في مقابلةٍ مع الإعلامي الأمريكي تاكر كارلسون، قال السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي، إن إسرائيل قد يكون من المقبول لها أن تُسيطر على أراضٍ تمتدُّ من نهر النيل إلى نهر الفرات، استنادًا إلى تفسيرات دينية من العهد القديم، وأضاف أنه لو حصل هذا: «فسيكون جيدًا أو مقبولًا»، وإن ذلك لا يعني أن إسرائيل تسعى لذلك فعليًا الآن. هذه العبارة تُثير فكرة توسعية أو حقًا توراتيًّا، استنادًا إلى نصوصٍ دينيةٍ وليس استنادًا إلى القانون الدولي أو السياسة المعاصرة.
ويبدو مفهوم التوسع الإسرائيلي مُتجذرًا في الفكر اليهودي وفقًا لأدبيات مقدسة تلمودية وتوراتية، تلك النصوص «المقدسة» شكّلت طبيعة تيار يميني متطرف في العقل اليهودي المعاصر، بيد أن الفكر اليهودي مثل كل الأفكار شهد تأويلات داخلية، برز عنها محافظون متشددون وتقليديون، يفهمون النصوص بحرفيتها وظاهريتها، وراديكاليون يمارسون العنف ويحاولون تطبيق الفهم المتشدد التقليدي، الذي لا يفهم النص في سياقه والتحولات التي من المفترض أن تطرأ عليه بحكم الواقع الدولي المعقد، وبسبب العولمة والتكنولوجيا، وبروز فلسفات جديدة وأنماط مغايرة للحكم وشكل الدولة بل وفهم الدين وقراءة «المقدس»، أيضًا ثمة معتدلون لم يؤمنوا بالفكر الراديكالي، الذي يدعو إلى العنف أو التمدد والتوسع على حساب الدول الأخرى، بل يدعو إلى السلام والعيش المشترك.
أولًا: «من النيل إلى الفرات».. عقدة الوعد الإلهي بين اللاهوتي والسياسي
هذه العبارة ليست مجرد عبارة مستفزة؛ بل هي اختزال لفلسفة عميقة: فعلى المستوى النصي، فنصوص العهد القديم تتضمن وعودًا بالأرض لبني إسرائيل، وفي بعض المقاطع تُذكر حدود واسعة. لكن المشكلة ليست وجود النص، بل: كيف يُفهم النص؟ وكيف يُتعامل معه في ظل الدولة الحديثة والنظام القانوني الدولي المعاصر؟ وهل مسألة النصوص المقدسة يُعتدّ بها مع كافة الأديان والمذاهب، وبالتالي فإننا إزاء تجاوز للقانون الدولي والدولة الحديثة وعودة للنزاعات الدينية والطائفية، التي لا يستند فيها الأطراف إلى معايير ثابتة ولا قانون عام، بل يستند كل فريق إلى المقدس لديه.
بالنسبة للنصوص، فثمَّة قراءات حرفية وأخرى تأويلية، وأخرى نقدية، وعندما يميّز هاكابي بين «سردية لاهوتية» و«سياسة معاصرة» فهو يحاول الهروب من تبعات القراءة الأولى، لكن كارلسون يلاحقه، لأن الواقع السياسي الأمريكي يحمل بالفعل أثر قراءات دينية قوية، خصوصًا في التيار الإنجيلي الذي ينتمي إليه هاكابي.
على المستوى اللاهوتي اليهودي، فليس اللاهوت اليهودي كتلة واحدة، بل هو طيف واسع من المقاربات، فثمَّة تيارات دينية ترى الأرض جزءًا من الهوية الدينية، لكن قد تربط الفعل السياسي بشروط دينية/أخلاقية، وثمة تيارات حريدية تاريخيًا عارضت الصهيونية لأنها «تعجّل بالخلاص» قبل أوانه، وتيارات أخرى صهيونية دينية تمزج بين الدولة الحديثة ووعد النص. إذًا فالوعد ليس حقيقة سياسية جاهزة، بل ساحة تفسير وصراع داخل اليهودية نفسها.
