فنزويلا بعد مادورو.. اختبار للنظام العالمي

https://rasanah-iiis.org/?p=38617

بينما لا تزال التطوُّرات تتكشَّف في فنزويلا إثر إلقاء الولايات المتحدة القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وفي ظل غياب خريطة طريق أمريكية واضحة، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه رئيسًا بالإنابة لفنزويلا، بينما تولَّت ديلسي رودريغيز منصب الرئيسة المؤقَّتة بعد أدائها اليمين مجدَّدًا. ومع انتشار الأسطول البحري الأمريكي في منطقة البحر الكاريبي، خفَّفت كاراكاس من حدَّة خطابها، وأصبحت أكثر براغماتية.

يمثِّل القبض على مادورو ومحاكمته لاحقًا حدثًا استثنائيًا غير مألوف، بينما تنظر المحكمة في التُّهَم الموجَّهة إلى «الزعيم المخلوع». وفي الوقت نفسه، انتقلت الولايات المتحدة من دور يقتصر على عملية لإنفاذ القانون في دولة ذات سيادة، إلى فرْض السيطرة الفعلية لإدارة مواردها واقتصادها.

أسهَمَ اجتماع ترامب مع كبار المسؤولين التنفيذيين في شركات الطاقة الأمريكية والأوروبية الكُبرى، في إضفاء قدر ٍكبير من الواقعية داخل البيت الأبيض؛ الأمر الذي خفَّض من سقْف طموحه لاستثمار 100 مليار دولار في صناعة النفط في فنزويلا. وإلى جانب إبداء الثناء على الرئيس، سلَّط مسؤولو شركات النفط الضوء على المخاطر العملية للاستثمار في فنزويلا. وصَفَ دارين وودز؛ الرئيس التنفيذي لشركة «إكسون موبيل»، البلاد بأنَّها «غير قابلة للاستثمار»؛ الأمر الذي أثار غضب الرئيس.

ومنذ الإطاحة بمادورو، اقتصرت «عملية الرمح الجنوبي» على مراقبة الحصار المفروض على فنزويلا، بينما توقَّفت الهجمات ضدّ القوارب، بعدما أسفرت عن مقتل 105 شخص على الأقلّ كانوا على متن 29 زورقًا في البحر الكاريبي خلال أربعة أشهر.

في الوضع الطبيعي، لم يكُن شنّ هجوم على دولة ذات سيادة بهذا البساطة بالنسبة لإدارة ترامب. فالدستور الأمريكي يُلزِم الرئيس بالحصول على تفويض من الكونغرس لشنّ أيّ عمل عسكري هجومي في الخارج؛ «يملك الكونغرس الصلاحية لإعلان الحرب.. ومنْح تصاريح للقيام بهجمات انتقامية أو هجومية، ووضع قواعد تحدِّد كيفية التعامل مع الممتلكات أو السُفُن، التي يتم الاستيلاء عليها في البر والبحر». وعلى الرغم من الغالبية الضئيلة للجمهوريين في الكونغرس، لا يُبدي جميع الأعضاء ارتياحهم إزاء السياسية المتسرِّعة في استخدام القوَّة، ولم يقُم مجلس النوّاب بعد بأيّ خطوة فعلية لمحاسبة الرئيس على تدخُّله القسري في دولة ذات سيادة.

وعلى حد تعبير ترامب، «لقد استولوا على جميع حقوقنا في الطاقة. لقد استولوا على نفطنا منذ وقت ليس ببعيد، ونريد استعادته مرَّةً أخرى». ثم وصَفَ مادورو هذا الادّعاء، بأنَّه افتراء صارخ، واعتبره شكلًا من استعمار الموارد. وفرَضَ ترامب عقوبات على فنزويلا، واعترف في الوقت نفسه بسياسي معارض كرئيس للبلاد خلال فترة ولايته الأولى.

وفي الوقت الذي أدرجت فيه واشنطن شركة النفط الحكومية الفنزويلية على قائمة العقوبات، حصلت «شيفرون  Chevron|» على ترخيص لإنتاج النفط وتصديره، من خلال مشاريع مشتركة.  وفي فبراير 2025م، أعلن البيت الأبيض عزمه سحْب ترخيص شركة شيفرون، الذي مُنِح لها خلال إدارة جو بايدن، وذلك عقِبَ تحسُّن العلاقات مع مادورو. لكن الرئيس الفنزويلي لم يكتفِ بالإعلان عن أنَّ شركات النفط الصينية الكُبرى ستستحوذ على حِصَص الشركة فحسب، بل أوقف أيضًا رحلات الترحيل القادمة من الولايات المتحدة. وتراجعت واشنطن عن قرارها، وجدَّدت ترخيص شركة شيفرون، في حين أفرج مادورو عن عشرة سجناء أمريكيين مقابل أكثر من 250 فنزويليًا كانت إدارة ترامب تعتزم إرسالهم إلى سجن «سيكوت | CECOT» في السلفادور.

ولا شكَّ أنَّه من غير المرجَّح أن يصادق الكونغرس على طلب الإدارة لإعلان الحرب، لكن قد يتجاوز البيت الأبيض حدوده الدستورية بحُجَّة اتّخاذ إجراءات دفاعية، ويلجأ إلى تفعيل «قانون الأجانب الأعداء»، الذي يعود إلى القرن الثامن عشر؛ لتسريع عمليات ترحيل مئات الاف الفنزويليين عبر تجريدهم من حالة الحماية المؤقَّتة. كما هو الحال مع العديد من القرارات التنفيذية الأخرى، بدءًا من حظْر منْح الجنسية بالولادة ووصولًا إلى فرْض الرسوم الجمركية، ستكون العملية القضائية التالية بطيئة ومعقَّدة لمقدِّمي الالتماسات على وجه الخصوص. ويُعَدُّ ستيفن ميلر، وهو أحد مساعدي ترامب من «الصقور»، أحد المؤيِّدين لتفعيل القوانين غير المفعَّلة للتخلُّص من المهاجرين غير البيض في الولايات المتحدة.

