دراسة مشترَكة للباحثَين بالمعهد الدولي للدراسات الإيرانية «رصانة»
د.محمود حمدي أبو القاسم – د.محمد السيد الصياد
مقدمة
على مدى أكثر من أربعة عقود ونصف أثرت أفكار آية الله الخميني حول ولاية الفقيه في مجمل الأوضاع في إيران، حيث حركت مبادئها أمواج الفكر داخل المذهب الشيعي الاثنا عشري المتمحور حول عقيدة الانتظار، فنقلته من طور الكمون إلى الحركة، ومع نجاح الثورة في عام 1979 تحولت الأفكار النظرية إلى أيديولوجيا عابرة للحدود، وأصبح الدين محركًا أساسيًّا للسياسة الداخلية للبلاد وعاملًا حاسمًا في تحديد ملامح سياستها وأولوياتها على الصعيد الخارجي. وكان النظام السياسي الإيراني الذي انبثق عن الثورة بمثابة الرافعة الرئيسية لهذه الأيديولوجيا، وقد صممه الخميني كغاية لا غني عنها للحفاظ على هذا المشروع. وبينما يواجه هذا النظام تحديات مصيرية، على خلفية تدهور شرعيته في الداخل، وتراجع نفوذه في الخارج، ما يعتبره البعض فشلًا ذريعًا للمشروع الإيراني برمته، فإن هذه الأيديولوجيا تواجه هي الأخرى اختبارًا وتحدّيًا وجوديًّا، وذلك بعد أكثر من أربعة عقود نجح خلالها النظام الإيراني في تأطير الشيعة في إيران وخارج الحدود وتوجيههم وفق إملاءات ولاية الفقيه بقراءتها الخمينية، بل تثويرهم وتجنيد جماعات منهم للعمل تحت راية الولاية وتوجهات الحرس الثوري في إطار الحكومة العالمية التي تنشدها هذه الأيديولوجيا. فما تأثير ولاية الفقيه في السياسة الإيرانية؟ وما التحديات التي تواجه أيديولوجيا ولاية الفقيه في إيران وخارجها؟ وكيف يواجه النظام الإيراني تراجع شرعية أيديولوجيا ولاية الفقيه؟ وما مستقبل ولاية الفقيه في إيران؟ وهل تحول مرجعية النجف إعادة التموضع بعد تراجع نفوذ إيران في الإقليم؟ وما مستقبل ولاية الفقيه بعد خامنئي وغياب السيستاني؟
تحاول هذه الورقة استقراء مستقبل ولاية الفقيه ونفوذها الديني والسياسي المهمين على المجال الشيعي داخل إيران وخارج حدودها، وذلك على ضوء المواجهة والتحديات الراهنة التي تواجه النظام الإيراني في الداخل والخارج إثر الحرب التي خاضها مع إسرائيل وتعرض أذرعه الموالية له في الإقليم لضربات قاسية. وتفترض هذه الدراسة بأنه كلما تراجعت شرعية النظام في الداخل، وتآكلت مصادر قوته في الخارج، تراجعت تأثيرات وهيمنة أيديولوجيا ولاية الفقيه في إيران وخارج الحدود، لحساب أفكار تقليدية أو إصلاحية داخل المذهب تحدّ من هيمنة الديني على السياسي والأيديولوجي على الواقعي.
أولًا: مركزية ولاية الفقيه في السياسة الإيرانية
أدّت ولاية الفقيه منذ نجاح ثورة عام 1979 دورًا مهمًّا ومحوريًّا في توجيه السياسة الإيرانية داخليًّا وعلى المستوى الإقليمي وفي تحديد علاقة إيران بالقوى العالمية، فما دور ولاية الفقيه في السياسة الإيرانية؟ يمكن توضيح بعض من جوانب تلك الأهمية والمركزية التى تؤديها هذه الأيديولوجيا على النحو التالي:
1. ولاية الفقيه مرجعيةً للحكم وموجّهًا للسياسات
قدّم الدستور إيران، كنموذج للدولة الآيديولوجية، أو بالأحرى الدينية المذهبية، التي ترتكز على أنها صاحبة رسالة يلخصها تعبير «مبادئ الثورة الإسلامية»، ومن ثم حكمت إسلامية النظام كل مواد الدستور، ويظهر هذا المعنى في عديد من مواده، فأشار إلى أن «الإيمان بالإمامة والقيادة المستمرة يلعب دورًا أساسيًّا في استمرار ثورة الإسلام» (مادة 2)، وإلى أن إحدى غايات الدولة هي «تنمية مكارم الأخلاق على أساس الإيمان والتقوى ومكافحة كل مظاهر الفساد والضياع» (مادة 3)، وإلى وجوب أن تكون الموازين الإسلامية أساس جميع القوانين والأنظمة المعمول بها في الدولة (مادة 4)، وقد جاءت هذه المادة لتضبط وتحكم جميع المواد الأخرى في الدستور. وأقر الدستور بأن مبدأ «الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في جمهورية إيران الإسلامية مسؤولية جماعية ومتبادلة على جميع الناس ممارستها بعضهم تجاه بعض، وتتحملها الحكومة أمام الناس والناس أمام الحكومة» (مادة 8)([1]).
لو اقتصر هذا التفسير على هذه التوجهات لكانت أيديولوجيا إيجابية تتوافق مع مقاصد الشريعة الإسلامية، إلا ان مواد الدستور الأخرى أظهرت النزعة التوسعية لهذه الأيديولوجيا، إذ تنصّ ديباجته على أن «مهمة الدستور هي تحقيق الأهداف الأيديولوجية للحركة وتهيئة الظروف لتنمية الإنسان وفقًا لقيم الإسلام النبيلة والعالمية»، وتوضح أن الوثيقة «توفر الأساس اللازم لضمان استمرار الثورة في الداخل والخارج»، ومن ثم فإن مركزية الأيديولوجيا في الجمهورية الإسلامية واضحة منذ البداية. وتؤكد ديباجة الدستور أن «السمة الأساسية لهذه الثورة، والتي تميزها من الحركات الأخرى التي حدثت في إيران خلال المئة عام الماضية، هي طبيعتها الأيديولوجية الإسلامية»، وتزعم الوثيقة أن الحركات السابقة في إيران فشلت بسبب «افتقارها إلى أساس أيديولوجي» و«خروجها عن المواقف الإسلامية الحقيقية». بالتالي فإن الأيديولوجيا الإسلامية الإيرانية هي جوهر الجمهورية الإسلامية ولا يمكن فصلها عن الدولة الإيرانية([2]).
2. ولاية الفقيه مشروعًا عابرًا للحدود
صيغت الأيديولوجيا الإيرانية التوسعية صراحة في الدستور، إذ يحدِّد الدستور الخصائص الأساسية للنظام الإسلامي الإيراني، ويحدِّد رؤية النظام للعالم. على أساس ذلك رسخ الدستور نموذجًا إسلاميًّا أمميًّا بحيث تكون مهمة هذا الدستور أن «يُعِدّ الظروف لاستمرارية هذه الثورة داخل البلاد وخارجها، خصوصًا من ناحية توسيع العلاقات الدولية مع سائر الحركات الإسلامية والشعبية، إذ يسعى لبناء الأمة الواحدة في العالم: (إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون)، ويعمل على مواصلة الجهاد لإنقاذ الشعوب المحرومة والمضطهدة في جميع أنحاء العالم»([3]).
نقطة الارتكاز في هذا الدستور هي أن إيران أسست جميع قضاياها المحلية والدولية على القراءة الدينية المذهبية الخاصة بها «الولائية»، واستبعاد سواها من القراءات. كانت الإستراتيجية الرئيسية للنظام في القرارات المهمة والحساسة، بخاصة في السياسة الخارجية، تقوم على إعطاء الأولوية «للمبادئ والقيم الإسلامية التي تمثل آمال الأمـة الإسلامية»، كما أن صياغة السياسية الخارجية للبلاد وفق المادة 3 بند 16 تقوم «على أساس المعايير الإسلامية والالتزامات الأخوية تجاه جميع المسلمين، وتوفير الدعم الكامل لمستضعفي العالم»([4]).
وَفقًا لذلك لا ترتبط الأيديولوجيا الإيرانية بإسلامية النموذج الإيراني بقدر ما ترتبط بالتفسير الإيراني لما هو إسلامي، فقد قامت أيديولوجية الحكومة الإسلامية على رؤية الخميني لماهية الإسلام كتطبيق يشمل علاقات المجتمع داخليًّا وخارجيًّا، وقد مثلت الرؤية السابقة مدخلًا أساسيًّا لتبنِّي الثورة الإيرانية منطلقًا فكريًّا وحركيًّا يميل إلى تعريف الدولة كمحرك أو أداة مصدِّرة للأيديولوجيا خارج الحدود كما صرح الخميني في عيد الثورة الأول قائلًا: «سوف نصدر الثورة إلى الأركان الأربعة لأن ثورتنا إسلامية»([5]).
ضمن مهامّ الدستور، تحقيق التضامن بين دول العالم الإسلامي، إذ تنص المادة 11 على أنه «وفقًا للآية الكريمة (إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون) يشكِّل المسلمون أمة واحدة، ويتعين على حكومة جمهورية إيران الإسلامية صياغة سياستها العامة على أساس تضامن الشعوب الإسلامية ووحدتها، ومواصلة السعي لتحقيق الوحدة السياسية والاقتصادية والثقافية للعالم الإسلامي». وهكذا فإن الصورة التي يقدِّمها الدستور هي لدولة صاحبة رسالة تستند إلى أيديولوجيا دينية مذهبية ذات أبعاد عالمية.
