دعوة إسرائيلية لتقسيم إيران تثير قلق مسؤولي النظام

https://rasanah-iiis.org/?p=34532

أثار مقال للكاتب والضابط في المخابرات الإسرائيلية مردخاي كيدار، نشره في صحيفة «جيروزاليم بوست»، بتاريخ 13 مارس 2024م، بعنوان «الشعوب غير الفارسية.. سر إسقاط النظام الإيراني»، غضب المؤسَّسات الرسمية في إيران بشكل شديد للغاية، بعدما لعِبَ هذا الكاتب على وتر التحريض القومي والإثني، الذي يخشاه النظام الإيراني، وذلك بدعوة الكاتب إلى تقسيم إيران إلى 6 دول؛ ليمثِّل كل شعب أو قومية من الشعوب أو القوميات غير الفارسية دولةً بمفرده.

تكشف دعوة الكاتب الإسرائيلي وردود الفعل الإيرانية على السواء، عن أنَّ المجتمع الإيراني يعيش على بركان هويّاتي يكادُ ينفجر، وعن مخاوف النظام من انهيار بِنية وهويّة المجتمع والدولة، التي صاغها النظام الحاكم منذ أكثر من أربعين عامًا. كما تكشف تلك الدعوة عن قلق النظام الإيراني، من تأثير دعوات تأجيج أزمة الشعوب غير الفارسية على مستقبل النظام الإيراني، لا سيّما في ظل أزماته الداخلية والخارجية المتفاقمة، وفي ظل التوتُّر في علاقة هذه الأقلِّيات بالنظام الإيراني، والذي تعمَّق بصورة كبيرة بعد وفاة الشابة الكُردية مهسا أميني داخل أحد معتقلات ما يُسمَّى بشرطة الأخلاق.

في هذا التقرير، سوف نناقش حساسية توقيت هذه الدعوة، وردود الفعل الإيرانية حولها ومخاطر ذلك على الداخل الإيراني.

أولًا: حساسية توقيت الدعوة الإسرائيلية بالنسبة للنظام الإيراني

لعلَّ أزمة الشعوب غير الفارسية أزمة قديمة، أي منذ عهد الشاه، لكنَّها تعمَّقت بشكل أكبر بعد ثورة 1979م، بحُكم تفرقة النظام الإيراني الواضحة في الأُطُر الدستورية والهيكلية والقانونية بين الشعوب الفارسية والشعوب غير الفارسية، وبحُكم سياسات الإقصاء والتهميش والقهر والظُلم والحرمان، التي مارسها النظام الإيراني ضدّ هذه الشعوب. السؤال الذي يفرض نفسه هُنا هو، أنَّ مطالب تغيير النظام الإيراني ليست بالجديدة، فما الجديد في دعوات الكاتب الإسرائيلي لإسقاط النظام الإيراني؟ الجديد يتمثَّل في حساسية التوقيت بالنسبة للنظام الإيراني، فيما يخُصّ أي محاولات أو دعوات للعِب على وتر تحريض الشعوب غير الفارسية المُحتقِنة من الأساس ضدّ النظام الإيراني؛ وبالتالي فإنَّ حساسية توقيت دعوة الكاتب الإسرائيلي لتغيير النظام الإيراني عبر بوابة التحريض القومي، تتمثَّل في الجوانب التالية:

أوّلها، الموقف الغربي الأوروبي والأمريكي الساخط للغاية من تعثُّر المفاوضات النووية، على الرغم من تقديم بعض التنازلات لإنجازها، وأيضًا من سلوك الميليشيات المسلَّحة الموالية لإيران وانخراطها في الصراع الدائر في غزة، بذريعة التأثير على الموقفين الأمريكي والإسرائيلي لوقف الحرب، والتأكيد بالتالي أنَّ الحل الأمثل لمعالجة قضية الملف النووي وسلوك إيران الإقليمي، هو إسقاط النظام الإيراني. وبذلك، أراد الكاتب بثّ رسائل بأنَّ السياسات الغربية المتَّبَعة تجاه الملف النووي والسلوك الإقليمي لم تسِر على الطريق الصحيح؛ لأنَّهما ملفّان مرتبطان بعقيدة وطبيعة ومبادئ النظام الإيراني ذاته، والحاكمة لسياساته الداخلية والخارجية؛ وبالتالي من الصعب تغيير هذه السياسات دون تغيير النظام الحاكم ذاته.

