رسائل روبيو  في ميونخ والخيارات الأوروبية الصعبة

https://rasanah-iiis.org/?p=38720

بواسطةRasanah

صيغت كلمة وزير الخارجية الأمريكي، مارك روبيو، في مؤتمر ميونخ للأمن في الـ14 من فبراير 2026 بلغةٍ إستراتيجية وبحمولاتٍ تاريخيةٍ مقصودة بهدف إيصال رسالةٍ واضحة تعكس ما تطلبه الولايات المتحدة تحديدًا من الأوروبيين. ورغم أنّ روبيو غلّف خطابه بلغةٍ دبلوماسيةٍ هادئة، واستقبله الأوروبيون بترحيبٍ لا سيما أنها  لغة لم يعتادوا سماعها منذ وصول الرئيس دونالد ترمب إلى السلطة، لكن البعض يعتقد أنّ ثمة تغييرٍ في نهج واشنطن تجاه الأطلسي، إضافةً إلى أنّ مضمون الخطاب لم يشر مطلقًا إلى أي تراجعٍ أمريكي عن المواقف المتشددة الكامنة خلف الأجندة الأمريكية نفسها التي تضغط على الأوربيين، وتحثهم على مواكبة سياسة ترمب والمضي قدمًا خلف توجهاته.

أولًا: مطالب أمريكية ملّحة

بدايةً، أكد خطاب روبيو على جوهر السياسة الأمريكية الجديدة التي لا ترى مصلحتها في «النظام الدولي القائم على القواعد»، ولا قواعد التجارة الحرة، ولا العولمة ولا سياسات المناخ، بل تعتقد أنّ هذه المنجزات تصورات ساذجة أضرت بمكانة الولايات المتحدة لصالح قوى منافسة، وأنّ واشنطن أخذت على عاتقها مهمة إصلاح هذا الضرر وإعادة بنائه. وهنا تأتي رسالة روبيو الأولى للأوروبيين ومضمونها أنّ عليكم أن تكونوا خلف واشنطن في هذه المهمة. فوفقًا لروبيو: «لم يعد بوسعنا أن نضع ما يُسمى بالنظام العالمي فوق المصالح الحيوية لشعوبنا وأوطاننا.. لا بد من إصلاحها وإعادة بنائها».

في هذا المسار خَيّر روبيو الأوربيين بين التكيف مع السياسة الأمريكية ورؤيتها العالمية أو تخلي واشنطن عن حلفائها عبر الأطلسي. بمعنى آخر إما أن تكونوا معنا ووفق شروطنا وقواعدنا الجديدة أو أنّ واشنطن سوف تتحرك بمفردها، وهذا ما عبر عنه بقوله «نحن مستعدون لتولي هذه المهمة وحدنا، إلا أننا نفضِّل ونأمل أن نتولاها معكم».

لم تقتصر رسالة روبيو على مطالبة الأوروبيين بضرورة التكيف على الصعيد الإستراتيجي، بل التكيف مع ما تراه واشنطن صحيحًا على المستوى القيمي، بما في ذلك القيم الدينية المستندة إلى المسيحية، والتراث الثقافي المشترك. وفي هذا الصدد قال روبيو: «إنّ المستقبل يتوقف على تمسكنا بإرثنا بثقة، واعتزازنا بهذا الميراث المشترك، حتى نتمكن معًا من الشروع في تصور وصياغة مستقبلنا الاقتصادي والسياسي». وفي اتجاهٍ مغاير لما تتبناه أوروبا من سياساتٍ تخص مستقبلها، أكد روبيو على ضرورة انسجام الأوروبيين مع السياسات التي تتبناها الولايات المتحدة فيما يخص المناخ والهجرة، وهي رسالةٌ تؤكد رغبةً أمريكيةً في التدخل في السياسة الداخلية الأوروبية لتواكب سياسة واشنطن حتى على المستوى المحلي.

  الأخطر، هو ما تجاهله روبيو في خطابه من تحدياتٍ تُعدُّ بمثابة تهديدٍ للأمن والاستقرار في أوروبا، وفي مقدمة هذه التحديات التهديد الروسي، وحربها على أوكرانيا التي وضعت أمن القارة أمام تحدٍ إستراتيجي وجيوسياسي غير مسبوق منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وكأن الأمريكيين يضغطون على الأوروبيين بهذه الورقة، أو أن روبيو يقول للأوروبيين إنّ هذ المسألة تخصكم، إما أن تقفوا خلف واشنطن وخطتها للسلام في أوكرانيا، والتي يراها الأوروبيون خطةً للرضوخ تشجع روسيا لا تردعها، أو تواجهوا معركتكم بأنفسكم.