أما على مستوى اللاهوتي الإنجيلي الأمريكي، فثمَّة جزء من المسيحية الإنجيلية خاصة المرتبطة بالتصورات الإسكاتولوجية (نهاية الزمان)، ينظر إلى قيام إسرائيل ودعمها كعلامة في مسار نبوئي. وعلى المستوى الفلسفي فهذا يعني انتقال السياسة من مجال الدبلوماسية والبراغماتية وفن الممكن والمصالح ومؤسسات ما بعد الحرب العالمية، إلى نطاق «الميتافيزيقا»، فتصير الأحداث السياسية كأنها «خطة في تاريخ مقدس». ولذا فالسؤال المهم هنا: هل يمكن أن تُدار دولة عظمى بمنطق «تحقيق نبوءات»! مع وجود قواعد شعبية واسعة تؤمن بهذا المنطق، ومن ثم يضغط هذا على القرار السياسي لا شك.
ونلحظ كذلك في حديث هاكابي، أنه منح إسرائيل موقعًا أخلاقيًا استثنائيًا، وصور الصراع على أنه بين «الخير والشر»، وبالتالي فإن إسرائيل هي حالة «استثناء» ومن ثم فلا يمكن أن تتساوى مع المحيط الخاص بها من دول الجوار. ولا يمكن القبول بتأسيس دولة فلسطينية مجاورة لها، بل يجب حتى نزع ملكية ما بين النيل والفرات لصالح إسرئيل.
–البعد اللاهوتي والتأسيس لمفهوم إسرائيل الكبرى: لم تكن الفكرة التي طرحها مايك هاكابي «من النيل إلى الفرات»، حلمًا يهوديًا معاصرًا، بل تبدو كالعقيدة التي نُصّ عليها في الكتاب المقدس «العهد القديم» وتم فهمها من قبل الأحبار اليهود على أنها «عقيدة مقدسة» لا بد من تحقيقها كوعدٍ إلهي، فقد جاء في «سفر التكوين»: “في ذلك اليوم قطع الربّ مع أبرامَ ميثاقًا قائلًا: لنسلِكَ أُعطي هذه الأرض، من نهرِ مصرَ إلى النَّهرِ الكبيرِ، نهرِ الفراتِ”. وفي مواضع عدة يُظهر العهد القديم اهتمامًا هائلًا بمدن شرق أوسطية، مثل سيناء (الخروج ١٨: ١)، والأردن (التثنية ٤،٥: ٤٦) وغيرهما. وقد ذهب البعض إلى أن مفهوم النص التوراتي غير قاطع، ومن ثم يمكن أن يُقال إن المراد بمن يملكون الأرض هم نسل إسماعيل وليسوا نسل إسحاق، لكن الحاخامات رفضوا هذا التأويل وجعلوه من باب الكفر، خوفًا من تسلل تلك الأفكار «الهرطقية» إلى الجماعة اليهودية، فتشكل خطرًا على التماسك اليهودي والحلم الإسرائيلي، ففي فتوى للحاخام شموئيل إلياهو، يقول: «فيما يتعلق بميراث الأرض، فلا يُعد إسماعيل من نسل إبراهيم، فقد قال الرب لإبراهيم في هذا الشأن».
ولم يقتصر الأمر على البعد اللاهوتي التاريخي، بل ثمة يمينيون متطرفون معاصرون يتجاوزون العلمانية السياسية والقانون الدولي المعاصر، ويسعون إلى تفعيل النصوص اللاهوتية القديمة المتعلقة بالجانب السياسي والجغرافي وليس بالجوانب الروحانية فقط. فقد صرَّح رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو في أغسطس الماضي ٢٠٢٥م: «لدي تفويض تاريخي وروحاني من أجيال اليهود الذين حلموا بالمجيء إلى هنا، وأؤمن جدًا بخريطة الأرض الموعودة، وأنا مجند وأسسنا جيلًا مجندًا أيضًا لتحقيق تلك الرؤية». وهذه التصريحات تعني أن المسألة العقدية «الأرض الموعودة/ من النيل إلى الفرات» حاضرة بقوة في ذهن القيادة الإسرائيلية، ولم تبق تلك الأمنية حبيسة التفسيرات القديمة أو فكر الأحبار القدامى، بل باتت تؤسس للعقل الإسرائيلي المعاصر، الذي يؤسس «جيلًا مجندًا لتحقيق تلك الرؤية».