3. الولاية بديلًا عالميًّا ومتحدِّيًا للهيمنة
مثلما تُعَدّ أيديولوجيا الثورة الإسلامية الإسلام حلًّا، فإنها تنظر إلى الإمبريالية والغرب على أنهما أصل كل مشكلات العالم الإسلامي، يرى قادة إيران الإمبريالية والغرب وجهين لعملة واحدة ومصدرًا للقمع ضد الإسلام، تنشر هذه النظرة فكرة صراع الحضارات بين الإسلام والغرب، والقيم الغربية المتعارضة ثقافيًّا وأخلاقيًّا مع الإسلام، كما أنها تربط بين الحكم الظالم وما يعدّه غزوًا استعماريًّا، من هذا المنظور فإن علاقة الغرب بالمسلمين ستظل قائمة على أساس الاستغلال.
لهذا أكد الدستور مواجهة القوى الكبرى بوصفها قوى استكبار وهيمنة، وَعَدَّ ذلك وظيفة أساسية لنظام الحكم، إذ نَصّ الدستور في المادة 2 بند 6 على أن النظام الإسلامي الثوري يقوم على «رفض جميع أشكال الاضطهاد، سواء بفرضه أو الخضوع له، وجميع أشكال الهيمنة، سواء بفرضها أو بقبولها»، كما نصّت المادة 3 بند 5 على «طرد الاستعمار كلية ومكافحة النفوذ الأجنبي»، وهو الأمر الذي يعكس طبيعة علاقة النظام الإيراني بالنظام الدولي القائم.
في هذا الإطار ينادى القادة الإيرانيون باستمرار، بمواجهة الهيمنة ومواجهة الإمبريالية مبدأً أساسيًّا في سلوك إيران الخارجي، إذ قال المرشد آية الله خامنئي: «إننا لن نتسامح أبدًا مع السلوك المهيمن… ومواجهة نظام الهيمنة العالمي ونقض معادلة المستكبرين والمستضعفين هو مؤشر لا ينفصل عن دبلوماسيتنا»، فمن وجهة نظر خامنئي كانت ثورة 1979 تدور حول القضاء على نفوذ القوى الأجنبية في إيران([6])، ويؤكد الخميني في مواجهة القطبية الثنائية للعلاقات الدولية: «نحن لا نتوافق مع أي من القوى، لن نكون تحت سيطرة لا أمريكا ولا الاتحاد السوفييتي».
وتُبرِز التصريحات العلنية والإجراءات المؤثرة للخميني وخامنئي وأحمدي نجاد وإبراهيم رئيسي والشخصيات المؤثرة الأخرى (بما في ذلك الرؤساء «المعتدلون» و«الإصلاحيون» هاشمي رفسنجاني ومحمد خاتمي وحسن روحاني ومسعود بزشكيان) التمسك بهذا المبدأ، بحسبان أن الهدف النهائي للثورة الإسلامية هو رفض الخطابات المتعجرفة والهيمنة وتأسيس نظام دولي عادل جديد، إذ اتهم المسؤولون الإيرانيون الأمم المتحدة مرارًا وتكرارًا بأنها أداة في أيدي القوى العظمى، وبدلًا من ذلك حاولوا تنشيط مؤسسات مثل حركة عدم الانحياز لإجراء تغييرات في العلاقات الدولية القائمة([7]).
لهذا أخذ دستور الثورة على عاتقه التخلص من السيطرة الأجنبية بما فيها السيطرة على الاقتصاد وتحقيق الاكتفاء الذاتي، إذ أكدت المادة 43 أن ضمان الاستقلال الاقتصادي للمجتمع، سيكون من خلال «الحيلولة دون وقوع الاقتصاد الوطني تحت السيطرة الأجنبية»، وتأكيد تنمية الإنتاج المحلي «وتحقيق اكتفاء إيران الذاتي وتحريرها من التبعية».
وأكدت المادة 152 مبدأ الاستقلالية في السياسة الخارجية، إذ نصَّت على أن «تقوم السياسة الخارجية لجمهورية إيران الإسلامية على رفض كل أشكال التسلط، سواء ممارسته أو الخضوع له، والمحافظة على الاستقلال الكامل ووحدة أراضي البلاد، والدفاع عن حقوق جميع المسلمين، وعدم الانحياز لأي من القوى العظمى المتسلطة، والاحتفاظ بعلاقات سلمية متبادلة مع جميع الدول غير المعادية»، ونصت المادة 153 على تأكيد مواجهة النفوذ الأجنبي، إذ أكدت أنه «يمنع عقد أي معاهدة تؤدي إلى السيطرة الأجنبية على الثروات الطبيعية للبلاد أو اقتصادها أو جيشها أو ثقافتها أو أي مظهر آخر في حياتها الوطنية».
وفقًا لذلك، خلقت إيران نموذجًا استثنائيًّا لنظامها السياسي ليناسب تطلعاتها الأيديولوجية، وطالما عوَّل النظام الإيراني على تماسكه، وتعدُّد مستويات القيادة به، وتبادل الأدوار بين مؤسساته المتوازية السلطات، وتياراته التي تدور في فلك ولاية الفقيه، كإرث قوى لحماية النظام من الانهيار، وعلى مدار أربعة عقود ونصف، رسَّخ هذا النظام مكانته في الداخل، وهيمن على المجال العام ككل، إذ فُرضت قراءة الخميني نفسها على المدارس الفقهية كافة، كما جرت الهيمنة على الحياة السياسية، عبر التحكم في العملية السياسية برمتها، وذلك من خلال التعبئة الثورية ومزيج من السياسة والقمع، ولم تُستثنَ الثقافة والاقتصاد والمجتمع ككل من سيطرة الفقهاء. حتى زمن قريب كان النظام يحظى بشرعية داخلية معتبرة.
في الخارج، قدمت ولاية الفقيه تصورًا شاملًا للعالم السياسي المثالي والأدوات الكفيلة بتحقيق هذا التصور، وطُرحت كبديل للأيديولوجيات السائدة في ذلك الوقت، وعدَّها الخميني مشروعًا حضاريًّا لإنقاذ الإنسانية، يسعى إلى تغيير الواقع نحو آخَر مثالي، فإيران من خلال هذه الأيديولوجيا رأت نفسها نموذجًا للدولة الأسوة التي يجب أن تقود العالم الإسلامي، ومن ثم حدّدَت من منظور أيديولوجي أعداءها وأصدقاءها على الصعيد الدولي، وتحدت النظام القائم والقوى المهيمنة فيه، كما تحدّت القوى الإقليمية المنافسة لها مذهبيًّا وإقليميًّا، كما كان للأيديولوجيا دور في غلبة نزعة تدخلية في شؤون الآخرين، وهو ما تجسد في عملية تصدير الثورة كأحد أبرز تجليات أيديولوجيا ولاية الفقيه العابرة للحدود، وإلى حد ما نجح النظام في أن يجعل من إيران مركزًا حيويًّا للشيعة في العالم، وتحرك النظام تحت غطاء مذهبي لتحقيق غاياته في قارات العالم، عبر أدوات صلبة وناعمة، وتجلت أبرز نجاحاته في خلق هلال شيعي يربط طهران ببيروت عبر العراق وسوريا، وامتلك نفوذًا حيويًّا في اليمن وفي عديد من المناطق. لكن لم تمر هذه العقود بلا تحديات وعقبات، حتى وصل النظام إلى مفترق طرق، بل أصبحت الأيديولوجيا التي يتبنَّاها أمام مأزق تاريخي، لإثبات مدى قدرتها على البقاء.
ثانيًا: نظام في مأزق وأيديولوجيا على مفترق طرق
هل تواجه ولاية الفقيه مأزقًا؟ يبدو أن إرث ولاية الفقيه في إيران وخارج الحدود وفي مواجهة قوى الهيمنة يواجه تحديات جسيمة، ويمكن توضيح ذلك على النحو التالي:
1. تراجع القراءة الخمينية في المركز
تواجه تحديات دينية ومذهبية «ولاية الفقيه» داخل إيران، فعلى مدار ما يزيد على عقدين سعت إيران لتهميش المدارس والتيارات الدينية الشيعية المتشددة كافة لصالح ولاية الفقيه، لكن يبدو أنه توجد مؤشرات انحسار داخلي،يتمثل في حراك تيار الانتظار داخل حوزة قم نفسها، وتيارات الإصلاح والتنوير في إيران من الداخل أيضًا، فتيار الانتظار يرى النأي بالحوزة وبالمذهب عن السياسة ولا يؤمن بولاية الفقيه، وهو تيار ليس بهامشيّ في قم بل مركزي ورئيسي، وعلى رأسه الوحيد الخراساني، وغيره، بيد أن الدولة تأمن جانب هؤلاء لأنهم وإن بدَوْا معارضين في بعض المواقف فإنهم غير ثوريين، فهم لا يؤمنون بولاية الفقيه في ظلّ غياب المعصوم، ولا يؤمنون بالخروج على الدولة.
أما تيارات الإصلاح والتنوير فهي تيارات ترى إمكانية التفاعل مع الدولة والمشاركة فيها، لا من منظور ولاية الفقيه وهيمنته، بل من منظور ولاية الأمة ومقبولية المؤمنين، أو من زاوية الدولة المدنية والدستورية، على اختلاف بينها. تلك التيارات باتت تمثل عبئًا حقيقيًّا على النظام، سيما بعد فشله العسكري والاقتصادي والسياسي والعنف الداخلي الذي يمارسه ضد الشعب، فأضحى جمهور عريض مقتنعًا بها وبأفكارها، وأنها يمكن أن تمثِّل بديلًا عمليًّا من النظام. ويتعلق أمر مهم بالداخل أيضًا، هو رفض النخبة الدينية الحاكمة إجراء أي مراجعات حقيقية تمسّ البنية الفكرية والفكر الإستراتيجي للنظام الذي بُني عليه منذ عام 1979م حتى الآن.
