بعد يوم وحد من إبداء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عدم رضاه عن المواقف الإيرانية في المفاوضات النووية، وإخفاق المفاوضين الأمريكيين والإيرانيين في التوصل إلى اتفاق نووي، وبالتزامن مع استمرارية التحشيد العسكري الأمريكي الكبير في الشرق الوسط، شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل حربًا مشتركة تحت اسم «زئير الأسد» إسرائيليًّا و«الغضب الملحمي أو القوي» أمريكيًّا، ضد مواقع متفرقة في إيران في الثامنة صباحًا يوم السبت الموافق الثامن عشر من فبراير 2026م، راح ضحيتها عشرات الإيرانيين حتى عصر اليوم الأول لانطلاق الحرب، فيما ردت إيران بضربات صاروخية متزامنة تجاوزت الـ 200 صاروخ حتى قبل نهاية اليوم الأول للحرب، طالت محافظات ومدن إسرائيلية متعددة، وراحت توسع دائرة الرد باستهداف المصالح والأهداف الأمريكية في الدول الخليجية والعربية، ما قد يعني في الحسابات الاستراتيجية فقدان التواصل الاستراتيجي مع القيادة؛ وبالتالي إقدام الحرس الثوري على اتخاذ خطوة استهداف دول الخليج العربي بهذا الشكل المتهور.
أمام هذه التطورات تُطرح عدة تساؤلات حول مدى الضربة الأمريكية-الإسرائيلية ونطاقها وأهدافها الحقيقية: هل هي ضربة واسعة النطاق تأتي لإسقاط النظام عبر ضرب مراكز ثقله، أم هي ضربة تقتصر على تحقيق هدف جرّ النظام لتقديم تنازلات كاملة وتوقيع اتفاق نووي حسب الشروط الأمريكية؟ أم إن الولايات المتحدة تجاوزت مسألة جرّ النظام لتوقيع اتفاق نووي وتنوي إسقاطه هذه المرة؟ وكيف تقيّم ردود الأفعال الإيرانية؟ وكيف تُقرأ وتقيّم إيران الضربة المشتركة ضدها؟ وأبرز الفروقات بين الجولة الراهنة وجولة حرب الاثني عشر يومًا في يونيو 2025م.
أولًا: تقييم الضربات المشتركة ضد إيران وأهدافها
بشكل مشترك، أمريكي-إسرائيلي، تتوالى الضربات الجوية الأمريكية والإسرائيلية في محافظات ومدن متفرقة في إيران، وفيما يلي أبرز ملامحها مقارنة بحرب الاثني عشر يومًا في يونيو 2025:
1– توقيت الضربات الأمريكية-الإسرائيلية
بالتشابه مع حرب الاثني عشر يومًا الماضية، التي منحت فيها الولايات المتحدة الضوء الأخضر لإسرائيل لشن ضربات ضد إيران بينما كانت هناك مفاوضات جارية، تأتي الضربة المشتركة الحالية ضد إيران بينما تُجرى أيضًا المفاوضات في جنيف، مع الفارق خلال هذه الجولة أن الولايات المتحدة تعلي سقف الشروط التي تعتبرها إيران شروطًا مُذِلّة، وتريد إدارة الرئيس ترامب وضع إطار وسقف زمني محدد لتوقيع إيران على اتفاق نووي جديد يرمي إلى وقف إيران لتخصيب اليورانيوم إلى الأبد، ونقل اليورانيوم المخصب إلى خارج إيران، وتقليص مديات الصواريخ الباليستية، وهو ما ترفضه إيران، وتؤكد أن لديها سقفًا للتنازلات.
على ما يبدو، فإن اختيار يوم السبت وتوجيه الضربات في وضح النهار لإيران، مقارنة بجولة الاثني عشر يومًا، يعد اختيارًا استراتيجيّا، لأن يوم السبت عطلة رسمية في إسرائيل، وتكون فيه الحركة المدنية الإسرائيلية بطيئة، تَجنُّبًا لوقوع خسائر في صفوف المدنيين حال ردت إيران بضربة قوية تجاه البلدات الإسرائيلية، ما يقلل من مخاطر وقوع المزيد من القتلى والمصابين في صفوف المدنيين. كما أن مسألة توجيه الضربة في وضح النهار مقارنة بالضربة الفجرية السابقة في حرب الاثني عشر يومًا إنما تأتي لتعكس تغيرًا في التكتيك الاستراتيجيّ، خاصة أن إيران تدرك أن الحرب وشيكة وتفتقد الضربات الأمريكية-الإسرائيلية لعامل المفاجأة الاستراتيجيّة.
2– تطابق الأهداف الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران
مقارنة بحرب الاثني عشر يومًا، التي افترقت فيها وجهات النظر الأمريكية والإسرائيلية في ضرب إيران، عندما أرادت الولايات المتحدة الاقتصار على إزالة التهديدين النووي والصاروخي، وأرادت إسرائيل إسقاط النظام. خلال هذه الجولة من الحرب، على ما يبدو، تتطابق وجهات النظر بين واشنطن وتل أبيب تجاه طهران، ويعكس ذلك المشاركة الأمريكية-الإسرائيلية في بدء الحرب مقارنة بالحرب السابقة التي بدأتها إسرائيل ثم دعمتها الولايات المتحدة في النهاية. ويكشف حديث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو صبيحة يوم الحرب عن هدف رئيسي واضح يتمثل في «إسقاط النظام الإيراني» كهدف نهائي لا بديل عنه.
وأشارت مصادر إسرائيلية إلى أن المرحلة الأولى من الهجمات قد تستمر لمدة 4 أيام، معتبرة إياها استكمالًا لحرب الاثنَي عشر يومًا. في المقابل، ذكر مصدر أمريكي أن الضربات قد تستمر نحو 10 أيام، وذلك وفقًا للخطة الأمريكية-الإسرائيلية التي تركز في الوقت الراهن على:
- التركيز الأمريكي: تركز القوات الأمريكية على المشروع النووي والاهداف الاستراتيجيّة المرتبطة بالحرس الثوري والحكومة.
