توازنات ما بعد لاريجاني.. فقدان العقل السياسي وهيمنة المؤسسة العسكرية

https://rasanah-iiis.org/?p=38871

مقدِّمة

منحت المواجهة العسكرية مع الولايات المتحدة وإسرائيل الحرس الثوري فرصة تشكيل المشهد السياسي من منظوره، إذ لم يقتصر الأمر على لعِب دور أساسي في اختيار المرشد الجديد مجتبى خامنئي خلفًا لوالده، بل امتَدَّ الأمر لكافَّة المواقع، التي شغرت خلال الحرب، حيث تمَّ الدفع مؤخَّرا بالقائد السابق في الحرس الثوري محمد باقر ذو القدر من أمانة مجلس تشخيص مصلحة النظام إلى أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي، وذلك خلفًا للسياسي المخضرم علي لاريجاني، الذي كان يُعوَّل عليه كأحد عوامل استمرار معادلة الحُكم متعدِّدة الطبقات في إيران بعد رحيل علي خامنئي، وهو ما قد يعني أنَّ  الحرب سرَّعت سيناريو هيمنة الحرس الثوري على النظام السياسي الإيراني، وإحداث تغييرات جوهرية في تركيبة النظام ومراكز القُوى داخله. فماذا كان يعني لاريجاني بالنسبة للنظام الإيراني، وما دوافع استهدافه، وما هي تبِعات اختيار ذو القدر على النظام؟

أولًا: لاريجاني رجل التوازنات الحرِجة

لا يُعتبَر اغتيال علي لاريجاني استهدافًا لشخصية سياسية بارزة فحسب، بل استهدافًا بنيويًا للنظام ككُلّ؛ لأنَّ الرجل لم يكُن مجرَّد مسؤول كبير داخل النظام الإيراني، بل كان صيغةً مركَّبة تعكس معادلة الحُكم والسُلطة بعد الثورة، التي تجمع بين ثلاثة أبعاد في آنٍ واحد: الشرعية الأُسرية-الحوزوية، والخبرة البيروقراطية-الأمنية، والقُدرة على التوسُّط بين أجنحة النظام. إضافةً إلى تكوينه العلمي والفلسفي، الذي منحهُ قُدرةً على المناورة حتى داخل أروقة الحُكم، وإدارة تقلُّبات الصراع بين «المحافظين» و«الإصلاحيين».

لقد شغِلَ، عبر عقود، مواقعَ متباعدة ظاهريًا ومتّصِلة جوهريًا: قيادة في الحرس الثوري خلال الحرب العراقية-الإيرانية، ووزارة الثقافة، ورئاسة هيئة الإذاعة والتلفزيون، والأمانة السابقة للمجلس الأعلى للأمن القومي، ورئاسة مجلس الشورى (البرلمان) بين 2008م و2020م، ثمَّ العودة إلى قلب القرار الأمني-الإستراتيجي في موقعه الأخير. هذا التعدُّد والتنوُّع الوظيفي كان دليلًا على أنَّه من رجال الدولة غير التقليديين، بل سياسيٌ لكل مرحلة.

ولاريجاني، فوق ذلك، لم يكُن ابن جهاز بيروقراطي فقط، بل رجل نَسَبٍ ديني-سياسي أيضًا، وهو معيارٌ مهم في تركيبة السُلطة والنفوذ داخل النظام الإيراني. فقد وُلِد في أُسرة دينية نافذة، وتكوَّن في فضاء يجمع بين الحوزة والجامعة، إذ درَسَ الفلسفة الغربية بجامعة طهران، وهو ما منحهُ صورةً غير مألوفة داخل النُخبة الإيرانية، كما أنَّه رجل أمن يفهم اللغة النظرية، وسياسيٌ محافظ يملك قابلية خطابية وفكرية تتجاوز التقليدية السياسية. لهذا، رأت فيه بعض التحليلات الغربية «رجل التوازن» داخل إيران، لا «إصلاحيًا» بالمعنى الليبرالي، ولا «أُصوليًا» شعبويًا على الطريقة التعبوية الخشِنة، بل «محافظًا» مؤسسيًا يعرف كيف يحفظ النظام من التآكل من الداخل، وكيف يفاوض الخارج من غير أن يتخلَّى عن أيديولوجيا «ولاية الفقيه» وثوابت «الثورة».