وبينما يعاني النظام الإيراني هشاشة واضحة، فإن هذه الهشاشة تنعكس على أمر مهمّ آخَر، هو المرتبط بانحسار نظرية ولاية الفقيه في الداخل الإيراني، بعد تهميش الأذرع الخارجية، وإضعافها بشِدَّة. فولاية الفقيه المطلقة هي نظرية شاملة، بحيث لا تحدّها الحدود ولا المذاهب، فهي ليست مرتبطةً بالجغرافيا الإيرانية، أي عابرة للحدود، وبالتالي يسمِّي خامنئي نفسه «وليّ أمر الإسلام والمسلمين»، لا ولي أمر الإيرانيين وحدهم أو الشيعة فقط.
2. تَزعزُع القراءة الولائية في الأطراف
تاريخيًّا يستمرّ التوتر والقلق في النجف من هيمنة الثورة الإيرانية منذ عام 1979م، وسيطرة ولاية الولي الفقيه على المشهد الشيعي، الذي يريد فرض أمر واقع على النجف والعراق بتخليق كيانات موازية وموالية له، فسعت النجف لمواجهة ذلك عبر طريقين: الأول ثباتها على التقليد الشيعي القائل بالانتظار ونقدها لولاية الفقيه، والثاني استحضارها جدلية الاستقلال والتبعية، أي استقلال النجف وتبعية قم للحكومة الإيرانية.
برزت تلك الهواجس أكثر بعد سقوط صدام حسين، ففي سنة 2008م، وفي أوج تأسيس إيران للفصائل الموالية لها بالعراق، أصدر المرجع الفياض (وهو أحد المراجع الكبار بالنجف) بيانًا لطلبة الحوزة يطالب بعدم ارتباط الطلبة الحوزويين بالدولة والأحزاب، قائلًا: «فعلينا جميعًا مسؤولية كبيرة أمام الله تعالى وأمام المذهب، هي الحفاظ على استقلالية الحوزة وعدم ارتباطها بالدولة ولا بالأحزاب السياسية، وكذلك الحفاظ على اعتدالها من شائبة التطرف والانحراف»([8]). ويبدو أنه استشعر التدخل الإيراني مبكرًا بعد سقوط نظام صدام حسين، قائلًا: «ارتباط علماء الطائفة بالدولة وكونهم موظفين لها معناه هو تسليم الحوزة العلمية للحكومة أو الأحزاب مجانًا وجعلها لقمةً سائغةً وأداة لمآربهما من جانب، ومن ثم سقوط قداستهم عند الناس من جانب آخر، وهذه جريمة لا تُغتفر ولا تُحمد عقباها»([9]).
وهذا كله يحيلنا إلى سؤال الاستقلال وهواجسه الذي يشغل النجف طوال تاريخها ثم ازداد هذا الهاجس بعد «الثورة الإسلامية» الإيرانية، ثم ترسخ بعد محاولات الهيمنة على العراق والنجف والحوزة من قبل «الولي الفقيه»، وخلق أذرع ولائية تعمل دون مشورة الحوزة. وهو ما فطن له المرجع السيستاني([10])، فأفتى بأفضلية عدم الصلاة خلف الأئمة المدعومين حكوميًّا: «ننصح المؤمنين أن لا يصلوا خلف من يتقاضى راتبًا حكوميًّا، وليس هذا للقدح فيه والطعن في عدالته، ولكن لتبقى هذه المواقع ومواقف أصحابها بمنأى تامّ عن أي تَدخُّل حكوميّ محتمَل ولو في مستقبل الأيام»([11]).
والحقيقة أنمسألة الاستقلال تمثِّل هاجسًا للنجف لخشيتها من تَقزُّم دورها أمام السلطة الإيرانية التي تملك القوة والنفوذ والمال والإعلام وصناعة المرجعيات في محاولة للهيمنة على النجف. لذا فإن النجف تجهر بمسألة الاستقلال ونبذ التبعية، وانعكس ذلك على طهران التي تخشى بروز أصوات داخلية تطالب علنًا باستقلال الحوزة وتستنكر الهيمنة الحكومية عليها، أو تقارن بين الوصاية الراهنة والاستقلال في عهد الشاه، وهو ما أكده بالفعل محمد علي إيازي عضو مجمع المحققين والمدرسين في الحوزة العلمية بمدينة قم، أنّ فتوى السيستاني المتعلقة بعدم الصلاة خلف الأئمة المدعومين حكوميًّا تأتي في سياق تاريخي من القلق على استقلالية رجال الدين والحوزة العلمية، وهي نصائح ضرورية في نظره([12]).
ويلتفت إيازي إلى شيئين مهمين: الأول أن التدخل الحكومي يضرّ بالحوزة أكثر مما ينفعها، ويصرف الناس عنها، والثاني أن الظاهرة ليست وليدة عهد خامنئي بل منذ عهد الخميني، بما يعني أن «الثورة الإسلامية» أفقدت الحوزة استقلالها واستتبعتها، وجعلتها مؤسسة من مؤسسات الدولة، بعد أن كانت مستقلة في عهد الشاه نفسه. كذلك فإنّ الأمر المقلق للنظام الإيراني هو احترام رجال قم وعامة «الإصلاحيين» و«الانتظاريين» للمرجع السيستاني بالعراق، فيقول إيازي: «إنّ السيستاني أحدُ المراجعِ العظام في إيران، ويحظى باحترامٍ واسعٍ سواء من مقلّديه أو من غيرهم، وهذا يمنحه قدرةً خاصة على التأثير في روحانية المجتمع». ثم ربط إيازي بين دعوة السيستاني لاستقلال الحوزة ودعوة مراجع آخرين سابقين لهم مكانة في إيران مثل منتظري، ومحمد رضا كلبايكاني، وغيرهما. لكن هذه الدعوات الداخلية واجهها النظام على أنها تمرد أو انشقاق، وواجهها النظام بقوة وأحيانًا بعنف، بيد أن إيران الرسمية هذه المرة لاذت بالصمت أولًا لمكانة السيستاني في العالم الشيعي، وثانيًا لأنها تفرض سياسة الأمر الواقع.
والواقع أن بين النجف وقم صراعًا قديمًا وتنافسًا حادًّا، وليس هذا التنافس مبنيًّا على اختلاف مصالح الفاعلين فحسب، وإن كان ذلك مركزيًّا لا يمكن إغفاله، بيد أنَّ الخلاف العلمي بين الجانبين بات جوهريًّا منذ صعود الخميني وقوله بولاية الفقيه المطلقة، ثم الخلاف الشهير بين زعيم حوزة النجف آية الله الخوئي والخميني بسبب القول بولاية الفقيه ومحاولة الولي الفقيه تعزيز هيمنته ووصايته أو ما يسميه ولايته على عموم الجماعة الشيعية. لكن ينبغي التنويه بأن مصطلح «حوزة قم» هنا فيه شيء من المجاز، فليست قم كلها مع ولاية الفقيه أو قائلة بها، لذا فإن الثنائية ليست بين النجف وحوزة قم كلها بل بين النجف والولائيين «القائلين بولاية الفقيه» في قم أو النخبة الدينية الحاكمة في طهران.
ومن ثم فنقد السيستاني أو الفياض وجملة مراجع النجف تثير الإيرانيين وتغضبهم لأنها وإن كانت متعلقة باستقلال الحوزة عمومًا بلا تحديد، فإن الجماعة الشيعية تدرك التدخلات الحكومية الإيرانية في قلب الحوزة وتوجيه رجال الدين، وتعيين الأئمة والخطباء وتحديد الموضوعات لهم([13]). بالتالي يأتي هذا النقد لصالح مركزية النجف، ومن ثم جذب الجماعة الشيعية وحواضن التقليد إلى النجف، مع ما في ذلك من انعكاس على سمعة قم وصورة النظام الإيراني الذي نفى التدخل في عمل الحوزة، وهو ما تدركه النخبة الحاكمة في طهران([14]). أما «الإصلاحيون» الشيعة في الخارج، فقد تجاوزوا ولاية الفقيه إلى التنظير للدولة المدنية والدستورية أيضًا، وبالتالي تخشاهم السلطة في طهران بسبب وجود نظائر لهم في الداخل الإيراني، وخشية انعكاس ذلك التأثير في المجال الشيعي برمته.
3. إشكالية الخلافة والفراغ المتوقع
عامل داخلي أشدّ خطورة وأكثر خطرًا، ويهدِّد النظام بل الدولة الإيرانية في صيغتها «الإسلامية المعاصرة»، هو هشاشة المشروع وشيخوخة النظام وكوادره ومنظِّريه، وعدم قُدرة نُخَب الحُكم على إفراز أفكار جديدة وجيل جديد يؤمن بالثورة ومبادئها، أو يحمل الراية من بعده. فمعظم قادة المؤسَّسات تَقدَّم بهم العُمر، وما عادوا قادرين على الإبداع والتجديد، فضلًا عن الفجوة الكبيرة بين جيل الشباب والنساء وجيل الثورة، الذي لا يزال يمسك بزمام الحُكم منذ الثورة حتى اليوم.
وعندما تولَّى هذا الجيل حُكم إيران بعد الثورة، كان جيلًا شابًّا يمكنه الفعل الثوري والحركي، أمّا هذا الجيل بعد أكثر من خمس وأربعين سنة، والذي بلغ معظم رجالاته التسعين من العُمر أو قريبًا منها، فإنَّ فعله الثوري لم يعُد ثوريًّا في حقيقة الأمر، بل أحدث اضطرابًا وقلقًا وفوضى في الإقليم كلّه، لا في إيران وحدها. وبات الشباب الإيراني من الجيل المعاصر أشدّ كُفرًا بالثورة ومبادئها، كتصديرها، والاستثمار بمليارات الدولارات لدعم ميليشيات خارجية في وقت يعاني فيه الإيرانيون تضخمًا شديدًا وأزمة اقتصادية جارفة، علاوةً على فساد نُخَب الحُكم ورجال الدين، الذي يتجلَّى يومًا بعد يوم. بالتالي لا يمكن الحديث عن ثورة أو زخم ثوري أو مشروع أيديولوجي لهذا الجيل، الذي ما رأى من نتائجها إلّا الأعباء الحياتية المرتفعة، والتشدُّد الديني، والاهتمام بالقشور دون الأُصول في التدبير والفقه والاقتصاد.