- التركيز الإسرائيلي: تركز الضربات الإسرائيلية على مواقع تخزين الصواريخ ومرافق إنتاجها ومنصات إطلاقها بالإضافة إلى استهداف المسؤولين الإيرانيين.
3. تدمير وشل مقدرات النظام هدف رئيسي
مقارنة بحرب الاثني عشر يومًا التي استهدفت ضرب منظومة القيادة والسيطرة تمهيدًا لإسقاط النظام الإيراني، استهدفت الضربة المشتركة الأمريكية-الإسرائيلية بشكل واضح وصريح، كأولوية أولى، شل وتدمير المقدرات والقدرات الإيرانية عبر استهداف المؤسسات السيادية والسياسية والعسكرية الإيرانية، حيث تركزت الضربات المشتركة (انظر الجدول رقم 1) على استهداف مؤسسات ومراكز ثقل النظام السياسية والسيادية مثل المجمع الرئاسي (القصر الرئاسي)، وجزء من مقر الخارجية الإيرانية جنوب العاصمة، مع تدمير منزل المرشد بالكامل بوسط العاصمة طهران.
وذلك يمثل استهدافًا لجسد سياسي هذه المرة لم تُقدِم عليه إسرائيل والولايات المتحدة في كل حروبهما السابقة مع إيران. كذلك استهدفت المنظومة العسكرية الإيرانية بدقة، من خلال استهداف المؤسسات العسكرية والدفاعية والصاروخية والإعلامية، مع تركيز على طهران وبعض المواقع الاستراتيجيّة في بقية المحافظات، ومقرات صناعة الصواريخ الباليستية والمسيّرات، ضمن استراتيجيّة أمريكية وإسرائيلية مدروسة تهدف إلى تقليص جاهزية النظام عسكريًا وأمنيًا في إيران. وحال نجحت تلك الاستراتيجيّة، يُتوقع أن تؤثر سلبًا على الجهوزية العسكرية للنظام.
جدول رقم (1): أبرز وأهم المحافظات التي طالتها الضربات الأمريكية-الإسرائيلية
| المحافظات والمدن | الآثار | المحافظات والمدن | الآثار |
| طهران | سماع دوي انفجارات شديدة في مركز طهران (نطاق شارع باستور)، منطقة كشور دوست، سيد خندان، استهداف شرق طهران حيث معظم مراكز القيادة العسكرية، مطار مهرآباد، شارع الجامعة، منطقة جمهوري، شهريار (غرب طهران)، كما كان محيط بيت المرشد من بين أهداف المقاتلات أو الصواريخ الإسرائيلية، استهداف العدلية شرقي طهران، وموقع بارجين، كما قصفت إسرائيل مقر هيئة أركان القوات المسلحة شرقي طهران (غير مؤكّد)، وتدمير منزل خامنئي كاملًا في طهران في رسالة عن رغبة أمريكية في مسح النظام الإيراني واقتلاعه من جذوره. | أصفهان | لم يتضح بعد ما إذا كانت الضربات طالت المنشآت النووية أم المؤسسات العسكرية والمنظومات الدفاعية. |
| سيستان وبلوشستان | مهاجمة قواعد عسكرية في کنارك. | الأحواز | ضرب أهداف في أنديمشك دزفول. |
| جيلان | استهداف إسرائيل عدلية رشت (غير مؤكّد). | شيراز | سماع دوي انفجارات على أطراف المدينة. |
| كرمان | استهداف مقر فيلق ثأر الله شمال شرق مدينة كرمان. | جابهار | مهاجمة قواعد عسكرية في جابهار. |
| أذربيجان الغربية | قصف أهداف في أرومية لم تتضح بعد طبيعتها. | أذربيجان الشرقية | قصف أهداف في تبريز لم تتضح بعد طبيعتها. |
| هرمزغان | ضرب مواقع في مدينة ميناب حيث استُهدفَت مدرسة ابتدائية للطالبات ومقتل أكثر من 50 طالبة. | قزوين | سماع دوي انفجارات في مقاطعة آبيك. |
| محافظات أخرى | ضرب مواقع متعددة وسماع دوي انفجارات في كرمانشاه و لورستان وبوشهر. |
المصدر: وكالات الأنباء الإيرانية.
4. استدعاء السردية التاريخية في ضرب إيران
في حرب الاثني عشر يومًا كانت السردية الإسرائيلية التبريرية لضرب إيران واضحة، تتمركز حول الدعم الإيراني لجبهات المساندة لحركة حماس ضد إسرائيل في حربها ضد الفلسطينيين الأبرياء في قطاع غزة. أما في الجولة الراهنة، فقد استدعى الرئيس الأمريكي سردية تاريخية في ضرب إيران، منها أزمة الرهائن الأمريكيين في إيران، وتفجير السفارة الأمريكية في بيروت، ووقائع اغتيال العديد من السفراء الأمريكيين حول العالم، إضافة إلى استهداف وكلائها للأهداف والتمركزات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط. وأكد الرئيس ترامب منحه الفرص المتعددة لإيران مقابل مماطلتها في المفاوضات لتوقيع اتفاق نووي، وأنها بدلًا من التعاون راحت تطور صواريخها الباليستية ومدياتها، وأن النظام الإيراني استهدف العديد من المدنيين في احتجاجاتهم الشعبية الحاشدة الأخيرة.
هذه السردية التاريخية تعكس تبريرًا أمريكيًا واضحًا لما هو قادم، بأن إيران ستواجه ضربات انتقامية تدميرية واسعة نظير سجل ضرباتها التاريخية الحافل ضد الأهداف والمصالح الأمريكية في مناطق متفرقة حول العالم.