ولذلك، فإنَّ مسألة تعديل سلوك النظام الإيراني من خلال أدوات الضغط التقليدية المتَّبَعة غربيًا وأمريكيًا -حسب رؤية الكاتب الإسرائيلي- لم تُجدِ نفعًا؛ وبالتالي ضرورة تغيير النظام ذاته من خلال بوّابة مختلفة يخشاها النظام الإيراني للغاية، وهي بوابة توظيف أزمة الشعوب غير الفارسية، من خلال تحريضهم بهدف الانفصال، وتقسيم إيران إلى 6 دول، تتشكَّل كل دولة من إحدى القوميات التي تقطن إيران؛ مثل القومية الأذرية والكُردية والعربية والبلوشية والتُركمانية. ويؤكِّد الكاتب أهمِّية رؤيته بالنظر إلى توافُر فُرَص ومبرِّرات تحريض القوميات للانفصال والحصول على الحُكم الذاتي، لا سيّما في ظل تبنِّي النظام سياسة وأدوات داخلية تعزِّز من فُرَص بقائه واستمراره في الحُكم، تقوم على الإقصاء والتهميش والتمييز والتهجير والقمع والإعدامات ضدّ الشعوب غير الفارسية.

كذلك تشكَّلت حساسية الطرح الإسرائيلي في جانبها الثاني، من مسألة تفاقم أزمة الهويّة والاندماج الوطني في إيران بشكل كبير، مقارنةً بمراحل تاريخية ماضية، والتي كشفت عنها هبَّة القوميات أو الشعوب غير الفارسية في عدَّة جولات احتجاجية متتالية ومتقاربة تاريخيًا ضدّ النظام الإيراني. ورُبَّما أيضًا في تراجُع نِسَب مشاركتها في الاستحقاقات الانتخابات الإيرانية بشكل كبير للغاية، وذلك على خلفية استمرارية سياسات النظام القمعية والعنيفة ضدّ أبناء القوميات غير الفارسية. وبالتالي، يشعُر صانع القرار الإيراني أنَّه يمُرّ بمرحلة أزمة هويّة واندماج وطني متجذِّرة بحُكم ممارسات النظام الإيراني، وصلت لحد الحافّة وتكاد تنفجر، على نحوٍ يجعله شديدَ الحساسية تجاه هذا الملف، في هذا التوقيت الراهن. ولعلّ هذا الأمر يضعُ صانع القرار في إيران أمام تحدٍّ معقَّد، يتمثَّل في كيفية إعادة إنتاج مفهوم الهويّة الوطنية، وإعادة تقديم تعريفٍ بنيوي وهيكلي لها، يأخذ في الاعتبار التعدُّد القومي، وحتى المذهبي.

ولرُبَّما حدَّد الكاتب إمكانية التنفيذ، بتقديم الدعم الغربي الأوروبي والأمريكي للأذريين التُرك، المتمركزين في شمال غرب إيران على طول الحدود مع أذربيجان وأرمينيا وتركيا، والذين يشكِّلون قرابة رُبع السُكّان في إيران، ضدّ النظام الإيراني؛ لإضعافه وإنهاكه أولًا، على أن يلحق بالآذريين، الأحوازيين والبلوش والكُرد، وغيرهم من القوميات غير الفارسية؛ لتحقيق الهدف الأسمى المتمثِّل في تغيير النظام؛ وبالتالي معالجة الملف النووي، وغيره من الملفّات العالقة، مع الفواعل الإقليمية والدولية.

ويتمحور الجانب الثالث، في إمكانية قراءة طرْح الكاتب الإسرائيلي، على أنَّه دعوة لأوروبا وأمريكا للضغط على إيران بطريقة مُجدِية ومؤثِّرة؛ لمجابهة الضغط، الذي تمارسه إيران بواسطة جماعاتها المسلَّحة، على الموقف الأمريكي والإسرائيلي تجاه الحرب في غزة، وذلك من بوّابة التحريض القومي، وليكُن أنَّ الكاتب أراد أن يقول إنَّ الطريق الأمثل والمُجدِي ليس الضربات المتقطِّعة والمحدودة ضدّ تمركُزات الميليشيات المسلَّحة في ساحات التمدُّد، وإنَّما من بّوابة تفجير نزعات الانفصال للشعوب غير الفارسية، حيث يرى الكاتب ضمن طرحه، أنَّ اللعب على وتر تأجيج النزعة الانفصالية للشعوب غير الفارسية، يؤدِّي إلى إنهاك النظام داخليًا، وبالتالي تتراجع التهديدات الأمنية القادمة من إيران ومن أذرعها المسلَّحة في الشرق الأوسط، مقابل ارتفاع فُرَص تحقيق السلام في المنطقة برمتها، حيث سيتراجع مستوى التهديد، الذي يُشكِّله حزب الله في لبنان، وحركة حماس في فلسطين، والعديد من الميليشيات الموالية لإيران في العراق وسوريا واليمن.

