الاختبار الصعب:العراق بين مهمة المبعوث الأمريكي وحسابات الميليشيات المسلحة

https://rasanah-iiis.org/?p=38655

تشهد العلاقات الأمريكية-العراقية مرحلة إعادة تقييم شاملة، يدخل خلالها المشهد العراقي حقبة جديدة من القلق والترقب، بسبب حراك سياسي ودبلوماسي أمريكي مكثف يطال ملفات أمنية واقتصادية وسياسية بالغة التعقيد والحساسية، مع بداية مهمة المبعوث الأمريكي الثالث للعراق مارك سافايا(*)، وحمله حقيبة مثقلة بالهدايا والعقوبات (الجزرة والعصا) لإنجاز عدة تكليفات رئاسية أمريكية حول السلاح المنفلت والنفوذ الداخلي والتعاون الاقتصادي والمالي وحلفاء العراق الدوليين، حيث تقدر واشنطن أنّ تجذُّر النفوذ الإيراني في دواليب المؤسسات العراقية لا يخدم التوجه الأمريكي المتمثل في تحرير العراق من إيران.

تطرح مهمة مارك سافايا حزمة تساؤلات، أبرزها: هل تمهد زيارته لبداية مرحلة جديدة في العلاقات الأمريكية-العراقية؟ أم أنها ستقتصر على ممارسة الضغوط لخلط الأوراق في العراق؟ وما أبرز المهام المكلف بها؟ وما نقاط قوّته ومَواطن ضعفه؟ وهل الأطراف العراقية النافذة مستعدة لمقايضة أمريكية تقوم على تقديم الدعم مقابل حسم ملف السلاح المنفلت؟ أم أنها ستناور لشراء الوقت عبر التعهد بالمعالجات من دون خطوات تنفيذية واقعية؟ وما حدود تأثيرها في المنطق الميليشياوي السائد بالعراق؟ وهل تسعى واشنطن لإعادة إنتاج سيناريو معدل من سيناريو فنزويلا في العراق؟ وهل ستقبل الحكومة الحالية والمقبلة بتلبية المطالب لتفادي العقوبات الأمريكية؟ وما السياسات المحتملة للضغط على الحكومة الجديدة للاستجابة للمطالب الأمريكية؟ وما السيناريوهات المحتملة لمهمة سافايا في العراق؟

أولًا: مهمة سافايا وسياقات المشهد العراقي

يبدأ المبعوث الأمريكي مهمته في ظل متغيرات عراقية داخلية وخارجية معقدة. فرغم كونها ضاغطة على الحكم الشيعي العراقي وتخدم التحركات الأمريكية لتحريره من إيران فإنها توفر فرصًا لتعزيز النفوذ الإيراني، وعرقلة الجهود الأمريكية في الوقت ذاته، من أبرزها ما يلي:

1. واقع جديد على الحدود العراقية-السورية

تشهد الحدود العراقية-السورية واقعًا جديدًا ببسط الجيش السوري سيطرته على الشريط الحدودي مع العراق بعد طرد قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وتحقيقه مكاسب ميدانية وجيو طاقية وإستراتيجية تاريخية باستيلائه على مناطق جغرافية واسعة، منها الرقة ودير الزور تحتوي على موارد وثروات معدنية ونفطية إستراتيجية (حقل العمر النفطي الأكبر في سوريا وحقل كونكو للغاز)، الواقع الذي قرأته القوى الشيعية على أنه مصدر تهديد مباشر للحكم الشيعي بالعراق، لسببين:

الأول: الواقع الجديد قد يعيد تكرار سيناريو 2014م، عندما سيطر فيها تنظيم داعش على قرابة ثلث الأراضي العراقية، وذلك نتيجة فرار الآلاف من عناصر داعش من سجن الشدادي الذي كان يخضع لسيطرة قسد، وتتوقع القيادة الوسطى الأمريكية أن يصل عدد عناصر داعش الذين سينقلون من سوريا إلى العراق 7000 عنصر. لكن من ناحية أخرى يرى بعض المحللين أن فرارهم يوفر ذريعة وفرصة للميليشيات للتمدد ورفض إلقاء السلاح بحجة محاربة داعش كما في السابق.