هذا الجيل الذي يؤسسه الإسرائيليون اليوم، يبني عقيدته القتالية على ما جاء في التثنية: «حين تقرب من مدينة لكي تحاربها استدعها إلى الصلح، فإن أجابتك إلى الصلح وفُتحت لك فكل الشعب الموجود فيها يكون لك للتسخير ويُستعبد لك. وإن لم تُسالمك بل عملت معك حربًا فحاصرها، وإذا دفعها الرب إلهك إلى يدك فاضرب جميع ذكورها بحد السيف». (التثنية: ٢٠/ ١٠: ١٥).
ويبدو أن التوسع الإسرائيلي، إذا استمر اليمين المتطرف في إنفاذ رؤيته، لن يكتفي وفقًا لأدبيات العهد القديم عند دول الجوار فقط، بل يمتد ليشمل ربما ما حول دول الجوار، فيقول كما في التثنية: «هكذا تفعل بجميع المدن البعيدة منك جدًا، التي ليست من مدن هؤلاء الأمم هنا. وأما مدن هؤلاء الشعوب التي يعطيك الربُّ إلهُك نصيبُا فلا تستبقِ منهم نسمةً». (التثنية ٢٠/ ١٥: ١٨).
وهنا نلحظ عقيدة التمدد/ التوسع الإسرائيلي اليهودي لا تكتفي بالدعوة إلى التوسع، بل تُوجِد الجندي المناسب والمعركة المناسبة، والعنف الشديد ضد المخالفين بالقتل والحصار والاستعباد حتى ولو استسلمت تلك المدن! من تلك النصوص يمكن فهم عقيدة اليمين المتطرف الإسرائيلي المعاصر، وأسباب عنفه المشهود.
وينبغي في هذا السياق ملاحظة عامل مهم في حشد الجمهور الإسرائيلي ضد خصومه في الداخل والخارج، فاستُعملت الفتوى الدينية كسلاح فتّاك في هذا الصدد لاسيما من اليمين المتطرف. فالجندي الإسرائيلي الذي يقتل المدنيين يفعل ذلك في أحايين كثيرة من باب «التعبد» والإيمان؛ ففي فتوى رسمية للحاخام إلياهو ابن الحاخام مردخاي إلياهو، قال: «مسموح بإطلاق النار وقصف خان يونس وكل الأماكن التي يتم إطلاق القذائف منها على اليهود، العرب الذين يعيشون في هذه الأماكن ليسوا أبرياء بل قتلة ويساعدون الإرهابيين، من يقتلهم ينبغي ألا يشعر بتأنيب ضمير، لأنهم قتلة ومساعدون للقتلة». ورفض الحاخام الحديث عن أية أخلاقيات في الحرب مع هؤلاء، وهذه الفتاوى تأسيسية في قتل المدنيين وسفك دماء الأبرياء.
–بين الديني والاستعماري: الحقيقة أنّ مسألة التوسع والإيمان بمبدأ «من النيل إلى الفرات» أو «إسرائيل الكبرى»، هي عقيدة دينية راسخة كما مرّ من استشهاد من العهد القديم، ولحظها علماء المسلمون قديًما مثل ابن حزم وغيره، لكن المؤكد أيضًا أنها إستراتيجية استعمارية. بعبارة أوضح: اجتمعت رغبة الغرب في زرع دولة يهودية في المنطقة، تعمل كحارس للمنطقة ومصدة أمامية استخباراتية وعسكرية وأمنية لرصد كافة التطورات الحاصلة في العالم العربي والإسلامي اليوم، وموقع فلسطين «إسرائيل» محوري وإستراتيجي، فهي شمال شرق دول الخليج، وجنوب الشام وتركيا، وشمال شرق مصر وإفريقيا، وغرب آسيا، وبالتالي فهي قاعدة مهمة جدًا للمستعمر الغربي، عندما فكر في زرع كيان في المنطقة بعد التكلفة المرتفعة التي صاحبت استمرار وجود الغرب بنفسه في المنطقة كقوة استعمارية مباشرة (الإنجليز في مصر- الفرنسيون في الجزائر- الإيطاليون في ليبيا،..)، بعد التكلفة المرتفعة لهذا البقاء، فكر الاستعمار في إيجاد مستعمرة تعمل كمصدة أمامية لحماية التوسع الإسلامي الذي يخشاه الغرب منذ زمن ما قبل الحروب الصليبية. كان الغرب يأتي بنفسه ليغزو العالم العربي والإسلامي في الدولة ما قبل الحديثة «الحروب الصليبية»، ثم جاء بنفسه أيضًا في القرن السابع عشر والثامن عشر وأسس القواعد والحكومات والتشريعات، ثم بان له أن الطريقة الأمثل هي زرع هذا الكيان المختلف في دينه وهويته عن أبناء المنطقة، ذلك عن طريق إحياء أفكار توراتية قديمة وجمع اليهود من شتات الأرض، وإحياء الدين والقومية واللغة، مع دعم اقتصادي وعسكري وسياسي. والحاصل، أن الرغبة الاستعمارية تلاقت مع العقيدة/ الأيديولوجيا في هذا السياق.