ثانيًا: موقف النظام الإيراني من دعوات الانفصال ودعْم الأقلِّيات غير الفارسية

لقد ظلَّت قضية تقسيم إيران أو انفصال أيّ إقليم من أقاليمها، هاجسًا يؤرِّق الأنظمة الإيرانية المتعاقبة. فقد مارس النظام الملكي في عهد الشاه محمد رضا بهلوي قمعًا شديدًا ضدّ الأقلِّيات، التي كانت تدعو للانفصال، وقد واصل النظام الحالي ممارسة العنف والقهر والتخويف؛ لردع مختلف الأقلِّيات من مجرَّد التفكير في الاستقلال، أو حتى المطالبة بالحُكم الذاتي، وذلك لمنع تكرار المحاولات، التي قادتها بعض المجموعات العِرْقية بعد نجاح ثورة 1979م، كالعرب والتُركمان والأكراد والأذريين، للانفصال عن إيران أو تأسيس حُكم ذاتي.

تنظر إيران بحساسية شديدة إلى أيّ موقفٍ أو دعْم للأقليات العِرْقية، حتى لو كان هذا الدعم معنويًا أو ثقافيًا؛ لدوره في تفتيت وحدة التراب الإيراني والقضاء على النظام. ففي ديسمبر 2020م، أثار بيت شعر ألقاه الرئيس التركي رجب طيب أرودغان في جمهورية أذربيجان، جدلًا كبيرًا في إيران، وكان بيت الشعر جزءًا من قصيدة للشاعر الأذربيجاني محمد إبراهيموف، ترى إيران أنَّها تدعو إلى الانفصال، كونها تتحدَّث عن أهمِّية نهر أرس للشعب الأذربيجاني، إذ يقطع هذا النهر الحدود بين إيران وأذربيجان، وتعيش على إحدى ضفَّتيه أقلِّية أذرية تركية في شمال إيران. 

وفي مايو 2023م، استدعت طهران السفير العراقي لديها؛ للاحتجاج على دعوة السُلطات العراقية «جماعات معارضة إيرانية» تصِفها إيران بالانفصالية، لحضور حفل رسمي في إقليم كردستان العراق، حضره الرئيس العراقي عبد اللطيف رشيد ورئيس الوزراء محمد شيّاع السوداني.

تلك كانت مجرَّد أشعار بالتركية الأذرية أو دعوة للمشاركة في مناسبة كُردية، أثارت كل هذا اللغط، فما بال الدعوة وبكُلِّ صراحة لدعم الأقلِّيات العِرْقية وتقسم إيران، من ضابط بالمخابرات الإسرائيلية، تشاطر دولته العداء لإيران ولم تدّخِر أيّ جهد خلال السنوات الماضية لاختراق البِنية الأمنية الإيرانية، وتنفيذ سلسلة من الانفجارات والاغتيالات، خاصَّةً في المؤسَّسات النووية. لذلك، أثارت دعوة مردخاي كيدار لإسقاط النظام الايراني عبر تقسيم هذا البلد إلى 6 دول، غضبًا كبيرًا في إيران، حيث رأى المتحدِّث باسم وزارة الخارجية الإيرانية ناصر كنعاني، أنَّ تصريحات الباحث الإسرائيلي حول تقسيم إيران، تُظهِر بوضوح النيّات الشريرة لأعداء إيران. فيما اعتبر آخرون، أنَّ هذه الدعوة تحمل تدخُّلًا صارخًا في الشؤون الداخلية لإيران، وتهديدًا لوحدتها الوطنية.

لعلَّ ما يزيد من قلق النظام الإيراني من خطورة هذه الدعوات الرامية لتقسيم إيران وإسقاط النظام، هو أنَّ معظم الأقلِّيات العرقية في إيران تقطن في المناطق الحدودية؛ فالأذريون في الشمال والشمال الغربي وأجزاء في الوسط، والأكراد في الغرب، والعرب في الجنوب والجنوب الغربي، والبلوش في الجنوب والجنوب الشرقي، والتركمان في الشمال والشمال الشرقي. كما أنَّ لهذه الأقلِّيات المذكورة أعلاه امتدادات في الدول المجاورة؛ فالأذريون يقطنون بالقرب من جمهورية أذربيجان، والأكراد الذين يحلمون بتـسيس دولة كُردية كُبرى، يقطنون على الحدود مع إقليم كردستان العراق وتركيا، أمّا العرب فيجاورون العراق ودول الخليج العربي، ولهم امتدادات قبلية مع هذه الدول، أمّا البلوش فلهم امتداد عرقي في كُلٍّ من باكستان وأفغانستان، فيما تقع المناطق المأهولة بعِرْقية الترُكمان بالقرب من جمهورية تركمانستان.