الثاني: اقتراب ما تصفه القوى الشيعية العراقية بـ«الخطر السني الجهادي» من الحدود، بعد زوال المنطقة العازلة التي كانت تسيطر عليها قسد في سوريا، وحشد النظام السوري لقوات غير مرغوب فيها بالنسبة إلى الشيعة على الحدود، وتعزيز تمكين النظام السني الحاكم ونجاح تجربته في سوريا، وهو ما يخشاه التيار الشيعي العراقي، حيث يعتقد بأن نجاح التجربة السنية في سوريا يعني إكمال طوق «سني» حول العراق، ويشكل -في العقلية الشيعية- بداية زوال النظام الشيعي في العراق، ما يفسر مخاوف رموز الشيعية العراقيين من الواقع الجديد، وفي هذا السياق تأتي تصريحات مقتدى الصدر المتتالية ومطالبته بسرعة التحرك نحو الحدود لتأمينها، وسرعة استجابة الجيش برفقة قوات الحشد الشعبي بالتحرك، وإن كانت هناك تحديات لتأمينه بالكامل نتيجة طوله وتعدد النقاط الرخوة والثغرات الأمنية بامتداده على نحو 620 كلم.

ويبدو أن الحدود العراقية-السورية ستكون ملفًّا شائكًا خلال المرحلة القادمة، وقد تؤدي إلى انفجار الاشتباكات بين قوات مختلفة أيديولوجيًّا وانتمائيًّا وبعضها له فصائل مسلحة ترابط على الحدود من الجهتين السورية والعراقية.

2. الانسحاب الأمريكي الكامل من عين الأسد الجوية

أكملت الولايات المتحدة انسحابها العسكري من قاعدة عين الأسد الجوية بالأنبار الحدودية مع سوريا والأردن والسعودية، التي تعد واحدة من أكبر القواعد الأمريكية غربي العراق، ونقل القوات إلى أربيل. وبعيدًا عن تفسيرات الانسحاب التي تمحورت حول تجهيز أمريكي لتوجيه ضربة جديدة لإيران أو لتكثيف الضغوط النفسية على إيران لتقديم تنازلات أو لأنها استجابة للاتفاق المجدول بإتمام الانسحاب قبل سبتمبر 2026م، غير أن العراق يعد الخاسر الأكبر من الانسحاب لأنه من شأنه انهيار التوازن وإرساء مرحلة جديدة عنوانها «تعزيز الهيمنة الإيرانية والميليشياوية المنفردة على العراق بحكم القرب الجغرافي من إيران»، وتعزيز المصالح الصينية المنافسة لدور الأمريكي.

كذلك قد يرتب الانسحاب مع التطورات على الحدود تكرار سيناريو 2014م، بعودة الفوضى الأمنية ونزع الاستقرار الهش، حيث إن الانسحاب الأمريكي غير المحسوب من العراق 2011م ترتب عليه احتلال داعش لثلاث محافظات سنّية تقريبًا، كما يعزز فرص الصراعات الطائفية، فالتجارب السابقة تثبت أن غياب التوازن يفتح الباب أمام تغول الميليشيات، ما قد ينعكس سلبًا على الاستقرار في المحافظات الغربية، ويتوقع أن تلجأ واشنطن إلى فرض العقوبات بعد الانسحاب كورقة ضاغطة على العراق للحد من علاقاته مع إيران، وفي هذه الحالة قد يخسر العراق عائدات بيع النفط والاستثمارات الأجنبية والعلاقات التجارية الخارجية، إضافة إلى خسارة المعلومات الاستخباراتية الحساسة التي كان يحصل عليها من الاستخبارات الأمريكية، وقد تحول سياسة العقوبات المحتملة دون قدرة الدول الخليجية الشريكة أن تعزز علاقاتها بالعراق، ما يزيد خسائر الدولة العراقية.

