نفوذ الصين على إيران وحدود قُدرتها على التأثير

https://rasanah-iiis.org/?p=38970

كشفت الحرب الإيرانية عن حجم الدور، الذي تلعبه القُوى الخارجية في الشرق الأوسط مُسلِّطةً الضوء على كيفية إعادة تشكيل تفاعلاتها  مع سياسات القُوى العُظمى المعاصرة، ويُخلِّف عدم الاستقرار الإقليمي تداعيات خطيرة على الممرّات البحرية الحيوية وإمدادات الطاقة والتجارة العالمية؛ ما يؤثِّر بشكلٍ مباشر على الدول الآسيوية المستوردة للطاقة، وفي هذا السياق، تحتلّ الصين موقعًا محوريًا في هذا المشهد سواءً من حيث طبيعة علاقاتها مع إيران أو أولوياتها الإقليمية الأوسع، إذ يمُرّ عبر مضيق هرمز أكثر من خُمس إمدادات النفط العالمية، وهو ما يجعل أيّ اضطراب في هذا الممرّ الحيوي ذا ثِقَل إستراتيجيًا كبيرًا بالنسبة للصين، التي يعتمد اقتصادها القائم على التصنيع على تدفُّقات للطاقة مستقرَّة وبأسعار معقولة. وعلى الرغم من تنويع بكين لمصادر الطاقة وامتلاكها احتياطيات نفطية ضخمة، فإنَّ المخاطر المرتبطة بالمضيق تتجاوز حدود الشرق الأوسط لتلامس أمنها الاقتصادي، لكن وعلى الرغم من مصالحها الواسعة في المنطقة فقد امتنعت الصين حتى الآن عن أيّ تدخُّل عسكري مباشر، مُتبنيةً بدلًا من ذلك مناهج بديلة لحماية مصالحها والتأثير على سلوك طهران وردود فعلها.

ولعقود، استفادت بكين من نظام إقليمي تقود فيه الولايات المتحدة مسؤولية الحفاظ على الأمن الإقليمي، وعليه استغلَّت الصين هذا النظام المدعوم من الولايات المتحدة لتوسيع نفوذها الاقتصادي دون تحمُّل التزامات أيّ تحالف، إلّا أنَّ الحرب الأمريكية-الإسرائيلية-الإيرانية أخلَّت بهذا التوازن المريح، وأدَّت التهديدات بإغلاق مضيق هرمز وتدهور الوضع الأمني، ​​إلى ارتفاع أقساط التأمين وزيادة تقلُّبات أسواق الطاقة العالمية؛ ما فرَضَ تهديدًا صريحًا على المصالح الصينية في المنطقة.

وجاء رد بكين حذِرًا ومتأنِّيًا ومتّسِقًا مع ردودها السابقة، بما يتماشى مع ورقة سياستها العربية الصادرة في يناير 2016م والمتجذِّرة في مبدأي عدم التدخُّل والمنفعة المتبادلة، إذ أدانت الصين الضربات الأمريكية والإسرائيلية باعتبارها انتهاكات للسيادة والقانون الدولي، وحثَّت على ضبْط النفس ودعت إلى اتفاقات فورية لوقف إطلاق النار، وفي الوقت نفسه، تجنَّبت أيّ تدخُّل عسكري علني، وتُبرز دبلوماسية الصين وتنسيقها مع دول إقليمية أخرى خلال الحرب تفضيلها للوساطة غير الرسمية، فالتقارير التي تفيد بأنَّ بكين ضغطت على طهران لقبول وقف إطلاق النار –على الرغم من تجنبها تأكيد أيّ دور علني- تعكس نمطًا من محاولات بكين للتأثير الهادئ في مسار الأحداث.