مسألة أخيرة متعلقة بالداخل والخارج، هي خلافة المرشد كتحدٍّ جوهري مؤثِّر في المشهد السياسي في إيران وخارجها، فالمرشد الإيراني علي خامنئي من مواليد 1939م، أي إنه في السادسة والثمانين من العمر، وتحيط بمسألة خلافته حالة من الغموض لا سيما بعد مقتل أو اغتيال الرئيس السابق إبراهيم رئيسي في مايو 2024م، وكان أبرز المرشحين لخلافة خامنئي، وهو ما يجعل الخلافة قضية معقَّدة قد تؤثر في استقرار النظام، خصوصًا في ظل الصراع بين التيارات السياسية، والمرحلة الانتقالية التي يمرّ بها النظام، والتحديات التي يواجهها وشرعية النظام التي تبدو عند أدنى مستوياتها منذ الثورة.
4. تآكل النموذج السياسي في الدولة الراعية
بدأ بعض علامات تَصدُّع النظام يظهر بقوة خلال الفترة الأخيرة، على عدة مستويات، بما يؤكِّد تراجع شرعية هذه الأيديولوجيا. في البداية، يمكن الإشارة إلى الانقسام السياسي الراهن بين التيارات السياسية المؤمنة بولاية الفقيه، والفجوة الكبيرة والاتهامات المتبادلة بين «الإصلاحيين» و«المحافظين»، حول المسؤولية عن الأوضاع المتدهورة التي وصلت إليها البلاد، والتي طالت المرشد نفسه، وشارك في الحملة رموز مهمة من المحسوبين على النظام، منهم الرئيسان السابقان محمود أحمدي نجاد وحسن روحاني. بل طالب بعضهم بالانتقال من نموذج التفكير والممارسة السياسية القائمة إلى منهج جديد مختلف في الأسس والمرجعيات وآليات العمل. وهكذا لم يعُد النقد مقتصرًا على المعارضة المهمشة بالأساس، بل جاءت الانتقادات من قلب النظام، وتزايدت حدته بعد الهجوم الأمريكي الإسرائيلي الأخير على إيران، ويعد هذا الوضع أحد مؤشرات ضعف النظام بعد أكثر من أربعة عقود ونصف من وجوده([15]).
من جهة ثانيةأدَّت عقود من الحكم الاستبدادي والقمع وسوء الإدارة الاقتصادية، إلى خيبة أمل واسعة النطاق، لا سيما بين الشباب الإيراني، وإلى تدهور العلاقة بين الدولة والمجتمع. وتعكس دورات الاحتجاج، كتلك التي شهدتها إيران في أعوام 2009، و2017-2018، و2022، مطالب مستمرة بالإصلاح السياسي، وتعزيز الحريات المدنية، وإعادة الاندماج الدولي([16]). وقد أدَّت الأزمة الاقتصادية الإيرانية، التي تفاقمت بفعل العقوبات الأمريكية والمشكلات الهيكلية التي تعانيها البلاد، إلى مزيد من التذمر، وتسببت أخيرًا في دورة جديدة من دورات الاحتجاج يزيد زخمها، في وقت عصيب يمر به النظام الإيراني ونموذجه الأيديولوجي، وترتفع فيها نداءات شعبية تعكس انهيار الثقة بالنموذج ورفض لإملاءاته الأيديولوجية إذ يرفع المتظاهرون شعارات «الموت لولاية الفقيه»، و«لا غزة ولا لبنان، فلتكُن حياتي فداءً لإيران»… في إشارة حاسمة إلى مأزق ولاية الفقيه في الداخل والخارج([17]).
5. انكفاء الجماعات التابعة خارج الحدود
في ديناميات الصراع تَغيُّر منذ السابع من أكتوبر 2023م، فما بعده ليس كما قبله للأمريكان والإسرائيليين، وبالتالي للإيرانيين، فقد اتُّخذ قرارٌ بتغيير سلوك النظام عبر القوة، ولو أدَّى الأمر إلى مواجهة حاسمة في المركز نفسه، كما حدث بالفعل وقد يتكرر. إضافة إلى مقتل عدد كبير من قادةٍ حركيين ودينيين وعسكريين مقرَّبين من طهران منذ السابع من أكتوبر، مثل حسن نصر الله وهاشم صفيّ الدين وفؤاد شكر وهيثم الطباطبائي، وإسماعيل هنية وصالح العاروري ويحيى السنوار، ومن قبل هؤلاء وبعدهم مقتل عدد كبير من الجنرالات والمستشارين العسكريين الإيرانيين في سوريا، واستهداف بعضهم في اليمن. وأدَّت كل تلك الأحداث إلى إظهار مدى هشاشة المشروع الإيراني، وعدم قُدرة الإيرانيين على الرد، أو حتى صياغة إستراتيجية تحفظ مشروعهم، الذي استثمروا فيه مليارات الدولارات، واستغرقوا أكثر من أربعين سنة، بلا رغبة من عموم الشعب الإيراني.
لا شك إن هذه الولاية، التي امتدَّت إلى العراق ولبنان وسوريا واليمن، ومجموعات في باكستان وأفغانستان، تعرضت لهزّات عنيفة في لبنان وسوريا والعراق واليمن. فسوريا كمثال، هي الدولة الأهمّ لإيران، فهي محاذية لإسرائيل، وهي معبر حيوي ورئيسي يربط بين طهران وبيروت، بالتالي، فإنَّ فقدان سوريا يمثِّل ضربةً إستراتيجية لإيران، وكذلك إضعاف حزب الله بقوَّة في الحرب الأخيرة، وضرب حركتَي حماس والجهاد، وكذلك ضغط مرجعية النجف على الميليشيات العراقية، بمطالبتهم بتسليم السلاح للدولة والضغط عليهم من فاعلين دوليين وإقليميين. كل ذلك يؤدِّي إلى الانتقاص من شمولية ولاية الفقيه ولا محدوديتها، بل وسُمعتها بين الجماعة الشيعية، فالصدمات والهزائم بطبيعتها النفسية تعقبها انتقادات داخلية واتّهامات مُتبادَلة. فالوليّ الفقيه كان يعتمدُ على تلك الأذرع، للهيمنة وبَسْط ولايته، وممارسة العُنف والقوَّة، أمّا اليوم فباتت ولايته شبه محصورة في الداخل الإيراني، بل حتى الداخل الإيراني نفسه يشهد خلافات كبيرة، وترتيبات ما بعد خامنئي، وفوز «الإصلاحيين» بمقعد الرئاسة وطموحهم إلى تغيير تركيبة الحُكم بعد خامنئي. وبالتالي، يتجلَّى هذا المأزق الكبير، الذي تمُرّ به النظرية.
6. تراجع أمام القوة المهيمنة
بعد عودة ترامب إلى البيت الأبيض أعادت واشنطن العمل بسياسة الضغوط القصوى، وركزت العقوبات والضغوط على صادرات النفط من أجل حرمان إيران أهم مورد اقتصادي. في مضمونها تشير العقوبات الأمريكية إلى رغبة أمريكية في ممارسة مزيد من الضغوط على إيران، والاستفادة من الأوضاع الاقتصادية المتدهورة بعد الحرب من أجل خلق مزيد من التحديات الاقتصادية والمعيشية، والتركيز بالأساس على قطاع النفط والبتروكيماويات، باعتبار أنها المجالات التي توفر لإيران عوائد مالية تغطي بها احتياجاتها الأساسية([18]). ومؤخرًا استخدمت الدول الأوروبية الثلاث الأعضاء في الاتفاق النووي 2015 آلية «سناب باك»، وبموجب ذلك استُعيدت العقوبات الدولية على إيران بنهاية سبتمبر 2025، وهو ما كان له صدى مؤثر على الوضع الاقتصادي الداخلي، ووصول سعر الريال الإيراني إلى أدنى مستوى له، فضلًا عن عودة العقوبات الخاصة بحظر الأسلحة وقيود على برامج إيران الصاروخية والنووية، وهو ما قد يعرقل حركة إيران وتعاونها على الصعيد الدولي([19]). تفرض هذه الضغوط الاقتصادية تحدِّيًا أمام النظام الإيراني في الداخل حيث تتراجع شرعيته، كما يواجه مزيدًا من العزلة والضغوط في الخارج بما يحبط طموحه الخارجي.
من جهة أخرى تُصِرّ الولايات المتحدة ومعها إسرائيل على تصفية البرنامج النووي الإيراني، ومتابعة سياسة «صفر تخصيب» تجاه إيران. ولعل هذا كان سببًا رئيسيًّا في الضربة العسكرية الأخيرة التي وُجّهَت إلى إيران، بعدما رفضت التنازل عنه([20]).
وما تزال الولايات المتحدة ترفض بدأ المفاوضات من دون استسلام إيران لشروطها، بعدما اطمأنت إلى أنها أبعدت إيران عن العتبة النووية، ودمرت قدرتها على تحقيق اختراق نووي في الأجل القريب، لكن من جانبها تتابع إيران سياسة التعتيم النووي([21])، وهذا الأمر قد يعرِّضها لمزيد من الضغوط الأمريكية وربما العودة إلى العمل العسكري، وقد لا تتوقف العملية العسكرية على مجرد الضغط على إيران بل قد يكون تغيير النظام ضمن بنك الأهداف الأمريكية في أي صراع قادم. تشير تصفية البرنامج النووي بالقوة أو من خلال المفاوضات إلى تحطيم المبادئ الأيديولوجية التي استند إليها النظام الإيراني، بما في ذلك الاستقلالية ورفض الهيمنة والاعتزاز الوطني بالذات والتقدم العلمي الذي أثبتته المعرفة النووية.
