عبء القيادة.. ما وراء رفض المملكة خيار الحرب ضد إيران

https://rasanah-iiis.org/?p=38717

عادت الولايات المتحدة الأمريكية وإيران إلى طاولة المفاوضات، بعدما كانت الولايات المتحدة على وشك شنّ هجوم عسكري على إيران، ولم يكُن من المُستغرَب أن تتّخِذ المملكة موقفًا واضحًا ومُعلَنًا رافضًا لخيار الحرب، بل رفْض استخدام أجوائها أو قواعدها العسكرية لشنِّ أيّ هجوم مُحتمَل ضدّ إيران. ولم تقِف تحرُّكات المملكة عند هذا الحد، بل إنَّها استغلَّت علاقتها الودِّية مع الإدارة الأمريكية الحالية برئاسة دونالد ترامب؛ من أجل حثّ واشنطن على العودة إلى خيار الدبلوماسية. وعلى الرغم من أنَّ هذه الجهود السعودية، إلى جانب جهود قُوى إقليمية أخرى حليفة للمملكة، كان لها صدى في واشنطن، لدرجة أنَّها أقنعت ترامب، بالعودة إلى طاولة المفاوضات وتنحية خيار الحرب. لكن ثمَّة محاولات جرت للتشكيك في حقيقة الموقف السعودي، والتشويش عليه من جانب قُوى إقليمية منافسة، كما أنَّ بعض الأطراف في إيران استغلَّت هذه الدعاية، ووظَّفتها لحسابات داخلية، ورُبَّما توظيفه للوقيعة بين المملكة وإيران، وإثارة أجواء من انعدام الثقة بين الجانبين، ناهيك عن عدم قراءة هذا الموقف السعودي في إطار السياسة الخارجية السعودية وغاياتها البعيدة.

وفقًا لذلك، ذهَبَ البعض لتفسير هذا الموقف السعودي من منظور حسابات مصلحية بحتة، باعتبار أنَّ الهجوم العسكري على إيران قد يترتَّب عليه تعقيدات أمنية تُضِرّ بمصالحها الإستراتيجية، كأن ترُدّ إيران على الهجوم الأمريكي بشنِّ هجمات على التمركزات والقواعد الأمريكية في دول الخليج، أو استهدف المنشآت النفطية، أو تعطيل حركة الملاحة عبر الخليج، بما في ذلك غلق مضيق هرمز، أو حتى فيما يخُصّ شكوك المملكة في التحوُّلات، التي قد تخلِّفها الحملة الأمريكية، التي قد تستهدف إزاحة النظام الإيراني، وتأثير الفراغ في السُلطة في إيران على المحيط الإقليمي أمنيًا وسياسيًا واجتماعيًا؛ الأمر الذي يعطِّل في الأخير المشروع الوطني السعودي، الذي يرى في الاستقرار الإقليمي أساس للتنمية.

ومع أنَّ هذه الحسابات منطقية، ولا بُدّ أن تُؤخَذ بالاعتبار من منطلق واقعي وبالنظر إلى طبيعة العلاقة بين طهران والرياض، لكن من الإنصاف القول إنَّها حسابات لا تستوعب حقيقة الدور الإقليمي، الذي تلعبه المملكة في المنطقة في المرحلة الراهنة، وعُمق السياسة الخارجية السعودية، وما تستند إليها من مبادئ راسخة وغايات كُبرى، والالتزام بسياسة عقلانية شديدة التوازن، تراعي فيها المملكة مصالحها دون أن تتجاهل التطلُّعات المشروعة لجيرانها، وتدافع بقوَّة وحزم عن أمنها وسيادتها، دون أن تتجاهل مسؤوليتها في الدفاع عن استقرار محيطها، كما لا بُدّ من قراءتها في ضوء التموضُع السعودي الراهن، ومحاولات الإخلال بالتوازنات الإستراتيجية القائمة، وحرْص المملكة على عدم تمدُّد الفوضى كوسيلة لخلق شرق أوسط جديد يخدم تطلُّعات ومصالح قُوى عدوانية وتوسُّعية.