من هُنا تأتي أهمِّيته الحقيقية في النظام الإيراني، فـ«لجمهورية الإسلامية» ليست دولةً تقليدية تقوم على مؤسسات نمطية، بل على تراكُب دوائر: المرشد، الحرس الثوري، المجلس الأعلى للأمن القومي، الرئاسة، مجلس الشورى، ومجلس تشخيص مصلحة النظام، ومجلس صيانة الدستور، والشبكات الحوزوية، والمؤسسات الاقتصادية-الأمنية. وفي مثل هذا النظام، تكون الشخصية الأهم ليست دائمًا الأعلى منصبًا، بل الأكثر قُدرةً على الربط بين المستويات، وهُنا كان لاريجاني بالغ الأهمِّية؛ لأنَّه كان يستطيع مخاطبة كل مؤسسة بلغتها التي تفهمها.

ورُبَّما هذه الأهمِّية هي ما دفعت المرشد إلى إعادة لاريجاني إلى المشهد بعد حرب الـ12 يومًا مع إسرائيل والولايات المتحدة في يونيو 2025م، وذلك ضمن عملية مراجعة شاملة لسياسة إيران بعد تلك الحرب، إذ تطلَّع النظام إلى إعادة ضبط قرارات وتوجُّهات المجلس المتشدِّدة. حيث تزايد دور المجلس منذ عام 2020م، ورُبَّما قبل ذلك بقليل، عندما وجَّه سياسة إيران النووية باتّجاه التصعيد، وهو ما أدخل البلاد في مواجهة غير محسوبة مع الولايات المتحدة، والتي انتهت باستهداف المنشآت النووية الإيرانية، حيث عكست عودة لاريجاني للمشهد نوعًا من التوازن والتكيُّف مع الوضع الجديد، الذي يستلزم مزيجًا من الردع والمرونة، وقد جاءت تحرُّكات الرجل، بما في ذلك اضطلاعه بدور في التواصل مع محور إيران الإقليمي، وكذلك الإشراف على المفاوضات النووية، التي تقوم بها وزارة الخارجية اتّساقًا مع هذا النهج المتوازن؛ لأجل خروج إيران من المأزق الحرِج، الذي فرضه عليها ترامب وإسرائيل.

وقد ازدادت هذه الأهمِّية بعد مقتل علي خامنئي في أواخر فبراير 2026م، إذ تُشير تقارير دولية إلى أنَّ لاريجاني برَزَ في الفراغ المضطرِب، الذي أعقب غياب المرشد، باعتباره الوجه السياسي الأهمّ في إدارة الدولة، أو على الأقلّ أحد أهمّ من أمسكوا بخيوط القرار في مرحلة شديدة السيولة. حتى أنَّ بعض المصادر وصفته بأنَّه صار «القائد الفعلي»، أو «الرجل الأقوى»، في إيران خلال تلك المرحلة القصيرة. هذا لا يعني أنَّه صار بديلًا للمرشد، لكن يعني أنَّه صار حاملًا لوظيفة «العقل التنفيذي» للنظام في لحظة حرِجة وفارِقة.

ومن هُنا نفهم أنَّ أهمِّية لاريجاني لا تكمُن فقط في نفوذه، بل في نوع النفوذ الذي كان يمثِّله. لقد كان يمثِّل داخل «الجمهورية الإسلامية»؛ ما يمكن تسميته بـ«العقل المحافظ المرِن»، أي ذلك العقل الذي لا يشكِّك في بِنية «ولاية الفقيه»، لكنَّه يعرف أنَّ بقاء «الولاية» لا يعتمد على العقيدة وحدها، بل على الإدارة، وعلى توزيع الأدوار، وعلى هندسة التوازن بين القمع والتسوية، بين العقيدة والمصلحة، وبين الثورة والدولة. هذا ما جعله مختلفًا عن النمط العسكري الخالص؛ لأنَّ العسكري قد يُحسِن السيطرة، لكنَّه لا يُحسِن دومًا ترجمة السيطرة إلى استقرار سياسي.