7. بيئة جيوستراتيجية مناهضة لولاية الفقية العابرة للحدود
تشير التطورات الإقليمية إلى تطلعات أمريكية إسرائيلية من أجل إحداث تغييرات لإعادة تشكيل البيئة الإستراتيجية في المنطقة في غير صالح إيران، في ما يُعرَف بالشرق الأوسط الجديد، في سياق ذلك هناك محاولة من أجل استعادة مسار «إبراهام» وتوسيع اتفاقيات السلام بين إسرائيل والدول الخليجية، وهو ما يشكِّل تهديدًا لإيران من جهة الغرب، كما قد تصل الاتفاقيات إلى بعض دول آسيا الوسطي ودول القوقاز بما يشكل تهديدًا آخَر لإيران من جهتَي الشرق والشمال، بل قد تنضمّ دول إسلامية أخرى كإندونيسيا إلى المسار، وهو ما يحدّ من حركة ونفوذ إيران على الساحة الإسلامية. وقد يفتح وقف إطلاق النار في غزة الطريق نحو العودة لدفع مسار التنمية وطريق الهند الشرق الأوسط أوروبا، إذ ما تزال الولايات المتحدة تعوّل على هذه المبادرة من أجل عملية احتواء وتغيير جوهري في الشرق الأوسط، من شأنه أن يحفظ للولايات المتحدة نفوذها، ومواجهة النفوذ الصيني، وقطع الطريق على مبادرة الحزام والطريق، بلا شك يضر هذا بإيران، لأنها ستصبح معزولة اقتصاديًّا كما هي معزولة دبلوماسيًّا.
والحاصل، والذي يمكن قوله مما فات كله، أن الشرعية السياسية والدينية لولاية الفقيه تأثرت كثيرًا، جراء فشل النظام أولًا في تحقيق طموحات الإيرانيين، وجراء قراءته الدينية المخالفة للخَطّ الموروث في المذهب، فسهل انتقاده من خصومه، والتشكيك فيما اعتبره ثوابته أو ما جعله من أصول المذهب.
ثالثًا: سياسة الدفاع عن الولاية وتحديات الفاعلية
باتت الهوية الأيديولوجية هي المصلحة الوطنية العليا لإيران، وفي قلب هذا تقدمت أولوية الحفاظ على هذه الولاية والنموذج السياسي الذي انبثق عنها، ممثَّلًا في الجمهورية الإسلامية، أي أولوية حماية القيم الأيديولوجية والدينية في سلوك السياسة الخارجية كهدف لا نزاع بشأنه، استنادًا إلى ذلك فإن سياسة إيران اعتمدت على الملاءمة أو ما يُعرَف بالمرونة كمعادلة أساسية للحفاظ على النظام الإسلامي في مواجهة التحديات. وعلى الرغم من أن إيران كانت لديها تحولات براغماتية في توجهات السياسة الخارجية في بعض الحالات، فإن جوهرها الصلب وسلوك السياسة الخارجية غير المتغير لا يزالان أيديولوجيا، لذلك، في مواجهة العقبات أو القيود التي تحول دون تحقيق أهدافها ومُثُلها الأيديولوجية، يميل جهاز صنع السياسة الخارجية والقيادة الإيرانية إلى تَبنِّي نهج تكتيكي في شكل سياسة خارجية عملية، في ظاهرها براغماتية لكن أساساها حماية الأيديولوجيا من الانهيار. يوضح هذا النهج كيف تتحرك إيران للدفاع عن أيديولوجيتها ونفوذها، ويمكن توضيح بعض ملامح سياسة النظام الإيراني للدفاع عن بقائه وبقاء أيديولوجيته على النحو التالي:
1. إدماج الهوية القومية لاستيعاب تراجع الشرعية في الداخل
رغم الانقسام يحاول النظام الإيراني تحقيق التماسك بين مكوناته وتوحيد خطابه، بجانب محاولاته استيعاب الخلافات الداخلية (تارة بالحوار وتارة بالعنف)، لا سيما من جانب الإصلاحيين الذين يطالبون النظام بتغيير سياساته الخارجية بما في ذلك سياسته الإقليمية، التي يري البعض مردودها سلبيًّا على إيران. كما يسعى للحفاظ على وحدة الجبهة الوطنية التي تعززت خلال الحرب، عبر بثّ خطاب قومي بدلًا من أي خطاب أيديولوجي غير متفق عليه، ورغم هوية النظام الدينية، فإنه طالما اعتمد على توظيف البعد الفارسي في سياساته، باعتبار أنها أحد الروافد الرئيسية للهوية الإيرانية، التي ما تزال تلقى جاذبية لدي قطاع غير قليل من الإيرانيين، وقد كانت الحرب مناسبة مهمة لرفع شعارات عابرة للخلافات، وقد حاول النظام، بما في ذلك المرشد، توظيفها في الخطاب السياسي من أجل تعزيز الشرعية وتَجنُّب المساءلة والضغط باعتبار أن اللحظة وطنية بامتياز.
2. تعزيز قدرات الصمود والردع لمواجهة الحملات الخارجية
بينما تحاول الولايات المتحدة كسر إرادة إيران من خلال العقوبات والضغوط، فإن النظام الإيراني يتابع سياساته الاقتصادية الراسخة المستندة إلى أساس أيديولوجي والمتمثلة في: الاعتماد على الذات، والتركيز على الإنتاج المحلي وتوفير السلع الأساسية داخليًّا، والعمل على تحسين إدارة العملة، ودبلوماسية الجوار الاقتصادية، والتحرك بعيدًا عن الغرب، والتوجه نحو الشرق، وتكثيف التعاون مع القوى المناهضة لواشنطن. وهي إستراتيجيات وسياسات صُمّمَت من أجل التغلب على القيود والضغوط والعقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة على إيران([22]).
من جهة ثانية يُعيد النظام ترتيب وضعه العسكري لمواجهة تحدي البقاء، إذ سارع بإعادة هيكلة مجلس الدفاع الوطني، لإعداد القوات المسلحة للردّ السريع في حالة تَجدُّد العدوان أو حتى اتخاذ إجراءات استباقية، بلا حاجة إلى مداولات بين جهات متعددة([23]). كذلك عمل النظام على ترميم خسائره وتعويض مخزونه من الصواريخ بل تطوير بعضها، وتَبنِّي إستراتيجية لإخفاء عملية التصنيع بما في ذلك إنشاء مصانع خارج الحدود في أكثر من دولة، وذلك لإضعاف قدرة إسرائيل على معاودة استهداف البرنامج الصاروخي وإضعاف قدرة إيران. وقد ناقش مجلس الشورى توفير مبالغ أكبر من العملات الأجنبية لإصلاح الأضرار التي لحقت بأنظمة الدفاع الجوي. كما يسعى النظام لشراء أنظمة دفاع جوي من الصين وروسيا، ويسعى لتنفيذ اتفاقيات سابقة مع هذه الدول، كما يشمل النقاش شراء طائرات مقاتلة من مورِّدين أجانب، إذ اتخذت هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة خطوات بالفعل([24]).
3. الدفاع عن النفوذ والتمسك بالولاية الإقليمية
لا يمكن لولاية الفقيه البقاء بلا سياسة خارجية نشطة، وإلا فإنها تفقد شرعيتها وتخلو من مضمونها، لهذا نلحظ ردود فعل إيران على تراجع نفوذها السياسي والديني في عدة اتجاهات، ففي مواجهة الشرق الأوسط الذي يُعاد تشكيله تحاول إيران أن تحتفظ بنفوذها السياسي والعسكري من خلال استمرار التنسيق وتقديم الدعم للجماعات الشيعية المحسوبة عليها، وفي سياق ذلك أعادت تشكيل بنية مؤسساتها والدفع بشخصيات وازنة لتناسب هذا الهدف، كما جرى مع تشكيل مجلس الأمن الوطني لتوحيد الخطة الدفاعية عن بالبلاد، والاستعداد لمواجهة إسرائيل بسياسة منسقة داخليًّا ومع محورها الإقليمي، كما دفعت بشخصيات سياسية وازنة على غرار علي لاريجاني وأسندت إليه مهمة التواصل مع محور إيران الإقليمي، والتنسيق معه لمواجهة المخطط الأمريكي والإسرائيلي لإضعافه، من أجل مقاومة الضغوط التي تستهدف استئصاله ونزع سلاحه. وما تزال إيران تمتلك القدرة على إعادة تشكيل محورها، بالنظر إلى قوة شبكتها الأيديولوجية، كما يمكنها أن تموِّل الجماعات المسلحة التابعة لها في ظلّ مساعدة الصين وروسيا لإيران، لا سيما في التغلب على العقوبات النفطية، فوفقًا لوزارة الخزانة الأمريكية، حوّلت إيران ما يقرب من مليار دولار إلى حزب الله منذ وقف إطلاق النار، في مؤشر على هذا الاتجاه.
4. التوجُّه شرقًا والتحرُّك بعيدًا عن الغرب لمواجهة الهيمنة
رغم أن مبدأ «لا شرق ولا غرب» يتعارض مع واحد من مبادئ الأيديولوجيا الإيرانية، مع ذلك تعوِّل إيران على علاقاتها مع روسيا والصين وشراكتها الإستراتيجية معهما في إطار الملاءمة والمرونة لتفادي الانهيار، فضلًا عن تعميق العلاقات الأمنية والاقتصادية من أجل تخفيف وطأة الضغوط الغربية والأمريكية، وتنسِّق إيران مواقفها مع البلدين بشأن البرنامج النووي في ظلّ المساعي الأمريكية من أجل حرمان إيران من حقِّها في تخصيب اليورانيوم على أراضيها. كما تسعي إيران بعد الحرب الأخيرة لتعزِّز التعاون الأمني والدفاعي، بما في ذلك تعزيز قدرات الدفاع الجوي لديها لا سيما بعد حالة الانكشاف التي تعرضت لها أجواؤها في الحرب الأخيرة. ولا شك يفتح البلدان لإيران المجال للانضمام إلى التكتلات الدولية الناشئة كبريكس وشنغهاي، وذلك من أجل كسر العزلة الدولية المفروضة على طهران، وتطوير مسارات تجارية ومالية بديلة لا تخضع للسيطرة الأمريكية، وهو جهد يشترك فيه البلدان مع إيران من أجل تقويض تأثير العقوبات الأمريكية وكذلك تقويض مكانة الدولار([25]). ولا تكتفي إيران بتكثيف حضورها في فضاء بريكس وشنغهاي، بل تحرص على حضورها بين دول منظمة عدم الانحياز، ومع القوى المناهضة لواشنطن في إفريقيا وأمريكا اللاتينية([26]).