5. انتفاء عامل المفاجأة الاستراتيجية في الجولة الراهنة
مقارنة بحرب الاثني عشر يومًا الماضية، التي اتسمت بعنصر المفاجأة الاستراتيجيّة، الأمر الذي شكل صدمة قوية للإيرانيين وساهم في مقتل العشرات من كبار المسؤولين العسكريين والسياسيين والعلماء والخبراء النوويين، واستهداف مواقع صناعة الصواريخ والمسيّرات، انتفى عامل المفاجأة في هذه الجولة. فإيران والعالم أجمع يعلمان أن الحرب وشيكة لا محالة، على خلفية التأكيدات الإيرانية بأن لإيران سقفًا في تقديم التنازلات لا يمكنها تقديم أكثر منه، وهو ما لم يرتضه الرئيس الأمريكي.
وكانت مسألة جلاء القوات الأمريكية من قواعد متفرقة في الشرق الأوسط، والتحشيد العسكري الأمريكي الكبير والواسع في المنطقة ذات التكلفة العالية، وصولًا إلى جلاء المسؤولين والرعايا والدبلوماسيين الأمريكيين حتى من داخل إسرائيل قبل الضربة بيوم واحد، مؤشرات على أن الحرب وشيكة، مقابل بعض التصريحات الإيرانية من كبار المسؤولين العسكريين والسياسيين التي تؤكد الجهوزية الإيرانية الكاملة.
6. مدى فعالية ضرب منظومة القيادة والسيطرة
في مشهد مشابه لضرب منظومة القيادة والسيطرة في حرب الاثني عشر يومًا، بتصفية عدد كبير من القيادات العسكرية، تحدثت المصادر الإسرائيلية عن سقوط عدد كبير من المسؤولين العسكريين والسياسيين، أما السلطات الإيرانية فقد أعلنت رسمياً مقتل المرشد علي خامنئي في الغارات التي استهدفت مقره صباح السبت، بعد تأكيدات سابقه من مسؤولين بنقله إلى مكان آمن.
7. الهجمات السيبرانية والحرب الإلكترونية
مقارنة بحرب الاثني عشر يومًا، شنت الولايات المتحدة وإسرائيل -بحسب التصريحات الإيرانية- موجة واسعة من الهجمات السيبرانية وعمليات القرصنة ضد مراكز البيانات الإيرانية، حيث أكدت قيادة الأمن السيبراني في إيران بالفعل بدء الهجمات الإلكترونية الإسرائيلية والأمريكية بهدف تعطيل حياة الناس وأمنهم النفسي. وأشارت التصريحات المتتالية إلى أن مواقع وكالات الأنباء مثل إيرنا وإيسنا ومهر من بين وسائل الإعلام التي تعرضت للاختراق أو تواجه صعوبة في الوصول إليها.
وأفاد «نت بلوكس» بانخفاض حاد بنسبة 50% في الاتصالات في إيران. ويظهر رادار آروان أن ارتباط جميع مراكز البيانات في الدولة مع الإنترنت الدولي قد قُطع أو واجه خللًا كبيرًا.
باختصار، تعتبر الجولة الراهنة مختلفة بشكل كبير عن جولة حرب الاثني عشر يومًا (انظر الجدول رقم 2) من حيث النطاق والأهداف والردود وربما الأطراف المشاركة، الأمر الذي يدل على أن المواجهات ستصبح مفتوحة وواسعة النطاق.
جدول رقم (2): مقارنة الضربات الأمريكية-الإسرائيلية لإيران في الجولة الراهنة مقارنة بحرب الاثني عشر يومًا
| م | أوجه المقارنة | حرب نهاية فبراير 2026م | حرب الاثني عشر يومًا يونيو 2025م |
| 1 | يوم البداية | فجر الجمعة الموافق 13 يونيو 2025م. | صباح السبت الموافق 28 فبراير 2026م. |
| 2 | الأهداف | تطابق الأهداف الأمريكية-الإسرائيلية في إسقاط النظام كهدف أصيل لا بديل منه. | افتراق الأهداف الأمريكية والإسرائيلية من الحرب، فبينما كانت واشنطن تريد إزالة التهديد النووي كانت إسرائيل تستهدف إسقاط النظام |
| 3 | آلية إسقاط النظام | تدمير وشل مقدرات النظام بالكامل. | ضرب منظومة القيادة والسيطرة الإيرانية. |
| 4 | مبررات الضربات | استدعاء السردية التاريخية في ضرب إيران. | تقديم إيران الدعم والمساندة لجبهات المساندة والوكلاء في الشرق الأوسط ضد إسرائيل. |
| 5 | عامل المفاجأة | انتفاء عامل المفاجأة الاستراتيجيّة. | حضور عامل المفاجأة الاستراتيجيّة. |
| 6 | منظومة القيادة السيطرة | حاضرة بشدة. | حاضرة بشدة. |
ثانيًا: ملامح الردود الصاروخية الإيرانية
يبدو أن إيران كان لديها استراتيجيّة وخطة واضحة للرد العسكري ضد الضربات الأمريكية-الإسرائيلية في الأراضي الإيرانية، تمزج وتجمع ما بين ضرب أهداف متعددة في أكثر من دولة في الشرق الأوسط كوسيلة ضغط قوية ضد الولايات المتحدة وإسرائيل عبر رفع التكلفة وإيصال الرسائل بأن إيران جادة في توجيه تهديدها ووعيدها، وتقوم على النحو التالي:
1. رد إيراني سريع بضرب إسرائيل
مقارنة بالرد الإيراني خلال حرب الاثني عشر يومًا الذي تأخر لساعات من هول الصدمة والعدد الكبير من القتلى في صفوف المسؤولين العسكريين، وأن إيران كانت غير مستعدة وغير جاهزة بشكل كبير، جاء الرد الإيراني خلال هذه الجولة سريعًا للغاية بالمسيرات والصواريخ (بينها خرم شهر 4)، حيث لم يتجاوز الفارق الزمني الأربعين دقيقة تقريبًا، في رسالة واضحة بأن إيران على قدر كبير من الجهوزية العسكرية للرد الانتقامي، وهو ما كانت تتوقعه إسرائيل.