3. معضلة الانقسام داخل الإطار التنسيقي

لا يعني إعلان الإطار التنسيقي رسميًّا ترشيح نوري المالكي لولاية ثالثة تسوية معضلة الانقسام داخله، فتسمية رئيس الحكومة الجديدة ما هي إلا واحدة من عدة قضايا خلافية متجذرة بين قيادات الإطار المتصارعة بالأساس على قيادة ومرجعية المكون الشيعي، فهناك خلافات حول مطالب نزع سلاح الميليشيات، وطبيعة العلاقات الاقتصادية مع الولايات المتحدة، وأولوية ومصالح الدولة مقابل مصالح الأطراف الخارجية، كذلك يواجه ترشيح المالكي -في حقيقة الأمر- امتعاضًا من عمار الحكيم وقيس الخزعلي وحيدر العبادي وفالح الفياض ومحمد شياع السوداني، وفيتو صدريًّا بسبب تمسُّك الصدر بمبدأ «المجرب لا يجرب» والصراع التاريخي المعلوم بينه وبين المالكي منذ عملية صولة الفرسان(*) وصولًا إلى الاشتباكات المتبادلة بين أنصارهم في المنطقة الخضراء عقب انتخابات 2021م، التي انسحب على خلفيتها الصدر من المشهد السياسي، كذلك رفضت المرجعية النجفية قبول رسالة المترشحين للحكومة التي أرسلها الإطار لها نتيجة صدارة أسم المالكي، بحسب الأوساط الإعلامية العراقية، فرفض المرجعية استلام الرسلة يُعَدّ رفضًا للمالكي، لكن غير صريح تجنبًا لاندلاع صراعات بين التحالفات الشيعية، ما يعدد التحديات طيلة الولاية الثالثة للمالكي.

ثانيًا: تكليفات ومهام سافايا في العراق

تكتسب مهمة المبعوث الأمريكي أهميتها من طبيعة الملفات المكلف بها من الرئيس ترامب، التي أقلقت التحالفات الشيعية لكونها تطال ملفات بالغة الحساسية بمصفوفة أولويات أمريكية تتكون من 18 أولوية (انظر الصورة رقم 1): أمنية (أولويتان: السلاح المنفلت، والميليشيات)، سياسية (أربع أولويات: القضاء على عدم الاستقرار، والتوترات الداخلية، وعدم المساواة، والتدخلات الخارجية)، واقتصادية (12 أولوية: القضاء على تهريب الأموال، وغسل الأموال، ونهب الثروات، والعقود الوهمية، والاختلاسات، والتحايل على القانون، وضعف الخدمات، والجهل، وعدم المساواة، والظلم، والفقر، والبطالة). ويرى سافايا أن 2026م سيكون عام تنفيذ وحسم للأولويات الـ18 في العراق. وفي ما يلي أبرز الملفات المكلف بها في العراق:

الصورة رقم (1): المصفوفة كما وردت في الحساب الرسمي لسفايا على منصة إكس

المصدر: https://x.com/Mark_Savaya/status/2006507656782164034

1. نزع السلاح المنفلت: بالتزامن مع ضغوط نزع سلاح حزب الله اللبناني، تتمثلالمهمة الأولى للمبعوث الأمريكي في القضاء الشامل على دولة الميليشيات (الحشد الشعبي والميليشيات المنفلتة)، بالضغط على الرموز الشيعية النافذة للقبول بالتفكيك الكامل للحشد الشعبي ولكل الميليشيات وتسليم السلاح للدولة، وضمان انتقال منظم وقانوني لأفرادها إلى الحياة المدنية. ويتمسك سافايا بأنه -حسب مطلب الرئيس ترامب- لم يعد في العراق مكان للميليشيات، وأنه لا يمكن عودة العراق العظيم في ظل توزيع السيادة على جيشين: فإما جيش واحد تحت سلطة الدولة، وإما بلد ممزق تحت سلطة جيوش وبنادق موازية. وفي السياق ذاته، كشف عضو الحزب الجمهوري توم حرب أن هناك دراسات أعدها نحو 150 باحثًا دوليًّا وعراقيًّا خلصت إلى نتيجة واحدة: لا حل للعراق من دون حل الميليشيات.

2. التعاون الاقتصادي المزدوج: تتمثل المهمة الثانية له في تحقيق هدف مزدوج، يركز جانب منه على تجفيف قنوات التمويل الإيرانية ضمن إستراتيجية أمريكية لتشديد الخناق على إيران وحصارها وإضعافها، عبر الضغط على العراق لمراجعة المعاملات المشبوهة، وضمان شفافية التحويلات ومنع استخدامها في تمويل الميليشيات واستغلال ثغرات النظام المالي لدعم شبكات التهريب والتمويل وتدوير العملة الصعبة لصالح إيران والميليشيات خارج المسارات القانونية، حيث تدرك واشنطن أن الضربة المؤلمة لإيران لن تكون عسكرية فقط، بل عبر حصار الشبكات المالية التي تمول قنوات تهريب الأموال إليها، وأن أي حرب واسعة عليها ستدفعها إلى البحث عن أبواب مالية خلفية بديلة، والعراق سيكون تلك البوابة ما لم تغلق مبكرًا. وجانب ثانٍ في المقابل يركز على إعادة تقييم شاملة للعلاقات الاقتصادية البينية بما يضمن انتقالها إلى عهد جديد تتحول فيه بوصلة التعاون الاقتصادي والنفطي إلى الوجهة الأمريكية، ما يضع الحكومة الحالية والمقبلة أمام اختبار مزدوج، فإما تحصين النظام المالي والسيطرة على مسارات الدولارات والتحويلات المشبوهة، وإما مواجهة الضغوط والعقوبات الأمريكية وربما الانفلات الأمني.

