في 22 يناير، صادَقَ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رسميًا في سويسرا على ميثاق «مجلس السلام»، وعلى خلاف قرار مجلس الأمن رقم 2803، الذي أقـرَّ «خطَّة ترامب» الشاملة لإعادة إعمار غزة ووافق على إنشاء المجلس، يركِّز الميثاق على أجندة عالمية لتسوية النزاعات، متجاهلًا الإشارة المباشرة إلى الأراضي الفلسطينية، ومن غير موافقة الأُمم المتحدة. ومع ذلك، انضمَّت 22 دولة، من بينها السعودية وتركيا ومصر والأردن والإمارات وقطر وباكستان وإندونيسيا، إلى عضوية المجلس التأسيسية، في حين برَزَ غياب دول بارزة، مثل بريطانيا وفرنسا والصين وألمانيا وكندا.
وخلال كشفه عن المرحلة الثانية من خطَّته للسلام في غزة، عرَضَ ترامب هيكلًا إداريًا مفصَّلًا من أربع طبقات، غاب الفلسطينيون عن الطبقات الثلاث العُليا فيه، واقتصر تمثيلهم على «لجنة تكنوقراطية» تُعنَى بالشؤون البلدية.
وقبل التعمُّق أكثر في مجلس السلام، لا بُدَّ من التوقُّف عند قرار مجلس الأمن رقم 2803، الذي أُقِرَّ من دون معارضة، مع امتناع الصين وروسيا عن التصويت. يخوِّل القرار إنشاء المجلس؛ إذ «يرحب بإنشاء مجلس السلام كإدارة انتقالية ذات شخصية قانونية دولية، ستضع الإطار، وتنسِّق تمويل إعادة إعمار غزة، وفقًا للخطَّة الشاملة، وبما يتّسِق مع مبادئ القانون الدولي ذات الصلة».
وبناءً على ذلك، فإنَّ المجلس هو -أو يُفترَض أن يكون- هيئة تابعة لمجلس الأمن، وليس مجلسًا خاصًّا أو شركةً أو كيانًا استثماريًا. ومن منظور مجلس الأمن، يُعَدُّ مجلس السلام إدارةً انتقالية إلى حين تولِّي سُلطة فلسطينية مُعادٌ تشكيلها إدارةَ غزة. غير أنَّ القرار لم يحدِّد تفاصيل المجلس، ولا قيادته، ولا نطاق صلاحياته. لذلك، فإنَّ الميثاق، الذي كُشِف عنه في «دافوس»، لا يرِد ذكره في القرار الأُممي، كما أنَّ هيكله التنظيمي وتوزيع السُلطات فيه غريب إلى حدّ إثارة الجدل.
وينُصّ الميثاق على ثلاثة أجهزة رئيسية لإدارة المجلس: الدول الأعضاء، والمجلس التنفيذي، والرئيس. ويتكوَّن المجلس من دول أعضاء، غير أنَّ مجلسه التنفيذي يضُمّ أفرادًا يعملون بصفتهم الشخصية، لا كممثِّلين لحكوماتهم أو شركاتهم أو مؤسساتهم، باستثناء رئيس البنك الدولي.
وتتمثَّل السِمة الأبرز للميثاق في منحه ترامب سُلطة تعيين خليفته من دون موافقة الدول الأعضاء؛ ما يجعل الكيان عمليًا ملكية فردية له. كما لا يشترط أن يكون رئيس المجلس رئيس دولة، إذ يمكن لترامب أن يرشِّح خلفًا له حتى لو كان مواطنًا عاديًا.
وفي المقابل، تنُصّ المادَّة 2.2 على أن تُمثَّل كل دولة عضو برئيسها أو رئيس حكومتها، بحيث لا يجوز التمثيل إلا للرؤساء أو رؤساء الوزراء. وهذا يعني أنَّ الرئيس الأمريكي المقبل، مهما كان انتماؤه الحزبي، سيعمل تحت سُلطة ترامب بصفته رئيسًا للمجلس. وإذا لم يرغب في ذلك، يمكن للولايات المتحدة الانسحاب فورًا عبر إخطار خطِّي للرئيس. وعلى خلاف الأعراف المُعتمَدة في الأُمم المتحدة والمنظَّمات متعدِّدة الأطراف، تمنح المادَّة الثامنة الرئيس (ترامب) سُلطة رفْض أيّ تعديلات، حتى لو أُقِرَّت بالإجماع، فضلًا عن امتلاكه السُلطة الحصرية لتفسير الميثاق وحلّ المجلس متى رأى ذلك ضروريًا أو مناسبًا.
ويترأس الرئيس الأمريكي السابع والأربعون المجلس التنفيذي، الذي يضُمّ في غالبيته شخصيات مقرَّبة من إسرائيل ومتمركزة في الولايات المتحدة، من بينهم صهره وملياردير بارز، في ظل غيابٍ شبه تام لتمثيل العالم الإسلامي.