5. التمسك بالمشروع النووي
بعد الحرب الأخيرة لجأت إيران إلى سياسة التعتيم النووي بدلًا من سياسة الغموض التي تابعتها قبل الحرب، مستغلة حالة عدم اليقين بشأن مخزونها من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% الذي يبلغ 400 كيلوجرامًا. يدعم خامنئي نفسُه هذه السياسة، فيقول: «يزعم الرئيس الأمريكي بفخر أنهم قصفوا ودمروا الصناعة النووية الإيرانية. حسنٌ، استمروا في الحلم!»([27]). على الأرجح تسعى إيران من وراء هذا التعتيم لتخفيف وطأة الضغوط الأمريكية والمطالب بشأن «صفر تخصيب»، بمعني محاولة تعزيز موقفها على طاولة المفاوضات، وتبرِّر إيران ذلك السلوك بأنه نوع من التنازلات التكتيكية التي قد تفرضها المصالح الواقعية. في سياق ذلك أيضًا تلوِّح إيران من وقت إلى آخَر من خلال جهود برلمانية أو تهديد شخصيات محسوبة على النظام، بأنها سوف تنسحب من معاهدة الانتشار النووي، وهو ما يعنى أن النظام رغم تَعرُّضه لضغط غير مسبوق قد يُنهِي وجوده، غير أنه ما يزال متمسكًا بالبرنامج النووي مصدرًا للفخر والاعتزاز الوطني والمعرفة التقنية([28]). مع ذلك، في إطار المرونة الإستراتيجية يصرِّح النظام بقبول المفاوضات، لتفادى سلوك ترامب غير المتوقع، وقد تزيد وتيرة هذه السياسة بعد تهديد ترامب لإيران، بالتدخل في إيران على غرار الإطاحة بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وإلقاء القبض عليه، بل محاكمته في الولايات المتحدة، لا سيما أن فنزويلا تُعتبر حليفًا لإيران وضمن محور تعتبره الولايات المتحدة مناهضًا لقيادتها وهيمنتها الدولية.
6. تحديات التكيف والاستمرارية
على الرغم من أن النظام الإيراني يمتلك خبرة طويلة في التغلب على التحديات، فضلًا عن أن إيران دولة تتمتع بعمق حضاري وخبرة ممتدة تسمح لها بالصمود، فالحقيقة أن النظام يواجه تحدِّيًا يتعلق بشرعيته ووجوده، هذا التحدي داخلي، تآكل فيه المشروع، وضعف ولاء الإيرانيين له، في ظلّ أوضاع داخلية تتجه نحو مزيد من التدهور، وقدرة أقل على الصمود.
حقيقيٌّ أن حرب الاثنَي عشر يومًا أشعلت لحظة من الوحدة الوطنية([29])، إلا أن هذا التضامن كان مؤقَّتًا، إذ لم تلبث الاحتجاجات أن عادت إلى الواجهة، ويشير ذلك إلى أن علاقة النظام بمجتمعه دخلت مربع انعدام الثقة، خصوصًا أن النظام يعتمد على القمع بدلًا من الرضا الشعبي لامتصاص مطالب المجتمع([30]). وقد يجد النظام صعوبة في التكيف مع التطورات المتلاحقة التي تهدده.
ومع أن النظام الإيراني يقلِّل من شأن تأثير العقوبات الأمريكية وكذلك العقوبات الدولية، ويرى البعض داخل إيران أن عودة العقوبات الدولية تأثيرها نفسي أكثر منه واقعيًّا، وأنها تفتقر إلى أي بُعد عملي أو تنفيذي حقيقي، باعتبار أنه لن يكون تأثير كبير على مبيعات النفط، المصدر الرئيسي للدخل القومي في إيران، كما قد يقدِّر البعض وجود فرصة لدى إيران للتغلب على الوضع الاقتصادي المتدهور في ظل المنافسة العالمية الراهنة وخبرتها الطويلة في مواجهة الإجراءات الأمريكية والغربية، لكن في الحقيقة أظهرت التجربة السابقة أنه يمكن لإيران تحييد تأثير العقوبات بالكامل بالاعتماد على القدرات المحلية، أو ما يُعرَف باقتصاد المقاومة، كما لا يمكنها التعويل بالكامل على روسيا والصين، إذ إن دعمهما لإيران يخضع لاعتبارات خاصة ولموازنة علاقاتهم مع الغرب، لهذا من المتوقع في أي وقت أن تتأجج مشاعر الغضب والاحتجاجات في وجه النظام، والشواهد على ذلك عديدة متكررة خلال السنوات السابقة.
وقد تسيء إيران تقدير قوتها بناء على مجريات الحرب الأخيرة عندما خلقت من خلال صواريخها توازنًا في الردع مع إسرائيل، أو ردَّت على الاستهداف الأمريكي للمنشآت النووية باستهداف قاعدة العديد في قطر، لكن في الواقع يُوجَد خلل كبير في ميزان القوة بين إسرائيل وما تسميه «قوى الاستكبار»، وقد يكلِّف ذلك النظامَ بقاءه إذا توفرت بالفعل إرادة أمريكية حقيقية في المستقبل من أجل دفع عملية التغيير في إيران، خصوصًا في ظل السياسة المتشددة التي تنتهجها الولايات المتحدة وإسرائيل تجاه إيران وتجاه محورها الإقليمي، والتعويل على عملية تغيير جوهري في البيئة الإستراتيجية في الشرق الأوسط عبر القضاء على أذرع إيران وإضعاف نفوذها، بل ربما الدفع نحو تغيير النظام، وهو أمر غير مُستبعَد في ظل سياسة التحوط والتعتيم النووي التي تتبعها إيران.
والواقع أن إيران فقدت فاعلية محورها الإقليمي، وتعرضت ولايتها الإقليمية للانهيار وعدم الفاعلية، وتبدو الأزمة أكبر من أن تحتويها التغييرات في السياسة والنهج والشخصيات أو حتى الدعم المادي، إذ اجتمع السخط الشعبي من إيران ونفوذها في مناطق نفوذها في العراق وسوريا واليمن ولبنان، مع نهج دولي وإقليمي تقوده الولايات المتحدة وإسرائيل من أجل وضع حد لدور إيران الإقليمي، وهذا النهج يبدو إستراتيجيًّا ومستمرًّا، إذ تواصل إسرائيل الضربات العسكرية على حزب الله لحرمانه من استعادة قوته، وتضغط واشنطن لإدماج الميليشيات العراقية، وإبعاد العراق عن نفوذ إيران بصورة أكثر عمقًا، ناهيك بسوريا التي تغيرت وجهتها نحو الغرب بعد سقوط الأسد، ويبدو أن الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال ضمن أهدافه مواجهة الحوثيين ونفوذ إيران في منطقة البحر الأحمر.
رابعًا: آفاق المستقبل
ربما كان السؤال الأكثر إثارة خلال المرحلة الراهنة هو: ما مستقبل ولاية الفقيه في إيران؟
في إطار الإجابة عن هذا السؤال يمكن تحديد احتمالات ثلاثة لمستقبل النظام الإيراني وإستراتيجيته في الإقليم، وكذلك مستقبل «ولاية الفقيه» نظريةً للحكم ومحرّكًا للفعل، وما يرتبط بها إقليميًّا من نفوذ إيراني على النحو التالي:
1. الاستمرارية وعودة الزخم للسياسة المذهبية
يفترض هذا الاحتمال احتفاظ ولاية الفقيه بزخمها، وحفاظ النظام الإيراني على نفوذه الديني والسياسي في الداخل وفاعلية إستراتيجيته في الخارج، والنجاح في مقاومة أي محاولة للتغيير أو الإفلات من قبضة «ولاية الفقيه»، إذ ما تزال إيران قادرة على استغلال وجود قطاع عريض من المنتمين والموالين لولاية الفقيه. فالهوية السياسية والدينية والشيعية راسخة، والمجتمع الشيعي ما يزال يتمحور حول رابطة اجتماعية وثيقة الصلة بالعقيدة والمجتمع والأسرة والحوزة، وهذا يمتد إلى العراق وسوريا ولبنان واليمن، وبعض دول الخليج العربي.
من ثم، على الرغم من التسليم بأن محور المقاومة تَعرَّض لضربة حاسمة، لكن أن يمتدّ ذلك إلى تقليص نفوذ إيران دينيًّا بصورة كاملة مسألة محلّ خلاف (وَفْقًا لهذا السيناريو). كما أن تراجع القوة العسكرية للميليشيات الشيعية والضغط السياسي لتقليص نفوذهم السياسي في العراق ولبنان وسوريا واليمن، ليس مؤشرًا على أن الهوية الدينية وشعور الشيعة «المؤمنين بولاية الفقيه» بالانتماء إلى مجتمع ديني عابر للحدود قد ضَعُف، بل أي تدخل عسكري قد يدفع الشيعة نحو التكتل والدفاع عن هويتهم الدينية، وتجد إيران في ذلك فرصة لإحياء واستمرارية نفوذها وتأثيرها، وإحياء ثقافة المقاومة، فخطورة عملية التغيير الراهنة أن إيران قد تستغلها في عملية توحيد للجهود الشيعية العابرة للحدود باعتبار أن الطائفة والطوائف المرتبطة بها سياسيًّا تتعرض للتهميش والإقصاء، إذ يوجد تهديد في سوريا التي يحكمها نظام سنى وحزب الله المهدد بخسارة نفوذه، والعراق الذي تبحث فيه الحوزة عن الاستقلال والحَدّ من نفوذ ولاية الفقيه، وكذلك اليمن الذي قد يفقد فيه الحوثيون السلطة، ناهيك بسوريا التي ضاعت فيها سنوات من الاستثمار في دعم المذهبية.