3. هندسة توزيع حقائب الحكومة الجديدة: بغضّ النظر عن تفسيرات تسمية المالكي رئيسًا للحكومة الجديدة، فإنّ تسميته بعد ثلاثة أيام من وصول سافايا لبغداد تكشف عن مساعٍ أمريكية لضبط مسارات وبوصلة الحكومة الجديدة للاستجابة لمصفوفة الأولويات الأمريكية، وضمان عدم منح التحالفات ذات المرجعية العسكرية أي حقائب وزارية في التشكيلة الجديدة، حيث كشفت مصادر كردستانية عن فيتو أمريكي تجاه الاعتراف بالحكومة الجديدة حال منح أي حقيبة للميليشيات، كذلك تتمسك واشنطن بتسمية خمسة مناصب رئيسية في الحكومة الجديدة: الدفاع والداخلية والنفط والاقتصاد والبنك المركزي.

4. الضغط لطرد الشركات الصينية: كشفت مصادر دبلوماسية أمريكية عن مهمة رابعة لسفايا تتمثل في الضغط على الحكومة الحالية والمقبلة للقبول بإحلال الشركات النفطية الأمريكية مثل «إكسون موبيل» و«شل» محل الشركات الصينية «تشونغمان» و«جيو جيد» و«تشنهوا» بالامتناع عن تجديد عقودها بعد انتهاء مددها، حيث سبق أن حلت الشركات الصينية محل الأمريكية في الجنوب العراقي. ويصل حجم استثماراتها النفطية في العراق بنحو51.3 مليار دولار في 2024م، وأشارت المصادر أيضًا إلى أن ترامب وضع هذه المهمة لعمل سافايا في ظل رغبة صينية لرفع صادرات النفط العراقية للصين إلى 500 ألف برميل يوميًّا بحلول 2030م، الأمر الذي أقلق الرئيس ترامب ومسؤولي إدارته.

ثالثًا: فرص ونقاط قوة وضعف سافايا لإنجاز مهمته

نظرًا إلى صعوبة المهمة الملقاة على عاتق المبعوث الأمريكي في ظل وضع إقليمي مضطرب وملتهب، تبرز عدة تحديات وفرص قد تعزز أو تعوق نجاح مهمته، منها:

1. نقاط قوة سافايا: يسود جدل وسط المراقبين حول مدى قدرته على تنفيذ مهامه، فهناك فريق يجادل بقدرته على تحقيق مهمته في ظل العوامل التالية:

أ. الدعم المباشر من الرئيس ترامب ورموز إدارته: يحظى سفايا بالدعم المباشر من الرئيس ترامب شخصيًّا، ويرتبط دعم ترامب لسافايا والثناء عليه وعلى قدراته التفاوضية بالدور اللافت الذي لعبه لصالح ترامب في أثناء حملته الانتخابية، حيث كان سافايا أحد أبرز أقطاب ممولي حملته في ولاية ميتشغان المتأرجحة، ولعب دور بارز في حسمها لصالحه، كذلك تمكنت وساطته من عقد صفقة ناجحة أفرج بموجبها عن صديقته الباحثة الروسية الإسرائيلية إليزابيث تسوركوف بحسب تأكيد الباحثة ذاتها، وعقليته وخلفيته التجارية المنسجمة مع عقلية ترامب وولائه الشديد للحزب الجمهوري وأصوله العراقية التي تمنحه مدخلًا مرنًا للمشهد المعقد، كذلك يحظى بدعم الوزراء الفاعلين في إدارة ترامب مثل وزراء الخزانة والدفاع والخارجية، حيث التقاهم قبل بدء مهمته في العراق بيومين لبحث الأدوات الضاغطة التي يمكن أن تقدمها هذه الوزارات في حال تقاعس العراق عن تلبية المطالب الأمريكية.