–منطقة صراع لاهوتي وتاريخي: يرصد ابن حزم الأندلسي فكرة «إسرائيل الكبرى»، ويعلّق على آية سفر التكوين: «لنسلك أعطي هذا البلد من نهر مصر النهر الكبير إلى نهر الفرات»، يُعلق ابن حزم ردًا على هذا النص، أنه إذا كان وعدًا قد تحقق فهو كذب بحكم الواقع: « وَهَذَا كذب وشهرة من الشَّهْر، لِأَنَّهُ إِن كَانَ عَنى نَبِي إِسْرَائِيل وَهَكَذَا يَزْعمُونَ فَمَا ملكوا قطّ من نهر مصر وَلَا على نَحْو عشرَة أَيَّام مِنْهُ شبْرًا مِمَّا فَوْقه، وَذَلِكَ من موقع النّيل إِلَى قرب بَيت الْمقَدّس وَفِي هَذِه الْمسَافَة الصَّحَارِي الْمَشْهُورَة الممتدة والحضار ثمَّ رفح وغزة وعسقلان وجبال الشراه، الَّتِي لم تزل تحاربهم طول مُدَّة دولتهم وتذيقهم الْأَمريْنِ إِلَى انْقِضَاء دولتهم وَلَا ملكوا قطّ من الْفُرَات وَلَا على عشرَة أَيَّام مِنْهُ».
في الوقت نفسه فإن الإسرائيليين المعاصرين أو اليمين المتطرف منهم، يزعمون أن هذا وعد لم يتحقق، لكنه سيتحقق في المستقبل على أيديهم، فهم مطالبون به ومكلفون بتحقيقه، وبالتالي فإنهم يعملون على تحقيقه من خلال إعداد الجنود المؤمنة بهذا الفكر «وفقًا لتصريحات نتنياهو».
واللافت في كلام ابن حزم، أنه يذكر مدن الصراع التاريخية بين «أهل الإقليم» وبني إسرائيل، مثل رفح وغزة وسيناء والأردن، فمسألة الحق المقدس في القدس أو فلسطين وسيناء والأردن والنيل والفرات لم تكن أبدًا حقيقة تاريخية، فإنهم يريدون تحقيق ذلك عبر طرد أهل المنطقة الأصليين والاستيلاء عليها بالعنف والقهر و«استعباد الشعوب». فالصراع ليس بسبب المسلمين المعاصرين، ولا بسبب الإسلام كدين يرفض الاستعباد والاستعمار والهوان، بل لأن أهل المنطقة من العرب وغيرهم خبروا أطماع بني إسرائيل في بلدان المنطقة منذ زمن بعيد، فدخلوا في معارك مع أهل المنطقة محاولين فرض سيطرتهم وهيمنتهم عليها، فباءت مشاريعهم بالفشل والإخفاق كما رصد ابن حزم، لكنهم بعثوا من جديد في العصر الحديث بدعم بريطاني غربي، وتعلموا كثيرًا من أخطاء الماضي، ثم باتوا يطالبون علنًا بأحقيتهم في كل الأرض التي ما بين النيل والفرات، فقط لأن التوراة وعدتهم بذلك، حتى ولو على حساب أهل المنطقة تاريخيًا.