وما تزال دول كلبنان والعراق تستند إلى بنية دستورية تمنح السياسة الطائفية أولوية على السياسة الوطنية، وهو الأمر الذي يفسح لإيران مجالًا من أجل التدخل في مسارات العملية السياسية ودعم حلفائها في أي سلطة مقبلة في هذه البلدان، كما هو حادث في العراق في المرحلة الراهنة، كما أن الانقسام الحاصل في اليمن يخلق وحدة مصير بين إيران والحوثيين، وارتباطًا من الصعب تفكيكه في المرحلة الراهنة، لكن في نفس الوقت يمكن فكّ الصلة بين الزيدية وإيران باعتبارهما مذهبين مختلفين وباعتبار الخلافات التاريخية بينهما، لكن المشكلة هنا أن إيران صوّرَت الحوثيين على أنهم الزيدية، بل على أنهم اليمن كله.
2. التراجع وتعزيز مكانة مرجعية النجف
ويفترض هذا السيناريو تراجع نفوذ ولاية الفقيه وإضعاف النظام الإيراني، على خلفية الوضع المتأزم الراهن، واحتمال تدهور الوضع نحو الأسوأ في ظل أزمة داخلية معقدة، وضغوط خارجية مكثفة، وفي هذا الصدد يمكن القول إن الولايات المتحدة وإسرائيل قد تنجحان في إحداث تغيير هيكلي في بنية المجتمع الشيعي، ينطلق من عملية إعادة إعمار في لبنان على سبيل المثال، وتوفير خدمات للشيعة بدلًا من تلك التي كانوا يتلقونها من المؤسسات الإيرانية، أو التابعة لها، إضافة إلى تعزيز التشيع الليبرالي والمتسامح مع المذاهب والأديان كافة. كذلك فإن مواجهة النظام الإيراني تحديات داخلية وتبنِّيه سياسة قومية والتراجع عن بعض القيود الدينية، قد تهزّ صورته لدى قاعدته في الخارج، وتضعف من ولايته العابرة للحدود لصالح التيارات الشيعية التقليدية في بلدان المنطقة.
وبينما ما يزال التنافس داخل المذهب الشيعي قائمًا بين النجف وقم، وقد تأثرت قم بتركيزها على الجانب العسكري والسياسي، فيما ظلت النجف محافظة على الجانب العقدي، فإن التحولات الراهنة قد تعطي النجف أولوية في تشكيل المشهد العقدي للشيعة في المنطقة، خصوصًا بعد خسائر إيران والحملة المتوقَّع أن تستمر لإضعافها وربما تغيير النظام ونهاية ولاية الفقيه سياسيًّا. ولطالما تنافست النجف وقم في مراكز العلم الشيعي، ولكن خلال العقود التي ركزت فيها إيران على بناء قوتها العسكرية والسياسية، أصبحت النجف، أكثر من طهران، تمثِّل السلطة الدينية الشيعية. ومن ثم فإن خليفة السيستاني في العراق، لا خليفة خامنئي في إيران، هو من سيوجِّه جمهور الشيعة في مسائل العقيدة وهُوِيَّة المذهب.
علاوة على ذلك، يُشار إلى تقلص النفوذ الديني للولي الفقيه/المرشد الإيراني إلى حدّ كبير بعد الحرب الإسرائيلية وأفول أذرعه في الإقليم والتهديد باغتياله، مما أثر أولًا في هيمنته، وثانيًا في هيبته وكاريزميته التي يريد النظام ترميمها وإعادتها. أيضًا تواجه تحديات متعددة النفوذ الإيراني في الإقليم بعد حرب غزة إثر عملية «طوفان الأقصى»، وضرب أذرع إيران في الإقليم مثل حزب الله والحوثيين في اليمن وسقوط نظام الأسد وانكماش الفصائل العراقية عسكريًّا، ثم الحرب الإسرائيلية-الإيرانية نفسها، بسبب كل هذا تجد إيران نفسها في مأزق شديد على المستوى الإستراتيجي.
3. خسارة جزئية ونفوذ متأرجح
يشير هذا الاحتمال إلى تَحوُّل مُحتمَل في مرحلة ما بعد خامنئي، بالاتجاه نحو نموذج سياسي أقلّ تأثرًا بالتوجهات الأيديولوجية، أو نسخة متقدمة من ولاية الفقيه، بحيث يصبح للأيديولوجيا تأثير في سياسة إيران لكنه أقلّ، وبحيث لا تفقد إيران العلاقة مع محورها وشبكتها الدينية والسياسية والعسكرية، لكنها لا تملك في الوقت نفسه السيطرة الكاملة على هذه الشبكة، وقد يصل الأمر إلى نقطة وسط تتقارب فيها توجهات إيران والشبكة الشيعية في المنطقة، وتشارك الأهداف، لكن في إطار من الاستقلالية الدينية والسياسية. قد تبدو بوادر هذا الوضع خلال الفترة الأخيرة كما هو الحال مع الحوثيين الذين كان لهم موقف شبه منفصل، ظاهريًّا على الأقلّ، عن إيران من تقديم الدعم لغزة حتى وقف الحرب، أو الفصائل العراقية التي تبنّت خطابًا وطنيًّا قوميًّا، بعيدًا عن إملاءات الولاية والخطاب الأيديولوجي الراسخ. وإيران نفسها قد تشجع، في إطار سياسة التحوط، الميليشيات والجماعات الشيعية على التخلي عن بعض مواقفها، وربما الانخراط في التفاعلات السياسية، من أجل تمرير المرحلة وضغوطها، وربما انتظار تغيير في قيادة الولايات المتحدة أو نهجها، ومن ثم العودة إلى السياسة القديمة.
يعزِّز هذا الاحتمالَ النهجُ الأمريكي الصارم، الذي يحدّ من خيارات إيران الإقليمية، ويحدّ من مواردها التي يمكن من خلال الحفاظ على نفوذها عند ذات المستوى القديم، كذلك النزعة الداخلية المناهضة لإيران في البلدان التي تتمتع فيها بنفوذ، والدعم الإقليمي لا سيما من دول الخليج لهذه البلدان من أجل استعادة مسار الدولة بدلًا من مسارات المذهبية الضيقة، كذلك الضغوط الداخلية على النظام في إيران من أجل العدول عن نهجه الإقليمي وتدخلاته التي كادت تكلف النظام بقاءه.
خاتمة
كانت ولاية الفقيه محرِّك سياسة إيران في الداخل والخارج، لكن بعد ما يقارب نصف قرن من التجربة، ثبت وصول التجربة إلى مرحلة الجمود الحرج، وعدم القدرة على التكيف على المستوى الفكري ولا على مستوى الممارسة، فظلت الولاية فعل مقاومة أكثر من كونها قوة أمر واقع، وخيار صمود لا قوة تغيير، ومن ثم فإنّ المرحلة الراهنة مفصلية في تاريخ إيران والنظام ونظرية ولاية الفقيه، فشيخوخة الفاعلين ومؤسسي الدولة بعد الثورة والجدل حول خلافة المرشد وهشاشة المشروع الإيراني في الإقليم بعد الضربات التي وُجّهت إلى الأذرع الإيرانية وتوسع التيار الشيعي الغاضب مما آلت إليه الأمور بسبب السياسة الإيرانية، ذلك كله يُحِيلنا إلى سؤال ما بعد ولاية الفقيه أو ما بعد النظام الحالي، قطعًا فإن إيران في نسختها القادمة بعد المرشد الحالي لن تكون كإيران اليوم، أولًا بسبب التغيرات الجيوستراتيجية التي حدثت في الإقليم، كله بل في العالم مع صعود الصين قوةً عسكريةً واقتصاديةً، ومناكفة روسيا لأوروبا وتهديدها بالحرب وتمددها شرق أوربا على حساب الأراضي الأوكرانية، مع صعود الخليج العربي بخاصة السعودية كقوة إقليمية فاعلة، مع صعود تركيا وإسرائيل، قوى ثلاثًا رئيسية فاعلة في الإقليم، وهشاشة حواضر أخرى كانت فاعلة في العقود الماضية.
أيضا فإن الجيل الثاني ممن سيمسك بزمام الأمور في مرحلة ما بعد المرشد الحالي إما سيتبنى ذات النهج المتشدد تجاه الغرب وبالتالي تستمر أزماته الاقتصادية والسياسية مما يضعه في ضغط داخلي شديد بسبب تطلعات الأجيال الجديدة إلى حياة أفضل بعيدًا عن مناكفة الغرب والتسبب في تآكل الاقتصاد الوطني، وإما سيغيّر نهجه ليكون أكثر انفتاحًا واعتدالًا، وفي كلتا الحالتين فإن «ولاية الفقيه» ستتأثر مباشرةً من حيث كونها نظريةً للحكم.
أمر أخير مُتخيَّل هو أن تتحول الدولة في مرحلة ما بعد المرشد الحالي بفعل مدني أو عسكري، إلى نظام عسكري يحكم فيه الجيش أو الحرس الثوري، وقد يحدث هذا بغطاء شعبي، الشعب الذي يُبدِي نقمته على النخبة الدينية وولاية الفقيه. وقد تؤول الأمور إلى حكم مدني، وذلك مُستبعَد في الحالة الإيرانية، على الأقلّ في المدى المنظور لأسباب متعلقة بتاريخ إيران نفسه وجغرافيتها والفاعلين الدوليين والإقليميين.