ب. الانقسام الميليشياوي حول نزع السلاح: يمثل الانقسام الميليشياوي حول مطالب نزع السلاح نقطة قوة وضعف أمام المبعوث في مهمة نزع السلاح، حيث أعلنت عصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي وحركة أنصار الله الأوفياء تأييدها لدعوات حصر السلاح بيد الدولة، إضافة إلى تأييد مجلس القضاء الأعلى بقيادة فائق زيدان لتسليم السلاح للدولة، في محاولة تعبّر عن قفز لهذه الميليشيات من المركب الإيراني الذي يترنح تحت وطأة الأزمات الداخلية والضغوط الخارجية. في المقابل أعلنت كتائب حزب الله العراقي وحركة النجباء رفضها لنزع السلاح، وربطت أي تفاهمات مع الحكومة بخروج جميع القوات الأمريكية من العراق.

ج. مأزق النظام في إيران: يمرّ الداعم الرئيسي للمنطق الميليشياوي السائد في العراق بمنعطف ومأزق تاريخي يضع مستقبله على المحك، على خلفية تلقي مراكز ثقله ضربات إسرائيلية وأمريكية مؤلمة في حرب الاثني عشر يومًا في يونيو 2025م، وانهيار محوره الإقليمي في سوريا ولبنان واليمن على خلفية تلقيه ضربات عسكرية إسرائيلية متتالية، وانطلاق احتجاجات شعبية حادة وغير مسبوقة في الشارع سقط خلالها آلاف القتلى والجرحى، بشكل جعل إيران تنكفئ وتتخندق داخل حدودها خشية سقوط أو تغيير النظام الحاكم، ما يوفر فرصة إضافية مواتية للضغط على السلاح المنفلت في الساحة العراقية.

2. نقاط ضعف سافايا: في المقابل هناك فريق ثانٍ يجادل بعدم قدرة سافايا على تحقيق مهمته في العراق نتيجة تشابك ملفاته وتعقيدها، بالنظر إلى:

أ. الافتقار إلى الخبرة السياسية: يفتقد سافايا الخبرة السياسية والدبلوماسية المطلوبة للمنصب، ما يمثل ثغرة في قوّته التفاوضية مقارنة بخبرات ستيفن ويتكوف وتوم باراك الكبيرة في دهاليز العمل السياسي والدبلوماسي، ما جعل كثيرين يفسرون تعيينه بالتماثل مع عقلية ترامب في الخروج عن المألوف وإيمانه بالقنوات البراجماتية السريعة وبالعقول التجارية في هندسة الصفقات بعيدًا عن قوالب العمل الرسمي الروتينية والبطيئة في تنفيذ التكليفات، وهناك من فسره على أنه رد لدَين سياسي في عنق ترامب لما قدمه المبعوث من دعم انتخابي للرئيس في ولاية ميتشغان.

ب. قدر من النفوذ الإيراني: التطورات في الساحة العراقية تشير إلى استمرارية التأثير الإيراني رغم مرحلة الضعف التي يمرّ بها النظام نتيجة مركزية العراق في الإستراتيجية الإيرانية لاعتبارات السياسة والجغرافيا والأمن والاقتصاد والمنطق الميليشياوي السائد بالعراق، حيث أشارت الأوساط الإعلامية العراقية إلى دور إيراني في ترتيب اختيار الرئيس الجديد للبرلمان، وتسمية نوري المالكي لرئاسة الوزراء.

ج. غياب آلية نزع السلاح: تفتقر مهمة سافايا إلى آلية واضحة لحل الحشد والميليشيات وحصر السلاح بيد الدولة، لذلك تعتبر مهمته شبه مستحيلة عمليًّا في ظل المنطق السائد بالعراق، واتخاذ معظم الميليشيات موقعًا رسميًّا داخل الحشد عبر ألوية وفصائل تأتمر بأوامر قادتها لا بأوامر قادة الحشد ولا القائد العام للقوات المسلحة، وتداخل الأدوار الميليشياوية ما بين السياسي والاقتصادي والعسكري، حيث تمتلك الميليشيات حضورًا وازنًا في البرلمان والقضاء والأمن، ما يمنحها ثقلًا وتأثيرًا ضد أي إجراءات تهدد مصالحها، لا سيما بعدما حققت مصالح خاصة من التجارة السوداء بعيدًا عن المصالح الإيرانية.