ثانيًا: مفهوم «الشرعية» عند هاكابي وتجاوز القانون الدولي
يجيب هاكابي غالبًا عبر تحويل السؤال من مستوى «المنفعة- المصالح» إلى مستوى «الفضيلة- الهوية- المشترك الأخلاقي». فإسرائيل في خطابه، ليست مجرد دولة حليفة؛ بل رمز لـ«الديمقراطية»، و«القيم» في بحر «عدائي» و«استبدادي». هذا التحول مهم فلسفيًا: عوضًا عن أن تُقاس الشرعية السياسية بقياس واحد: مصلحة المواطن الأمريكي، تصبح الشرعية قائمة على معيارين: شرعية قيمية، تدعم من يشبهنا، وشرعية أخلاقية، مع الحق وضد الباطل.
لكن حين تتشابك هذه الشرعية الأخلاقية مع خلفية دينية، تظهر مشكلة فلسفية معروفة: متى تتحول الأخلاق إلى لاهوت سياسي؟ أي متى يصبح الحكم السياسي مؤسسًا على تصور خلاص/لعنة/قدر، لا على عقد اجتماعي وقانون دولي؟ والنتيجة: أن هاكابي يقدّم دعم إسرائيل باعتباره ليس فقط «قرارًا سياسيًا»، بل «اختيارًا أخلاقيًا»، يعبّر عن هوية أمريكا نفسها.
–تجاوز القانون الدولي: تبدو مستغربة تلك التهديدات الإسرائيلية الصريحة والمباشرة في نيتها التوسع وتحقيق الأمنيات التوراتية القديمة، وسط غياب تامٍ لمفردات خطاب يتسم باحترام القانون الدولي وسيادة الدول والحدود التي تشكّلت واستقرّت في ظلِّ الدولة القومية الحديثة، بعد الحرب العالمية الأولى ثم الثانية.
فمن المنظور القانوني الدولي، فإنّ مبدأ السيادة الوطنية وعدم الاعتراف بحق سيادة دولة على أراضي دولة أخرى هو مبدأ أساس في القانون الدولي الحديث، وفقًا لميثاق الأمم المتحدة. ويجرم اغتصاب أو ضم أراضٍ بقوة أو تحت ذرائع دينية أو تاريخية يعتبر انتهاكًا صريحًا لهذا القانون ويعد بحكم غير شرعي دوليًا. والقانون الدولي لا يعترف بأي «حق توراتي» سياسي على أرض تخص دولًا ذات سيادة. ولا يعكس الواقع الجغرافي والسياسي الحالي، فالأرض الممتدة بين النيل والفرات تشمل اليوم دولًا ذات سيادة كاملة (مصر، السودان، السعودية، الأردن، العراق، سوريا، لبنان). لا توجد في النظام الدولي آلية قانونية تُحوّل تصريحات شخصية إلى حق دولي أو حدود معترف بها.
نلحظ هنا كذلك تصادمًا بين «شرعية الوعد» و«شرعية القانون»، فالقانون الدولي يقوم على نفي القداسة عن الحدود. فمنذ ميثاق الأمم المتحدة، يفترض القانون الدولي أن الحدود ليست نبوءات، بل ترتيبات بشرية تُضبط بالقانون: عدم استخدام القوة، احترام السيادة، حق تقرير المصير. وعندما يُلمَّح إلى حدود موعودة تتجاوز المعترف به، تُبعث رسالة ضمنية بأنّ الشرعية ليست هنا شرعية القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، بل شرعية أقدم وأعلى وأقدس. وتكمن الخطورة الخاصة في اللاهوت السياسي، أنه يستطيع أن يحوّل الخرق القانوني إلى فضيلة دينية، فإذا قيل للمجتمع: هذا الفعل يحقق وعدًا، فلن يعود القانون قادرًا وحده على ردع الفعل، لأن الردع القانوني يفترض قبولًا مسبقًا بالقانون كمرجعية عليا، وإذا انتفت المرجعية، صار القانون أداة ضغط خارجي لا ضميرًا داخليًا.
–التنديد السعودي والرفض العربي: سارعت وزارة الخارجية السعودية ووزراء خارجية عرب بالتنديد واستنكار تصريحات السفير الأمريكي في إسرائيل، ووصفوها بأنها «خطيرة واستفزازية، وتُشكّل تهديدًا مباشرًا لأمن المنطقة واستقرارها».
