوفيرها وحمايتها تحدِّيًا في مجال تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي وتشغيلها ونجاحها، نظرًا إلى حساسية التعامل مع البيانات، لا سيّما في مجالات المعاملات المالية والصحة والتعليم والبيانات الشخصية. وتعمل السعودية على التغلُّب على هذا التحدِّي، عن طريق الاهتمام بجهود جمع البيانات وتنظيمها وإدارتها. ومن أبرز هذه الجهود، ما قامت به «سدايا» عبر بنك البيانات الوطني، الذي يضُمّ مجموعة من منصّات البيانات الوطنية، التي تهدف إلى تحسين جودة البيانات، وتسهيل مشاركتها بين الجهات المختلفة، مع التحقُّق من استيفاء العمليات المتعلِّقة بجمع البيانات واستخدامها لمعايير الجودة والخصوصية، من خلال وضْع مجموعة من الإرشادات المتعلِّقة بحوكمة البيانات، وأيضًا من خلال المؤشِّر الوطني للبيانات (نضيء)، الذي يقيس نُضْج إدارة البيانات وامتثال المعايير والمؤشِّرات التشغيلية في الجهات الحكومية[28].
خامسًا: انعكاسات الذكاء الاصطناعي على السياسة التنموية السعودية
استناداً إلى «رؤية السعودية 2030»، تستهدف السياسة التنموية السعودية الوصول إلى مجتمع حيوي واقتصاد مزدهر، من خلال توفير بيئة مناسبة للنمو، واستحداث فُرَص عمل للمواطنين وتوليد وظائف نوعية، ورعاية المواهب، ودعْم الابتكار، وتنمية الاستثمارات، واستغلال الإمكانات الكبيرة التي تتمتع بها المملكة، وتوفير بيئة تنافسية مواتية جاذبة للأعمال لبناء اقتصاد عالمي رائد يعزِّز ريادة الأعمال، وإطلاق العنان لقطاعات جديدة واعدة، وتخصيص المزيد من الخدمات الحكومية لتنويع الاقتصاد وضمان استدامته[29].
ويساعد تبنِّي الذكاء الاصطناعي في تحقيق تلك الأهداف، من خلال إسهامه في دعْم عمليات صُنع القرار، عن طريق توفير تحليلات متقدِّمة وقُدرات تنبُّؤية تمكِّن الجهات الحكومية من اتّخاذ قرارات أكثر استنارة، بناءً على رؤى تعتمد على البيانات، على نحوٍ يؤدِّي إلى تخصيص الموارد بشكل فعّال، وتحسين إدارة المخاطر، وتحسين الاستراتيجيات، ما يُسهم في تعزيز النمو الاقتصادي والقُدرة التنافسية. وتمارس منصَّة «استشراف» دورًا بارزًا في هذا الإطار، حيث تستثمر البيانات الضخمة وقُدرات التحليل والذكاء الاصطناعي، وتقدِّم تنبُّؤات ورؤى مستقبلية لصُنّاع القرار في المملكة باستخدام البيانات، إضافةُ إلى محاكاة الأثر الاجتماعي والاقتصادي والصحي لبعض السياسات العامة المهمَّة، من أجل فهْمْ شامل للمتغيِّرات الاقتصادية والاجتماعية والاستراتيجية، للإسهام في صياغة القرارات، وتقييم مؤشِّرات الأداء. وقد حقَّقت هذه المنصَّة إنجازات عديدة، من أهمّها تقديم نحو 104 سيناريو لمتّخِذي القرار في أكثر من 91 جهة حكومية مختلفة، شمِلَت التعليم والتنمية الاجتماعية وسوق العمل والتركيبة السكانية والعقار وتنمية الإيرادات غير النفطية والسياحة والاستثمار، وغيرها، والإسهام في رفْع كفاءة الإنفاق الحكومي وتحجيم الهدر المالي على البنية التحتية لتقنية المعلومات، إضافةً إلى تحليل التغيُّرات في أنماط التوظيف، من أجل والإسهام في تقليل مستويات البطالة ورفْع مواءمة مُخرَجات برامج التعليم، وتقييم فعالية برامج الضمان الاجتماعي[30].