رابعًا: السياسات الأمريكية المحتملة للضغط على الحكومة الجديدة

تكشف سلسلة الاجتماعات التي أجراها سافايا مع كبار مسؤولي الإدارة الأمريكية قبيل توجهه إلى العراق عن إستراتيجية ضغوط يجرى إعدادها ضد النافذين المؤثرين في صناعة القرار العراقي، حال عدم الاستجابة للمطالب الأمريكية، تمضي على مسارات متوازية:

المسار الأول (مالي-عقوبات): يبرهن عليه اجتماع المبعوث الأمريكي بوزير الخزانة قبيل توجهه إلى العراق، وتهديداته بإمكانية توقيع عقوبات ضد شخصيات وجهات عراقية متورطة في قضايا فساد وتهريب وغسل أموال، ما يفتح الباب واسعًا أمام عقوبات متنوعة قد تطال بنوكًا ومصارف وشركات مالية ونقدية يشتبه بتورطها في قضايا فسادٍ ماليّ، مع إمكانية تجميد أرصدة مالية لشخصيات وجهات داخل وخارج الولايات المتحدة، وفرض قيود على التحويلات والمعاملات المالية المشبوهة أو تلك التي تتم بالدولار.

المسار الثاني (نفطي-سيطرة منفردة): يبدو أن واشنطن عينها على تعزيز الحضور في القطاع النفطي، ولا ننسى تصريحات الرئيس ترامب خلال حملته الانتخابية لولايته الأولى التي قال فيها إنه كان ينبغي على بلاده أن تسيطر على نفط العراق بوصفه «غنيمة حرب»، معتبرًا أن الانسحاب من العراق دون ضمان السيطرة على نفطه خطأ إستراتيجي، مرددًا عبارته: «كنت دائمًا أقول: خذوا النفط». وفي أثناء انعقاد قمة شرم الشيخ 2025م حول إنهاء الحرب في غزة صرح الرئيس بأن العراق لديه موارد نفطية هائلة ولا يستثمرها كما ينبغي. هذه الأفكار التي كان يظنها البعض دعائية بعيدة المنال صارت اليوم بسيطرة الشركات الأمريكية على النفط الفنزويلي واقعًا ونموذجًا حيًّا. وقد يكون أمام واشنطن تعقيدات لتطبيق السيناريو الفنزويلي في العراق، منها الانتشار الميليشياوي المسلح في مناطق الحقول النفطية العراقية، والنفوذ الإيراني المعقد في مؤسسات الدولة العراقية. لكن الولايات المتحدة تمتلك أدوات ضاغطة للغاية -حسب الأوساط الإعلامية العراقية- في هذا الاتجاه، منها:

  1. التأثير في العراق عبر التحكم في عائدات النفط العراقية مع إمكانية تشديد القبضة على قنوات بيع النفط والتحويلات المالية الدولارية عبر البنك الفيدرالي الأمريكي ووزارة الخزانة، وتوقيع العقوبات على الشركات والمصارف الوسيطة وثيقة الصلة بعمليات بيع النفط العراقي.
  2. الربط بين التدفقات الدولارية من العوائد النفطية العراقية بالبنك الفيدرالي الأمريكي والاستجابة للمطالب الأمريكية حول حصر السلاح بيد الدولة، مع الضغط لتقليص نفوذ الميليشيات في المواني ومناطق السلع الإستراتيجية.
  3. إمكانية أن تلجأ واشنطن إلى نحت صيغ جديدة معقدة من الصيغة التقليدية «النفط مقابل الغذاء» مثل: النفط مقابل توفير مظلة حماية أمنية وتوفير معلومات استخباراتية حساسة عن التهديدات المحتملة داخل وخارج البلاد، أو النفط مقابل مد العراق بقطع غيار للأسلحة الأمريكية لتحديثها، أو النفط مقابل تسهيلات مالية ومشاريع بنى تحتية عملاقة لحل الأزمات الخدمية في العراق، إلخ.

المسار الثالث (عسكري-ضربات محدودة): اجتماع سافايا بوزير الحرب قُبيل توجهه إلى العراق أيضًا يفتح الباب أمام إمكانية أن تلجأ الولايات المتحدة إلى ضربات عسكرية محدودة ضد أهداف عراقية نوعية، أو العمل بموجب إستراتيجية «جز الرؤوس» بممارسة الاغتيالات ضد شخصيات تعرقل تنفيذ المطالب الأمريكية، خصوصًا مع إعلان بعض قادة الميليشيات مساندة إيران حال شن أي حرب مباشرة ضدها.

