عُقِد الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي 2026م في دافوس في خِضَمْ اضطرابات جيوسياسية غير مسبوقة؛ الأمر الذي مثَّل منعطفًا حاسمًا في النقاشات العالمية حول السُلطة والشرعية والنظام. وجمَعَ المنتدى، الذي عُقِد في جبال الألب السويسرية تحت وطأة العواصف ثلجية متواصلة بدت وكأنَّها تعكس حالة الفوضى بالنسبة لأوضاع السياسة الدولية، أكثر من ثلاثة آلاف قائد يمثِّلون الحكومات وقطاع الأعمال والمجتمع المدني؛ لمواجهة عالم يتّسِم على نحوٍ متزايد بالتفكُّك والتنافس الإستراتيجي وتآكُل الثقة. وتحت شعار «روح الحوار»، عرَضَ الاجتماع تقييمًا صريحًا لحالة الضعف، التي يشهدها النظام العالمي بعد الحرب العالمية الثانية.
وقد خصَّص المنتدى اهتمامًا كبيرًا لتنامي دور القُوى المتوسِّطة، والصعود الفاعل للجنوب العالمي والتوتُّرات الحادَّة عبر الأطلسي الناجمة عن تجدُّد النزاعات حول غرينلاند. ومن خلال الجلسات الرسمية والحوارات غير الرسمية، عكَسَ «دافوس 2026م» حالة عالمٍ يمُرّ بمرحلة انتقالية، حيث يتصادم الترابط الاقتصادي مع عودة النزعة القومية وبدء التحالفات الناشئة في تحدِّي امتيازات القُوى العُظمى التقليدية.
كان للقُوى الوسطى في المنتدى مشاركتها المحورية في المنتدى، إذ لم تعُد ترضى بالدور الهامشي في منافسة القُوى العُظمى. وقد قدَّمت دول مثل كندا وأستراليا والسعودية وفرنسا وإندونيسيا نفسها كلاعبين محوريين، في ظل ما وصفه الكثيرون بلحظة «الانقسام العالمي»، حيث كشَفَ التنافس الإستراتيجي عن تعرُّض الدول الصغيرة والوسطى لسياسات الإكراه والعقوبات واستخدام الاقتصاد كسلاح، الذي عبَّر عنه رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في خطابه، حيث رفَضَ ما وصفه بـ«التظاهر بالإيمان» في المعايير الدولية المتآكِلة، وحثَّ القُوى الوسطى على بناء تحالفات قائمة على الشرعية والمرونة والاتّساق بدلًا من الثقة العمياء بالمؤسسات متعدِّدة الأطراف. وأشار كارني إلى أنَّ القيود التجارية تؤثِّر الآن على أكثر من 30% من حجْم التجارة العالمية؛ ما يضطرّ الدول إلى إعطاء الأولوية للاستقلال الإستراتيجي على الالتزامات النظرية بالانفتاح. وقد لاقى هذا الطرح صدى واسعًا في النقاشات حول السيادة وتنويع سلاسل الإمداد والاستقلال التكنولوجي، حيث شدَّد المشاركون على التعاون العملي والتحالفات المؤقَّتة، باعتبارها ردود ضرورية للتقلُّبات الناجمة من واشنطن وبكين. وعلى النقيض من الخطاب المتفائل المرتبط بالعولمة في اجتماعات دافوس السابقة، اتّسمت اللهجة في عام 2026م بالواقعية بشكلٍ واضح؛ ما يعكس إدراكًا مشتركًا بأنَّ القُدرة على التكيُّف، وليس المثالية، أصبحت الثمن من أجل البقاء.