علاوةً على ذلك، يسهم تحفيز قطاع الذكاء الاصطناعي في دعْم السياسة التنموية السعودية، من خلال دور هذا القطاع كقاطرة للتنمية الاقتصادية، باعتباره قوَّة تحويلية دافِعة للنمو الاقتصادي والتطوير والابتكار في مختلف المجالات، وذلك عن طريق مسارين:
1. المسار الأول: عبر ما يُعرَف بـ «أثر الانتشار» ((Spillover Effect: بتسريع انتقال المعارف والخبرات والابتكارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي إلى مختلف القطاعات الاقتصادية، بما يعزِّز تطوُّرها، ويسهم في استحداث نماذج أعمال ومنتجات وخدمات وسلاسل توريد جديدة، وتوفير مزيد من الفُرَص، على نحوٍ يؤدِّي إلى توسيع سوق العمل، بالتوازي مع تطوير المواهب والقُدرات البشرية، وتوفير مورد مستدام للكفاءات المحلِّية في مجال البيانات والذكاء الاصطناعي، وفي المجالات الأخرى المرتبطة به بشكلٍ مباشر أو غير مباشر.
2. المسار الثاني: عبر حلقات التغذية الراجِعة ((Feedback Loops: من خلال إسهام الابتكارات والحلول التقنية القائمة على الذكاء الاصطناعي (بما ينجم عنها من تعزيز للكفاءة التشغيلية وخفْض للتكاليف وزيادة الإنتاجية والمكاسب)، في توليد حلقات تغذية راجِعة محفِّزة لنمو الأنشطة الاقتصادية على نطاقٍ أوسع، حيث تعمل مكاسب الإنتاجية على جذْب وتمكين المزيد من الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي، وزيادة تبنيه في مختلف القطاعات، ما يؤدِّي إلى مضاعفة المردودات والفوائد الاقتصادية.
سادسًا: الآفاق المستقبلية للذكاء الاصطناعي في السعودية
في ظل اهتمام السعودية المتزايد بتحفيز قطاع الذكاء الاصطناعي، ومع توافُر العديد من المقوِّمات، التي تشكِّل بيئة مواتية وداعمة له، يبدو هذا القطاع مرشَّحًا للنمو والازدهار بشكلٍ كبير في المرحلة القادمة. وهو ما تؤكِّده العديد من الإحصاءات المتعلِّقة بالتوقُّعات المسقبلية للذكاء الاصطناعي في السعودية، والمجالات المرتبطة به، كالحوسبة السحابية ومراكز البيانات. حيث من المتوقَّع أن تبلغ نسبة إسهامه في الناتج المحلِّي الإجمالي للسعودية 12%، وأن يبلغ معدل النمو السنوي المركَّب لسوق الذكاء الاصطناعي في المملكة 29% بحلول عام 2030م، كما من المتوقَّع أن يصِل معدل نمو الإنفاق السنوي على خدمات الحوسبة السحابية العامّة 23% حتى عام 2029م، وأن يبلغ حجم الاستثمارات المتوقَّع أن تجتذبها المملكة لزيادة سعة مراكز البيانات إلى 1300 ميجا وات، 15 مليار دولار، بحلول عام 2030م[31].
علاوةً على ذلك، من المتوقَّع أن تتعزَّز المكانة الريادية للمملكة العربية السعودية في مجال البيانات والذكاء الاصطناعي، على المستويين الإقليمي والدولي، كنتيجة لإسهاماتها وأنشطتها المهمَّة في هذا المجال، والتي من أبرزها:
1. العمل على بناء النماذج اللغوية الكبيرة، بجمع أكبر مجموعة بيانات عربية في العالم، بلغت أكثر من 500 مليار وحدة لغوية، بهدف تعزيز استخدامات اللغة العربية في مجال البيانات والذكاء الاصطناعي التوليدي، عبر تسهيل تدريب النماذج اللغوية العربية الكبيرة[32]. وإطلاق تطبيق «علام»، الذي يُعَدُّ أفضل نموذج لغوي توليدي باللغة العربية على مستوى العالم وفقًا للتقييم المعياري (Arabic MMLU)، والذي يوفِّر دعمًا كبيرًا لمطوِّري ومقدِّمي حلول الذكاء الاصطناعي باللغة العربية[33]. وتطوير نظام «صوتك»، الذي يعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحويل الكلام إلى نصوص باللغة العربية الفصحى واللهجات العامِّية. بالإضافة إلى إطلاق مؤشِّر «بلسم»، لقياس نماذج اللغة العربية وتقييمها. وهي الإسهامات، التي من شأنها تعزيز ريادة السعودية في مجال البيانات والذكاء الاصطناعي التوليدي على مستوى المنطقة العربية.
