لماذا زيارة عبد اللهيان الأخيرة للعراق وسوريا مهمة؟

https://rasanah-iiis.org/?p=26015

زار وزير الخارجية الإيراني الجديد حسين أمير عبد اللهيان، بغداد ودمشق مؤخرًا، حيث التقى برئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي والرئيس السوري بشار الأسد. وفي وقت سابق، أعلن الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي أن الخطوات التي تتخذها الحكومة الإيرانية مع شركائها الإقليميين هي لمواجهة العقوبات الأمريكية، وأشار عبد اللهيان إلى العقوبات الأمريكية، واصفًا إياها بأنها شكلٌ من أشكال «الإرهاب الاقتصادي». وفي ظل التفاعلات الإيرانية الأخرى في المنطقة، فقد كان الهدف من زيارة عبد اللهيان للعراق وسوريا تقوية «محور المقاومة» من خلال تعزيز نفوذ طهران في كلا البلدين.

زار عبد اللهيان دمشق بعد مشاركته في «مؤتمر بغداد للتعاون والشراكة»، الذي لم تُدعَ إليه سوريا، وهذا ما يُشير إلى عزلة النظام السوري على المستوى الإقليمي والعالمي. وتُعدُ إيران حليفًا رئيسًا لسوريا، وبسبب هذه العلاقة نافست إيران للسيطرة على قطاعات اقتصادية مهمة في سوريا مثل قطاعات الطاقة والبنية التحتية. ويحتاج النظام السوري إلى دعم اقتصادي ولا سيَّما بعدما فرض الولايات المتحدة الأمريكية عقوبات على الكيانات الإيرانية التي تعمل معها، وفي مقدمتها مقر شركة «خاتم الأنبياء للإنشاءات» المملوكة للحرس الثوري الإيراني، ورغم أنها شركة هندسية إلا أنها وسعت نطاق عملياتها في السنوات الأخيرة حتى وصلت للعمل في قطاعات التعدين والزراعة والاتصالات في سوريا. علاوةً على ذلك، تمتلك العديد من الشركات الإيرانية التي تعمل تحت مظلة مجموعة MAPNA حصصًا كبيرة في محطات الطاقة في سوريا وتشارك في تركيب وتوليد الطاقة وكذلك في تقديم خدمات أخرى. وعلى نفس المنوال، فإنَّ إيران مترسخة بعمق أيضًا في العديد من مشاريع التنمية في العراق، ولاسيَّما في قطاعي الطاقة والبناء. وسبق وقد خفضت إيران إمداداتها من الغاز إلى العراق بسبب عدم سداد الديون الأمر الذي جعل البلاد تعاني من نقص حاد في الكهرباء، ومؤخرًا أوقفت إيران صادراتها من الغاز بالكامل إلى العراق. وتسلط أزمة الغاز الضوءَ على مدى اعتماد بغداد على إيران كمصدر هام للطاقة. بينما يستعد العراق لانتخاباته البرلمانية المقبلة في أكتوبر، من المرجَّح أن يكون تدخل إيران في السياسة العراقية أمرًا ملحوظًا. ولقد حافظت إيران على روابط وثيقة مع الكتل السياسية الرئيسية في العراق، ومؤخرًا أعلن تحالف «فتح» أن رئيس منظمة «بدر» المدعومة من إيران، هادي العامري، المرشح الأوفر حظًا لقيادة الحكومة العراقية المقبلة. وفي وقت سابق من أغسطس، التقى أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي شمخاني، مع وزيري الخارجية السوري والعراقي في طهران لمناقشة التطورات السياسية والأمنية الإقليمية، حيث شدد شمخاني خلال الاجتماعات على أهمية محاربة القوات المعادية لإيران في المنطقة.

تعتزم الحكومة «المتشددة» الجديدة في إيران تعزيز رؤية علي خامنئي لتطوير «اقتصاد المقاومة». وفي ضوء ذلك، تسلط زيارات عبد اللهيان الأخيرة الضوء أيضًا على أولويات إيران في العراق وسوريا. أولًا، في خضم المحادثات النووية المتوقفة والعقوبات الأمريكية المتصاعدة، تقتصر تفاعلات طهران الاقتصادية على عدد قليل من البلدان فقط. هذا وتُشيرُ عدة تقارير إلى أنَّ إنتاج النفط الخام الإيراني انخفض إلى أدنى مستوى له منذ 40 عامًا، في العام الماضي، وذهب أكثر من نصف صادرات النفط الإيرانية إلى الصين. وفي ظل هذه الخلفية، من المرجَّح أن تسرع إيران جهودها لإبرام المزيد من الاتفاقيات الاقتصادية مع سوريا والعراق وتعميق علاقاتها الاقتصادية مع كلا البلدين لتنويع مصادر إيراداتها. وعلاوةً على ذلك، وبما أن الكاظمي يتطلع إلى تعزيز دور الدولة العراقية والتحول نحو محيطها  العربي، فمِن المرجَّح أن تكون طهران قلقة بشأن نفوذها ومصالحها التجارية في البلاد. ثانيًا، تكرار الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي رغبة إيران في تعزيز «محور المقاومة» يكشف مدى أهمية حلفاء طهران في سوريا والعراق. ثالثًا، أنفقت إيران أموالًا طائلة في العراق وسوريا لتوسيع مشروعها الطائفي في المنطقة، إذ أشارت عدة تقارير إلى أن طهران وزعت أموالًا على الفقراء في كلا البلدين وحولتهم إلى المذهب الشيعي. واصلت إيران خطتها لتغيير التركيبة السكانية في سوريا والعراق، وهو مؤشِّر واضح على أجندة طهران لإنشاء حاضنات شيعية راسخة في هذين البلدين.

وعلى الرغم من أن عبد اللهيان دعم إجراء الانتخابات العراقية المقبلة وحثَّ القوى الأجنبية على عدم التدخل فيها، فإنَّ وكلاء بلاده نفذوا عدَّة هجمات في مناطق متفرقة في العراق سعيًا منهم للتأثير على المعادلة السياسية والأمنية الداخلية للعراق. وعزز الانسحاب الأمريكي من أفغانستان من قوة وكلاء إيران في أفغانستان، أملًا في طرد القوات الأمريكية من مواقع إقليمية أخرى والسيطرة على مواقع إستراتيجية. ووسط التقدم الضئيل في المحادثات النووية الجارية والتوترات المستمرة، تهدف زيارات عبد اللهيان إلى تعزيز نفوذ طهران الإقليمي، وتقوية «محور المقاومة» وتزويدها بمزيدٍ من أوراق الضغط في تفاعلاتها مع الغرب، ولا سيَّما مع الولايات المتحدة.

المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
إدارة التحرير