لكن البيان السعودي كان أشد حسمًا، وجاء فيه أن السعودية «تدين بأشد العبارات وتستنكر كليًا ما تضمنته تصريحات سفير الولايات المتحدة الأمريكية لدى إسرائيل، التي عبر فيها باستهتار بأن سيطرة إسرائيل على الشرق الأوسط بأكمله سيكون أمرًا مقبولًا». وأكدت السعودية: «رفضها القاطع لهذه التصريحات غير المسؤولة، التي تُعد خرقًا للقوانين الدولية وميثاق الأمم المتحدة والأعراف الدبلوماسية، وسابقة خطيرة في صدورها من مسؤول أمريكي، وتعد استهتارًا بالعلاقات المتميزة لدول المنطقة بالولايات المتحدة الأمريكية». ووصفت السعودية كلام هاكابي بأنه طرح متطرف: «هذا الطرح المتطرف، ينبئ بعواقب وخيمة ويُهدد الأمن والسلم العالمي»، وطالبت الولايات المتحدة بتوضيح موقفها من هذا الطرح المتطرف. ولم تكتفِ المملكة بذلك، بل أعادت تأكيدها على: «أن السبيل الأوحد للوصول للسلام العادل والشامل، هو إنهاء الاحتلال على أساس حل الدولتين، وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود عام 1967م وعاصمتها القدس الشرقية».
–رد الفعل الأمريكي الرسمي وبروز اليمين المتطرف: جاءت تصريحات هاكابي لتعبر عن التوجه اللاهوتي للإنجليين المتطرفين، وهم جماعة من المسيحيين البروتستانت يؤمنون بالتفسير الحرفي للنص المقدس، ويشكلون تيارًا أساسيًا داخل الحزب الجمهوري، وأغلبهم متشدد في دعم إسرائيل، ويعتقدون أن دعمها لا يكون سياسيًا فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى ما هو ديني، ويرون أن دعمها واجب ديني ومشيئة إلهية، وهاكابي من أبرز المرتبطين بهذا التيار. يؤكد هاكابي في حواره: أنّ الإنجيليين يؤمنون بالكتاب المقدس حرفيًا، ويرون أن قيام إسرائيل له دلالة نبوية. لكنهم أيضًا يؤمنون بقيم الديمقراطية وحرية العبادة، فدعمهم لإسرائيل نابع من قناعة دينية وأخلاقية، وليس فقط من اعتبارات سياسية. يتماهى مع هذا التيار العديد من صناع السياسة في الولايات المتحدة الأمريكية، مما قد يُفهم معه تأخر الرد الأمريكي الرسمي، والذي جاء بعد ضغط عربي بقيادة سعودية، حيث طالب البيان السعودي رسميًا بتوضيح موقف الإدارة الأمريكية، فوزارة الخارجية الأمريكية والسفارة الأمريكية في إسرائيل صرحتا لاحقًا أن الأقوال: “أخرجت من سياقها”، وأنها لا تعكس تغييرًا في السياسة الرسمية الأمريكية. ويشير الى الصراع داخل الحزب الجمهوري بين أجنحة مختلفة حول سقف الدعم الأمريكي لإسرائيل، وموائمة هذا الدعم المطلق لحركة «لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا»، والتي ينتمي إليها كارلسون نفسه. في الوقت نفسه فإن ثمة تصريحات لـترامب نفسه من قبل، أن إسرائيل دولة صغيرة ويريد لها أن تتوسع على حساب الجولان وغزة وغيرهما، لكن كانت تصريحات هاكابي هي الأهم والأجرأ، ولا يمكن عزل هذه التصريحات لهاكابي، وذلك الصمت الأمريكي الرسمي عن تصريحات مهمة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن تأسيس تحالفات إقليمية جديدة، تواجه المحورين الشيعي والسني، كذلك تصريحات ليندسي جراهام مع Hadley Gamble التي أثارت جدلًا واسعًا، وأعادت الجدل داخل الحزب الجمهوري حول مديات العلاقة مع إسرائيل وسقفها وتعارضها مع شعار «أمريكا أولًا».