وهناك دافع آخر يتمثَّل في جعْل فنزويلا مثالًا لدول أمريكا اللاتينية الأخرى، التي طوَّرت علاقات متعدِّدة ومعقَّدة مع الصين على مدى العقود الماضية. وسواءً أُطلِق عليها «عقيدة مونرو 2» أو، على حدّ تعبيره، «عقيدة دونرو»، التي تمكِّن الولايات المتحدة من ممارسة نفوذها وهيمنتها في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، فقد فشَلَ تطبيق «عقيدة مونرو» في عام 1823م في حماية أمريكا الجنوبية من غزوات القُوى المتنافسة، بل أدَّى إلى تصعيد منهجي للعُنف عبر التدخُّلات العسكرية المتكرِّرة، والانقلابات، والاعتداءات المباشرة. وفي نوفمبر 2025م، شدَّد ترامب على أنَّ إدارته يجب أن تتدخَّل في الأمريكيتين؛ لمنع الهجرة الجماعية إلى الولايات المتحدة، وضمان أن يكون نصف الكرة الأرضية «خاليًا من الاعتداءات الخارجية المعادية أو السيطرة على الأُصول الإستراتيجية».

كما أسهمت العلاقات الوديِّة بين فنزويلا وإيران، في إضافة عامل آخر إلى قائمة العوامل، التي دفعت الولايات المتحدة إلى اتّخاذ قرار التخلُّص من مادورو. على مدار العقود الماضية، حوَّلت إيران وحزب الله ونظام الأسد المخلوع في سوريا فنزويلا إلى حليف موثوق. وقد قامت دول أمريكا اللاتينية بمنح الجنسية لعملائها، الذين لم يلتفُّوا فقط على العقوبات بشبكاتهم، بل هرَّبوا التقنيات المتقدِّمة والأموال والأسلحة. ولا يُوجَد أمام رودريغيز خيار، سوى إبعاد البلاد عن «القيادة الإيرانية الضعيفة».

وتُعَدُّ «عقيدة دونرو» محاولة لإعادة فرْض السيطرة المُطلَقة الأمريكية على الموارد والجغرافيا، في نصف الكرة الغربي. حتى خلال حقبة الحرب الباردة، واجهت دول أمريكا اللاتينية عدَّة محاولات أمريكية لفرض سيطرة ونفوذ غير شرعية. وعلى مدار أكثر من خمسة قرون، اتّحدت هذه القارة في اتّخاذ موقف معارِض للقُوى العالمية. لهذا، فإنَّ محاولة ترامب لفرْض سياسته على فنزويلا إن لم يكُن السيطرة المباشرة على ثرواتها، تُعَدُّ اختبارًا لواشنطن ومنافسيها العالميين ونظام الحُكم الفنزويلي والشعب على حدٍّ سواء. وهذا ما حصَلَ فعلًا، فقد طالبت واشنطن كراكاس «بطرد» الشركات الصينية والروسية، وقطْع العلاقات الاقتصادية مع طهران وهافانا، وهو أمر يُعَدُّ إملاءً غير منطقي تعتبره واشنطن إستراتيجية تحوُّطية. 

وباستثناء إدانتهما لاعتقال مادورو باعتباره انتهاكًا للقانون والأعراف الدولية، لم تتّخِذ الصين وروسيا أيّ خطوات جوهرية لمواجهة الولايات المتحدة الأمريكية. والجدير بالذكر هُنا، أنَّ  بكين تشتري 80 % من نفط فنزويلا، وتُعَدُّ موسكو أكبر مورِّد للأسلحة لها. وباستغلال فلاديمير بوتين لانشغال ترامب في هذه الأزمة عن الحرب الدائرة في أوكرانيا، يبدو أنَّه غير راضٍ بالتخلِّي عن حليفته كراكاس. ومع ذلك، من المرجَّح أن تتّبِع بكين في هذه الفترة «دبلوماسية الباب الخلفي»؛ للحفاظ على سيادة فنزويلا ومصالحها الاقتصادية. ومن المرجَّح أن يخفِّف الرئيس الأمريكي من حدَّة موقفه لسببين؛ تقديم رودريغيز تسهيلات لشركات النفط الأمريكية، وقبول  الرئيس الصيني شي جين بينغ الحذر بالتطوُّرات الجديدة على الأرض.

ونظرًا لاستمرار تصاعُد المشاعر المُعادية لأمريكا في فنزويلا وفي أجزاء واسعة من القارة، تبقى سيطرة رودريغيز على القوَّات المسلَّحة والتيّارات القومية محل شك؛ ففي حال واصلت رودريغيز تقديم التنازلات، فمن المرجَّح أن تواجه سياستها احتجاجات شعبية واسعة ذات دوافع وطنية في الشوارع. وإذا كان في التاريخ عبرة، فإنَّ ظهور الميليشيات المسلَّحة في المناطق الغنية بالنفط وبعض المناطق الساحلية، قد يقوِّض الاستقرار الهش بين الولايات المتحدة وفنزويلا.

المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
إدارة التحرير