وهذه السياسة في جوهرها، هي مزيج من الأبعاد المصلحية، والاعتبارات الإستراتيجية، والمعايير القانونية والإنسانية. وهي نابعة من حاجة داخلية لا تغفل حاجات الخارج، وتستمِدّ قوَّتها وأهليتها من مكانة المملكة، وتاريخها، ودورها ورسالتها في عوالمها العربية والإسلامية وعلى الصعيد العالمي. وتهدُف إلى تحفيز الاستقرار، ودفْع التنمية، ووضْع حدٍّ للفوضى، ومواجهة مخطَّطات التفتيت والتقسيم، والتصدِّي لمحاولات إعادة تشكيل البيئة الإستراتيجية للمنطقة في غير صالح دولها وشعوبها.

والواضح أنَّ هذه السياسة ليست مبادرات عابرة هُنا وهُناك، بل نهْج راسخ، ولها جذورها وشواهدها في السودان وفي اليمن وليبيا والصومال ولبنان وسوريا، وغيرها من الدول، حيث تتبنَّى المملكة سياسة تدعم استقرار هذه الدول وسيادتها ووحدة أراضيها، وذلك وفق المبادئ الدولية المُتعارَف عليها، ووفق المبادئ، التي ألزمت بها المملكة نفسها تجاه المنطقة. والواضح أيضًا أنَّ بعض هذه الدول تحصد ثمار الموقف السعودي الداعم لها، والذي يأتي في إطار نهْج والتزام ثابت لا يتزعزع، كما هو جارٍ في سوريا، وفيما يخُصّ القضية الفلسطينية، وما هو مأمول في السودان والصومال، بعد التحرُّكات السعودية الأخيرة.

وعلى هذا الأساس، فإنَّ الموقف السعودي من رفْض الهجوم على إيران لا يدعو للاستغراب، ولا يمكن تفسيره على أنَّه مصلحي بحت، إذ فُهِم في سياق هذه السياسة. وهو موقف يُحسَب للمملكة، ويعطي مؤشِّرًا على رشادة سياساتها، وأهمِّية نهجها للمنطقة، وهو لا شكّ موقف رُبَّما يفرض تحدِّيات على المملكة، ويجعلها في مواجهة مع القُوى الفوضوية، التي تري في الصراعات والحروب وسيلة من أجل تعزيز نفوذها وحضورها وحماية مصالحها. لكنَّه في الوقت نفسه موقف يعزِّز من مكانة المملكة وقيادتها، ويكفي النظر إلى صورة المملكة التي تترسَّخ، وقوَّتها الناعمة التي تتلألأ على خلفية هذه المواقف.

وهكذا يمكن القول إنَّ المملكة بفضل هذه السياسة العقلانية، تُثبِت مرَّةً بعد أخرى أنَّها قوَّة إقليمية لا غنى عنها لدول المنطقة، بما في ذلك إيران، وذلك بوصفها قوَّة سلام واستقرار في ظل واقع إقليمي شديد الاضطراب، وفي ظل وجود أجندات متقاطعة لقُوى دولية وإقليمية تسعى إلى إعادة تشكيل الواقع الإقليمي، من منطلق نشْر الفوضى، وتبنِّي المشروعات الانفصالية، وتقسيم الدول وإشعال الحروب الأهلية، وتغيير الأنظمة السياسية.

ولا شكَّ أنَّ هذه السياسة السعودية لا تُعتبَر خط دفاع لحماية دول المنطقة واستقراها وحسب، بل مشروع أمل لشعوبها، باعتبارها سياسة واقعية وإنسانية معًا، تمنح الجماهير الأمل للخروج من دوّامة الفوضى، التي علِقت فيها المنطقة خلال العقود الأخيرة، بل تطرح البديل؛ وهو شرق أوسط مستقرّ ومزدهر. وعلى إيران أن تلتقط هذه الإشارات الإيجابية من جانب المملكة، التي تنطلق من الشعور بالمسؤولية التاريخية تجاه ذاتها وتجاه المنطقة ودولها الوطنية وشعوبها، وأن تستفيد منها؛ من أجل خلْق واقع إقليمي جديد يعود بمكاسب للجميع، ويخلق واقعًا مواتٍ للتنمية والتطوُّر والتخلِّي عن سياسات لم تُثمِر في الأخير عن أيّ مكسب، بل على العكس أضرَّت بإيران دولةً وشعبًا، وتُوشِك أن تُطيح بنظامها.

د. محمود حمدي أبو القاسم
د. محمود حمدي أبو القاسم
مدير تحرير مجلة الدراسات الإيرانية