الاستنتاجات والاتجاهات المحتملة لمهمة سافايا

يمرّ العراق بمرحلة دقيقة في تاريخه على ضوء الرغبة الأمريكية في إعادة تعريف العلاقات البينية، وإعادة توزيع السيطرة والنفوذ داخله، حيث يشكل بدء مهمة سافايا اختبارًا حقيقيًّا لعدة أطراف عراقية يضعها أمام معادلات صعبة خلال المرحلة المقبلة: الحكومة وقدرتها على المفاضلة بين الدعم الميليشياوي أو جزرة الاستجابة للضغوط الأمريكية، والحشد والميليشيات بين الحفاظ على السلاح والنفوذ أو حماية شبكة المصالح المهددة بالملاحقة، والمواطن بين الوضع المعيشي الراهن والتغيير المكلف، حيث إن أي إجراءات اقتصادية أمريكية ستنعكس مباشرة على المواطنين والاقتصاد معًا، فالموازنة تعتمد بشكل رئيسي على العائدات النفطية، ويعتمد غالبية الموظفين على رواتبهم مصدرًا وحيدًا للعيش؛ ولذلك فإن أي هزة في تدفقات العوائد النفطية من شأنها إدخال العراق دائرة الخطر المالي بارتفاع الأسعار بشكل جنوني وتآكل القدرة الشرائية وتدني الظروف المعيشية ليبقى المواطن الحلقة الأضعف في لعبة إعادة توزيع النفوذ الخارجي في العراق. تنتظر مهمة المبعوث عدة اتجاهات، يتقدمها تبنيه خطاب صِدامي ضد الحشد والميليشيات مقابل تقديم الدعم للأطراف المؤيدة لنزع السلاح، لكن هذا الاتجاه سيخلق اضطرابات في العراق حال إقدام الولايات المتحدة على توجيه ضربات محدودة في العراق، أو يتجه إلى تعزيز النفوذ تدريجيًّا عبر تحقيق اختراقات في بعض الملفات الاقتصادية مع تعزيز النفوذ بشكل تدريجي دون مواجهات مباشرة ضمن مقاربة الرئيس ترامب التي ترتكز على «إحلال دبلوماسية الضغط الاقتصادي أولًا بدلًا من دبلوماسية تحريك الجيوش أولًا»، أو أن يذهب إلى إعادة ترميم أدوات الضغط والتأثير التقليدية في العراق مع البحث عنأدوات جديدة ضمن تطورات المشهد العراقي الراهن، وهذا السيناريو لا يتماشى وشخصية ترامب الذي لا يميل إلى الفترات والمشاورات الزمنية الطويلة ويفضل الصفقات السريعة والسقوف الزمنية المحددة لتحقيق الانجازات مقارنة بالإدارات السابقة، أو أن يخفق في تحقيق أي اختراقات في مهامه حال عدم قدرته على طرح تفاهمات واقعية وضاغطة على الأطراف الشيعية النافذة نتيجة ضعف خبرته السياسية، وفي هذه الحالة قد يتحول إلى عبء على واشنطن، ما يطرح استبعاده عن الملف العراقي، وتعيين البديل.


* سبقه بول بريمر بعد 2003م، وبينيت ماكغورك بعد 2014م، ويعد سافايا رجل أعمال أمريكي مشهور ومؤثر في ولاية ميتشغان من أصل عراقي مسيحي كلداني من سهل نينوى، من مواليد العراق 1983م، واستقر مع عائلته في ميتشغان منذ تسعينيات القرن العشرين، وترتبط خلفيته التجارية بتأسيسه شركة أمريكية متخصصة في زراعة وبيع القنب (الماريغوانا)، ويعُرف بانتمائه إلى الحزب الجهوري، وداعم لسياسيات الرئيس ترامب، الذي عينه في أكتوبر 2025م مبعوثًا خاصًا إلى العراق.

* عملية عسكرية ضارية شنها المالكي في أثناء ولايته الأولى تحديدًا في مارس 2008م، ضد قوات جيش المهدي آنذاك التابعة للصدر، حيث تحولت خلالها مدينة البصرة إلى ساحة حرب حقيقية، وقدرت الخسائر البشرية فيها بأكثر من 1000 قتيل على خلفية توجيه المالكي باستخدام المروحيات في قصف المحتجين الذين حاصروا القصر الحكومي.

المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
إدارة التحرير