ثانيًا: اغتيال في إطار التغيير

لا جدال بأنَّ عملية اغتيال لاريجاني جاءت في إطار حملة إسرائيل الأساسية من أجل تغيير النظام الإيراني، أو على أقلّ التقديرات إضعافه، ورُبَّما يمكن قراءة ذلك من خلال عدَّة تفسيرات، أبرزها: 

الأول: منطق «قطْع» الرأس؛ فإسرائيل، ومعها الولايات المتحدة، تبدو وكأنَّها انتقلت في هذه الحرب إلى إستراتيجية لا تستهدف البِنية النووية والعسكرية فقط، بل قُدرة النظام على إعادة إنتاج القيادة بعد الضربات، واغتيال لاريجاني ينسجم تمامًا مع هذا المنطق؛ لأنَّه لم يكن مجرَّد مسؤول، بل أحد القلائل القادرين على إعادة لملمة التراتب السياسي بعد فقدان المرشد وعدد من كبار القادة. بعبارة أدق: فإنَّ قتله لا يُضعِف النظام، بقدر ما يضرب وظيفة الوصل وإعادة التركيب داخل النظام.         

الثاني: رسالة الردع؛ فاستهداف شخصية بهذا الوزن، وبهذه الصِلة المتداخِلة بين الحوزة والأمن والسياسة، يحمل معنى يتجاوز الميدان العسكري، أي أنَّ الخصم يريد أن يقول إنَّه لا أحد محصَّن في مركز القرار الإيراني، وأنَّ بِنية السيادة نفسها مخترقة؛ لهذا شدَّدت بعض التقارير على أنَّ مقتله يكشف اختراقًا استخباراتيًا عميقًا وقُدرة على الوصول إلى قلب طهران ودوائرها الحسّاسة. هذا النوع من الاغتيالات ليس فعل قتل فقط، بل يمثِّل إهانةً للسيادة.

الثالث: التخلُّص من رجل المرحلة؛ في كثير من الصراعات، يكون «المتشدِّد» الصاخب أقلّ خطرًا من البراغماتي الصلب؛ لأنَّ الأول يُسهِّل شيطنته، أمّا الثاني فيصعِّب عزله خارجيًا، ويعطي النظام قُدرة أكبر على المناورة. ولاريجاني، على الرغم من ولائه القويّ للنظام، لم يكُن مجرَّد خطيب تعبوي/ شعبوي؛ بل كان رجل تفاوُض، ورجل مؤسسات، ورجل تسويات ضمن حدود الثورة. لهذا؛ فإنَّ اغتياله قد يُقرَأ أيضًا بوصفه سعيًا إلى دفع إيران نحو مزيد من العسكرة، أي نحو وضعٍ تتراجع فيه الشخصيات القادرة على التوسُّط، وتتصدَّر فيه البنية الأمنية الصلبة مباشرة.

الرابع: قطع الطريق على أيّ تفاهمات أمريكية-إيرانية منفردة، إذ رُبَّما تدرك إسرائيل أنَّ وجود شخص كلاريجاني يمثِّل خطورةً على أهدافها؛ لأنَّه يتمتَّع ببرجماتية وتأثير يسمحان له بإبرام صفقة مع واشنطن؛ الأمر الذي قد يخلط أوراق إسرائيل، بل يفرض عليها إيقاف الحرب دون استكمال مهمَّتها، ومن ثمَّ جاء قرار الاغتيال لإسكات صوت عاقل ومؤثِّر داخل النظام، يمكن أن يغيِّر مسار الصراع من المواجهة نحو الدبلوماسية.

