تظاهرات البلوش تهزّ النظام السياسي الإيراني الهشّ

https://rasanah-iiis.org/?p=24065

شهدِت مدينة سارافان في محافظة سيستان وبلوشستان الإيرانية أواخر فبراير الماضي، تظاهرات، واجهتها السلطات الإيرانية، بالعنف، ما أثار إداناتٍ قويَّة ضدّ العُنف المُفرَط بحقّ المتظاهرين «الأبرياء».

ورَفضت القيادةُ الإيرانية تحمُّل مسؤولية هذا العُنف، رغم الإفادات «المروِّعة» بذلك، واندلعت المظاهرات، بعد ما سدّ الحرسُ الثوري الإيراني طريقًا لإيقاف المواطنين البلوش من تهريب الوقود وبيعِه لباكستان.

وبدأ إطلاقُ النار، عندما حاول مهرِّبو الوقود البلوش اقتحام طريق أغلقه الحرس الثوري الإيراني. وأوَّل من قُتِل بالرصاص مُهرِّب الوقود عبد الحميد إسماعيل زاهي، وأيضًا قُتِل ما لا يقِلّ عن عشرة آخرين من مهرِّبي الوقود البلوش، وأُصيب خمسة آخرون في الاشتباكات مع الحرس الثوري الإيراني.

وحسب ما أوردته التقارير، أطلقَ حرس الحدود الإيراني الرصاص على عشرات المهرِّبين، بعدما جعلوهم يصطفُّون أمامهم؛ ويُقال إنَّه قُتِل 23 شخصًا، بعد إطلاق النار «الدموي»، الذي شهدته المنطقة.

وعلى الصعيد الداخلي، سُرعان ما أُوقِفت الإداناتُ الشعبية عقب إطلاق النار «المروِّع». ومع ذلك، قال إمام صلاة الجمعة إنَّه يجب إدانة إطلاق النار؛ لأنَّهم انتهكوا القانون الإيراني. ووصَف مولوي عبد الحميد، إمام صلاة الجمعة السُنِّي في زاهدان، إطلاقَ النار بأنَّه جريمة، وزار خمسة أعضاء من البرلمان الإيراني سارافان، وقيل لهم إنَّ السُكّان المحلِّيين بحاجة للطعام للعيش، بعد منعهم من تهريب الوقود لبيعِه في باكستان.

أمّا على الصعيد الدولي، فقد أدانت الأُمم المتحدة ووزارةُ الخارجية الأمريكية ردَّ إيران «القاسي» على الاحتجاجات، وأدانت منظَّمة العفو الدولية إطلاقَ النار، معلنةً أنَّه «عمل غير مشروع»، كما طالَبت «هيومن رايتس ووتش» بإجراء تحقيقٍ شفَّاف، ودعت الحكومة الإيرانية إلى الالتزام بــــ «المبادئ الأساسية بشأن استخدام القوَّة والأسلحة النارية، من جانب الموظَّفين المكلَّفين بإنفاذ القانون»، التي نصَّت عليها الأُمم المتحدة، وطالبت حملةٌ أقامها النُشطاء البلوش بمحاسبة المتورِّطين بقتل المتظاهرين وتنفيذ العدالة. جديرٌ بالذكر أنَّ البلوش يُعَدُّون من الأقلِّيات العرقية الفقيرة للغاية في إيران.

وصدَم استخدام العُنف المُفرَط مؤخَّرًا، البلوش؛ إذ كان تهريب الوقود عبر الحدود أمرًا عاديًا في الماضي، ولتسهيل تهريب الوقود، وزَّعت «خطَّة رزاق»، التي تُديرها الدولة، «بطاقات الوقود» على السُكّان البلوش، الذين يعيشون على بُعد 20 كيلومترًا من الحدود الباكستانية، إذ تسمح بطاقات الوقود هذه للبلوشيين بشراء الوقود بمعدَّلات مدعومة، ومن ثمَّ تهريبه وبيعه لباكستان.

لكن مع معاناة إيران ببيع الوقود في السنوات الأخيرة بسبب نظام العقوبات المشدَّدة من الولايات المتحدة، استحوذ الحرس الثوري الإيراني على «خطَّة رزاق»، التي من المُفترَض أن تكون قد وُضِعت لمساعدة الشعب البلوشي، إذ استحوذ على نسبة 30% من الأسهم لـ «خطَّة رزاق»، بعد امتلاك نسبة 70% منها مُسبَقًا، وسيسمحُ هذا التحكُّم للحرس الثوري الإيراني بتعزيز هيمنته على الإدارة الاقتصادية والسياسية في محافظة سيستان وبلوشستان، وبالتالي زيادة تدخُّله في حياة البلوش، الذين عانوا للغاية على يده.

ولامت السُلطات المحلِّية إطلاقَ النار على حرس الحدود ، كما عقد الوكيل المحافظ للشؤون الأمنية في محافظة سيستان وبلوشستان محمد هادي مرعشي اجتماعًا مع زُعماء القبائل المحلِّية، ذكر فيه أنَّه لم يُقتَل سوى 3 أشخاص فقط، بينما تُشير معظم الحسابات إلى مقتل عددٍ أكبر بكثير.

وقالت منظَّمة العفو الدولية: إنَّ مدينة سارافان شهدت إغلاقًا شبه كامل للإنترنت، مع اندلاع المظاهرات في 23 فبراير، وفي وقتٍ لاحق من نفس اليوم، انتشرت مقاطع فيديو تُظهر الحرس الثوري الإيراني، وهو يُطلِق النار على مدنيين غير مسلَّحين، ويَقتُل على الأقلّ طفلًا واحدًا. وشارك في المظاهرات ما يقارب 2000 إلى 3000 شخص، وأُطلِق النار عليهم لمدَّة 10 دقائق.

وعندما خمدت المظاهرات مؤخَّرًا، برزت للسطح قضية تنامي أمننة المناطق الحدودية في إيران، التي عرَّضت البلوش للخطر؛ فهناك حراسةٌ مشدَّدة حاليًا على محافظة سيستان وبلوشستان، وتُعَدُّ منطقةً حدودية مؤمَّنة، حيث يظلّ ضباط الجيش والاستخبارات الإيرانية نشِطين جدًّا. وعلى الرغم من أنَّ الحكومة الإيرانية وعدت بالتحقيق في إطلاق النار على الحدود، من المُحتمَل أنَّ هذا التحقيق سيكون كغيره، وستتستَّر الحكومة عليه؛ ما يُظهِر عدم اكتراثها بمعاناة البلوش.

المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
إدارة التحرير