وتداخلت هذه المناقشات مع مشاركة دول الجنوب العالمي، التي أكَّدت حضورها ليست كمستفيدة سلبية من الإصلاحات، بل كقوَّة تصيغ جدول الأعمال. وقد ناقش قادة من أفريقيا وأمريكا اللاتينية وجنوب آسيا علنًا سِجِلْ شمال العالم في تمويل التنمية والالتزامات المناخية والإصلاح المؤسسي، حيث أكَّدوا أنَّ المنتديات العالمية غالبًا ما تُعيد إنتاج سرديات الشمولية، دون تفكيك أوجه عدم المساواة الهيكلية. وسلَّطت المناقشات حول التفكُّك الجيواقتصادي المخاوفَ من أنَّ مكاسب الإنتاجية القائمة على الذكاء الاصطناعي، إلى جانب تعزيز التكتُّلات التجارية، قد تزيد من ترسيخ الفوارق بين الدول وداخلها. كما عكَسَ تموضُع الهند كمستفيد من تنويع سلسلة التوريد، الذي ترتكز فيه على توسيع التصنيع وعدم الانحياز الإستراتيجي، ماهية التحوُّلات في هندسة القوَّة الاقتصادية العالمية. وتكرَّرت الدعوات إلى إجراء تعديلات في النظام متعدِّد الأطراف طوال المنتدى، مع مطالب بمزيد من المرونة في قواعد التجارة العالمية والإدارة المالية؛ للحفاظ على القُدرة على التنبُّؤ في خِضَمْ تصاعُد الضغوط الجيوسياسية. ولم تكُن هذه المطالب مجرَّد خطابات، بل تحوَّلت هذه التدخُّلات إلى مقترحات ملموسة حول تخفيف عبء الديون، ونقْل التكنولوجيا، وأمن الطاقة، والبنية التحتية الرقمية؛ ما يُشير إلى أنَّ الجنوب العالمي لم يعُد على استعداد لقبول الأدوار الهامشية في نظام متعدِّد الأقطاب.
برزت مشاركة المملكة العربية السعودية في «دافوس»، كمثالٍ لافت بشكل خاص على دبلوماسية القوَّة الوسطى المرِنة. ورسَّخت المملكة بقيادة وفد رفيع المستوى مكانتها كقوَّة اقتصادية ووسيط جيوسياسي، في خِضَمْ تحوُّلاتٍ في التحالفات الإقليمية والعالمية. وكان للمسؤولين السعوديين مشاركات بارزة في نقاشات إعادة ترتيب التحالفات في الشرق الأوسط، وإعادة الإعمار بعد الصراعات والتنويع الاقتصادي، مع طرَحَ أجندة طموحة تركِّز على الاستثمار على نطاق واسع في الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية والصناعات الجديدة. وأكَّد إعلان استضافة المملكة العربية السعودية للاجتماع الدولي للمنتدى الاقتصادي الدولي في جدة خلال الفترة 22 و23 أبريل 2026م على قُدرتها المتنامية على الجمع بين الأطراف، وطموحها للعمل كجسر بين القُوى التقليدية والاقتصادات الصاعدة. وناقش ممثِّلو المملكة النزاعات الإقليمية، بما في ذلك الحرب في غزة، داعين إلى إنشاء هياكل أمنية جديدة تدمج التقنيات المتقدِّمة لإدارة حالة عدم الاستقرار مع الحفاظ على النمو الاقتصادي. كما سلَّطت الاجتماعات الثنائية مع شركات التكنولوجيا وصناديق الثروة السيادية الضوء على كيفية استغلال المملكة لهيمنتها في قطاع الطاقة؛ لتشكيل النقاشات حول التحول العالمي في مجال الطاقة. وساهمت جهود المملكة لتجاوز نموذج «الحرب الدائمة » والاستفادة من فرص إعادة الإعمار والاستثمار، في إدخال صيغة براغماتية واضحة في النقاشات، التي غالبًا ما تتّسِم بالاستقطاب الأيديولوجي.