ثالثًا: هل يملأ «ذو القدر» الفراغ

عكَسَ اختيار محمد باقر ذو القدر أمينًا عامًّا جديدًا لمجلس الأمن القومي خلفًا لعلي لاريجاني، طبيعة التغييرات المتسارِعة في مراكز السُلطة في إيران، وتوازنات القوَّة داخله بعد رحيل خامنئي، إذ يبدو أنَّ الرجل هو اختيار الحرس الثوري بامتياز، وأنَّ الثقة وليس الخبرة كانت معيارًا حاسمًا في الدفع بالرجل في هذا المنصب الحساس، وأنَّ هذا الاختيار جاء على الأرجح بناءً على رغبة في توحيد موقف المجلس مع سياسة الحرس وتوجُّهاته الدفاعية في هذه المرحلة الحرِجة، فضلًا عن السيطرة على أيّ قرار سياسي يخُصّ المفاوضات مع الولايات المتحدة، باعتبار أنَّ المجلس يلعب دورًا بارزًا في هذا الملف.

تخدم مسيرة «ذو القدر» وتدرُّجه الوظيفي تطلعات الحرس وطبيعة المرحلة الراهنة من مواجهة وحرب يراها الحرس وجوديةً له ولمحوره الإقليمي، فقد برَزَ الرجل كقائد لـ«مقرّ رمضان» الإستراتيجي في بداية الحرب الإيرانية-العراقية، وكانت هذه القوَّة النواة الأولى للعمل العسكري العابر للحدود، التي انبثق عنها فيما بعد «فيلق القدس»، وتدرَّج بعد الحرب في أعلى هرم قيادة الحرس، حيث شغِلَ منصب رئيس الأركان المشتركة، ثمَّ نائبًا للقائد العام، وهذه المسيرة القتالية والتاريخ العسكري جعلاه أحد الأصوات «المتشدِّدة» البارزة، عندما خرَجَ من الخدمة العسكرية إلى المواقع المدنية في مؤسسات الدولة، في مرحلة توغُّل الحرس الثوري وتمدُّد نفوذه السياسي مع بداية مرحلة الرئيس الأسبق محمود أحمدي نجاد، انتقل «ذو القدر» إلى وزارة الداخلية نائبًا للشؤون الأمنية، ومنها نائبًا لرئيس الأركان لشؤون البسيج ومنها إلى القضاء، وفي 2021 تسلَّم أمانة مجلس تشخيص مصلحة النظام خلفًا لمحسن رضائي.

وهكذا، فإنَّ «ذو القدر» يُنظَر إليه على أنَّه أحد رجال الشبكات المرتبطة عقائديًا وولائيًا بالحرس، والتي تعمل بصمت داخل أجهزة الدولة وجهازها البيروقراطي المعقَّد، والتي يُعوَّل عليها كصمام أمان لبقاء النظام واستمراره، ورُبَّما هذا ما رشَّحه لهذا المنصب، بشأن ما تواجههُ الدولة من تحدٍّ وجودي خلال هذه المرحلة. وهو بخلاف شخصية لاريجاني، أقلّ حضورًا في المجال السياسي، ولا صِلة وثيقة له بالرأي العام، ولا يتمتَّع بنفوذ ولا كاريزما ولا صِلات لاريجاني داخل النظام السياسي الإيراني.

على هذا النحو، لا يمثِّل «ذو القدر» امتدادًا للاريجاني، ولا يمكنه أن يضطلع بدور مهم في التأثير على معادلة الحُكم أو القرارات الإستراتيجية، بل سيكون شخصًا تنفيذيًا أكثر منه محوريًا، ورُبَّما يكون تنفيذيًا أكثر منه قادرًا على طرح البدائل في بيئة أمنية معقَّدة، كما سيظل مسؤولًا تقليديًا يتحَّرك داخل هياكل السُلطة ووفق توازناتها الراهنة، ورُبَّما يعكس قطيعةً بين مراكز السُلطة والجماهير، وبين مؤسسات الدولة الرسمية وغير الرسمية وبين التيّارات السياسية المختلفة المحسوبة على النظام؛ «المتشدِّدة» و«الإصلاحية».