ودوت صفارات الإنذار في مناطق إسرائيلية متعددة كإنذار استباقي لإعداد السكان لاحتمال إطلاق صواريخ باتجاه إسرائيل، مع إغلاق المحلات ومنع التجمعات. وبالفعل أعلن الحرس الثوري عن بدء موجة أولى من هجمات واسعة النطاق بالصواريخ والمسيرات على الأراضي الإسرائيلية المحتلة، وسمع دوي انفجارات قوية في تل أبيب وشمال إسرائيل وجنوبها في منطقة القدس وحيفا والجليل الأعلى وصفد.
2. توسيع رقعة الأهداف بضرب القواعد الأمريكية بالدول العربية: على خلاف الجولة السابقة، وبهدف رفع التكلفة على الولايات المتحدة وإسرائيل للضغط لإيقاف الحرب، بدأت إيران استراتيجيتها بتنفيذ تهديداتها بضرب القواعد والمصالح الأمريكية في خمس دول خليجية حتى تاريخ إعداد التقدير-قطر والبحرين (مقر الأسطول الخامس الأمريكي) والإمارات والكويت والسعودية- مقارنة بالمرة السابقة التي لم تضرب القواعد الأمريكية في الخليج إلا في نهاية الحرب بتوجيه ضربة رمزية محدودة لحفظ ماء الوجه ضد القواعد العسكرية في قطر. لكن يُعد ذلك حسابات إيرانية خاطئة تُعزز من اتخاذ دول المنطقة خطوات إضافية لحماية أمنها واستقرارها وتزيد من تكتل الدول العربية والخليجية ضد الدول المعتدية على أمنها واستقرارها.
3. عدم فاعلية الخطوط الحمراء في الرد الإيراني
يدرك كبار مسؤولي النظام الإيراني بأن الضربة الراهنة هدفها إسقاط النظام عبر ضرب مراكز ثقله وتدمير مقدراته، وأنها معركة مصيرية ووجودية تحدد مصير النظام، لذلك يطغى على الردود الإيرانية -حتى توقيت نشر التقدير- رغبتها في تجاوز كافة الخطوط الحمراء الأمريكية والإسرائيلية والإقليمية، كما سبق القول، لرفع عامل التكلفة وتكثيف الضغط على الولايات المتحدة وإسرائيل، وإيصال الرسائل بأنه إذا كانت واشنطن وتل أبيب قادرتين على تنفيذ تهديداتهما ضد النظام الإيراني، فإن إيران قادرة على رفع التكلفة وتحقيق أكبر قدر ممكن من الإيذاء للمصالح والأهداف الأمريكية في الشرق الأوسط، وأن إيران لن تكون وحدها الخاسرة، وإنما سيخسر الجميع.
لذلك استهدفت إيران -حتى تاريخ نشر التقدير- بحسب التصريحات الرسمية للحرس الثوري الإيراني:
• حاملة الطائرات الأمريكية لينكولن في بحر العرب.
• القواعد الأمريكية في أربع دول خليجية، إضافة إلى الأردن وأربيل العراقية.
تشير الردود الإيرانية إلى أن التقديرات الاستراتيجيّة في إيران تعتبر الجولة الراهنة، مقارنة بالجولة السابقة (انظر الجدول رقم 3)، جولة لمعركة وجودية ومصيرية تحدد مستقبل النظام في إيران، إما إلى الزوال والتغيير الشامل، أو إلى استمرارية النظام في الحكم. لذلك يتوقع أن تستخدم إيران كل أوراق قوتها وأدوات ضغطها في الجولة الراهنة، خاصة بعدما أدركت أنها غير قادرة على تقديم مزيد من التنازلات للولايات المتحدة، وأن النظام ربما يقدم أولوية بقائه ووجوده على الحفاظ على الدولة ومقدراتها الاستراتيجيّة.
جدول رقم (3): مقارنة بين الرد الإيراني خلال الجولة الراهنة وحرب الاثني عشر يومًا
| م | أوجه المقارنة | حرب فبراير 2026م | حرب الاثني عشر يومًا يونيو 2025م |
| 1 | توقيت الرد | جاء سريعًا للغاية لم يتجاوز أربعين دقيقة من توقيت الضربات الأمريكية-الإسرائيلية. | جاء متأخرًا بعد عدة ساعات من توقيت الضربات الإسرائيلية نتيجة حالة الصدمة وحجم القتلى في صفوف القادة العسكريين. |
| 2 | طبيعة الرد | بدأت إيران بتوجيه ضربات ضد القواعد الأمريكية في أربع دول خليجية مع بداية الحرب لرفع التكلفة وممارسة الضغط على الولايات المتحدة وإسرائيل. | اقتصر الرد الإيراني طوال الاثني عشر يومًا على توجيه الضربات إلى إسرائيل فقط باستثناء اليوم الأخير الذي وجّهَت فيه إيران ضربة إلى القواعد الأمريكية بالدوحة. |
| 3 | الخطوط الحمراء | من الواضح أن إيران لم تلتزم بالخطوط الحمراء الأمريكية والإسرائيلية لتتوسع ربما إلى مواجهات شاملة مفتوحة على كافة المسارات. | التزمت إيران ببعض الخطوط الحمراء الأمريكية لتظل ضربات محدودة. |
ثالثًا: موقف محور إيران والأطراف الإقليمية والدولية
ربما لم تتضح بعد كلّ مواقف الأطراف المعنية من المواجهة الراهنة بين الولايات المتحدة وإيران، لكن يمكن توضيح أهم ردود الفعل المتوقعة للوكلاء والقوى الإقليمية والدولية من الحرب من خلال ما يأتي:
1. ردود فعل محور إيران
كان خامنئي، قبل بدء الحرب، اعتبر أن «المعركة الحالية» قد تكون الأخيرة له، وكان بعض رجال الدين هددوا بإصدار فتوى «الجهاد العالمي ضد الاستكبار». هذه الرمزية المقدسة التي حاولت إيران تشكيلها حول الحرب المتوقعة لم تكن سوى بقصد الحشد لهذه المعركة على أساس ديني، وبما يتخطى حدود إيران.