كما تجاهل وزير الخارجية الأمريكي أي إشارةٍ إلى حلف الناتو، في مؤشرٍ إلى أنّ واشنطن لا تتطلع إلى إعادة تقاسم النفقات الدفاعية والأدوار الأمنية مع الأوروبيين وحسب، بل إنها قد لا ترى أهميةً للحلف في إطار إستراتيجيتها وأولوياتها على الساحة الدولية، وهي رسالةٌ يمكن تأكيدها من تراجع مكانة أوروبا في إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي التي أصدرها ترمب قبل أسابيع.  

ثانيًا: استجابة أوروبية صعبة

رغم أنّ خطاب روبيو خفف من وطأة التوتر المتوقع في مؤتمر ميونخ، لكن مضمون الخطاب يؤكد أنّ ثمة خلاف عميق وفجوة عبر الأطلسي، وأنّ هناك صعوبة في قبول الأوروبيين إملاءات ترمب، وذلك لأسباب عديدة، ربما منها وجود فجوة قيمية بالأساس مع إدارة ترمب وما تمثله من أفكارٍ مستمدة من حركة «ماغا»، التي لا يرى الأوروبيون أن توجهاتها ومبادئها ملزمة لهم، وهذا ما عبّر عنه المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، بتحذيره بشأن النزعة الأحادية الأمريكية، وبقوله في الخطاب الافتتاحي للمؤتمر بأن «الحرب الثقافية لحركة ماغا ليست حربنا».

من جهةٍ أخرى، ينظر الأوروبيون إلى أنّ الانجرار خلف ما تراه واشنطن على المستوى القيمي هو ردة حضارية، تعيد إحياء التمييز على أساس العرق والدين والثقافة، وإثارة النزعات القومية التي أغرقت القارة قديمًا في حالةٍ من الفوضى، ومن ثم فإنه من الصعب قبول هذه المطالب التي حاول روبيو أن يمررها لحلفاء واشنطن بهدوء، إذ إنّ أوروبا طوت هذه الصفحة، وترسخت فيها قيم الديمقراطية والتعددية والتكامل وحقوق الإنسان، وربما يقود التراجع عنها نحو نهجٍ قومي متشدد إلى عواقب وخيمة على أمن القارة ورفاهيتها واستقرار دولها.

إضافةً إلى ذلك يبدو أنّ أوروبا ليست مدعوة وحسب لتكييف قيمها مع واشنطن، بل لدعم نهجٍ إمبراطوري جديد يسعى خلف التوسع، والتخلي عن «النظام القائم على القواعد» باعتبار الالتزام به حماقة كما قال روبيو، وتأسيس قرنٍ جديدٍ تقوده أمريكا، ومن الصعب أن تقبل أوروبا هذه النزعة، التي على ما يبدو أنها ستكون أول ضحاياها، هي وأعضاء التحالف الغربي، وهو ما ظهر في مطالب إدارة ترمب بضم غرينلاند، وكندا، والتخلي عن الناتو، والتغاضي عن التهديدات الروسية للأمن الأوروبي.

الأهم من ذلك أنّ هناك ثمة وجهات نظر ومواقف متباينة حول التهديدات المشتركة، خصوصًا التهديدات التي تواجهها أوروبا في ظل النزعة الجيوسياسية الجديدة لروسيا، ومن ثم لم تعد تقتصر الفجوة على الجوانب القيمية بل تهديد السيادة الإقليمية، وعدم الاستعداد الأمريكي لتحمل أي تكلفةٍ في الدفاع عن حلفائها، بل بدا أنّ لديها الاستعداد للضغط عليهم لتقديم تنازلاتٍ لخصومهم ناهيك عن الأطماع الإقليمية للولايات المتحدة نفسها في أوروبا.

ثالثًا: خيارات صعبة

نجحت أوروبا في تفادي السياسة القسرية لترمب خلال ولايته الأولى من خلال سياسة النفَس الطويل ومحاولة كسب الوقت حتى تمرير ولايته، وقد كانت عودة الديمقراطيين للسلطة كفيلة بإعادة العلاقات عبر الأطلسي إلى طبيعتها دون أضرار كبرى، وهذا ما راهن عليه البعض مع عودة ترمب مجددًا للبيت الأبيض، لكن في الحقيقة واجه الأوروبيون صعوباتٍ في متابعة السياسة القديمة، في ظل إصرار ترمب على سرعة تنفيذ أجنداته، والأضرار التي قد تخلفها سياساته دون قدرة على إصلاحها في المستقبل كضم غرينلاند أو مساعدة روسيا في الحصول على مكاسب إقليمية في أوكرانيا، ناهيك عن التنازلات الأخرى، التي قد يصعب على رئيس أو إدارة قادمة التراجع عنها.