ويُعَدُّ موقع الصين في مجلس الأمن الدولي، لا سيّما امتلاكها حق النقض (الفيتو)، إلى جانب استمرار تعاونها مع إيران عبر شراء كمِّيات كبيرة من النفط على الرغم من العقوبات أمرًا بالغ الأهمِّية بالنسبة لطهران، فلا تُوجَد دولة أخرى قادرة على استيعاب صادرات النفط الإيرانية بالحجم الذي تستطيع الصين استيعابه؛ ما يجعل بكين شريكًا اقتصاديًا لا غنى عنه، علاوةً على ذلك، سيكون دور الصين حاسمًا بنفس القدر من الأهمِّية في مرحلة ما بعد الحرب، حيث يمكن لدعمها الاقتصادي أن يؤثِّر بشكل كبير على مسار تعافي إيران. ووفقًا للتقارير، يواجه الاقتصاد الإيراني أزمة حادَّة مع توقُّعات بوصول التضخم إلى 68.9% وانهيار الريال الإيراني إلى حوالي 1.32 مليون ريال للدولار الأمريكي، وقد أثَّرت الحرب وحصار مضيق هرمز على صادرات النفط، وقد تُؤدِّي إلى خسارة ما يقرب من 70% من عائدات الصادرات الإيرانية، ووفقًا لتوقُّعات صندوق النقد الدولي، قد تشهد إيران انكماشًا اقتصاديًا بنسبة 6.1% وسط العقوبات واضطراب التجارة، وفي هذا السياق، تنظر إيران إلى علاقاتها مع الصين على أنها بالغة الأهمِّية لاقتصادها.

وتغدو مكانة الصين أكثر أهمِّية في ضوء علاقاتها المتينة مع القُوى الإقليمية والخليجية الأخرى، إلى جانب قدرتها المُثبتة على الوساطة وتخفيف حدة التوتُّرات، وسيكتسب هذا الدور أهمِّية بالغة في سيناريو ما بعد الحرب بعد أن عمَّقت الهجمات الإيرانية على دول الخليج من حالة انعدام الثقة، ولذلك، تتطلَّب جهود إعادة بناء الثقة وجود طرف خارجي يتمتَّع بالمصداقية في الخليج قادر على التواصل المستمرّ مع طهران، ومن ثمَّ، قد يكون للوجود الصيني قيمة خاصَّة، إذ قلَّما تجمع دول أخرى بين هذا النفوذ والدعم الاقتصادي والسياسي المتواصل لإيران، على الرغم من القيود والتحفظات المحيطة بدور بكين.

وعلى الرغم من اتفاقية الشراكة الإستراتيجية بينهما، واجهت علاقات الصين مع إيران العديد من التحدِّيات والقيود، فقد كان نمو الاستثمارات الصينية بطيئًا والتمويل حذرًا والتأسيس المؤسسي محدودًا، وتتناقض هذه القيود تناقضًا صارخًا مع علاقات الصين المتنامية مع المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ودول خليجية أخرى، حيث يتجاوز حجم التبادل التجاري السنوي بين الصين وهذه الدول 100 مليار دولار، ومن الجدير بالذكر أنَّ الصين أدانت هجمات إيران على دول الخليج، وحثَّت على الانخراط في الحوار والدبلوماسية، ويرتكز تقارُب الصين مع إيران إلى حدٍّ كبير على قُدرة إيران على تحدِّي الولايات المتحدة، وقد ظَّل موقف الصين ثابتًا إلى حدٍّ كبير مؤكِّدًا التزام إيران بمعايير عدم الانتشار النووي ومعارضتها لأيّ عمل عسكري أُحادي الجانب، مع ذلك، تتجنَّب بكين عمدًا ممارسة ضغوط علنية على طهران، ويُعَدُّ نهجها مدروسًا، إذ تسعى الصين إلى تشكيل البيئة الدبلوماسية والسياسية الأوسع والتأثير فيها، ويتماشى هذا أيضًا مع محاولات الصين لتقديم نفسها كقوَّة مسؤولة.

ومع ذلك، تبقى قُدرة الصين على التأثير على إيران محدودة بطبيعتها، فنهج السياسة الخارجية الإيرانية مرتبط ارتباطًا وثيقًا برواياتها الداخلية ودينامياتها السياسية الداخلية، وهذا يفرض تحدِّيات وقيودًا هيكلية على الصين في ضمان فهمها لتصرُّفات إيران، علاوةً على ذلك، وفي ظل تصاعُد حدَّة التنافس بين القُوى العُظمى، من المرجَّح أن تعطي الصين الأولوية لحماية مصالحها الإستراتيجية الأوسع؛ ما يجعل من غير المرجَّح أن تؤثِّر على السلوك الإيراني بطرق قد تقوِّض مشاركاتها الإقليمية والعالمية الأوسع.