لهذا، عندما اندلعت الحرب جاءت البيانات من محور إيران الإقليمي، حيث أعلنت حركة الجهاد الإسلامي في الأراضي المحتلة، في بيان، وقوفها إلى جانب إيران، مؤكدة أن هذا العدوان هو عدوان على كل الأمة وشعوبها، وداعية جميع أحرار الأمة وقواها الحية إلى الانخراط الواسع في التصدي له. وهذا الاصطفاف من جانب فصائل فلسطينية تنتمي إلى المذهب السني له أهميته في الحرب الراهنة، التي تتطلع إيران إلى أن تشارك بها قوى متنوعة ومختلفة قد تتخطى المحيط الإقليمي، لكن على صعيد الانخراط العسكري ربما لا تملك هذه الجبهة في فلسطين تقديم أي دعم عسكري وعملياتي بعد تدمير قوتها العسكرية بالكامل خلال حرب غزة.
وعلى جبهة شديدة الأهمية أعلنت جماعة أنصار الله الحوثي، في بيان، أنها «تدين العدوان الأمريكي-الإسرائيلي على إيران»، معتبرة أن الهجوم «يهدف إلى كسر معادلة الردع ويمهّد لاستهداف الجميع». والمتوقع أن يأتي أكبر الدعم لإيران من جبهة اليمن، حيث ما يزال الحوثيون الفصيل الذي لم يتعرض خلال حرب غزة لأضرار كبيرة، وما يزال يملك أوراقًا شديدة الأهمية في هذه المعركة، بما في ذلك إغلاق مضيق باب المندب ووقف حركة الملاحة عبر هذا الممر الاستراتيجيّ.
وفي العراق، فإن «تنسيقية المقاومة» التي تضم الفصائل المسلحة قد أصدرت قبل الحرب بيانًا أعلنت فيه استعدادها للدخول في الحرب إلى جانب إيران في حال نشبت، مبيّنة أن كل القواعد الأمريكية سوف تكون أهدافًا لها. وعلى ما يبدو أن ثلاث هجمات على القاعدة الأمريكية في أربيل تأتي ضمن حملة الفصائل العراقية، وتحديدًا حزب الله العراقي، لمساندة إيران، حيث سبق وأعلن الحزب أنه سيبدأ قريبًا بمهاجمة القواعد الأمريكية ردًا على «اعتدائهم». وعلى ما يبدو أن الفصائل العراقية أقرب إلى فتح جبهة مساندة مع إيران في العراق، لا سيما إذا استمرت الحرب لفترة طويلة، حيث إن استهداف إيران يعني لهذه الفصائل خسارة استراتيجيّة فادحة قد تكلفها موقعها على الساحة العراقية.
بخصوص جبهة لبنان، كان الأمين العامّ لحزب الله ردّ على الحشد العسكري الأمريكي والتهديد بتوجيه ضربة عسكرية إلى إيران بأن الحزب لن يقف على الحياد في هذه المواجهة. يوضح هذا الإعلان الموقف المتوقع من حزب الله، وعلى الرغم من أنه لم يشارك في أي هجمات حتى الآن، غير أنه قد يدخل على خط المعركة في حال استمرارها، حيث إن الرابط الأيديولوجي للحزب يفرض على عناصره تقديم الدعم والمساندة للنظام في إيران. وربما يلعب الضغط العسكري من جانب إسرائيل على الحزب، وكذلك تطلعات الحكومة اللبنانية لنزع سلاح الحزب، دورًا في تحديد موقفه من هذه المعركة. وكان رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام قد شدد على أن حكومته لن تقبل «أن يُدخل أحد البلاد في مغامرات تهدد أمنها ووحدتها»، وذلك على خلفية بدء العدوان الأمريكي-الإسرائيلي ضد إيران.
2. ردود الفعل الإقليمية والدولية
بحث وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي مع نظرائه في العراق والكويت والبحرين والإمارات وقطر التطورات الحالية، ربما في رسالة تحاول إيران من خلالها أن توضح أنها ليست بصدد مواجهة مباشرة مع هذه الدول، بل مع المصالح الأمريكية، لكن هذا لا ينفي اعتداء إيران على هذه الدول وتجاوزها للقانون الدولي، ومن ثم جاءت ردود فعل دول الخليج حاسمة.
ومن المعلوم أن دول الخليج كانت ترفض أي هجوم أمريكي على إيران، وترفض استخدام أجوائها في هذا الصراع، بما في ذلك المملكة، وكانت هذه الدول قد بذلت جهودًا من أجل دفع مسار الدبلوماسية. لكن بعدما تعرضت الإمارات والبحرين وقطر والكويت لهجمات إيرانية، فقد أدانت هذه الدول الهجوم وأعلنت استعدادها للدفاع عن أراضيها.
يأتي في مقدمة المواقف الخليجية موقف المملكة التي لم تستهدفها إيران بأي هجمات، حيث أعلنت تضامنها مع الدول الخليجية التي تعرَّضت لهجوم، إضافةً إلى الأردن، وأدانت هذا الهجوم ودعت المجتمع الدولي إلى التصدي للانتهاكات الإيرانية، كما أعلنت استعدادها للوقوف إلى جانب الأشقاء. وكانت السلطات السعودية قد اتخذت إجراءات احترازية بشأن رحلات السفر في ظل التصعيد الراهن.