2. تنظيم العديد من الفعاليات الدولية المهمَّة، كالقمّة العالمية للذكاء الاصطناعي، بنسخها الثلاث، أكتوبر 2020م وسبتمبر 2022م وسبتمبر 2024م، والتي تهدف إلى تعزيز النقاش العالمي بين القادة وصانعي السياسات والخبراء والأكاديميين ورؤساء الشركات حول تشكيل مستقبل الذكاء الاصطناعي وتحفيز حلوله العملية من أجل خير البشرية؛ والأولمبياد الدولي للذكاء الاصطناعي سبتمبر 2024م، والذي يمثِّل منصَّة دولية للمسابقات وتنمية المهارات وتبادُل الخبرات والاطلاع على آخر المستجدات في مجال الذكاء الاصطناعي. ومن شأن مواصلة السعودية تنظيم مثل هذه الفعاليات، أن يسهم في تحفيز تحوُّل المملكة إلى مركز عالمي للذكاء الاصطناعي، وزيادة تأثيرها في تشكيل أجندته الدولية المستقبلية.
خلاصة مع تسارُع خُطى السعودية للتحوُّل الرقمي وبناء اقتصاد معرفي متنوِّع يعتمد على الابتكار والتكنولوجيا الحديثة، أولت المملكة اهتمامًا كبيرًا للذكاء الاصطناعي، باعتباره أداة أساسية لتحقيق هذا التحوُّل، وجرى تبنِّي استراتيجية شاملة ومتعدِّدة الأبعاد لمواكبة التطوُّرات المتلاحِقة في تقنيات البيانات والذكاء الاصطناعي، والاستفادة منها في مختلف المجالات. وقد حقَّق قطاع الذكاء الاصطناعي في السعودية تطوُّرًا ملحوظًا وإنجازات كبيرة، كنتيجة لتوافر مقوِّمات عديدة شكَّلت بيئة مواتية له، تتمثَّل في الأُطُر التنظيمية الملائمة، والبنية التحتية الرقمية المتطوِّرة، والإمكانات التمويلية الكبيرة، ووفرة مصادر الطاقة. وعلى الرغم من وجود بعض التحدِّيات أو المعوِّقات، المتمثِّلة في تعقيدات الحصول على الشرائح الدقيقة، وقلَّة أعداد الكفاءات والكوادر البشرية المحلِّية المتخصِّصة، وتعقيدات جمْع البيانات وتوفيرها وحمايتها، فإنَّ مستقبل قطاع الذكاء الاصطناعي في السعودية يبدو واعِدًا، في ضوء الجهود الدؤوبة، التي تُبذَل لتحفيز نموّه، وتذليل العقبات التي تواجهه، وفي ضوء الاستراتيجيات والخِطَط الطموحة الهادفة إلى توطين التكنولوجيا الحديثة، وجعْل السعودية نموذجاً عالمياً يُحتذى به في مجال البيانات والذكاء الاصطناعي.
[1] Cole Stryker, “What is artificial intelligence (AI)?”, IBM, (9 August 2024), accessed: 1 March 2025, https://2u.pw/7hAimHEY
[2] Iinvestopedia, What is artificial intelligence (AI)?, (9 April 2024), accessed: 1 March 2025, https://n9.cl/iun5n
[3] Cole Stryker, op. cit.
[4] IBM, Understanding the different types of artificial intelligence, (12 October 2023), accessed: 1 March 2025, https://n9.cl/9vsi0
[5] International Data Corporation (IDC),IDC: Artificial Intelligence Will Contribute $19.9 Trillion to the Global Economy through 2030 and Drive 3.5% of Global GDP in 2030, (17 September 2024), accessed: 1 March 2025, https://n9.cl/eefi4
[6] الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي، الاستراتيجية الوطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي، لغدٍ نحقق فيه الأفضل: وثيقة الاستراتيجية، أكتوبر 2020م، ص 28.
[7] الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي، مرجع سابق، ص 7.