ولا شكَّ أنَّ اختيار «ذو القدر» بعد تعيين محسن رضائي مستشارًا عسكريًا للمرشد الجديد مجتبى خامنئي، يُكمل هيمنة «المتشدِّدين» والوجوه المحسوبة على الحرس الثوري على مراكز صُنع القرار، وهو ما يعني مرونةً أقلّ وصدامًا مع الخارج، وهيمنةً على مفاصل الأمن القومي الإيراني، وقيادة البلاد نحو مواجهة بلا أُفُق، ورُبَّما الانتحار العسكري.

رابعًا: النظام ومرحلة ما بعد لاريجاني

يبدو أنَّ اغتيال لاريجاني قد ترَكَ فراغًا من نوع خاص؛ ليس فراغ «الزعيم الكاريزمي»، بل فراغ الوسيط. ففي الأنظمة الثورية-الأمنية، يُوجَد دائمًا من يستطيع إصدار الأوامر، لكن يقِلّ من يستطيع تأويل النظام لنفسه، أي من يستطيع أن يترجم العقيدة إلى قرار، والقرار إلى تسلسُل مؤسساتي مفهوم، ولاريجاني كان من هذا الصنف، إلى حدٍّ كبير، بينما لا يملك «ذو القدر» أيًّا من هذه المؤهِّلات، بل رُبَّما يعكس الرجل طبيعة التغيير، الذي فرضتهُ الحرب على النظام السياسي الإيراني.

إذ إنَّ عملية التغيير لا تعكس استمراريةً ولا ديناميكية، بل حالةً من الغموض والالتباس بشأن من يمسك فعليًا بمقاليد السُلطة، مع صعود تقديرات تقول إنَّ الحرس الثوري بات، عمليًا، صاحب الثِقَل الأوضح في إدارة البلاد، أو على الأقلّ صاحب اليد الأقوى داخل البِنية الحاكمة. وهذا تطوُّرٌ بالغ الدلالة؛ لأنَّه يعني انتقال النظام من صيغة «الثيوقراطية الدينية»، إلى صيغة أكثر خشونة يمكن وصفها بأنَّها ثيوقراطية مسنودة بعسكرة مباشرة.

هُنا يظهر البُعد الفلسفي-السياسي للمسألة؛ فإيران «الإسلامية» قامت منذ 1979م على فكرة أنَّ الشرعية العُليا دينية، لكنَّها تُمارَس عبر مؤسسات الدولة الحديثة نسبيًا، أي أنَّها سعت إلى التوفيق بين الديني والسياسي. وكانت شخصيات مثل علي لاريجاني ضروريةً لهذا التوفيق؛ لأنَّها تمنح النظام قُدرةً على أن يبدو في آنٍ واحد: عقائديًا وعمليًا، ثوريًا ومؤسساتيًا، دينيًا وإستراتيجيًا. أمّا حين يُقتَل هذا النوع من الشخصيات، ويصعد آخرون كـ«ذو القدر» من الموالين للحرس، فإنَّ التوازن يختلّ لصالح أحد القُطبين: إمّا العسكرية (الحرس الثوري)، أو الفوضى التنافسية بين المراكز، أو رُبَّما بروز بديل بنفس الإمكانيات والقُدرات. ومن الناحية النظرية، فإنَّ التغيير الحاصل بعد لاريجاني يطرح مأزقًا شديد الحساسية على نظرية الحُكم في إيران؛ فـ«ولاية الفقيه» لا تقوم فقط على النصوص الفقهية والسردية الثورية، بل أيضًا على قُدرتها على إنتاج نظام يجعل الدولة حلقةً من حلقات التمهيد لظهور «المعصوم»، ويكون «الولي الفقيه» نائبًا عن «المعصوم». لكن عندما تتعرَّض قمَّة النظام لسلسلة اغتيالات بهذا الحجم، ويظهر العجز عن حماية المسؤولين في الدولة، فإنَّ السؤال لا يصير أمنيًا فقط، بل يصبح سؤالًا في فاعلية الشرعية نفسها.

ومع ذلك، من الخطأ المبالغة بالقول: إنَّ إيران بعد لاريجاني ذاهبة حتمًا إلى الانهيار القريب، فالتقارير الدولية نفسها تؤكِّد أنَّ النظام الإيراني طبقيٌ ومركَّب، وأنَّه يملك من العُمق المؤسسي والأمني ما يمنع السقوط السريع، حتى بعد مقتل شخصيات من الصف الأول، بمعنى آخر: اغتيال لاريجاني يُضعِف النظام بعُمق، لكنَّه لا يعمل تلقائيًا على انهياره.