 مع ذلك، قد يتجه الأوروبيون نحو التهدئة على خلفية خطاب روبيو، باعتباره خيارًا سهلًا وتأجيلًا للأزمة، وضمن ذلك يمكن لبعض الدول التراجع عن توجهاتها شرقًا، وقد توجهت بالفعل لعقد اتفاقياتٍ مع الصين والهند على خلفية التصعيد الأمريكي بشأن ضم غرينلاند خلال الأسابيع الأخيرة. لكن هذه التهدئة لن تكون سوى مسكّنًا وليس علاجًا جذريًا لجوهر الأزمة، إذ إنّ الخلافات عميقة، والمطالب الأمريكية متسلطة ومجحفة، ولا يبدو أنّ مناوراتهم بما في ذلك التلويح الأوروبي بالتعاون مع الصين والهند كافية لإقناع الولايات المتحدة بالتراجع عن مطالبها، ومن ثم فإنّ خيار التهدئة غير مستدام، وهو بالأساس لا يلبي تطلعات واشنطن العاجلة، ولا يضمن للأوروبيين العودة الأمريكية لممارسة سياسة أشد صرامة.

والواقع أنّ وضع الولايات المتحدة الأوروبيين أمام خياراتٍ حدية «إما أن تكونوا معنا أو سنمضي وحدنا»، وذلك في معركة الولايات المتحدة لإعادة صياغة النظام والقواعد الدولية وقواعد التجارة العالمية والقيم بما يتناسب مع رؤيتها، وبما يضمن لها التفوق والهيمنة، قد يدفع الأوروبيين إلى التكيف مع سياسة واشنطن، ومواءمة سياستها مع إدارة ترمب خصوصًا على الصعيد الإستراتيجي. وتفيد الخبرة التاريخية منذ الحرب العالمية الأولى والثانية، بأن الأوربيين غير قادرين على مواجهة خصومهم أو الدفاع عن مصالحهم بدون واشنطن، وأنّ كل محاولاتهم لفك الارتباط والاعتماد على الذات قد باءت بالفشل، وأنهم قد يرون أنّ مصلحتهم تتحقق في مواكبة هذا النهج الأمريكي الذي يسعى إلى تحقيق سيادة الغرب وهيمنته على العالم.

مع ذلك، يبقى احتمال الرهان على الاستقلال الإستراتيجي الأوروبي واردًا، مع مساعي لتنويع الشراكات، والحد من الاعتماد الكامل على واشنطن في القضايا الدفاعية على وجه الخصوص، ربما يعزّز ذلك أنّ قوى أوروبية رئيسية تقود هذا التوجه منذ فترة كفرنسا وألمانيا، وقد تنضم لهما بريطانيا التي أصبحت تواجه هي الأخرى سياسة الإكراه الأمريكي على الصعيدين الإستراتيجي والاقتصادي، ناهيك عن أن قوى أوروبية لديها امتعاض من موقف إدارة ترمب من الحرب الروسية على أوكرانيا، بل بات لديها شكوك في مظلة الحماية الأمريكية بعدما بدا أنّ واشنطن قد تتخلى عن الناتو.

خلاصة:    قدَّم روبيو من على منصة ميونخ، عرضًا للأوروبيين بأن يواكبوا سياسة الولايات المتحدة وتطلعاتها الإمبراطورية، أو أن تتركهم واشنطن ليواجهوا مصيرهم، ومن ثم فإنّ خطابه لا يتزحزح مضمونًا عن أجندة «أمريكا أولًا» التي تدفع بها حركة «ماغا» ويتبناها ترمب وإدارته، والحقيقة أنّ أوروبا لديها شكوك تتعلق بموقعها في هذا المشروع القومي الأمريكي، لكنها في الوقت نفسه لا تمتلك القوة والقدرة الكافية على فك الارتباط وتحقيق الاستقلال الإستراتيجي، ومن ثم فإنها مضطرة إلى مواكبته وربما التكيف معه، سيما أنّ واشنطن لديها أوراق يمكن من خلالها أن تفرض على الأوروبيين سياساتها، وحتى التعويل على رحيل ترمب وقدوم إدارة جديدة، لا يمنع من القول بأنّ سياسة الديمقراطيين والجمهوريين هي وجهان لعملة واحدة، وما يأخذه الجمهوريون بالإكراه، يفرضه الديمقراطيون بحكم الأمر الواقع.

Rasanah
Rasanah
Editorial Team