لذا، فإنَّ أيّ محاولة لدعم هذه الأقلِّيات أو تأليبها ضدّ النظام الإيراني، من شأنها أن تشكِّل تحدِّيًا حقيقيًا للنظام الإيراني. ويكمُن هذا التحدي في أنَّ قيادة أيّ أقلِّية لكفاح مسلَّح ضدّ النظام الإيراني، قد تشجِّع بقية الأقلِّيات على السير في نفس الطريق والمطالبة بالانفصال. ولعلَّ ما يزيد من مخاوف النظام الإيراني، هو سرعة استجابة المحافظات الحدودية، التي تسكنها الأقلِّيات غير الفارسية، للمشاركة القوية والمؤثِّرة في الاحتجاجات المناهِضة للنظام الإيراني، خاصَّةً خلال الأعوام الستة الأخيرة، أي منذ العام 2017م وحتى آخر حركة احتجاجية شهِدتها إيران بعد وفاة الشابة الكُردية مهسا أميني. وفي ذلك مؤشِّرٌ على إمكانية مناصرة هذه الشعوب لبعضها البعض، لا سيّما إذا وجدت أطرافًا دولية تقدِّم لها الدعم، وتتبنىَّ مشاريعها وأهدافها في تقرير المصير. 

إشعال أيّ توتُّر في المناطق، التي تقطنها الأقلِّيات غير الفارسية، من شأنه أن يفاقم من الوضع الاقتصادي، الذي تمُرّ به إيران، إذ إنَّ العديد من المواقع الإستراتيجية الأكثر أهمِّية تقطنها هذه الأقلِّيات، خاصَّةً الأحواز، التي تقطنها الأقلِّية العربية، والتي تشكِّل أهمِّية إستراتيجية واقتصادية كبيرة للنظام؛ لأنَّها تضُمّ أكثر من 90% من موارد النفط والغاز، التي تستغلّها إيران.

وفي ظل حالات التمييز والقمع والإقصاء والمحاولات، التي يتعمَّدها النظام الإيراني لطمس هويّة هذه المكوِّنات العِرْقية، قد تجد دعوة مردخاي كيدار لإسقاط النظام الإيراني وتقسيم هذا البلد إلى 6 دول، تأييدًا من قبل هذه الأقلِّيات. وقد وجدت بالفعل ترحيبًا من بعض النُشطاء والسياسيين داخل الأحواز، لاعتقادهم أنَّ التقسيم سيمنح الشعوب غير الفارسية حقوقهم المشروعة، وسيُساهم في تحسين أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية.

الخلاصة

تُدرِك إيران خطورة ورقة الأقلِّيات غير الفارسية على أمنها القومي، وعلى مستقبل النظام الإيراني، واستغلَّت هذه الورقة لمناشدة المشاعر القومية الفارسية، للتحذير من مغبَّة مناصرة هذا الاتّجاه الانفصالي؛ لخطورته على وحدة التراب الإيراني، وعلى الفُرْس أنفسهم. لكن ما تتعرَّض له إيران حاليًا من تحوُّلات، وما يحدُث حولها من تطوُّرات سياسية واجتماعية وأمنية، قد يؤدِّي إلى توظيف بعض القُوى الإقليمية، ورُبَّما الدولية، ورقة الأقلِّيات غير الفارسية لممارسة مزيد من الضغط على النظام الإيراني؛ لإرغامه على تعديل سلوكه فيما يتعلَّق ببرنامجه النووي وتدخُّلاته الإقليمية والدولية. وكل ذلك يجعل التحدِّي أمام النظام الإيراني كبيرًا لترتيب علاقته مع هذه الأقلِّيات؛ حفاظًا على تماسُك الأراضي الإيرانية وعدم السماح لإسرائيل أو أيّ دولة أخرى، باستخدام ورقة العِرقيات ضدّه في هذه المرحلة الحرجة، التي يواجه فيها تحدِّيات كبيرة في الداخل والخارج.

المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
إدارة التحرير