لذلك؛ يمكن رسم أربعة سيناريوهات لمستقبل إيران بعده:

السيناريو الأول: صعود الحرس الثوري بوصفه الممسك النهائي بالدولة، وهذا هو السيناريو الأكثر ترجيحًا على المدى القصير؛ لا لأنَّ الحرس «انقلب» بالمعنى التقليدي، بل لأنَّ الفراغ الذي خلَّفه مقتل خامنئي ثمَّ لاريجاني يرفع وزن المؤسسة الأكثر تماسكًا وتنظيمًا والقُدرة على الفعل السريع. وعلى ما يبدو أنَّ اختيار محمد باقر ذو القدر أمينًا للمجلس الأعلى للأمن القومي، خلفًا لعلي لاريجاني، ومحسن رضائي مستشارًا عسكريًا للمرشد قبله، يُشير إلى حضور مكثَّف للحرس في مراكز صُنع القرار.

السيناريو الثاني: إعادة صياغة مركز مدني-أمني جديد، أي أن يسعى النظام إلى إنتاج شخصية أو هيئة جماعية تحاول أداء بعض وظائف لاريجاني، ضبط العلاقة بين الحرس، والرئاسة، والمؤسسة الدينية، والقنوات الخارجية. هذا ممكن نظريًا، لكن صعوبته أنَّ لاريجاني لم يكُن مجرَّد منصب يمكن تعبئته، بل كان رأسمالًا دوليًا تراكم عبر عقود.

السيناريو الثالث: استمرار الدولة مع تآكُل شرعيتها، أي بقاء النظام شكليًا ومؤسساتيًا، لكن مع تراجُع قُدرته على الإقناع، وزيادة اعتماده على القهر والعُنف؛ وهذا أخطر السيناريوهات على المدى البعيد؛ لأنَّ الدولة حين تبقى بلا أُفُق رمزي، تتحوَّل إلى جهاز بقاء لا إلى مشروع حُكم.

السيناريو الرابع: سقوط النظام: لا يُستبعَد تحت وطأة المواجهة العسكرية واحتمال طول أمدها، ورُبَّما متابعة واشنطن سيناريو مماثل لما جرى في العراق بعد عام 1990م إلى دفع النظام نحو الانهيار، رُبَّما يحدث ذلك لأنَّ الظروف الراهنة قد تغيِّب أو تهمِّش دور القيادات السياسية، التي يمكن أن تتعاطى بمرونة مع أيّ مبادرة سياسية، وتصبح القيادات العسكرية هي الممسكة بزمام السُلطة؛ ما يُفقِد النظام الإيراني طبيعته البرجماتية والمرِنة، التي طالما كانت تضمن له البقاء، على الرغم من الأزمات والتحدِّيات.

خاتمة إنَّ اغتيال علي لاريجاني ليس حدثًا أمنيًا فقط، بل هو لحظة كاشفة لطبيعة الصراع على إيران نفسها: هل تُترَك «إيران الإسلامية» لتُعيد ترتيب نفسها من داخلها، أم يُراد دفعها إلى طور أكثر فوضوية وعسكرة، حيث تفقد قُدرتها على الجمع بين الدولة والعقيدة؟ لقد كان لاريجاني يمثِّل داخل النظام، ذلك الخيط الرفيع الذي يصِل الشرعية الدينية بـالعقل الإستراتيجي، ومن ثمَّ فإنَّ اغتياله هو في حقيقته، اغتيال لمحاولة الإبقاء على شيء من «العقل السياسي» داخل نظام يعيش على التوتُّر بين الثورة والدولة، أو هو محاولة لترتيب وهندسة مخطَّط للمشهد في إيران على غير إرادة من الإيرانيين أنفسهم؛ وهو ما قد يذهب بالنظام نحو الهاوية.    

المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
إدارة التحرير