وكانت الأردن قد أعلنت أنها لن تكون طرفًا في أي تصعيد إقليمي، وأنها ليست جزءًا من الصراع في الإقليم ولن تسمح لأي كان بانتهاك سيادتها. وبالفعل تصدت الأردن لهجمات ربما بالأساس لم تستهدف أراضيها، لكنها اخترقت أجواءها وهي في طريقها إلى الأراضي المحتلة.
من جانبها أدانت دولة قطر بشدة استهداف أراضيها واستهداف الدول الشقيقة، وأكدت احتفاظها بحق الرد. كما أعلنت الإمارات، في بيان، أنها اعترضت «عددًا» من الصواريخ الباليستية التي أطلقتها إيران، ووصفت الهجوم بأنه «تصعيد خطير وعمل جبان». ومن جانبه، أكد مركز الاتصال الوطني في مملكة البحرين أن «اعتداءات استهدفت مواقع ومنشآت داخل حدود المملكة، تم إطلاقها من خارج أراضيها، في انتهاك سافر لسيادة المملكة وأمنها»، بحسب وكالة الأنباء البحرينية «بنا»، مشيرًا إلى أن الجهات الأمنية والعسكرية المختصة باشرت فورًا تنفيذ خطط الطوارئ المعتمدة واتخاذ الإجراءات الميدانية اللازمة.
وأعرب الوسيط العماني، على لسان وزير خارجية عمان بدر البوسعيدي، عن استيائه إزاء الضربات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية على إيران، وكتب على منصة «إكس» أنه جرى «تقويض مفاوضات نشطة وجادة مرة أخرى»، مضيفًا أن هذه الخطوات «لا تخدم مصالح الولايات المتحدة ولا قضية السلام العالمي».
على الصعيد الإقليمي أدانت باكستان الهجمات على إيران واعتبرتها غير مبررة، وذلك خلال اتصال هاتفي أجراه وزير الخارجية الباكستاني مع نظيره الإيراني عباس عراقجي، ودعا إلى «وقف فوري للتصعيد من خلال استئناف عاجل للمسار الدبلوماسي من أجل التوصل إلى حل سلمي قائم على التفاوض للأزمة». وربما يتفق مع الموقف الباكستاني مواقف قوى إقليمية أخرى كتركيا ومصر، التي تدين هجمات إيران على دول عربية لكنها ضد التصعيد وتدعم المسار الدبلوماسي.
أخذت مواقف بعض القوى الدولية في التبلور، حيث جاءت أقوى ردود الفعل من جانب روسيا، التي أدانت خارجيتها الهجمات الإسرائيلية والأمريكية واعتبرتها مغامرة تهدد المنطقة بكارثة، وتهدف إلى «تدمير» الحكومة الإيرانية لرفضها الخضوع لـ«إملاءات» واشنطن وتل أبيب، وانتقد نائب رئيس مجلس الأمن الروسي دميتري ميدفيديف ترامب بسبب الهجوم على إيران.
أما الأطراف الأوروبية، فكانت مستبعدة من المفاوضات الجارية في جنيف قبل الحرب، لكنها كانت تواكب حملة التصعيد والعقوبات ضد النظام الإيراني خلال المرحلة الأخيرة، حيث كانت قد صنفت الحرس الثوري منظمة إرهابية. وقد عبرت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو عن موقف الاتحاد من الحرب، حيث اعتبراه مثيرًا للقلق ودعوا الأطراف إلى ضبط النفس، في موقف يبدو غير مؤيد للهجوم الأمريكي.
وعلى مستوى الدول الأوروبية نفسها، فإن لديها تحفظًا على الحرب أو المشاركة فيها؛ فقبل الحرب عبرت بريطانيا عن عدم استعدادها لاستخدام قواعدها في المحيط الهندي لأي هجوم على إيران كما جرى في هجمات يونيو 2025، كما أكدت الحكومة البريطانية بعد الهجوم أنها لم تشارك في الضربات الأمريكية-الإسرائيلية. وعبر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن الموقف نفسه بعدم استعداد بلاده للمشاركة في الحرب، بل الاستعداد فقط لنشر الموارد اللازمة لحماية أقرب شركائها إذا طلبوا ذلك. أما موقفه من الحرب، فقد اعتبر ماكرون أن التصعيد الحالي خطير على الجميع ويجب أن يتوقف. وفي السياق نفسه أعرب وزير الخارجية البلجيكي مكسيم بريفو عن أسفه «بشدة» لعدم تمكن الجهود الدبلوماسية من التوصل إلى حل في إيران.
لكن نظرًا لأن الحرب قد بدأت وقد يتوسع مداها، فليس من المستبعد أن تغير بعض القوى الأوروبية موقفها، وذلك للدفاع عن مصالحها أو الدفاع عن مصالح أحد حلفائها، ومن ثم الانخراط العسكري لتجنب مزيد من الفوضى وعدم الاستقرار الإقليمي.
رابعاً. التداعيات الاقتصادية المحتملة
قبل الضربة الإسرائيلية الأخيرة كانت إيران تعيش واقعاً اقتصادياً مزرياً من الأساس على إثر الضربات الإسرائيلية الأمريكية قبل ثمانية شهور، تمثل هذا الواقع باختصار في انهيار قيمة العملة المحلية وفقدانها لأكثر من 90% من قيمتها أمام العملات الأجنبية، وتضخم يتجاوز 40%، ومعدلات متزايدة من الفقر والبطالة وعجز الموازنة ونقص حاد في الموارد المالية؛ مما أجَّج أزمات اقتصادية ومعيشية وبيئية واجتماعية عجزت الحكومة عن معالجتها.