إذًا نحن أمام مشكلة لاهوتية في الأساس داخل الحزب الجمهوري ونخب الحكم الأمريكية، فثمَّة تيار يجعل أمريكا أولًا وينتقد الدعم المطلق لإسرائيل، وثمَّة تيار آخر يرى الدعم المطلق اللامحدود لإسرائيل بناء على قراءة لاهوتية ودينية صرفة كما أشار هاكابي نفسه في اللقاء. وتنعكس تلك الرؤى المتباينة على السياسة الخارجية عمومًا وملفات الشرق الأوسط على وجه الخصوص، والتي أكد هاكابي أنها منطقة لا يمكن فهمها بالجغرافيا وحدها بعيدًا عن تاريخ الصراع الديني.
خاتمة
يمكن القول إنّ تصريحات مايك هاكابي حول إمكان قبول سيطرة إسرائيل على أراضٍ تمتد «من النيل إلى الفرات» لا يستقيم التعامل معها باعتبارها مجرد زلّة لفظية عابرة أو مجرد استدعاء ثقافي لنصوص دينية قديمة؛ بل هي تعبير عن توتر عميق بين منطقين متعارضين: منطق «الوعد اللاهوتي» ومنطق «الشرعية القانونية الدولية»، بين المقدس والبراغماتي، بين اللاهوت والقانون الدولي المعاصر.
فحين يُستدعى النص المقدس ليمنح الجغرافيا صفة القداسة، تتحول الحدود من كونها ترتيبات تاريخية وقانونية قابلة للتفاوض إلى خطوط عقائدية قطعية لا تقبل المراجعة. وهنا تكمن الخطورة؛ لأن السياسة حين تُحمَّل بأعباء الميتافيزيقا، وتثقل بثقل اللاهوت، وتُقرأ بوصفها تنفيذًا لخطة مقدسة في التاريخ، فإنها تفقد مرونتها، وتصبح أقرب إلى صراع خلاصٍ لا إلى نزاع مصالح.
يُبين التقرير هنا، أن فكرة «إسرائيل الكبرى» ليست قراءة موحّدة داخل اليهودية نفسها، بل هي محل خلاف وتأويل، كما أنها ليست منسجمة مع قواعد النظام الدولي الحديث الذي تأسس بعد حربين عالميتين مدمرتين، على نزع القداسة عن الحدود.
ومن الناحية السياسية، فإن تحويل الدعم لإسرائيل من كونه خيارًا إستراتيجيًا إلى كونه واجبًا أخلاقيًا ذا جذور دينية، يُعيد إنتاج نموذج «اللاهوت السياسي» الذي حذّر منه كثير من الفلاسفة السياسيين، لأنه يخلط بين الإيمان والسلطة، وبين النبوءة والسيادة، وبين العقيدة والقانون.
أما الردود العربية، وعلى رأسها الموقف السعودي، فقد أعادت التأكيد على مرجعية القانون الدولي وحل الدولتين وحدود 1967م، وهو خطاب يسعى إلى تثبيت النزاع في إطاره القانوني والسياسي، لا اللاهوتي والتوراتي. وهذا التمسك بالقانون، رغم هشاشته في موازين القوة، يظل أحد آخر الحواجز أمام انزلاق المنطقة إلى صراعات دينية مفتوحة لا سقف لها، وهو ما يدركه الإستراتيجي السعودي وصانع القرار العربي. في المقابل فإن الحكومة الأمريكية ينبغي أن تُبين موقفها بحسم، كما طالبتها الخارجية السعودية، وألا تكتفي بالصمت المريب في هذه المسألة الشائكة التي تُهدد أمن دول ذات سيادة ومجتمعات عريقة ذات هوية وثقافة وحضارات قديمة ضاربة بجذورها في التاريخ، كذلك فإنه ينبغي على الولايات المتحدة أن تُبين جديتها في مدى فصلها بين السياسي واللاهوتي في هذه القضية، ومن ثمَّ احترامها للقانون الدولي المعاصر والدولة الوطنية الحديثة.
إن الخطر الحقيقي في مثل هذه التصريحات لا يكمن فقط في مضمونها، بل في تطبيع فكرة أن الجغرافيا يمكن أن تُعاد صياغتها بناءً على نصوص مقدسة أو رؤى إسكاتولوجية، فإذا فُتح هذا الباب، فلن يكون منحصرًا على طرفٍ دون آخر، بل سيؤسس لعالم تتنازع فيه المقدسات بدل أن يحتكم إلى القانون.