ومع ذلك، لم تُجسِّد أيّ قضية مدى هشاشة النظام الدولي الحالي، بشكلٍ أكثر وضوحًا، من النزاع عبر الأطلسي حول غرينلاند. أثارت تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المتجدِّدة للاستحواذ على غرينلاند، التي أطَّرها على أنَّها ضرورة إستراتيجية مرتبطة بأمن الطاقة والمعادن الحيوية والهيمنة الجيوسياسية، ردودَ فعل عنيفة وقوية من القادة الأوروبيين، خيَّمت على جُلّ محادثات المنتدى. ووُصِف هذا المقترح بأنَّه محاولة للتعامل مع سيادة الدول على أنَّها سِلعة قابلة للتبادل، وأُدين بوصفه انتهاكًا للمعايير الدولية والتضامن داخل التحالف. ومن أجل مواجهة التوتُّرات المتصاعدة، سعى الأمين العام لحلف الناتو مارك روته إلى احتواء تداعيات الأزمة، من خلال إعادة التأكيد، إلى جانب ترامب، على التزام الجماعي لأعضاء «الناتو» بأمن القطب الشمالي والردع، والتأكيد على التنسيق داخل الحلف بدلًا من العمل الأُحادي. ومع ذلك، بالنسبة للعديد من المندوبين الأوروبيين، كانت هذه الحادثة بمثابة جرس إنذار، حيث عزَّزت تصوُّراتهم حول عدم القُدرة على التنبُّؤ بتصرُّفات الولايات المتحدة، وأكَّدت الحاجة لتسريع النقاشات حول الاستقلال الذاتي الإستراتيجي، وتعزيز الدفاع، والقُدرة على الصمود أمام دبلوماسية الإكراه. وفي الوقت الذي قلَّل فيه المسؤولون الأمريكيون سرًّا من احتمالية التصعيد، حيث عرضوا الخطاب على أنَّه وسيلة ضغْط أكثر من كونه تمهيد لاستخدام القوَّة، كشَفَ الجدل عن مخاوف عميقة من عالمٍ أصبحت فيه القوَّة تحدِّد النتائج النهائية. وتفاقمت هذه المخاوف مع وجود الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في «دافوس»، حيث حذَّر من أنَّ الحرب الروسية في أوكرانيا لا تزال اختبارًا مركزيًا لعزم الغرب ومصداقيته، وربَطَ ما بين التوتُّرات في القطب الشمالي وأمن أوروبا الشرقية وتآكُل أوسع للقيود المفروضة على استخدام السُلطة. وهكذا أصبحت الموارد الإستراتيجية لغرينلاند ضرورة لعمليات التحوُّل في مجال الطاقة، ورمزًا لنظام عالمي تهيمن فيه الجغرافيا السياسية بشكلٍ مطّرِد على الاقتصاد؛ ما يجبر الدول على إعادة تقييم تحالفاتها وافتراضاتها في منطقة القطب الشمالي وما وراءه.
يجسِّد منتدى دافوس 2026م صورة مصغَّرة لعالم يقِف على مفترق طُرُق، حيث تتكتَّل القُوى الوسطى حول إستراتيجيات الصمود، ويطالب الجنوب العالمي بالمساواة والنفوذ، وتقِف المملكة العربية السعودية مثالًا للدبلوماسية المرِنة والحازمة، وتسلِّط الضغوط عبر الأطلسي على غرينلاند الضوء على أُفول النظام أُحادي القطب، الذي كان مستقرًّا في السابق. على الرغم أنَّ الحوار لا يزال ضروريًا، فإنَّ الأوهام بشأن العودة إلى عولمة منسجمة تكاد تكون قد تلاشت. وبدلًا من ذلك، سادت أجواء من المنافسة المنضبطة، والتعاون الانتقائي، والائتلافات القائمة على إدراك واقعي للقوَّة. وفي هذا السياق، وجَدَ قادة قطاع الذكاء الاصطناعي بوصفه «حارسًا جديدًا» للنفوذ العالمي، أنَّه يرتبط ارتباطًا وثيقًا بإمكانية الوصول إلى الطاقة منخفضة التكلفة والدعم الحكومي؛ ما أثار مخاوف من اتّساع أوجه عدم المساواة. وفي الوقت نفسه، أسهَمَ تزايُد الوعي بتداعيات اللامساواة على استقرار الرأسمالية ذاتها في فتْح نقاشات حول إعادة التوزيع والإصلاح. وبعد مغادرة الوفود جبال الألب المغطَّاة بالثلوج، ترَكَ منتدى دافوس خلفه رسالة واضحة؛ في عالم مفكَّك لن يُعاد بناء الثقة فيه من خلال المُثُل العليا وحدها، بل من خلال تحالفاتٍ مرِنة قادرة على الصمود، تعكس الديناميكيات الأساسية للقوَّة، التي تشكِّل معالم القرن الحادي والعشرين.