ومما لا شك فيه أن اندلاع الحرب الجارية سيكون له تداعيات اقتصادية كبيرة على المستوى الداخلي الإيراني، وكذلك على المستوى الاقليمي والعالمي، لكن هذه التداعيات ستوقف على مدى توسع الحرب أو احتوائها، ففي حال تماحتواء الحرب بعد بضعة أيام من الضربات ستكون الآثار السلبية الواقعة على الاقتصاد الإيراني أعلى من الآثار المحتملة على الاقتصاد العالمي؛ إذ سيكون من المؤكد حدوث مزيد من التراجع في قيمة العملة المحلية مقابل ارتفاع أسعار الدولار وباقي العملات الأجنبية، وربما يصل الارتفاع لحدود 30% خلال أيام. بجانب اضطراب أسواق المال وحدوث تراجعات جماعية للمؤشرات وهروب لرؤوس الأموال نحو الأصول الآمنة مثل العملات والذهب والعقار، وسيخلف هذا الوضع موجة ارتفاعات سريعة في الأسعار وبخاصة أسعار الطعام والشراب، أي تحقيقها لمستويات جديدة من التضخم واستنزاف دخول ومدخرات المواطنين علماً بأن إيران تستورد بكثرة مواد أساسية من الخارج، علاوةً على تحقيق خسائر مالية ومدنية واقتصادية نتيجة استهداف أو توقف عمل بعض المنشآت الإنتاجية أو المواقع الخدمية والبنى التحتية الحيوية كالمطارات والموانئ والمصافي والمصانع وتعطل صادرات الطاقة والسياحة.
أما على مستوى الاقتصاد العالمي والإقليمي: ستكون أسعار النفط العالمية أول المتأثرين بالحرب نظراً لمرور ما لا يقل عن 20% منه عبر مضيق هرمز، ما يعني ارتفاع أسعاره والتي قد تلامس مستوى 80-90 دولاراً للبرميل (مقارنةً بحدود 65 دولاراً قبل الحرب)، ويعتمد مدى الارتفاع على طول مدة الحرب ومجرياتها؛ مما سيؤثر سلباً على الدول الغربية والصناعية المستوردة، وكذلك على أسعار السلع العالمية نتيجة ارتفاع تكلفة الإنتاج والشحن والتأمين، كما سترتفع أسعار الملاذات الآمنة وعلى رأسها الذهب وبقوة. وإقليمياً تضر الحرب بسمعة أسواق الخليج كبيئة آمنة وجاذبة للاستثمار وربما تتأثر التجارة في بعض الموانئ الكبيرة مثل موانئ دبي وغيرها، كما ستنعكس الحرب في تراجع بعض أسواق المال الخليجية لكن ستعود الأوضاع للاستقرار مرةً أخرى بعد تهدئة الحرب.
أما في حالة توسع نطاق الحرب بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة فإن النتائج الاقتصادية ستكون وخيمة على كل من الاقتصاد الإيراني والعالمي على حد سواء، بالنسبة لإيران سيؤدي استهداف المنشآت الاقتصادية الحيوية وعلى رأسها مصافي وموانئ تصدير النفط والغاز أو المؤسسات المالية والمصرفية إلى إعادة الاقتصاد الإيراني سنوات إلى الوراء بعد تدمير بنيته التحتية، وحدوث شلل اقتصادي وتدهور كافة مؤشرات الاقتصاد الكلية كمعدلات النمو وعجز الموازنة وأسعار الصرف والتضخم وتوقف صادرات النفط وحدوث فوضى وذعر بالأسواق المالية والسلعية، وما يعقبه من انفلات أمني وشح في المواد الأساسية اللازمة للحياة، إلى أن يتم استعادة السيطرة الأمنية والسياسية على البلاد، كما أن شكل النظام الاقتصادي الإيراني ذاته قابل للتغير -حال انهيار النظام السياسي الحاكم للبلاد- لكن طبيعة النظام الاقتصادي الجديد ستتوقف على هوية النظام السياسي القادم ومدى التوافقات الداخلية حوله، ما يضعنا أمام سيناريوهات مفتوحة خاصةً إذا ما تمكن الحرس الثوري من السيطرة ومحاولة فرض حضوره الاقتصادي القوي.
أما على الصعيدين الدولي والإقليمي فقد تؤدي الردود الانتقامية الإيرانية بإغلاق مضيق هرمز أو استهداف المنشآت الاقتصادية ومنشآت الطاقة في دول الخليج، إلى تحليق أسعار النفط لما لا يمكن للاقتصادات الكبرى تحمله، فقد يصل إلى 130 دولاراً للبرميل، واشتعال أسعار التأمين والشحن والنقل البحري نظراً لزيادة المخاطر، الأمر الذي يهدد الاستقرار العالمي وإمكانية حدوث ركود بالنمو العالمي يصاحبه ارتفاعات حادة في أسعار السلع -ركود تضخمي-وتضخم مستورد ينتقل من الاقتصادات الصناعية إلى الاقتصادات النامية والناشئة. كما ستهدد هذه الأوضاع أمن واستقرار دول الخليج، وتضطر رؤوس الأموال إلى التخارج بحثاً على ملاذات آمنة مما سيؤثر سلباً على أوجه عدة في الاقتصادات الخليجية مثل الموازنات السنوية للحكومات واستقرار أسواق المال والعقارات، وحتى أسعار السلع والخدمات.
خامساً: السيناريوهات المحتملة للحرب
مع اندلاع الضربات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية على إيران، تدخل المنطقة مرحلة حرجة من التوتر الاستراتيجي، حيث تتقاطع الحسابات العسكرية والسياسية والاقتصادية بين مختلف الأطراف. تشير المؤشرات الأولية إلى أن النزاع يمكن أن يتخذ عدة مسارات محتملة، تتراوح بين التصعيد المحدود القائم على إعادة ترسيم خطوط الردع، وصولاً إلى مواجهة عسكرية أوسع قد تشمل دولًا إقليمية أخرى، مع احتمالات لتحرك دولي سريع يهدف إلى احتواء الأزمة أو حدوث مفاجآت استراتيجية غير متوقعة تغير طبيعة الصراع بالكامل.