المؤكد أن النظام الإيراني وصل إلى مرحلة الإجهاد التفاوضي، فلم يعُد قادرًا على تقديم بدائل أو مرونة تكتيكية لاحتواء الأزمات، وإقناع مواطنيه بسلامة سياساته وتوجهاته الأيديولوجية والاقتصادية، مما يخلق سؤلًا جوهريًّا لدى الإيرانيين بخاصة الجيل الجديد حول كفاءة وقدرة مقاربات النظام على إدارة المرحلة، ومحصلة ذلك تصبّ في مصلحة تَحوُّل الجمع الشيعي نحو النجف ومقارباته أو قراءات أكثر حداثة.
([1]) عليّ الدين هلال، «الدولة الأيديولوجية والمناعة السلطوية»، مجلة الدراسات الإيرانية، (الرياض: المعهد الدولي للدراسات الإيرانية، السنة 2، عدد 8، سبتمبر 2018)، ص-ص10-12.
([2])Kasra Aarabi, The Fundamentals of Iran’s Islamic Revolution, (London: Tony Blair Institute for Global Change, February 11 2019), P 15.
([3]) Noof Rashid ALDosari, “Foreign Policy from Khatami to Ahmadinejad: There is One Foreign Policy in Iran, which is Khamenei’s Foreign Policy”, World Journal of Social Science Research, (London: Scholink Journals, Vol. 2, No. 1, 2015), p 49.
([4]) دستور الجمهورية الإسلامية الإيرانية، (طهران: مديرية الترجمة والنشر، رابطة الثقافة والعلاقات الإسلامية، 1997)، المادة 3، بند 16.
([5]) أحمد الباز، الثورة والحرب.. تشكيل العلاقات الإيرانية الخليجية، (القاهرة: العربي للنشر والتوزيع، 2018)، ص80.
([6]) Mahdi Mohammad Nia, Understanding Iran’s Foreign Policy: An Application of Holistic Constructivism, Turkish Journal of International Relations, (Yalova: Yalova University, Vol. 9, No. 1, spring 2010), p 158.
([7])Mahdi Mohammad Nia, Understanding Iran’s Foreign Policy Ibid, p 159.
([8]) وكالة أنباء براثا، الفياض يدعو طلبة الحوزة العلمية بعدم الارتباط بالحوزة والأحزاب، (14 يوليو 2008م)، تاريخ الاطلاع 23 ديسمبر 2025م. https://bit.ly/4qmT5jU
والاجتهاد، حذر من تحول حوزة قم إلى أزهر جديد.. المرجع الفياض: علينا العمل حتى آخر لحظة من حياتنا، (01 فبراير 2018م)، تاريخ الاطلاع: 23 ديسمبر 2025م. https://bit.ly/4qleKJc
([10]) وكالة أنباء الحوزة، ما حكم آية الله العظمى السيستاني حول الاقتداء بأئمة يتقاضون رواتب حكومية؟، (30 نوفمبر 2025م)، تاريخ الاطلاع 10 ديسمبر 2025م. https://bit.ly/44HHT9f
([11]) الموقع الرسمي للسيستاني، الاستفتاءات، صلاة الجماعة، بلا تاريخ، تاريخ الاطلاع: 11 ديسمبر 2025م. https://tinyurl.com/2akx2f2z
([12]) قائلًا: «رجالُ الدين في إيران كانوا مستقلّين لمئات السنين، وهذه كانت فخرًا للشيعة، لكن اليوم أصبحت مثل هذه النصائح ضرورية». ووسع إيازي من مفهوم التبعية الحكومية، فليس فقط من يتقاضى راتبًا حكوميًّا، بل أيضًا من تعيّنه لجنة صلاة الجمعة، فهم «يندرجون ضمن منظومة رسمية، ويحدّ من استقلاليتهم وتأثيرهم، خصوصًا خلال فترات الانتخابات التي تستغلّ فيها الحكومة منابر المساجد لأغراض دعائية وسياسية». ويتهم إيازي تدخل الحكومة ومؤسساتها الأمنية في لب عمل الحوزة منذ عهد الخميني: «في زمن مؤسّس النظام الإيراني الراحل روح الله الخميني، كان بعض الأئمة ينتقدون تدخّلات مؤسّسات مثل البسيج، التي كانت تمنح توجيهات عسكرية وتؤثّر في النشاط الديني، ما أضرّ بعلاقة الناس بالمساجد».
انظر: بغداد اليوم، قُم تضطرب وإيران تهتز بفتوى مفاجِئة من السيستاني.. ماذا قال المرجع الأعلى؟، (10 ديسمبر 2025م)، تاريخ الاطلاع: 23 ديسمبر 2025م. https://bit.ly/4aubneD
([13]) راجع: محمد الصياد ومعتصم صديق، خطبةُ الجمعة في إيران.. تديين السِّياسة وتسييس الدِّين، (05 مارس 2020)، تاريخ الاطلاع: 23 ديسمبر 2025م. https://bit.ly/4sgdjhe
([14]) رغم أنه قد قيل إن الفتوى قديمة في محاولة لنفي آثارها، لكن مجرد ظهورها أثار عاصفة من الجدل حولها، وقد يكون ظهورها في هذا التوقيت متعمَّدًا من الفاعلين في النجف للضغط على الجانب الإيراني الذي يتدخل في شؤون الحوزة القمية مما أثر في استقلالها واستلب إرثها التاريخي من وجود مساحة بينها وبين السلطة. بل تنظر النجف إلى تحول جوهري إزاء ذلك، وهو استلاب جزء من العقيدة الشيعية نفسها، المتعلقة بالانتظار، أي انتظار المعصوم، حتى يقيم الحكومة العادلة، فاستُلب ذلك لصالح الوليّ الفقيه، ومن ثم جرى التعدي على صلاحيات «الإمام الغائب»، وهذا كان سببًا رئيسيًّا للخلاف بين المرجع الخوئي والخميني.
([15]) أمواج، مفاوضون نوويون إيرانيون سابقون يتطلعون إلى مناظرة عامة مع احتدام الصراعات الفصائلية، (6 أكتوبر 2025)، تاريخ الاطلاع: 31 ديسمبر 2025. https://tinyurl.com/25m798em
([16]) Masumeh Bolurchi, The Lasting Impact of the 2022 Uprising on Iran’s Political Landscape, National Council of Resistance of Iran, (17th September 2025), accessed: Dec 31, 2025. https://tinyurl.com/274d7wpv
([17]) بهار ماكويي، ماذا تكشف شعارات الاحتجاجات الأخيرة في إيران؟ وما دلالاتها؟، فرانس 24، (2 يناير 2025)، تاريخ الاطلاع: 4 يناير 2025. https://tinyurl.com/2awnxbup
([18]) المعهد الدولي للدراسات الإيرانية، تقرير الحالة الإيرانية أغسطس 2025، (15 سبتمبر 2025)، تاريخ الاطلاع: 31 ديسمبر 2025. https://tinyurl.com/2xr2w9xh
([19]) الشرق، عقوبات الأمم المتحدة على إيران تدخل حيز التنفيذ عبر «سناب باك»، (28 سبتمبر 2025)، تاريخ الاطلاع: 31 ديسمبر 2025. https://tinyurl.com/29da94vb
([20]) قناة سكاي نيوز عربية، 4 شروط أميركية لإيران لتجنب «التصعيد».. ما هي؟، مرجع سابق.
([21]) حميد رضا عزيزي، إيران وسياسة التعتيم النووي: بين الغموض الإستراتيجي والردّ والنفوذ، مجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية، (24 سبتمبر، 2025)، تاريخ الاطلاع: 31 ديسمبر 2025. https://tinyurl.com/2cwweuhe
([22]) صحيفه همشهرى أون لاين، اسنپبک با خشاب جنگ روانی | نظر کارشناسان درباره فعال سازی مکانیزم ماشه چیست؟، (۸ شهریور ۱۴۰۴)، تاريخ الاطلاع: 31 ديسمبر 2025. https://tinyurl.com/2yls9lsb
([23]) الحرة، إيران تعيد تشكيل منظومتها الدفاعية.. رسالة ردع على أعتاب حرب وشيكة، (5 أغسطس 2025)، تاريخ الاطلاع: 31 ديسمبر 2025. https://tinyurl.com/2chf5v3k
([24]) Jon Gambrell, Fearing another war with Israel, Iran begins rebuilding missile sites, but key component is missing, The Associated Press, (September 24, 2025), accessed Dec 31, 2025. https://tinyurl.com/29a9r9z5
([25]) شروق صابر، ما بعد الحرب: كيف تضبط إيران اتجاهات علاقاتها مع روسيا والصين؟، مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، (19 يوليو 2025)، تاريخ الاطلاع: 31 ديسمبر 2025. https://tinyurl.com/2y2cwhup
([26]) Rosaleen Carroll, Under Western pressure, Iran turns to non-aligned bloc for backing in Uganda, al-monitor, (Oct 15, 2025), accessed Dec 31, 2025. https://tinyurl.com/2634249r
([27])Reuters, Iran’s Khamenei rejects Trump offer of talks, denies US destroyed Iranian nuclear capabilities, (October 21, 2025), accessed Dec 31. 2025. https://tinyurl.com/28sbguga
([28]) جريدة الرياض، إيران لا تعتزم الانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي، (27 سبتمبر 202)، تاريخ الاطلاع 10 ديسمبر 2025م. https://tinyurl.com/2xvdrsvl
([29]) رسول آل حائي، هل دفع العدوان الإسرائيلي المعارضة الإيرانية إلى «حضن» النظام؟، موقع الجزيرة نت، (26 يونيو 2025)، تاريخ الاطلاع: 31 ديسمبر 2025م. https://tinyurl.com/28ufyyq6
([30]) Alam Saleh, Between Power and Pressure: Iran’s Foreign Policy in a Fragmented World, Middle East Institute NUS, (September 16, 2025), accessed Dec 31, 2025. https://tinyurl.com/22hybmfj