[8] المركز الوطني للتعليم الإلكتروني، المركز الوطني للتعليم الإلكتروني يطلق «إطار الذكاء الاصطناعي في التعليم الرقمي»، 28 ديسمبر 2023م، تاريخ الاطلاع: 2 مارس 2025م، https://n9.cl/9mn3q
[9] مستشفى الملك فيصل التخصُّصي ومركز الأبحاث،«”التخصُّصي» ينجح في إجراء أول عملية زراعة قلب كاملة بالروبوت على مستوى العالم، 12 سبتمبر 2024م، تاريخ الاطلاع: 28 فبراير 2025م، https://cutt.us/lpNV7
[10] القمّة العالمية للذكاء الاصطناعي، حالة الذكاء الاصطناعي في المملكة العربية السعودية، (سبتمبر 2024م)، تاريخ الاطلاع: 27 سبتمبر 2025م، ص 51.
[11] الشرق الأوسط، الذكاء الاصطناعي والتقنية سِمتان بارزتان في موسم الحج، (26 يونيو 2023م)، تاريخ الاطلاع: 27 سبتمبر 2025م، https://cutt.us/a5WDk
[12] البوابة التقنية، أهمّ منصّات الذكاء الاصطناعي التي قدَّمتها «سدايا» خلال موسم الحج هذا العام، (4 يوليو 2023م)، https://cutt.us/jYmEQ
[13] الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي، مرجع سابق، ص 32.
[14] عبد الوهاب القحطاني، «الذكاء الاصطناعي في أرامكو السعودية»، صحيفة اليوم، (12 فبراير 2025م)، تاريخ الاطلاع: 1 مارس 2025م، https://cutt.us/6uUvE
[15] موقع الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي، نبذة عن الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي، تاريخ الاطلاع: 1 مارس 2025م https://n9.cl/g0zh7
[16] مركز المعلومات الوطني، موقع الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي، تاريخ الاطلاع: 2 مارس 2025م، https://n9.cl/uxxyh
[17] مكتب إدارة البيانات الوطنية، موقع الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي، تاريخ الاطلاع: 5 مارس 2025م، https://n9.cl/vy9rjg
[18] المركز الوطني للذكاء الاصطناعي، موقع الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي، تاريخ الاطلاع: 5 مارس 2025م، https://n9.cl/eyu5h3
[19] الشركة السعودية للذكاء الاصطناعي، تاريخ الاطلاع 28 فبراير 2025م، https://scai.sa/about-us
[20] الشرق الأوسط، السعودية الأولى عالميًا في مؤشر الاستراتيجية الحكومية للذكاء الاصطناعي، (2 يوليو 2023م)، تاريخ الاطلاع: 2 مارس 2025م، https://cutt.us/BV0R5
[21] حالة الذكاء الاصطناعي في المملكة العربية السعودية، مرجع سابق، ص 16.
[22] المرجع السابق ، ص 26- 32.
[23] Samuel Wendel, “Was 2024 a breakthrough year for the Middle East’s AI ambitions?”, Al monitor, (28 December 2024), accessed: 1 March 2025, https://n9.cl/nnktok
[24] Bloomberg, Saudis Plan $100 Billion AI Powerhouse to Rival UAE Tech Hub, (6 November 2024), accessed: 1 March 2025, https://cutt.us/cbqTc
[25] حالة الذكاء الاصطناعي في المملكة العربية السعودية، مرجع سابق، ص 19-20.
[26] TECH CONTINUES, Saudi Arabia’s Ambitious AI Aspirations: Navigating Chip Access and Global Partnerships, (13 September 2024), accessed: 1 March 2025, https://cutt.us/Xq1lu
[27] حالة الذكاء الاصطناعي في المملكة العربية السعودية، مرجع سابق، ص 36-41.
[28] المرجع السابق نفسه، ص 33-34.
[29] اقتصاد مزدهر، رؤية السعودية 2030، تاريخ الاطلاع: 5 مارس 2025م، https://n9.cl/sjot5
[30] منصّة استشراف، سعوديبيديا، تاريخ الاطلاع: 1 مارس 2025م، https://n9.cl/lrky4
[31] حالة الذكاء الاصطناعي في المملكة العربية السعودية، مرجع سابق، ص 53.
[32] صحيفة الجزيرة، “سدايا” تسخر الذكاء الاصطناعي لخدمة اللغة العربية محليًا وعالميًا، (29 أكتوبر 2024)، تاريخ الاطلاع: 6 مارس 2025،https://n9.cl/tx2o6
[33] نموذج “علاّم” الأفضل عالميًا ضمن فئته بين النماذج التوليدية في العالم باللغة العربية، هيئة الإذاعة والتليفزيون السعودية، (11 سبتمبر 2024)، تاريخ الاطلاع: 2 مارس 2025، https://n9.cl/ub9ch7