السيناريو الأول: الردع المتبادل والتصعيد المحسوب دون الانزلاق لحرب شاملة
يقوم هذا السيناريو على فرضية أن الضربات العسكرية لم تُصمم لإسقاط النظام الإيراني، أي خلافاً لما هو معلن من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل، بل لإعادة ترسيم معادلة الردع، حيث تُعلن واشنطن أو تل أبيب بعد فترة وجيزة أن العملية حقَّقت أهدافها، مع ترك الباب مواربًا أمام الدبلوماسية. يهدف هذا السيناريو إلى إجبار إيران على تقديم تنازلات كبيرة في ملفها النووي، لا سيما وأن مباحثات جنيف كانت مستمرة، وربما الغرض من هذا التصعيد هو توظيف التهديد العسكري كورقة تفاوضية لانتزاع صفقة نووية سريعة (التفاوض تحت النار)، وليس كورقة لإنهاء النظام الإيراني.
أما على الجانب الإيراني، فيشير ضعف الداخل إلى ميله لتجنب مغامرة عسكرية كبرى، مع نقل مركز الضغط خارج حدوده عبر استهداف مواقع مرتبطة بالقوات الأمريكية وتوسيع نطاق التوتر ليشمل عواصم خليجية متعددة. هذا التحرك يعكس خيارًا عمليًا للتصعيد التكتيكي، لا يقتصر على الصراع العسكري فحسب، بل يسعى أيضًا لخلق ضغوط استراتيجية على الأطراف الأخرى، سواء لدفع الولايات المتحدة وإسرائيل لتقليص العمليات العسكرية أو لتوجيه المفاوضات السياسية في ملفها النووي.
السيناريو الثاني: سيناريو الاحتواء الدولي المتسارع
في هذا المسار تتحول الأزمة بسرعة إلى مصدر قلق اقتصادي عالمي، خاصةً إذا ارتفعت أسعار النفط بشكل حاد أو تعرَّضت سلاسل الإمداد البحرية للتهديد. تدفع هذه التطورات القوى الكبرى إلى تحرك عاجل لفرض سقف للتصعيد. المؤشر المركزي هنا هو سرعة الانتقال من الخطاب العسكري إلى لغة “ضبط النفس” و”منع الانزلاق”، مع تجميد شبه كامل للعمليات بعد أيام قليلة من انطلاقها.
السيناريو الثالث: تصعيد عسكري أوسع يؤدي إلى إسقاط النظام الإيراني
يستند هذا السيناريو إلى التصريحات الإسرائيلية والأمريكية المتزامنة بأنه الهدف من الهجمات هو إسقاط النظام، ودعوة نتنياهو للشعب الإيراني للقيام بدوره، أي النزول إلى الشوارع للتعجيل بإسقاط. مما يشير إلى أن النزاع يتجاوز مرحلة الرسائل الردعية المحدودة إلى مواجهة مباشرة وذات تأثير استراتيجي. إذ لم تقتصر الضربات على المنشآت العسكرية التقليدية، بل شملت مراكز الثقل السياسي والأمني للنظام، بما في ذلك منزل ومكاتب المرشد الأعلى في طهران، مؤكدًا جدية الهجوم في استهداف مركز القيادة العليا. كذلك يحمل رد إيران السريع وتوسيع رقعة استهداف القواعد الأمريكية بدول المنطقة إلى إدراك النظام الإيراني بأن هذه الحرب وجودية ومصيرية وأن الهدف منها هو إسقاط النظام ما يستدعي رداً قوياً يجنب الإطاحة بالنظام. بناءً على الهدف المعلن من قبل واشنطن وتل أبيب، فإن هذا السيناريو هو الهدف المنشود للدول المهاجمة لكن الجزم بتحقيقه يظل سابقاً لأوانه، وقد يتضح خلال الأيام المقبلة.وختامًا؛ وعلى ضوء المعطيات الراهنة في تطورات الحرب الأمريكية-الإسرائيلية المشتركة ضد إيران، وطبيعة ونطاق الردود العسكرية الإيرانية التي تجاوزت الردود التقليدية المتعلقة بحفظ ماء الوجه، وراحت تستخدم بعض أوراقها لرفع التكلفة على الولايات المتحدة وإسرائيل بتوسيع نطاق الحرب وساحاتها، يمكن ترجيح سيناريو اتساع نطاق الحرب لتكون حرباً شاملة مفتوحة على كافة الاحتمالات من بينها إسقاط النظام الإيراني على ضوء تمكن إسرائيل من إقناع الرئيس الأمريكي بأن المسار التفاوضي مضيعة للوقت، ولا يأتي بنتيجة مع النظام الإيراني ولا حل سوى إسقاط النظام كأنجح حل لمعالجة المسألة الإيرانية برمتها؛ لذلك نرى أن الولايات المتحدة هذه المرحلة دخلت الحرب بالشراكة العسكرية لأول مرة مع إسرائيل بعدما اقتصرت فقط على تقديم الدعم العسكري لإسرائيل في الأسد الصاعد 2، وتأييدها فقط للأسد الصاعد 1، بل وتصريحات الرئيس الأمريكي المباشرة عن هدفة الاستراتيجي الواضح لإسقاط النظام، لكن لا شك ستكون هناك تكلفة كبيرة لهذا السيناريو؛ لأن النظام الإيراني ليس لديه ما يخسره بعد استهداف سقوطه، وسيمضي في استخدام كافة أوراقه للحيلولة دون سقوطه ورفع التكلفة لأكبر حد ضد الولايات المتحدة وإسرائيل لإيقاف الحرب؛ ولذلك ستكون تطورات الحرب خلال الأيام القليلة القادمة مفتوحةً على كافة الاحتمالات نحو حرب شاملة، وربما الانتقال إلى مرحلة استهداف البحرية الإيرانية لشل كامل قدرات النظام، مع توقع إقدام إيران على إغلاق مضيق هرمز بالكامل، وربما مشاركة وكلائها الإقليميين في الحرب عندما يشعرون بقرب سقوط النظام في إيران.