وفي الوقت نفسه، تبقى عملية صُنع القرار في إيران محكومة قبل كل شيء بهاجس بقاء الدولة؛ ما يحدّ من استجابة طهران لأّي ضغوط وتأثيرات خارجية، بما في ذلك من الصين، وتُدرك بكين هذه الأولوية، لكنَّها لا تزال غير راغبة في دعمها بشكلٍ مباشر من خلال ضمانات عسكرية أو أمنية، بل يتمثَّل هدفها الأساسي في حماية مصالحها الاقتصادية والإستراتيجية، ونتيجة لذلك، تبنَّت الصين نهجًا إقليميًا أكثر دقَّة، مستفيدةً من علاقاتها مع دول مثل باكستان ووسطاء آخرين للعب دور أكثر فاعلية، هذا ويسمح التنسيق مع شركاء مثل باكستان، مع الحفاظ على التواصل مع طهران، لبكين بالتأثير على النتائج دون التزام مفرط؛ ما يعكس إستراتيجية مناورة حذِرة بدلًا من التدخل المباشر. وكان نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الباكستاني، إسحاق دار، قد صرَّح قبل زيارته للصين بأنَّ بكين قدَّمت دعمها الكامل لمبادرة إسلام آباد باستضافة ممثِّلين عن إيران والولايات المتحدة، معتبرةً إيّاها خطوة بنّاءة نحو إنهاء الصراع الطويل، ودعت المبادرة الخماسية، التي اقترحتها الصين وباكستان، إلى وقْف فوري للأعمال العدائية واستئناف محادثات السلام على وجه السرعة وحماية الأهداف المدنية وتأمين الممرّات الملاحية الحيوية (لا سيّما حول مضيق هرمز)، والالتزام بميثاق الأُمم المتحدة كإطار توجيهي لحل النزاعات، ويستند هذا النهج إلى توظيف الدور الوساطي الذي تلعبه باكستان وإلى النفوذ الصيني الأوسع لخلق زخم يسمح بفتح قنوت تواصل بين الولايات المتحدة وإيران مع مراعاة مخاوف دول الجنوب بشأن اضطرابات الطاقة والتجارة، وفي الوقت نفسه، يعزِّز هذا النهج تفضيل بكين للتعدُّدية والنظام القائم على القواعد مع تجنُّب أيّ التزامات أمنية. كما تتواصل الصين بشكل وثيق مع دول الخليج في خضم التصعيدات الأخيرة، وقد انخرط وزير الخارجية الصيني وانغ يي بنشاط في الجهود الدبلوماسية، حيث أجرى مباحثات مع نظرائه في المملكة العربية السعودية وقطر والبحرين والإمارات العربية المتحدة، وحتى الآن، أجرى عشرات الاتصالات الهاتفية المتعلِّقة بهذه التصعيدات مع نظرائه الإقليميين، وباختصار، بينما قدَّمت الصين دعمًا دبلوماسيًا وسياسيًا واقتصاديًا لإيران، فإنها لا تزال تحافظ على موقف الحياد وتسعى إلى تعظيم نفوذها ضمن هذه الحدود.

وفي السياق الراهن، تسعى الصين إلى خفْض التصعيد مع ضمان حماية مصالحها طويلة الأمد في المقام الأول، وعلى الرغم من امتلاك بكين نفوذ هيكلي كبير على إيران من خلال العلاقات الاقتصادية، إلّا أنَّها لا تستطيع توجيه سلوك إيران بشكل كامل، لا سيّما في ظل الصراعات الحادة حيث يُعقِّد بقاء الدولة وبِنية السُلطة الداخلية المعقَّدة في إيران طبيعة السلوك الإيراني، وتُدرك الصين أنَّ أمام إيران خيارات إستراتيجية محدودة، لكنَّها تفتقر إلى القُدرة على التحكُّم الكامل في ردود طهران، وبدلًا من ذلك، تسعى بكين إلى تشكيل البيئة الأوسع، وخلق ظروف دبلوماسية واقتصادية تجعل خفض التصعيد خيارًا أكثر جاذبية لإيران، خاصَّةً في ظل القيود الهيكلية التي تواجهها طهران.

المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
إدارة التحرير