كما يمنحُ الميثاق الرئيس الأمريكي الحالي صلاحية اختيار أعضاء المجلس التنفيذي، وفق معيار فضفاض يتمثَّل في كونهم «قادة ذوي مكانة عالمية»، من دون اشتراط موافقة الدول الأعضاء. وقد اُختير رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير لرئاسة المجلس التنفيذي لمدَّة عامين، بقرارٍ مباشر من الرئيس الأمريكي. ولا يخضع هذا الجهاز التنفيذي، المؤَّلف من شخصيات غير مُنتخَبة، للمساءلة أمام الدول الأعضاء، بل أمام الرئيس وحده.
وعلى الرغم من تصنيف مجلس السلام بوصفه «اتفاقًا تنفيذيًا» ضمن صلاحيات البيت الأبيض في السياسة الخارجية، فإنَّ دوره كهيئة دولية يقتضي موافقة الكونغرس.
ومن بين 193 دولة عضوًا في الأُمم المتحدة، وجَّه رئيس المجلس الدعوة إلى 62 دولة فقط، ولم يحصل حتى الآن سوى على موافقة 25 دولة. وتشمل الدول الأعضاء الحالية دولًا إسلاميةً مؤثِّرةً وغنية، وذات ثِقَل عسكري. وبينما لا يزال الوضع القانوني للمجلس غامضًا بعد الكشف عن ميثاقه، فإنَّ التحاق الدول الإسلامية الكُبرى له يعكس تكتيكًا جيوسياسيًا يهدف إلى إبقاء القضية الفلسطينية على أجندة ترامب، وكبْح جماح عُنف إسرائيل عبر الوسائل الدبلوماسية. وفي المقابل، لا تبدو تل أبيب منزعجةً ولا متحمِّسة، فيما يواصل جيشها هجماته على الفلسطينيين في مخيّمات اللاجئين، متجاهلًا خطَّة وقْف إطلاق النار.
ومن جانبها، لا تنوي دولٌ إسلامية مثل السعودية وباكستان وإندونيسيا الانضمام إلى «اتفاقيات أبراهام». وقد أعلنت وزارة الخارجية السعودية أنَّ توقيع الوثيقة يعكس التزامَ المملكة بدعم مهمَّة مجلس السلام، بوصفه إدارةً انتقالية لإنهاء الصراع في قطاع غزة، كما نصَّ عليه قرار مجلس الأمن رقم 2803. الجدير بالذكر هُنا أنَّ الرياض تشترط للانضمام إلى الاتفاقيات إقامةَ دولة فلسطينية مستقلَّة.
ومن جانبه، قال المتحدِّث باسم وزارة الخارجية الباكستانية: «الانضمام إلى مجلس السلام لا يعني أنَّ باكستان ستكون جزءًا من الاتفاقيات الإبراهيمية. باكستان لن تنضم إلى هذه الاتفاقيات، والانضمام إلى المجلس لا يعني انضمامها إلى التحالف الإسرائيلي».
وأكَّد الأمين العام للأُمم المتحدة أنطونيو غوتيريش مركزيةَ دور مجلس الأمن في قضايا السلام، قائلًا: «لن تُحَلّ المشكلات العالمية بقوَّة واحدة تُملي قراراتها، ولن تُحَلَّ أيضًا بقوَّتين تقسِّمان العالم إلى مناطق نفوذ متنافسة».
وفي الوقت الذي تعمل فيه واشنطن على هندسة مجلس السلام، قامت بسحب تمويل بقيمة ملياري دولار، إضافةً إلى انسحابها من عدَّة منظَّمات تابعة للأُمم المتحدة. وفي هذا الصدد، يحذِّر غوتيريش قائلًا: «إمّا أن تفي جميع الدول الأعضاء بالتزاماتها المالية كاملة، وفي الوقت المحدَّد، أو لا بُـدَّ من إصلاح جذري لقواعدنا المالية؛ لتفادي انهيار وشيك». وعلى الرغم من غموض وضْع المجلس، وبِنيته المثيرة للجدل، والانتهاكات الإسرائيلية لوقف إطلاق النار، فإنَّ الدول الإسلامية المنضوية فيه تُعبِّر عن استعدادها لبذل أقصى الجهود من أجل تحقيق السلام في الشرق الأوسط. وقد راهنت هذه الدول على طموح ترامب في حلّ أكثر النزاعات تعقيدًا ومرارة، بيْد أنَّ القيادة الإسرائيلية اليمينية المتطرِّفة لا تزال متشدِّدةً وعدوانية، ناهيك عن أنَّ الصبر الإستراتيجي للأعضاء المسلمين المؤثِّرين في المجلس ليس بلا حدود.